تجاوز إلى المحتوى

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي» لأبي المرشد المعري (ت ٤٩٣هـ)

حرف الدال

ومن التي أولها:

عَواذِلُ ذَاتِ الخالِ فِيَّ حَوَاسِدُ

يَرُدُّ يَداً عَنْ ثَوبِها وَهو قادِرٌوَيَعصِي الهَوَى في طَيفِها وَهو راقدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

قال أبو الفتح: لو أمكنه في موضع قادر يقظان لكان حسنا، فلما لم يجد إليه سبيلا شحا على الوزن جاء بلفظ كأنه مقلوب راقد، وهو قادر، ليصرف اللفظان من التجانس على أن في البيت شيئا وهو أن الراقد قادرا أيضا، لأنه لا يتحرك في نومه ويصيح، ولكن لما كان ذلك عن غير قصد وإرادة صار كأنه غير قادر ومعنى البيت لأنه يعصي الهوى في منازعته إياها راقدا ويقظان يصف نفسه بالنزاهة.

متى يَشتَفي من لاعِجِ الشَّوقِ في الحَشَىمُحِبٌ لَها في قُربِهِ مُتباعِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

قال ابن جني: يقول تشتفي مما بك، وأنت كلما قدرت عليها امتنعت منها، ولاعج الشوق أشد حرقة.

تَثَنَّى على قَدرِ الطّعِانِ كأنَّمامفَاثِلُها تحتَ الرّماحِ مَرَاوِدُ
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «بنفسي هيفاء المعاطف ناهد»

قال أبو العلاء: يريد أنها كالتي تعلم ما يراد منها، فهي تتقي الطعن كما يتقيه الفارس، وهذه من الدعوى المستحيلة، ويجوز أن يريد أنها تطيعه إذا ثناها بجهة من خوف الطعن، وشبه مفاصل الفرس بالمراود لأن المرود من شأنه أن ديور ويتصرف وهو من راد يريد إذا ذهب وجاء.

قال ابن فورجة: ما غرض الشيخ أبو الفتح لنفسه هذا البيت، وقد ذكر القاضي أبو الحسن أنه من الشعر الذي لا عيب فيه وزعم أنه مقلوب. وإنما يصح المعنى لو قال كأنما الرماح تحت مفاصلها مراود. وشبه هذا بقولهم: طلع الجوزاء وأنتصب العود على الحرباء. وقول الشاعر: كأنَّنا رعنُ قفٍ يَرفع الآلا وعنده أن المراود جمع مرود ميل المكحلة. وعندي أن المراود في هذا البيت هو المسمار الذي فيه حلقة يدور فيه. لفظة أظنها مولدة، وقد استعملها بعض المحدثين ممن تأخر عن أبي الطيب إلا أنه جود ما شاء هو.

ألِميّ بعَرافِ النَقا وتَيمَّنِيمَهبَ النَعامَى واجعَليِ الليل مروَدَا

ألا ترى أنه لا يصح معنى هذا البيت، إلا أن يكون المرود تدور حلقته كيف ما أديرت، يريد لين انعطافه في الميدان وعند الطراد، وليس يريد كون الرمح في مفاصلها إذا طعنت، ولو كان أراد ذلك لما قال تحت الرماح لأن المفاصل إذا طعنت حصل الرمح فيها وحصل بعض المفاصل وبعضها تحتها فلا معنى إذا لقوله تحت الرماح. والمعنى الذي ذهب إليه القاضي أبو الحسن غير حسن ولا غريب، يريد كأن الرماح في مفاصله أميال الكحل، يفعل الميل فيها فعل الميل في العين. وهذا رديء ممتنع بشيء آخر، وهو أنه خص المفاصل وليس كل الطعن في المفاصل وليست هي أيضا بمقاتل فلا معنى لتخصيصها، وكان الأولى لو أراد ذلك أن يقول: فرائصها تحت الرماح أو جواشنها، أما الفرائص فأنها مقاتل وأما الجواشن فلأنها مستقبلة العدو، ويمتنع أيضا ما ذهب إليه لقوله) تثنى على قدر الطعان (فإذا كانت الرماح في مفاصلها كالأميال في الجفون فما حاجته إلى تثنيها، وما الحاجة إلى قوله على قدر الطعان وإنما يقول تثني في الطعان أن كان على بعد منها أو على قرب، فأن التثني مع قرب الطعنة ممتنع جدا، وليس كل الخيل تفعل ذلك ألا ترى إلى قول القائل يصف فرسا:

تُنَكَسهُمْ والسَّابِقاتُ جِبالُهُمْوَتَطعُنُ فِيهم والرّماحُ المَكايِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

قال ابن جني: جعل الجبال كالخيل، وتنكسه إياهم عنها إنزالهم من الجبال للقتل والأسر، وتقيم مكايده إياهم مقام الرماح التي تطعنهم.

وَمِنْ شَرَفِ الإقدامِ أنَّكَ فِيهُمُعلى القَتلِ مَومُوقٌ كَأنَّكَ شاكِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

قال أبو العلاء: الشاكد المعطي من غير مسألة. وقيل هو الذي يعطي ولا يريد عوضا. وادعى لسيف الدولة أن الروم تمقته مع ما يفعل بهم من القتل والأسر وذلك من الدعوى الباطلة.

وقال الأحسائي: يقول أن من فضل الإقدام وشرفه أن الشجاع محمود عند أعدائه، وأنه إذا قتل كبيرا منهم لم يكن هجنة على قومه بل يفتخرون فيقولون ما قتله إلا شجاع، ولولا شجاعته ما بارزه ووافقه وأن المنهزم منك المروع يكثر مدحك وغرضه إقامته العذر في هزيمته منك.

وأنت أبو الهَيجا بنُ حَمدانَ يا أبنَهُتشابَهَ مَولُودٌ كَريمٌ وَوالِدُ
وحَمدانُ حُمدونُ حارِثٌوحارِثُ لُقمانُ وَلُقمانُ رَاشِدُ

قال أبو العلاء: اتفق له في هذين البيتين ما لم يتفق لغيره من تشبيه الممدوح بأبيه، وتشبيه أبيه بجده، ثم كذلك حتى استوفى سبعة في النسب وعشرة في المقابلة، وحمدون اسم لم يتسم به العرب في القديم، وقل ما بنوا اسما على فعلون، وقد ذهب قوم إلى أن زيتون فعلون وقد ذكر فيما أغفله سيبويه من الأبنية وكان الزجاج يذهب إلى أنه جمع سلامة لزيت ومثل هذا يبعد.

