تجاوز إلى المحتوى

من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)

شرح المشكل من شعر المتنبي (٢)

ويجوز أن يكون هَوَاى في موضع جر البَدَل من حُبيِّ، وشَيْبي حينئذ في موضع جرِّ معطوفٍ على هَواى. والأول أقوى.

شَيخٌ يرى الُصلوتِ الخمسَ نافِلةًويَستَحِلُّ دَمَ الحُجّاج فب الحَرمِ

يعني بالشيخ هنا: المجَرب إذ لا تكون التجربة لغير ذوى السِّن والحنْكَة، كقول الرياحيّ:

أخو خمسين مُجْتَمِعٌ أشُدِّىونَجَّذَنِى مُداوَرَةُ اُلْشُّئُونِ

وفي كلامهم: ابن خمسين: ليث عِفرِّين، وقد قال هو في موضع آخر:

سأطلب حَقىِّ بالْفتاَ وَمَشاريخكأنهمُ من طول ما الْتَثَمُوا مُردُ

مشايخ: جمعَ مشيخة ومَشْيُوخاء على حذف الزائد.) يرى الصلوات الخمس نافلة (: أي أنه لا يعني بمفروضات الدين، ولا تمنهُه مما يشاء إذا أمكنه ما طلبه. ويستحيل دم الحُجاج في الحرام: أي أنه مبالغ في المضاء والنفاذ، حتى لا يردهّ التحرُّج الذي يوجبه الدين فضلاً عما سواه. ويرى هاهنا: من رؤية القلب، لأن الصلاة فعل عَرضي ليس بجوهر محسوس، فتكون حاسّة البصر واقعة عليه. وفي الحَرَم تتميم بديع.

وَرَبَّ مال فقيراً من مُروَّتهلم يُثْرِ منها كما أثْرى من الْعَدمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

أي أن اللئيم الغنىَّ يمنع نفسه خظَّها، والفقير السَّمْح إذا وجد أعطاها حظَّها، فالفقر مع السماحة أجدى على صاحبه من الغنى مع اللؤم، كقول حسان بن حنظلة:

إنا لَعَمْر أبيك يَحْمد ضيفُناوَيَسودُ مُغْتَرِباً عَلَى الإقلال

وتقدير البيت: ليم يثر هذا اللئيمُ الغنىُّ من غناه، كما أثرى هذا الفقير السَّمْح من العَدم.

وقد يجوز أن يَعْنَىِ أن ثرثرة هذا اللئيم الغنىِّ من الفقر، وأكثر من ثروته من الغنى، أي أن حالة المُعدِم أظهر من حالة الغَنِىِّ.

فأما قوله:

يَجْنِى الْغِنَى لِلِّئَام لو عَقَلواما ليس يَجْنى عليهمُ العَدَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

فمعناه المبالغة. أي أنهم يمنعون أنفسهم حظَّها في حال الغنى، فلا يُقَدَّرُون بل يُذمُّون بظهور حال الفقر عليهم، وإن كانوا أغنياء. وأما إذا ظهرت عليهم حال العُدْم وهو مُعدمون، فلا ذُمَّ عليهم، بل عذرهم في ذلك بَيِّن.

وله أيضاً:

حَاشَى الرَّقيبَ فخانْته ضمائرُهُوغَيَّض الدَّمعَ فانهلَّت بَوادِرُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

يُريد: استَثْنىَ الرقيبَ، وأخرجه مما كان يعرف سَّه، لأنه كان في أول أمره يبوح بسره إلى بعض إخوانه، ويخفى ذلك عن الرقيب. فلما تمادى ذلك به أفرط عليه، إلى أن بخل وبكى، وذل وشكا، فعلم الرقيب ذلك منه.

غاَب الامير فغابَ اّلخيرُ عن بَلدٍكادَتْ لفَقْدِ أسمِه تبكى مَنابُره
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

كان الأمير المجهول مخطوباً له بحمص أيام ولايته إياها، فأزيل عنها فانقطع الاختطاب باسمه على منابر هذه المدينة، فحنت المنابر وبكت لذلك.