قال أبو علي ابن فورجة: هذا المعنى من أحسن معاني أبيات هذه القصيدة، والبيتان من جياد أبياتها، وما لأحد من الشعراء قصيدة على هذا الوزن إلا وهذه أجود منها، وقد تهزأ منه الصاحب أبو القاسم فقال ولم ننفك مستحسنين لجميع الأسامي في الشعر كقول الشاعر:

إن يقتُلوكَ فقد ثَلَلتَ عُرُوشَهُمْبعُتَيبَةَ بنِ الحارِثِ بنِ شِهابِ

وقوله الآخر: عِياذَ بن أسماء بن زيدِ بنِ قَاربِ واحتذى هذا الفاضل على طرقهم، فقال وأنت أبو الهيجاء البيتين وهذه من الحكمة التي ذكرها أرسطاطاليس وأفلاطون لهذا الخلف الصالح، وليس على حسن الاستنباط قياس هذا كلامه. فليت شعري مم العجب؟ من استقباحه ما هو أحسن شعره؟ أم من تهزئه الذي لا يليق بما نحن بصدده؟ أم من ظنه أنه إذا تهزأ توهم الناس فيه أنه يعلم ما ليس يعلمونه، ولقد جود أبو الطيب حيث يقول:

وكمْ مِنْ عائِبٍ قَولاً صَحيحاًوَأفَتُهُ منَ الفَهمِ السَّقيمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا غامرت في شرف مروم»

ويقول:

وَمَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍ مَريضٍيَجِدْ مُرّاً بِه الماءَ الزُّلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

أما سبك البيت فأحسن سبك، يريد أنك تشبه أباك، وأبوك كان يشبه أباه، وأبوه كان يشبه أباه، فأنت أبوك إذ كان فيك أخلاقه، وأبوك أبوه إلى آخر الآباء فليت شعري ما الذي استقبحه؟ وقد جاراني بعض أهل العلم في هذا البيت فقال استقبح قوله) حمدان حمدون وحمدون حارث (وليس في حمدان ما يستقبح من حيث اللفظ ولا المعنى، ولنسلم له أن حمدان وحمدونا لفظتان مستهجنتان، فكيف يصنع والرجل أسمه هذا وهل يستعير له أبا غير أبيه أم هل يسميه بلفظة حسنة يخترعها؟ ولقد كان الذنب في ذلك للآباء لا للمتنبي. وقد قال أبو بكر محمد بن دريد الأزدري في بعض قصائده:

وَقيسُ بن عَمرو بنِ العُبيد بن ضَاطرٍأناخ على ساسٍ مَسيراً فَجعجعَا

وقال في أخرى:

وقيسُ بنُ مَسعودٍ بن قَيس بن خالدٍوعمرو بنُ كلثومٍ شهاب الأراقمِ

فما الذي غض من قوله ضاطر، واسم الرجل ضاطر وهل أقبح منه؟.

وأما قوله هذه من الحكمة التي ذكرها أرسطاطاليس وأفلاطون، فلا يقاس به كلام. أترى من باب الفلسفة أن يقال فلان مثل أبيه في الشبه؟ أم هو من المعاني الغامضة التي لا يفهمها إلا الفلاسفة؟ سبحان من سخر له هذا الكلام وما كنا له مقرنين!.

ومن التي أولها: ما سَدِكَتْ عِلَّةُ بِمَورُودِ

تَحمِلُ أغمادُها الفِداءَ لَهُمْفانتَقَدُوا الضَّربَ كالأخادِيدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

قال أبو العلاء: يريد أنه وعدهم المال فأقام الخيل التي له ناصرة مقام الأموال. فانتقدوا ضربا كالأخاديد، أي جعلوا ذلك كنقد المال، وهذا على سبيل الهزء.

ومن التي أولها: لكُلِّ أمرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَعَوَّدَا

سَرَيتَ إلى جَيحانَ من أرضِ آمِدٍثَلاثاً لقَد أدناكَ رَكضٌ وأبعَدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال ابن فورجة: لم يفسر الشيخ أبو الفتح هذا البيت تفسيرا شافيا، وهذا كلامه قال: جيحان نهر، أي أدناك سيرك من النهر وأبعدك من آمد، وهذا. أيدك الله كلام غير مفيد. إذ كان من سار من موضع إلى موضع آخر فقد أدناه ركضه من مقصده وأبعده من حيث انفصل عنه. ولو سار غلوة أو فرسخا، فما وجه المدح في هذا؟ إذا تأولناه على ما تأوله الشيخ أبو الفتح وما فائدة البيت؟ ووجه تأويله عندي ما أقول، وذلك أن جيحان من آمد على مسافة بعيدة قد علم ذلك بقوله:) سريت إلى جيحان من أرض آمد (وهذه مسافة لا يصل فيها أحد بمسرى ثلاث ليال، ولو أن قائلا قال سريت إلى الكوفة من بغداد. لفهم عنه أنه وصل إلى الكوفة إذ سرى إليها من بغداد، ويجوز أن يفهم عنه أنه سرى إلى الكوفة ولم يصل إليها، ولكن الكلام يدل بعضه على بعض، ولا سيما ومن عادة العرب الاختصار والاقتصار، فنحن نفهم من قول أبي الطيب) سريت إلى جيحان من أرض آمد (أنك وصلت إلى هذا النهر من آمد في ثلاث ليال، ليصح معنى تعجبه) لقد أدناك ركض وأبعد (وقوله ثلاثا يريد في ثلاث فلما حذف حرف الجر نصب وأعمل فيه سريت.

هَنيئاً لكَ العيدُ الذي عيدُهوعيدٌ لمنَ سمي وضَحَّى وَعَيَّدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال أبو العلاء: ينتصب) هنيئا (عند قوم على مذهب قولهم: ثبت لك هنيئا، وقيل بل هو اسم موضع المصدر، كأنه قال: هناك هنيئا، لأنهم ربما وضعوا أسم الفاعل في هذا الموضع، كما قلت بعض نساء العرب وهي ترقص أبنها:

قُمْ قائِماً قُم قائماًلَقيتَ عَبداً نائماً

تريد: قياما.

والعيد مأخوذ من عاد يعود، وقالوا فيه معه أعياد، كراهة أن يقولوا أعواد بجمع العود، وقولهم عيد الأضحى يريدون جمع أضحاة، كما يقال أرطاة وأرطى وفيه أربع لغات أضحية وأضحية وضحية وأضحاة، ويقال في جمع ضحية ضحايا، وفي جمع أضحية وإضحية أضاحي، وإنما قيل أضحية لأنها تذبح إذا أضحى النهار.

وقال أبو علي: تكلم على العيد الشيخ أبو الفتح بكلام من باب التصريف، وأعرض عن معنى البيت. وقوله: أنت عيده يريد تحل له أنت محل العيد في القلوب إذ كان العيد مما يفرح له الناس وكذلك العيد يفرح بوصوله إليك. كما قال في مكان آخر:

جاءَ نَورُوزُنا وأنتَ مُرادُهْوَوَرَتْ بالَذِي أرَادَ زِنادُهْ

وقوله لمن سمى يريد ذكر أسم الله على أضحيته سبحانه) وأنعام لا يذكرون أسم الله عليها (وقوله تعالى:) فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منه (وذكر اسم الله واجب على المسلمين، فيريد أنت عيد لكل مسلم.

فَواعَجَبا مِنْ دَائِلٍ أنتَ سَيفُهُأما يَتَوقَّى شَفرتَيْ ما تَقَلَّدَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: الدائل أسم الفاعل من دال يدول، يريد هنا الدولة فتعجب من عظم همة الدولة إذا تقلدته، ومعناه في الحقيقة الخليفة، ويجوز أن يكون أخرج الدائل مخرج التامر واللابن. أي ذو تمر ولبن ودولة.

وَمَنْ يجعَلِ الضِّرغامَ للصَيدِ بَازَهيُصَيَرُهُ الضّرغامُ فيما تَصيَّدَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: قلت له وقت القراءة: لم جعلت من شرطا صريحا وهلا جعلتها بمنزلة الذي وضمنت الصلة معنى الشرط حتى لا ترتكب الضرورة؟ كقوله تعالى:) الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم (. فقال هذا يرجع إلى معنى الشرط والجزاء، وإنما جئت بلفظ الشرط صريحا لأنه أبلغ وأكد، وأردت الفاء في) يصيره (وحذفتها، والذي قال له جائز والوجه ما سمته إياه، ومذهب سيبويه في مثل هذا التقديم والتأخير، كأنه قال: يصير الضرغام بازا من يجعله فيما تصيده، واكتفى بهذا القول من جواب الشرط.

وقال أبو العلاء: رواية أهل هذه جزم) يجعل (ورفع) يصيره (وذلك ضعيف جدا، لأنه يحوج إلى أن تضمر الفاء فيجري مجرى قول زهير:

وإن أتاهُ خَليلٌ يومَ مَسألةٍيَقُولُ لا غائِبٌ مالي ولا حَرِمُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «قف بالديار التي لم يعفها القدم»

كأنه أراد فيقول أي فأنه يقول، وليست هاهنا ضرورة داعية إلى رفع) يصيره (وجزم) يجعل (لأنه إذا رفع) يجعل (وحمل الكلام على المبتدأ والخبر صرفه عن الشرط والجزاء، كفى هذه المئونة ويكون) من (في معنى الذي. كأنه قال والذي يجعل الضرغام للصيد بازه يصيره فيكون) يصيره (في موضع خبر المبتدأ.

وقوله:

فارَقُتُكم فإذَا ما كان عِندَكُمُقَبل الفِراقِ أذىً بعدَ الفِراقِ يَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فارقتكم فإذا ما كان عندكم»
إذَا تَذَكَّرتُ ما بَيني وَبَينَكُمُأعانَ قَلبي على الوَجدِ الذي أجِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فارقتكم فإذا ما كان عندكم»

قال أبو علي: أي كانت منكم أحوال أكرهها، فكانت قبل الفراق عندي أذى فقد صارت بعد الفراق يدا عندي، لني أتسلى إذا ذكرتها عنكم، وتزهدني فيكم، فهي في الحقيقة يد إذ كانت سببا للسلو عنكم، وفسر ذلك بقوله بعده:

إذَا تَذَكرتُ ما بينِي وبينكُمُأعانَ قَلبي على الوَجدِ الَذي أجِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فارقتكم فإذا ما كان عندكم»

وقال العجلي: يحتمل ذلك معنيين أحدهما: المدح، والآخر: الذم. أما المدح فأنه يقول أن الذي كنت أتأذى به عندكم وأشكوه لما فارقتكم وبليت بغيركم لقيت منه من الأذى ما صار الذي شكوته منكم إلى جنبه نعمة، ثم قال في البيت الثاني وما يمنعني من العود إليكم على شدة الشوق إلا ما أذكره من تلك الأذاة فهي التي تعينني على الشوق، وأما وجه الذم فهو ما أورده ابن فورجة ولا حاجة إلى إعادته.

ومن التي أولها:

أهلاً بِدَارٍ سَباكَ أغيَدُها

لا ناقَتِي تَقبلُ الرَّديفَ وَلابالسَّوطِ يومَ الرّهانِ أُجهدُها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

قال ابن جني: يريد بناقته نعله قال الشاعر:

رَوَاحلُنا سِتٌ ونحنُ ثَلاثَةٌنُجَنِّبُهُنَّ المَاءَ في كُلِّ مَنزِلِ
يا ليتَ بي ضَربَةً أُتِيحَ لهاكمَا أُتِيحَتْ لَهُ مُحمَّدُها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

قال أبو العلاء: هذا البيت يحتمل وجهين. أحدهما: أن يريد أن هذه الضربة حسنت وجه الممدوح وشرفته ودلت على شجاعته. والآخر: أن يكون أراد يا ليت بي هذه الضربة، أي ليتني فديته منها فهو في الوجه الأول متمن خيرا، وفي الثاني جاعل نفسه فداء للممدوح، وأتيح لها أي قدر.

ومن التي أولها:

اليَوم عَهدُكُمُ فأينَ المُوعِدُهَيهاتَ ليَوم عَهدِكُمُ غَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال ابن فورجة، قال الشيخ أبو الفتح: يقول أني أموت يوم فراقكم فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم، فليس لذلك اليوم عندي غد، هذا على ما قاله ﵀، إلا أن البيت ليس ينكشف معنى سائره بهذا القدر من القول، وإنما معناه اليوم عهدكم، أي اليوم آخر يوم اجتمعنا فيه، فعرفوني متى الوعد باللقاء إذا افترقنا، ثم تدارك بقوله:) هيهات ليس ليوم عهدكم غد (. قوله:) أين الموعد (كأنه نعى على نفسه ما أتاه، وقال: ما سؤالك عن موعد اللقاء وأنت لا تحيين بعد فراقهم؟ وقوله: اليوم عهدكم هو من قول الشاعر:

وآخرُ يومٍ منه يومَ لَقِيتُهُبأسفلِ وادي الدَّوم والثَّوبُ يُغسَلُ

ليس هذا من العهد الذي هو العقد مثل قول بن حلزة: واذُكُروا حِلفَ ذِي المَجَازِ وما قُدَمَ فيهِ العُهُودُ والكُفَلاَءُ

فَرأيتُ قَرنَ الشَّمسِ في قَمَرِ الدُّجَىمُتأوَداً غُصنٌ بِهِ يَتَأوَّدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال أبو العلاء: يحتمل البيت معنيين، أحدهما: أن يعني رأيت نورا كنور قرن الشمس في وجه مثل قمر الدجى، والآخر: أن يعني بقمر الدجى القمر الذي يطلع بالليل، كأنه رآها في ليل فقال ذلك، والمتأود المتعطف المائل.