قد اشْتَكَتْ وَحْشَةَ الأَحْياء أَربُعُةُوخَبَّرتْ عن أَسىَ الْمَوتَى مَقاَبِرُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

الهاء في مقابره: للبلد ذاك، كما كانت في المنابر له. أي تَوحَّش إليه الأحياء، وهذا ممكن، والأموات، وهذا غير ممكن، لكنه بالغ بالموتى، وأفرط بقوله: إنَّ المقابر مُخْبرة عن أسىَ الموتى، فالنصف الثاني أغلى من الأول، لأن الأحياء يتوحَّشون، وإن كان فيه غثلُوٌّ أيضاً لإسناده الشكوى إلى الأربُع فيه. وكأن الأربُع إنما اشتكت رقَّةً لما تراه من توحُّش أهلها، وبُعداً بذلك.

وإن شئت قلت: خُلِّيت الأربع بعد المير من سكانها، فتشكت توحُّشها إلى الأحياء) وهذا (أولى. لتطابق إسناد الأسى إلى الموتى.

تَحْمَى الْسُّيوفُ عَلَى أَعْدَائِه مَعَهُكأَنَّهنَّ بَنُوه أَو عَشائِرُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

أي إن السيوف تحَمَى على أعدائه معه، تعصباً له وحباً، حتى كأنَّ السيوف من مظاهرتها ونصرها له، وتبليغها إياه ما شاء من عدوه، بَنُون له أو عشائر قال أبو الفتح: وهذا أبلغ من قول أبى تمام:

كأنما هي في الأوداج والغةٌوَفي الْكُلَى تجدُ الْغيظ الذي تجدُ

لأن أبا الطيب قد جعل السيوف بنين له وعشائر. وإذا كانت المناسبة استحكمت العصيبة، وازدادت الأنفس حمية، وأبو تمام لم ينُطْ بيتَه بشيء من معنى المناسبة.

إذا انْتَضاَهاَ لِحَرْبٍ لم تَدْع جَسَداًإلاَّ وباطِنُه للعين ظاهِرُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

انتضاها: جرَّدها. أي إن الدن الذي هو باطن الجسد يَفيض فيصير ظاهراً. وقيل تَقْطع الأشلاء وتَقُدّ الجلد، فيظهر من الجسم ما كان باطنا.

وله أيضاً:

وَمِن جَسَدى لم يَتْرك الْسُّقمُ شَعْرةًفَما فَوقها إلاَّ وفيها له فِعْلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

أي أن السُّم نال طائفة من طوائف جَسَدي: اللَّحم والعَصب والعَظم، فأنحاَه وبراه، حتى الشَّعْر الذي هو أرقٌّ الطوائف جسمي، فإنه أثر فيه بالشيب. والشيبُ سُقْمٌ، لأنه مُشْعِر بفناء، كما أن السُّقْم كذلك ولذلك قال بعض الشعراء في صفة الشيب:

هو الْسُّقم إلاَّ أنه غيرُ مؤلمولَمْ أَر مثل الشيب سُقما بلا ألَمْ
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أرى الشيب مذ جاوزت خمسين دائبا»

وقد يجوز أن يَعْنِى أنه قَذَف في اصغر طوائف جمسي، هو الشَّعرُ، بهذه النازلة العظيمة الشنيعة، وهو الشيب فقس على سائر الجسم بمثل هذا القياس، كما يُستدل بالأصغر على الأعظم، وبالأقل على الأكثر، أدى إذا كان فعله في الشعر هذا، فما ظنك باللحم، وما يحمله من العصب والعظم؟

هُمامٌ إذا ما فَارَق الْغمدَ سَيْفهُوعايَنْتَه لم تَدْرِ أيهُّما النَّصْلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

أي أن مضاءه كمضاء السيف، وبشره وبشاشته كفر نده وصقالته، فأنت تشكُّ فيهما حتى لا تميز أحدهما من صاحبه. وهذا كقول ابى تمام:

مُنْصَلِتاً كالسيف عند سَلِّهِ

وقال رؤبة:

كأنني سيف بها إصْلِيتُ

ونحوه عندي قوله هو أيضا:

كَفرنْدِى فِرنْدُ سيفي الُجْرَازِ

أي كبسرى عند القتال وبشاشيتي وفرحي بتاثيري في اقراني، فرند سيفي هذا الجُرازُ: القاَطِع، وذهب قوم إلى أنه عنى بفرنده نفسهَ: سُهُومه وتغيره من السفر والجد والتعب. فكنى عن ذلك السُّهام بالفرند، لدلالته على شرف الهمة ورفعة النفس، وإنما الصحيح الول كقوله في موضع آخر: أَرى من فِرنْدِى قطعةً من فرنْدِه وَجُودَةُ ضَرْبِ الْهام في جُودةِ الصَّقْلِ

إذا قيل حلماً قال للحلمِ موضعوحَلْم الفتى في غير موضِعه جْهلُ

أي طلبُ الرفق في موصع النزال خديعة لا يخلد إليها أريب، كقوله:

يناشدني حاميم والرمح شاجرٌفهلا تلا حاميم قبل التقدم

وإنما يروم بذلك قرنهُ منه التماس نهزةٍ أو حذباً إلى كشف شدة عن نفسه.