قال الأحسائي: نصب متأودا حالا لقرن الشمس، والتقدير رأيت الشمس متأودا، يتأود به غصن، فالغصن هو فاعل يتأود وليس له تعلق بمتأود.

أبَرحْتَ يا مَرضَ الجفون بِمُمرَضٍمَرِضَ الطَّبيبُ له وَعِيدَ العُوَّدُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: يعني بالممرض جفنها،) ومرض الطبيب له وعيد العود (مثل ولا طبيب ولا عود، ولكنه لما ذكر الجفون وذكر مرضا ذكر له طبيبا وعودا، وإنما يريد نظرها إليه ومرض الطبيب معناه: أنه إذا نظر الإنسان إلى عينيها مرض من عشقها. أي: تجاوزت يا مرض الجفون الحد حتى أحوجته إلى طبيب وعود، فبالغ في شدة مرض جفونها، ويقال: مرض فهو مريض ومارض.

وقال أبو العلاء: الأشبه أن يكون الممرض أراد به الشاعر نفسه، وقال للمحبوب يا مرض الجفون، لأن كل من نظر إليه مرضت جفونه، لأنه يحملها على البكاء والسهر وبعض الناس ينشده يا مرض بكسر الراء وهو قليل في الاستعمال، إنما يقولون فلان مريض، والقياس لا يمنع أن يقال مرض، كما يقال سقم فهو سقيم وسقم، قال الأعشى:

يقضِي بها المَرءُ حاجاتِهويُشفَى عَلَيها الفُؤادُ السَّقيمْ

وأبرحت أي صرت إلى البرح، وهو الأمر الشديد الشاق.

قَطَّعتَهُمْ حَسداً أرَاهُمْ ما بِهِمْفَتَقَطَّعُوا حَسَداً لِمَن لا يحسُدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال ابن جني: أي تقطعوا حسدا، لأنك لا تحسد أحدا، لأنك فوق كل أحد، وقوله:) أراهم ما بهم (أي كشف عن أحوالهم في التقصير عنك، والتقصير دونك.

صِحْ يا لَجُلهُمَةٍ تَذَرْكَ وإنَّماأشفارُ عَينكَ ذَابِلٌ ومُهَنَّدُ

قال أبو العلاء: جلهمة هو أسم طي، والجلهمة مثل الجلهمة وهو ما استقبلك من الوادي، وقوله) أشفار عينيك ذابل ومهند (أي أنصارك قريب منك، فكأنهم في ذلك أشفار عينيك، ويجوز أن يكون المعنى أنهم إذا اجتمعوا إليك هابك الناس، فإذا نظرت إلى بعض أعدائك قام نظرك مقام الذابل، والمهند، ونسب ذلك إلى الأشفار لأنها مجاورة لناظر العين، فعلم الغرض في الكلام.

قال ابن فورجة: فسر ابن جني هذا البيت تفسيرا مضطربا، فقال أي تحدق بك الرماح والسيوف، فتغطي عينيك كما تغطيها الأشفار، وهذا كأنه من قول الآخر:

وإذا دُعوا لِنزالِ يَومِ كَريهةٍستروا شُعاعَ الشَّمسِ بالفُرسَانِ

هذا تفسير. وعندي أن الأمر بخلاف ذلك، وما بال الرماح والسيوف تغطي بها عينه دون سائر أعضائه. بل أي موضع في هذا البيت يدل على التغطية؟ وإنما قوله) تذرك وإنما أشفار عينك ذابل ومهند (كقولك: تركت عينه سماء هاطلة، وتركته وإنما جنبه دم سائل، إذ أثخنته ضربا، يريد إذا صحت يا لجلهمة اجتمعت إليك فها بك كل أحد، كأنك إذا نظرت إلى رجل بعينك أشرعت إليه رماحا وصلت عليه بسيوف، كأنه قال صح لهم لنجدتك تتركك، وهذه حالة من الهيبة في القلوب.

حَيٌّ يُشارَ إليكَ ذَا مَولاهُمُوَهُمُ المَوَالي والخَلِيقَةُ أعبُدُ

قال ابن فورجة: قوله حي يريد به جلهمة، أي جلهمة حي يشار إليك أيها الممدوح أنك مولى لهم أي سيد، وهم أيضا الموالي أي السادات يريد أنك لم تسدهم لكونهم عبيدا، بل أنت سيدهم وهم سادات الناس، وكثير من النسخ المعتمدة وجدنا فيها) حتى يشار إليك (ولم نر نوره إلا أن هذه الرواية سائغة لطيفة، يعني أنهم يجتمعون حولك لا يتخلف عنك منهم أحد، إذا صحت يا لجلهمة، فعل المسودين المذعنين لك بالفضل والرئاسة والسؤدد.

أنَّى يكُونُ أبا البَرِيَّةٍ آدَمٌوأبُوكَ والثَّقَلانِ أنتَ محَمَّدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال ابن جني: في إعراب هذا البيت تعسف وتقديره كيف يكون آدم أبا البرية وأبوك محمد وأنت الثقلان، ففصل بين المبتدأ الذي) هو أبوك (وبين الخبر الذي هو) محمد (بالجملة التي هي قوله) والثقلان أنت (وهي أجنبية، أي أنت جميع الأنس والجن. وآدم واحد من الأنس، وأبوك محمد، فكيف يكون آدم أبا البرية؟ ومعنى) والثقلان أنت (أي أنك تقوم مقام الأنس والجن بغناك وفضلك.

ومن التي أولها:

أحُلماً نرى أم زَماناً جَديدَاأم الخَلقُ في شَخصِ حَيّ أُعِيدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

قال ابن فورجة: يريد بحي رجلا واحدا، دعته الضرورة إلى ذلك وإنما هذا معنى قول أبي نواس:

وليسَ لِلهِ بِمُستَنكَرٍأن يَجمَعَ العالَمَ في وَاحِدِ

إلا أنه أراد الزيادة في هذا المعنى، فمعنى أن الخلق الهالكين أيضا أعيدوا في شخص حي فحسن حي بهذا التقدير، وهو كقوله أيضا:

وَلَقِيتُ كُلَّ الفاضِلينَ كأنَّمارَدَّ الإلَهُ نُفُوسَهُمْ والأعصُرَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
رأينا بِبَدرٍ وآبائِهِلِبَدرٍ وَلُوداً وبَدَراً وَلِيدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

قال أبو العلاء: لما شبه الممدوح بالبدر: إذ كان أسمه بدرا ادعى أنه قد رأى للبدر ولودا أي أبا، وللبدر وليدا أي مولودا، وهذه من الدعاوى الباطلة لأنه لا يعني إلا بدر السماء، وقوله لبدر نكرة، ولا يحتمل أن يكون معرفة لأنه لو كان ذلك لم يكن فيه مدح.

بَهِجرِ سُيُوفِكَ أغمادَهاتَمَّنَّى الطُّلَى أن تكونَ الغُمُودَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»
إلى الَهامِ تَصدُرُ عَن مِثلِهِتَرَى صَدَراً عَن وُرُودٍ وُرُودَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: يقول سيوفك لا ترجع إلى أغمادها، لأنك أبدا تضرب بها أعناق أعدائك، وهي تمنى أن تكون أغمادا لسيوفك، فلا تجتمع معها أبدا. وقوله إلى الهام البيت. أي أبدا سيوفك تصدر عن الهام إلى هام أخرى. فصدرها أبدا ورود.

قال أبو العلاء: البيت الأول قد كمل معناه، وهو غير محتاج إلى ما بعده، وقوله إلى الهام يفتقر إلى فعل مضمر يكون راجعا إلى السيوف، كأنه لما جرى في البيت الأول ذكر الهجر أضمر) بهجر (في البيت الثاني، يريد تهجر سيوفك أغمادها إلى الهام، كما قال: هجرت إليه الغيث أي تركت الغيث ليتصل به، وكذلك سيوفه تهجر الأغماد لتقع في الهام.

ومن التي أولها: ما الشَّوقُ مُقتَنعاً مِني بذَا الكَمَدِ

ولا الدّيارُ التي كانَ الحَبيبُ بِهاتشكُو إليَّ ولا أشكُو إلى أحَدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

قال أبو علي: قال الشيخ أبو الفتح: أي لم يبق في فضل للشكوى ولا في الدار أيضا فضل لها لأن الزمان أبلاها. هذا على ما قاله أبو الفتح. وغير هذا التفسير أولى لما أنا ذاكره، وهو أن هذا التفسير يوجب أن يكون المراد لا أنا أشكو إلى أحد، ولا الديار تشكو إلي لجفاها ودروسها، فكأنه قدم آخر الكلام قبل أوله، فصار مضطربا من المحتمل السائغ لا من الظاهر البارز، والأجود أن يكون قوله ولا الديار عطفا على قوله) ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد (كأنه يقول ولا الديار تقنع مني به، ثم فسر لأي حال لا تقنع به منه، فقال تشك إلي أي شكواها سائغ، وهي مما لا يعقل، كأنها تشكو إلي بدروسها وزوال جمالها، وأنا لا تحسن بي الشكوى إلى أحد، لأنني ممن يعقل جمالها، وأنا لا يحسن بي إظهار الحب وإفشاء السر. فيكون عطف نفيا على نفي تقدمه، لا عطف جملة على جملة لم تأت بعدن ومما يزيد المعنى الذي ذكره ترذيلا قوله لا تشكو إلي الديار لأنه لم يبق فيها فضل للشكوى، فإذا لم يبق فيها فضل فكيف عرفها، وإذا بلغ الحال إلى هذا في دروسها فلا سبيل إلى معرفتها.

ومن التي أولها:

أحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِلُيَيلَتُنا المَنُوطَةُ بالتَّنادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

قال ابو العلاء: يجب أن يكون هذا الكلام على تقدير ألف الاستفهام، ويدل على ذلك مجيء) أم (في أوله، كأنه قال: أواحدة أم ست هذه الليلة؟.

وحكي عن ابن جني أنه كان يحتج لتخصيص أبي الطيب سداس عن غيره بما هو أكثر. بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، يردي أن هذه الليلة طويلة كأنها الأيام الستة التي خلقت فيها السموات والأرض. إذ كل يوم من أيام الله سبحانه كألف سنة مما يعده بنو آدم، بدليل قوله:) وأن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (وهو قول حسن، ومما يجوز أن يقال في هذا المعنى أن الحديث جاء فيه أنه إذا جاءت القيامة وقضى الله أن تطلع الشمس من مغربها تأخر طلوعها ثلاثة أيام. فينكر الناس ذلك ويفزعون إلى المساجد، ثم تطلع بعد ثلاث سوداء، والثلاثة الأيام التي لم تطلع فيها الشمس صارت كثلاث ليال فهي حينئذ ست. ويوقي هذا القول قوله) لييلتنا المنوطة بالتناد (لأن طلوع الشمس من مغربها يتصل بالقيامة، وصغر الليلة على معنى التعظيم، كما قال لبيد:

وكلُّ أُناسٍ سَوفَ تَدخُلُ بَينَهُمدُوَيهِيَةٌ تَصفَرُّ منها الأنامِلُ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

والبصريون المتقدمون لا يرون تصغير الشيء على معنى التعظيم، ويرون أن قول لبيد) دويهية (وهو يريد الموت فصغرها، إذ كان الموت لا يرى، فكأنه خفي إذ كان العيان لايدركه.

وقال الأحسائي: ليالي الزمان سبع ليال، يقال هذه الليلة الطويلة واحدة وهي ست ليال في ليلة، فكأنه ضرب واحدة من السبع في البقية وهي الست.

متى لَحَظَتْ بَياضَ الشَّيبِ عَينٌفقَد وَجَدَتْهُ مِنها في السَّوَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

قال أبو العلاء: أي أني إذا لحظت بياض الشيب فكأني لحظت به بياضا في سواد عيني. ولا يمكنه أن يلحظ سواد عينه إلا في المرآة، ولولا أنه بين سواد العين في هذا البيت لجاز أن يحمل على سواد القلب، فيكون نحوا من قول الطائي:

شَابَ رَأسِي ومَا عَهدتُ مَشِيبَ الرأسِإلا من فَضلِ شَيبِ الفُؤادِ

إلا أن الطائي جعل مشيب فؤاده متقدما شيب رأسه، وأبو الطيب جعل البياض في سواد عينه من أجل حزنه لبياض الشيب.

قال ابن فورجة: قال ابن جني أي كان ما في وجهي من الشيب نابت في سواد عيني تكرها له. هذا كما قال الشيخ أبو الفتح، وعبارة أحسن من هذه أولى، وذلك أن العين لا ينبت فيها الشعر الأبيض ولا الأسود، ولو كانت العين من العضاء التي ينبت فيها الشعر لما ضرها بياض الشعر النابت فيها، ولو ضرها ذلك لما بلغ التكره له حيث يضرب به المثل. والأولى أن يقال إذا نظرت عيني إلى الشيب فكأنها عاينت فيها بياضا ينزل في سوادها من البياض المكره الذي ينزل فيه من العلة. وتأويل بياض الشيب في العين زائد في معناه وحسن، وذلك أنه يزيد بياضا مستهجنا مستقبحا كبياض الشيب كما قال البحتري:

ودَدتُ بياضَ السَّيفِ يوم لَقينَنيمكانَ بَياضِ الشَّيب حَلَّ بمَفرقي
للشاعر البحتري، من قصيدة «حَلَفْتُ لهَا بالله، يَوْمَ التّفَرّقِ»

وبياض السيف لا يحل بالمفرق، وإنما السيف يحل به فأراد التسوية بين البياضين.