ولولا تَولِّى نَفْسه حَمْلَ حِلْمهعن الأرض لا نهدَّت وَنَاءَ بها الْحِملُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

الحمَلُ: المصدر، والجملُ: الاسم. وناء بها: أثقلها، وفي التنزيل) ما إنَّ مَفَاتحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ (. ولا يقال) ناء (إلا في حد الإتباع لساء، يقال:) له عندي ما ساء وناء (، وقد يكون مع الإتباع صيغ لا توجد في حد الإفراد، كقولهم هَنأءُ ومرأه، فإذا أفردوه قالوا أمرأه. وقالوا: إني لآتيه بالغدايا، والعشايا، والغداة لاتجمع على غدايا، لأن) فَلة (لا تُكسر على فعايل. لكنهم تجوزوه لما قرنوه بالعشايا، ولا عليك أتبع الثاني الأول، أم صيغ الأول على حكم الثاني، لأن مذهب العرب في ذلك، أن تصوغ الكلام من جه واحد طلباً للمشاكلة.

ومعنى البيت: أن حلمه رَزِين فلو لم يتولَّ حَمْله نفسه بنفسه، ووكل الارض بحمله، أثقلها فانهدت. وإنما يوصف الحلم بالزراعة لما يتبعه من الوقار، كقول الآخر:

أحلامُنا تزن الجبالَ رزانةًوتزيد جاهلنا على الجهال
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أحلامنا تزن الجبال رزانة»

وقد قال هو أيضا:

وبقيات حلمه عافت الناس فصارت ركانةُ فب الجبال
وَحالتْ عَطاياَ كفِّه دُون وَعدِهفليسَ له إنجازُ وعد ولا مَطلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

أي أن عطايا بلا عدة. والإنجاز والمطل: عرضان أو خاصتان للوعد. فوجودهما بوجوده، فإذا ارتفع الوعد ارتفعت خاصتاه اللتان هما الإنجاز والمطل، وكذلك كل خاص ومخوص، إذا انتفى الخاصة، كالضحك وقبول العلم والأدب اللذين هما خاصتا نو الانسان. فاذا انتفى الانسان انتفت هاتان الخاصتان.

وإنما مثلتً الوعد بالانسان، وان كان الوعد عرضا، والانسان جوهرا تقريباً وتثبيتاً. فلا تظن بنا غير ذلك، ولو وثقنابفهم بنى الزمان، لغنينا عن إطالة البيان.

كفى ثُعلاً فخْراً بأنك منهمُودَهْرٌ لأن أمْسَيْتَ من أهله أهْلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

أي ودهرٌ بكونك من أهله. أي دهر مستحق لذلك. وَرَفَعَه بفعل مُضمر أي وليفخر دَهْرٌ، وحسن هذا الإضمار، لأن قوله:) كفى فخراً بأنك منهمُ (في قوة قوله: لتفتخر ثُعلٌ، فحمل الثاني على المعنى، فكأنه قال: لتفخر ثُعل وليفخر دهر، والحمل على المعنى كثير، فأهل: صفة لدهر، وأراد كفى الفخرُ ثُعلاً فخراً بكونك منهم.

وله أيضاً:

أبرحْتَ يامَرَضَ الجُفُون بِمُمْرضٍمَرضَ الطبيبُ له وعيدَ العُوَّدُ

أبْرحْتَ: بالغت في تعذيبه، وتجاوزت النهاية، ومنه قولهم: أبرحْتَ فارسا: أي بلغت الغاية، وتجاوزت النهاية. ومرض الجفون: فتورها. والممرض: يعنى نفسه لأن مرض الجفن أمرضه، فيقول: بالغت يامرض الجفن بإمراض مريض، مَرِض الطبيب له: إما عجزا عن شفائه. ومرض العُوَّدُ لشدة ما رأوا به فِعيدوا.