مَتى ما ازدَدتُ مِن بَعدِ التَّناهيفَقد وَقَعَ انتِقاصِي في ازديادِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

قال ابن فورجة: المعنى أن الازدياد بعد التناهي نقصان، كأنه يريد أن التناهي هو بلوغ الأشد واستيفاء أربعين سنة، فإذا ازددت بعدها نقصت القوى، وعدت أنتقص، بعدما كنت أزداد، وكأنه من المعنى الذي له:

فَبعَثنا بأربعينَ مِهاراًكُلُّ مُهرٍ مَيدانُهُ إنشادُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»
عَدَدٌ عِشتَهُ يَرَى الجِسمُ فِيهِأرَبا لا يَرَاهُ فِيما يُزَادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

وقوله: فقد وقع انتقاصي في ازديادي يريد فقد ابتدأ نقصاني يزيد وهذا المعنى من قوله:

وَلُجدْتَ حتى كِدتَ تَبخَلُ حائِلاًللمُنتَهَى وَمِن السُّرُورِ بُكاءُمأخوذ من قول القائل:
وأُسَرُّ في الدُّنيَا بكُلّ زِيادةٍوزِيادَتي فيها هو النَّقصُ

والأول فيهما جميعا قول حميد: وحَسبُكَ دَاءً أَنّ تَصِحَّ وتَسلَمَا

وأبعَدَ بُعدَنا بُعدَ التَّدَانِيوَقَرَّبَ قُربَنا قُربَ البِعادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

قال أبو العلاء: في أبعد وقرب ضمير عائد على المسير، والمعنى أنه دعا للمسير بأن يجزي خيرا، لأنه قرب الأمد الذي كان بينه وبين الممدوح، فيصير مقداره كعرض النجاد، وهو ما يقع على الكتف من حمائل السيف. يقول كان تدانينا بعيدا، فابعد المسير بعدنا فصبره في النأي بمنزلة ما كان عليه التداني من قبل، وجعل قربنا قريبا منا كما كان البعاد في الدهر الأول مقاربا لنا. ومن التي أولها:

أقَلُّ فَعالي بَلهَ أكثَرَهُ مَجدُوَذَا الجِدُّ فيهِ نِلتُ أم لم أنَلْ جَدُّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال ابن جني: أكثره بالنصب والجر، والنصب أجود، لأنه بله أسم مسمى به الفعل مثل) رويد وحيهل (وبله في معنى دع أكثره، وهي اسم دع، كما أن صه اسم أسكت. والجر في أكثره على أنه جعل بله مصدرا وأضافه إلى أكثره كقوله تعالى) فضرب الرقاب (والنصب بع دبله أقوى، لأنه لو كان بله مصدرا لوجد فعله، ولا نعرف له تصرفا، فينبغي أن يكون غير مشتق منه بمنزلة صه. ومه وإنما جوزنا الجر على أن يكون بله مصدرا، لأنا قد وجدنا مصادر لا أفعال لها) نحو ويل وويح وويس (وقالوا) الابن: الإعياء (ولا فعل له) والإد للعجب (والمراد الفعل يقول: وذا الجد الذي أنا عليه في أمري فيه حظ، نلت ما أطلبه أو لم أنله، فلو لم يكن عندي غير هذا الجد في أمري وترك التواني لقد كان لي جدا، وهذا قريب من قول البصري:

فأن لَم تَنَلْ مَطلباً رُمَتهُفليسَ عليكَ عدا الاجتهادِ
سأطلُبُ حَقِّي بالقَنا وَمَشايخٍكأنَّهُمُ من طُولِ ما التَثَموا مُردُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال أبو العلاء: المشايخ جمع مشيخة، وهي جماعة الشيوخ وكأن المشيخة في الأصل مصدر، كأن المراد قوم ذو مشيخة أي شيخوخة، أو يكونون جعلوا كالموضع لتلك الحال، وكان ابن دريد يذهب إلى أن المشيخة كلمة ليست بفصيحة، وجاء في كلام الفراء: سمعنا المشيخة وحدثتنا المشيخة. والفراء أقرب إلى زمان الفصاحة من ابن دريد، ولا يجوز همز مشايخ لأن الياء أصلية وهي متحركة في الواحد، وبعض الناس يذهب إلى أن المعنى أن هؤلاء المشايخ كأنهم من طول تلثمهم مرد لا لحى لهم لأن لحاهم مستورة باللثم، فهذا قول حسن، ويجوز أن يذهب ذاهب إلى أن طول التلثم قد حص شعر لحاهم، كما قال أبو قيس بن الأسلت:

قد حَصَّتِ البَيضَةُ رَأسي فَماأطعَمُ نَومَاً غيرَ تَهجَاعِ
ويَمنَعُنِي مَّمنْ سِوَى ابن مُحَمَّدٍأيادٍ لَهُ عِندي يَضِيقُ بها عِندُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو العلاء: عند يحكي فيها) عند وعند وعند (حكى ذلك يونس. وهي من قولهم:) عند ذا مال (وإذا قال القائل كذا وكذا عند فلان، فالمعنى أنه في الموضع الذي يميل إليه، وكانت) لعند (سعة وليست لغيرها من الظروف وذلك أن الجهات ست: أمام ووراء، وتحت، وفوق، ويمين، وشمال، وكل واحدة من هذه الجهات مختصة بناحية و) عند (تقع على جميعها فلذلك حسن قول القائل) يضيق بها عند (.

يكادُ يًصِيبُ الشّيءَ مِن قبل رَمِبِهِويُمكِنُهُ في سَهمِهِ المُرسَلِ الرَّدُّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

وقال ابن جني: يمكنه معطوف على يصيب لا على يكاد.

وقال أبو العلاء: قوله يمكنه معطوف على يصيب، قول فيه تخليص للشاعر من المبالغة في الكذب، لأنه قال يكاد يصيب الشيء فهو لم يصبه، فإذا عطف يمكن على يصيب فالمعنى ويكاد يمكنه في سهمه، وإذا جعل يمكنه معطوفا على يكاد فقد حكم بأنه يمكنه أن يرد سهمه المرسل، وهذا أشد في المبالغة واحسن في نقد الشعر.

بنَفسِي الذي لا يُزدَهَي بِخَديعَةٍوَأن كَثُرتْ فيه الذَّرائِعُ والقَصدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال ابن جني: كأنه قال بنفسي غيرك أيها الممدوح، لأني أنا أزدهيك بالخديعة وأسخر منك بهذا القول، لأن هذا مما لا يجوز مثله، وإنما هو سخر مني بك وهذا مذهبه وهو كقوله:

فأن نِلتُ ما أمَّلتُ منك فَرُبمَّاشَرِبتُ بِماءٍ يُعجِزُ الطَّيرَ وِردُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال أبو العلاء: المعنى الذي قصده الشاعر أنه قال بنفسي الذي لا يخدع ولا يغر ولا يجوز عليه تمويه القائلين، والمعنى بنفسي أفديه، والمعنى الذي ذكره أبو الفتح ﵀ بعيد لا يليق بالممدوح.

مَضى وَبَنُوهُ وانفَرَدْتَ بِفَصلِهِموألفٌ إذا ما جُمَّعَتْ وَاحِدٌ فَردُ

قال أبو العلاء: الألف مذكر وقال جمعت فأنث، لأنه ذهب مذهب الجماعة، لأنه آحاد كثيرة، وإذا جعل الألف أجزاء على مائة أو دون ذلك فهو جماعة، فلذلك أنث في هذا الموضع، وبعض العرب يقول في الألف:) عشر مائة (وقالوا في جمع ألف آلاف، وعلى ذلك أكثر الاستعمال مثل زند وأزناد. وفرخ وأفراخ قال الأعشى:

وُجِدتَ إذَا اصطَبَحُوا خَيرَهُمْوَزَندُكَ أثقَبُ أزنَادِهَا

وقال الحطيئة:

ماذا تَقولُ لأفرَاخٍ بِذي مَرَخٍحُمرِ الحَوَاصِلِ لا مَاءٌ ولا شَجَرُ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ»

وقالوا آلف وهي قليلة والجمع الكثير ألوف.

وأردِيةٌ خُضرٌ وَمُلكٌ مُطاعَةٌوَمَركوزَةً سُمرٌ وَمُقرَبَةٌ جُردُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال ابن جني: أردية خضر يقول هم ملوك وأنت الملك لأنه ذهب إلى السلطان وهو مؤنث.

قال أبو العلاء: المعنى أنه أراد بالأردية السيوف، ومعروف عند العرب أنهم يسمون السيف الرداء، ومن ذلك قول عمرو بن شأس:

كأنَّ رِدَاءَيُهِ إذا قَامَ عُلِّقَاعلى جِذعِ نَخلٍ لا سَحُوقٍ ولا بَالِ

يعني رداءه وسيفه، وقد جاء هذا المعنى مشروحا في بعض الشعر كقوله:

يُنازِعُني رِدَائِي عَبُد شَمسٍرَويدَكَ يا أخَا سَعدِ بنِ بَكرِ
لي الشَطرُ الذي مَلكتْ يَمينيودونَكَ فاعتَجِر منه بشطرِ

وملك جمع ملك مثل تمر وتمر، وبيت ابن أحمر يحمل على وجهين:

مدَتْ عليه المُلكُ أقطارَهَاكأسٌ زَنَوناةٌ وطِرفٌ طِمِرْ

قيل ملك جمع ملك وقيل بل أراد المملكة فأنث.

ومَا عِشتُ ما ماتُوا وَلا أبَواهُمُتَمِيمُ بنُ مُرٍّ وابن طابِخَةٍ أُدُّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

قال أبو العلاء: يقول بنو سيار بن مكرم لم يموتوا ما دمت أيها الممدوح في الحياة. وكذلك لم يمت أبواهم، جعل الجدين القديمين أبوين، وكذلك موضوع اللغة لأن الرجل يقول: أبي آدم وبينهما ما شاء الله، وتميم بن مر بن أد بن طابخة وأد يقول بعض الناس هو من الود قلبت الواو همزة لوقوعها مضمومة في أول الاسم ويجوز أن يكون اشتقاق أد من كل لفظ يشتق منه أدد.

ومن التي أولها: لَقَدْ حازَني وَجدٌ بِمَن حازَهُ بُعدُ

أسَرُّ بتَجدِيدِ الهَوَى ذِكرَ ما مَضَىوإنْ كانَ لا يَبقَى لَهُ الحَجَرُ الصَّلدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

قال ابن جني: يقول أسر بتذكر ما خلا من اللذة، وإن كان ذلك لا يبقي عليه الحجر الصلد تأسفا وحنينا إليه.

قال أبو العلاء:) ذكر ما مضى (ينتصب على أحد وجهين، أجودهما أن يكون مفعولا لتجديد الهوى إياه، والآخر: أن يكون مفعولا له، كأنه قال أسر بتجديد الهوى لذكر ما مضى، أي لذكري إياه.

وَسَيفي لأنتَ السَّيفُ لا ما تَسلُّهُلضَربٍ ومَّما السَّيفُ منهُ لكَ الغِمدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

قال أبو العلاء: وسيفي أراد به معنى القسم، كأنه آلى بسيفه. أن هذا الممدوح هو السيف الذي يسله للضرب) ومما السيف منه لك الغمد (أي عليك درع أو جوشن. وهما يتخذان من الحديد، كما أن السيف منه يطبع.

وقد ذهب قوم إلى أن قوله وسيفي يريد به ويا سيفي، لأنت السيف، فحذف حرف النداء، وهذا لا يمتنع ولكن الأول أحسن، والقول في قوله) ورمحي (مثل القول في قوله) وسيفي (.

مِنَ القاسِمِينَ الشُّكرَ بَيني وبَينَهُمْلأنَّهُمُ يُسدَى إليهِمْ بأنْ يُسدُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

وقال ابن فورجة: يريد أنهم لكونهم يعتقدون منه فضلا عليهم لمن قصدهم واستماحهم، فهم يشكرونه على ذلك، فأنا أشكرهم على ما أولوني من الجميل، فهم يشكرونني على أخذي نوالهم. وفي بعض لفظ هذا البيت ما يدل على الغض من الممدوحين، إذ جعلهم يسدى إليهم بان يقبض نوالهم، وهذا هجو، إذ جعلهم بقبض نوالهم بمنزلة من لا يجد من يفضل عليه، وهل هو إلا من قوله:

وَقَبضُ نَوَالِهِ شَرَفٌ وَعِزٌّوَقَبضُ نَوَالِ بَعضِ القَومِ ذَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

على أنه وأن خذله الوزن، ومنعه استيفاء غرضه، فقد علم أن ما يريده شدة فرحه بالعطاء، حتى كأن من يسأله يمن عليه، فما أكثر ما جاء نظير هذا في شعره وشعر غيره، وأجوده قول القائل:

وأنَّكَ لا تَدرِي إذا جاءَ سَائِلٌأأنتَ بما تُعطِيهِ أم هُوَ أسعَد

ثم أتبع هذا البيت معنى يشبه أن يكون مبتكرا، وما حمله على الرضا بهذا اللفظ الموجه إلا ما نواه في البيت الثاني، وهو قوله:

فَشكري لهم شُكرانِ: شُكرٌ على النَّدَىوشُكرٌ على الشُّكرِ الذي وَهَبُوا بَعدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

فهذا المعنى مع تعسفه فيه أغرب مما مضى، يقول فإذا شكروني على أخذ نوالهم شكرتهم على شكرهم إياي، وشكرتهم على ما أعطوني، فصار شكري لهم شاكرين. وقوله الذي) وهبوا بعد (جعل الشكر الذي أتوه هبة ثانية منهم له، وصار لفظ الهبة مستحسنا وزيادة في المعنى والصنعة.