ولابن جنى في هذا البيت كلام أجله عن أن أغزوه إليه.

وقوله:) مرض الطبيب له (، فله: في موضع الصفة للمُمرض، ومعنى له: أي) من (أجله. وقد يكون في موضع المفعول كقولك: أنا عليم بك ووكيل عليك.

فله بنُو عبد العزيز بنِ الرِّضاولكلِّ رَكبٍ عِيْسُهم والفَدْفَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

يريد أنه قصد بنى عبد العزيز ليشفوه مما به، ولم يأخذ سيرة الذين يأخذون بقولة امرئ القيس:

وإنك لم تقطع لُبانة عاشق

لأنهم يرون البعُد من المحبوب مما يُريح، فترك هو هذا، ونحا إلى بني عبد العزيز، يذهب إلى أن شُغل بني عبد العزيز هؤلاء أن يُريحوا من هذا المُمرض، وشُغْل كل ركب أن يركبوا العيِيْس، ويمشوا في القفار.

وبعض الناس يقول: إن العِيْس لبني عبد العزيز، والأحسن ما بدأْنا به.

نِقَمٌ عَلَى نِقَمِ الزَّمانِ يَصُبُّهانَعِم عَلَى النِّعَمِ التي لا تُجحَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

أي نعمه البوادي العود: تدفع نقم الزمان، فتغنى من فقر، وتفُك من أسرأ والأسر من نقم الزمان، فهو يصب هذه النعم فينتقم بها من نِقم الزمان، لن جوده وغياثه إذا أزالا الفقر والأسر ونحوهما من النقم، فقد انتقما منها، فهن إذن نقم على الزمانية، ونعم على الأسير والفقير ونحوهما ممن أصابه الدهر ينقمه.

مَن في الأنامِ من الكرام ولا تقُلمن فيكَ شَأمُ سوى شُجاعِ يُقصدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

الشأم، مذكر، وتقدير البيت: من في الأنام من الكرام سوى شجاع يُقصد يادنيا، ولا تقل) من فيك ياشأمُ (، فخص بذلك الشأم وحده، فإنه أوحدُ الدنيا جميعاً. لا أوحد الشأم وحده.

أرضٌ لها شرفٌ سواهَا مِثْلُهالو كان غيُرك في سواها يُوجدُ

أي منبجُ هذه ارض شريفةٌ، وغيرها مثلها، لولا كونك بها، فإنما شرفت على البلاد بك لابذاتها.

بَقِيتْ جُموعُهُم كأنك كُلهاوبقيتَ بَينَهُم كأنك مُفْرَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

أي أغنيت غناء الكُل، فكأنك كلهم كقوله:) إلا رأيتُ العباد في رجل (.

وبقيت بينهم كأنك مُفرد، أي لم يكن فيهم من يجوز أن يُعد ثانياً لك، وإن كان حولك منهم جماعة.

ما شَارَكَتْه مَنِيةٌ في مُهجةٍإلا لِشفْرَته عَلَى يدها يَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

العرب تقول: لك على فلان اليدُ البيضاء؛ أي المزية الظاهرة.

فمعنى البيت: إن لشفرته الأثر الأظهر، فإما أن يكون؛ لأن تأثير السيف أظهر من تأثير المنية، لن تاثير السيف جُسماني عليه يقع الحسر، وتأثير المنية نفساني، لا يقع عليه حس.

وقديجوز أن تكون للشفرة اليد على المنية، من جهة أن المنية معلولة للسيف، والسيف علة لها. والعلة أشرف من المعلول، فوجبت المزية للسيف بذلك.

وقد يتوجه البيت على أن كل شريكين، فمن المعتاد الأغلب أن يكون أحدهما أقوم بالأمور، فتعلو يدهُ يد صاحبه، فاذا شاركت المنية سيفه فحكمه أمضى، والأول عندي أقوى.

قَطَّعتهُم حسداً أراهُم ما بِهمَفَتَقَطعوا حسداً لمن لا يَحْسُدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

أراهم مابهم: أي كشف لهم عن تقصريهم عنك، ولو أن اتزن له أراهم ما هو به كان أدخل في الصناعة المنطقية، فتقطعوا حسداً لمن لا يحسُدُ: أي هم يحسدونك لنقصهم عنك، وأنت لا تحسد احداً، لن الفضائل كلها متجمعةٌ لك، فلم يبق لك ما تحسد عليه غيرك.

وقوله: أراهم مابهم، جملة في موضع الصفة.

أنى يكونُ أبا البَريةِ آدمٌوأبُوكَ والثِّقلانِ أَنت مُحمَّدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

هذا محال من القول وسفه، أي انك انت الإنس والجن، وأبوك محمد، هذا يعني أبا الممدوح، لفما لهذه البرة وادعائها آدم أباها، وهذا من قبيح الضعف، وطريق السخف، وقد دخل به العقابُ في أنه لم يُحسن تأليف البيت ولم يُوفق لإقامة إعرابه. ألا تراه فصل بين المبتدأ والخبر بجملة أجنبية في قوله:) وأبوك والثقلان أنت محمد (. وموضع الكلام: أبوك محمد، والثقلان أنت. وهذا لا يكاد يُسيغه لنفسه الذي يقول: ضحِك الناس وقالُوا شِعْر وَضّاح الْيَمانِ إنما شعرى قيد عُقِدْ بخُلَّجانِ وقال ايضا:

طلبتُ جسِيمَ ما طَلَبِى وإنَّانُخاطرُ فيه بالمُهَجِ العِظامِ

اراد جسيم طلبي، و) ما (: زائدة. والعظام هانا: كناية عن العز والشرف.

أي يقول: أنت إنما نُخاطر في طلب بالمهج العزيزة التي لا خلف منها إذا فقدت.

وَلو بَرَز الزمانُ إلى شخصاًلأدْمَى رأس مفْرقِهِ حُسامِي

أي لو شخص الدهرُ لأثرت فيه بسيفي، والدهر ليس بشخص لن وجود النور وعدمه، لاختلاف حركة الفلك، فتمناه هو شخصا ليوقع به، غُلُوا منه غلُواً، وعليه دائرة السوء.

إذا امتلأتْ عُيونُ الُخيلِ منِّيفَويلُ للتَّيقُّظِ والمناَم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي أروعهم ببأسي متقيظين، ويحملون بي، وذلك بما بقى في نفوسهم من الروع، كقوله هو:

يرى في النومِ رُمحك في كُلاُهوَيخْشَى أن يراهُ في السُّهادُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

ومادة كل ذلك قول الشاعر:

وعَلَى عُدوًَّك بابن عمِّ محمدرَصَدان ضوء الشمي والإظلامُ
فإذا تنبَّه رُعتهُ وإذَا هداسَلّت عليه سيوفَك الأحلامُ

وأراد المتنبي: إذا امتلآت عيونُ فرسان الخيل، فخذف المضاف، واراد فويلٌ لها في التيقظ والمنام، فأسند الويل إليهما مجازاً لا حقيقة، لن التيقظ والمنام عرضان لا يلحقهما ويل.

وقد يجوز أن بعض المصدر موضع الاسم، كأنه قال: فويل للمُتيقظ والنائم، كقولهم: ماء غَوْرٌ: أي غأر؛ ومثله كثير.

وله ايضا:

أذا الغُصنُ أم ذَا الدِّعصُ أَم أَنت فتنةٌوذَيَّا الذي قَبَّلتُه البرقُ أم ثَغْرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

أي: اقدكُ غصنٌ؟ أم ردفُك دعصٌ؟ و) ذيا (، تصغير) ذا (. وإنما صغره، لنه اشار إلى الثغر؛ والثغر يوصف بالصغر، ألا ترى إلى قول النظام يصف عجبه من امراة طرحت خاتمها في فيها فقال:

مِنْ رَمْيها الْخاتمَ في الْخَاتَم

شبه فاها بالخاتم لصغره و) أم أنت فتنةٌ (: يكون فيه) أم (العديلة لألف الاستفهام، وتكون منقطعة كَهَلْ، وقد اعترض السؤال عن الجملة، أعنى قوله:) أم أنت فتنتة (بين اثناء الكلام عن الأجزاء، لأن القَدَّ، والرَّدف، والثغر، كلها طوائف، وأنت جملة. وإنما كان ينبغي، لو استقام له، أن يقرع بالسؤوال عن الطوائف، ثم يجُما، أو يجُمل مبتدئا فيقول: أنت فتنة، ثم يأتي بالطوائف.