ومن التي أولها:

وشَامِخٍ مِنَ الجِبالِ أقوَدِ

زُرناهُ للأمر الذي لمْ يُعهَدِ

للِصَّيدِ والنُّزهَةِ والتَّمرُّدِ

قال ابن فورجة: قال الشيخ أبو الفتح: إنما قال:) لم يعهد (أي لأن الأمير مشغول بالجد والتشمير عن اللهو واللعب. والتفسير على ما حكاه أن كانت الرواية لم) يعهد (بضم الياء لا محيص عنه، والأجود عندي وهو ما أرويه) لم يعهد (بفتح الياء. ويكون ضميره للشامخ يعني أنه لم يعهد الصيد فيه لعلوه وإرتفاعه، ولم يقدر على وحشه إلا هذا الأمير، لعظم شأنه ألا تراه يقول: فَردٍ كَيافُوخِ البَعيرِ الأصيَدِ يُسارُ من مَضيقِهِ وَالجَلمدِ في مثلِ مَتنِ المَسَدِ المُعَقَّدِ فوصفه بالارتفاع والوعورة وضيق الطريق، فهذا أراد بقوله) لم يعهد (، ألا تراهم يتمدحون بالصيد ومطاردة الوحش، حتى أن عامة) شعر (امرئ القيس وكثير من الشعراء بعده، افتخار بالطرد، وقد مدح أبو الطيب كثيرا به، ولم يستنكف لأحد من الممدوحين به كقوله:

وَذي لَجَبٍ لا ذُو الجَناحِ أمامَهُبنَاجٍ ولا الوحوشُ المُثارُ بسالِمِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

لهُ مِنَ الوَحشِ ما اختارَتْ أسنَّتُهُعَيرٌ وَهَيقٌ وخنساءٌ وَذَيَّالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

وقوله لعضد الدولة:

لَمْ يَبقَ إلاَّ طَرَدُ السَّعالِيفي الظُّلَمِ الغائِبَةِ الهِلالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»

على ظُهورِ الإبلِ الأُبَّالِ ومن التي أولها: أَوَدُّ مِنَ الأَيامِ ما لا تَوَدُّهُ

يُباعِدْنَ حِبَّاً يَجتَمِعنَ وَوَصلُهُفكيفَ بحبٍّ يَجتَمِعنَ وَصدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال أبو العلاء: زعم أن الأيام يباعدن الحب المواصل، فكيف بحب موصوف بالصدود، أي هذا الحب المذكور صاد عنا، فذلك أجدر لمعونته الأيام على الفراق، وعطف) وصله وصده (على الضمير المرفوع في يجتمعن، والأحسن أن يؤكد الضمير المرفوع إذا عطف عليه، مثل أن يقول: يجتمعن هن ووصله.

رَعَى اللهُ عِيساً فارقَتنا وَفَوقَهامَها كُلُّها يُولي بِجفَنَيهِ خَدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال الأحسائي: رد الضمير في) جفنيه وخده (إلى لفظ كل لا إلى المها، ومعنى يولي أي قد بكت للوداع ثم بكت للفراق والدمع الثاني هو الولي والأول الوسمي.

بِوَادٍ بِهِ ما بالقُلُوبِ كأنَّهُوقَدْ رَحَلُوا جِيدٌ تَناثَر عِقدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال أبو العلاء: أدعى أن الوادي إذا ساروا عنه يجد لفراقهم كما يجد الآدميون فيه من الأسف كما في قلوب الإنس، وكأنه لما رحلوا جيد انتشر عقده، فقد بقي عاطلا، وهذا المعنى الواضح. وقد يجوز أن يعني بقوله) بواد به ما بالقلوب (أنهن في الوادي ممثلات كما أنهن في قلوبنا كذلك.

قال ابن فورجة: قال أبو الفتح: قوله) به ما بالقلوب (أي قد قتله الوجد لفقدهم، فيجري هذا مجرى قوله أيضا:

لا تَحسَبُوا رَبعَكُم ولا طَلَلَهْأوَّلَ حَيّ فِراقُكُمْ قَتَلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

ومعنى هذا البيت: لأن هذا الوادي به من الوحشة لرحيل هؤلاء الأظعان عنه ما بقلوبنا، فأما قول أبي الفتح أي قتله الوجد لفقدهم فليس في البيت ما يدل على القتل، ولا القتل مما يتوجه على القلب دون غيره من الأعضاء، ولا أدري من أين أتى بهذه اللفظة الأجنبية في تفسير هذا البيت الظاهر!.

أنا اليَوم مِنْ غِلمانِهِ في عَشِيرَةٍلَنا وَالِدٌ مِنهُ يُفدِّيه وُلدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال ابن فورجة: قد كان يجب أن يقول في عشيرة لهم والد منه، إلا أن له عادة في قطع الكلام الأول قبل استيفاء الفائدة وإتمام الخبر، وهو كثير في كلامهم ولو لم يأت إلا قول الله تعالى:) الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (. وقوله تعالى:) والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (لكفى وأقنع، إذ ليس في الخبر ما يرجع إلى الأول) والذين (من الأسماء النواقص، فإذا جاء ذلك في أسماء محتاجة إلى صلاتها فهي في غيرها أولى، ومثل هذا من الشعر القديم قول الراجز:

يا أبجَرَ بنَ أبجَرٍ يا أنتَاأنتَ الذي طلّقتَ عامَ جُعتَا

قَدْ أحسَنَ اللهُ وقدْ أسأتَا ومثله:

وأنتِ التي حَبَّبتِ شَغباً إلى بَدَاإليَّ وأوطَانِي بِلاَدٌ سِوَاهُما

قال الشيخ أبو الفتح: كلمته غير مرة في هذا فأعتصم بأنه إذا أعاد الذكر على لفظ الخطاب كان أبلغ وأمدح من أن يرده على لفظ الغيبة، ولعمري أنه لكما ذكر ولكن الحمل على المعنى عندنا لا يسوغ في كل موضع ولا يحسن، هذا كلام ابن جني. وقال أيضا: ولولا أنا سمعنا مثله في الشعر للعرب لرددناه، فقوله) لنا والد منه يفديه ولده (يريد أن الجاري في العادة أن يفدي الوالد ولده لفظا أن تقول فديته، فيقول أبو الطيب: كافور لنا بمنزلة الوالد، إلا أنا نحن نفديه ولا يفدينا هو. كأنه يردي بلفظ الوالد التعريض له بأنه مخصي وأنه ربي ولد ابن طفج تربية الوالد، وكرر ذلك فقال:

إنَّما أنتَ وَالدٌ والأبُ القَاطِعُ أحنَى من قَاطِعِ الأولاَدِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.