واما هذا الفصل عندي بين النظائر بالغريب، فقلق غير متمكن، وهذا إنما) يحكيه (أهل المنطقية. وكذلك قوله:) وذيا الذي قبلته البقُ أم ثغرُ (كان أصنع أن يقول:) بَرْقٌ (، لمكان) ثَغْر (، لأنهما نكرتان.

فَتى كلَّ يوم يحتوي نَفْسَ مالهِرماحُ المعالي لا الرُّدَيْنِيةُ السُّمرُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

تُغير على ماله رماحُ المعالي، يعنى المدائح. أي رماح المدائح التي تُبنى بها المعالي، تُغير، كقول أبى تمام:

وآمله غادٍ عليه فسالُبه

وقال: رماحُ المعالي، ولم يقل سيوف المعالي، توطئة للردينية السُّمر.

وقوله:) نَفْس ماله (، ليس للمال نفس في الحقيقة، إنما تجوز بذلك، كما تجوز بأن جعل للمعالي رماحا، وليس هناك رمح ولا نفس، وعلى هذا أوجه أنا قوله:

ألستُ من القوم الألى مِنْ رماحِهمنداهُم ومن قتلاهُمُ مُهجةُ الْبُخلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

لما استعار ما ذهب إليه أكثر مفسري هذا الشعر، من أنه عنى بقوله:) من رماحهم نداهم (: أنهم يجودون، وإنما يجودون بما تُفئ عليهم رماحهم من النهب. وما أدرى ما أعماهم عن هذا على وضوحه.

وله ايضا:

ولا الدِّيارُ التي كان الجبيبُ بهاتشكوُ إلي ولا أشكُو إلى أحدٍ

شكوى الديار إنما هي باعتبار النظار من سوء آثار الزمان عليها. كقول علي ﵁ مخاطباً القبور: لم تُجبك جهاراً، أجابتك اعتبارا.

يقول الشاعر:

وَعظتكَ أجداثٌ صُمُتْوَنَعَتك ألسنةٌ خُفُتْ
وَتكلمتْ عن أوْجُهٍتَبْلَى وَعن صُوَرٍ سُبُتْ

فيقول: إن دمعي حال دون تأملي آثار البلاد في الديار، فيقوم مقام شكواها إلي: لولا مَنعُ الدمع إياي من التأمل، لرأيت سُوء صُنع الدهر بها، لكن الدمع كَفَاني وحماني النظر، كقول الآخر:

فعيناي طوراً تغرقان من الُبكافأعشى وطوراً تحسران فأبصرُ
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

ولهذا العلة سقول الشاعر منهم لرفيقه: تبصر وانظُر، كقوا امرئ القيس:

تَبصِّر خَلِيلي هل ترى من ظَعائنٍسَوالكَ نَقْباً بين حَزْمَيْ شَعَيْعبِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

وقال آخر:

بل تَبصَّر، فأنتَ أبصرُ مِنِّي

أي أن الدمع قد حال بيني أنا وبين التأمل، بإغراقه ناظري؛ وقد بكيت حتى اكل الدمعُ بصرى.) ولا أشكو إلى أحد (، أي أنها قفر لا أحد فيها فأشكو إليه، أي ليس بها احد يُشكى اليه، فأنا أدع الشكوى لذلك، ونفيه العام هنا كقول النابغة:

) عَيتْ جوابا وما بالربْع من أحدِ (

وقد يتوجه البيت على أنه لم يبق في الدار فضل للشكوى بما هدمها وأبادها من البلى، ولا في أنا للشكوى. أي قد ضعفت عن ذلك، والأول أوجه.

أيُّ الأ كف تُبارى الغَيْثَ ما اتَّفقاحتى إذا افترقاَ عادتْ وَلم يعُدِ

الأ كف: جمع كف، قال سيبويه: ولا يكسر على غير ذلك أي كفٍّ سوى كف هذا الممدوح تعارض الغيث؛ أو تباريه؟ حتى إذا أقلع الغيث عادت الكف للندى. وهي تلك الكف بعينها، ولم يعُد الغيث، لأن ذلك الغيث بعينه لا يعود أبدا. وفي قوله:) عادت (، إشعار بأنها أقلعت وإنما قاله توطئة لقوله:) ولم يَعُد (، ومثل هذا كثير في كلامهم، كقوله تعالى:) فمن اعْتَدَى عليكم فاعْتَدُوا عَلْيه (، وانتصار المؤمنين من الكفار، ليس باعتداء ولا ظُلم، ولكنه ذكر الاعتداء هنا لتقدم) فمن اعتدى (. ومثله قول الشاعر:

ألا لا بَجْهلَنْ احدٌ علينافنجهل فوقَ جَهْلِ الجاهِليناَ

وقوله:

أي الأكف تُباري الغيث ما اتفقاحتى إذا افترقا عادت ولم يعدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

يسمى ترجيحا، فقد وقعت المساواة بين الكف والغيث بلا فضل لأحدهما على صاحبه. فإذا أقلع الغيثُ ودامت الكف تجود، فقد فَضَلت الغيث الكفُ ورجعت عليه.

وله ايضا:

وفشت سرَ اثرنا إليكَ وَشَفَّناتَعْريضُنا فبدا لَكَ التَّصْرِيحُ

أي لما جهدنا التعريض، استروحنا إلى التصريح، فانتهك الستر. وإن شئت: لما عرضنا؛ ظهرت دلائل الحُب علينا كفيض الدمع، وتغير اللون، فعاد التعويض تصريحاً، بهذه الأدلة التي أعربت عن الحب، وصرحت به، وإن كنا نحن لم نُرد التصريح فتقديره. فبدا لك التصريحُ من تعريضنا. ومعنى شفنا على هذا القول: نقص تصبُّرنا، وغير تجلدنا، وقد يكون وشفنا: أي شف قوتنا على التكتم فبكينا، فحصل العريض تصريحا.

شِمناَ وما حَجبََ السَّماءُ بروقَهوَحرى يجُود وما مرَتْهُ الريحُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»
نشيم بروق المزن أين مصابُهُولا شيء منك يابنة عفزرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

وقال ابن مقبل في النار:

ولو تُتري منه لباع ثيابهبنبحة كلب أو بنارٍ تشِيمُها

أي شمنا الببروق، ولم يُحجب السماء. أي لا غيم هنالك، فيُحجب أديم السماء، وإنما عنى مخايل يديه، وإن شئت قلت: إن الجو يبسِم بالبرق بعد تعبُّسه بالغيم، وهو يبقى أبداً، فبرقه في صحو، ولا يلحقه عبوس، فيكون ذلك العبوس كالغيم. فجوده هنئ، وليس الغيث كذلك، لأنه وإن حلى الأفق بالبرق، فإنه يحجب حسن السماء، وجمال سِمتها، ويحجبها بالغيم وهذا قريب من قوله هو:

فَترى الفضلة لا تَرُدُّ فضيلةًالشمس تُشرق والسحاب كنهورا

عنى بالسحاب الكنهور: نداه، وبالشمس: بشره، وحسن وجهه الوضئ، وسنشبع شرح ذلك في القصيدة التي هو فيها إن شاء الله تعالى.

) وحرى يجودُ وما مرته الريح (. أي حرى نان يجود من غير أن تَمْرِ به الريح.

يذهب إلى تخليص جود هذا المدوح من الكدر، وتفضيله على المطر، لأن ماء المطر وإن كان طهوراً نافعاً، فإن هناك ما يُكدره، وهو الغيم الذي يطمس نور الشمس، فيولد الكُرْبة في النفس والريح التي يتوقع منها الآفات وأنواع الجوائح. وإن شئت قلت: إن الريح هنا مستعارة، وإنما كنى بها عن السؤال، لأن السؤال يستخرج النوال، كما أن الريح تمرى الماء. فيقول: جُوده متبرع يُغنى عن السؤال: كقوله هو:

وإذا عنُوا بعطائه عن هَزِّهوإلى فأغنى أن يقولوا وَالهِ

لذلك قال هو أيضا:

والجراحاتُ عنده نَغَماتٌسَبَقَتْ قَبلَ نَيْلهِ بسؤال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

وسيأتي شرحه في موضعه: ونظيره قوله:

وَحرَّى يجود وما مرته اليحُ

وعلى هذا القول الأخير قول البحتري:

مواهبا ما تجشمنا السؤال لهاإن الغمام قليبٌ ليس يحتفرُ

ويجوز) وحرى يجود (بإضمار) أن (، أي وحرى أن يجود.) ما مرته الريح (. جملة في موضع الحال.

وله ايضا:

لمَ يَلق قبلكَ من إذا اشْتجر القَناجَعَل الطَّعان مِن الطِّعان مَلاذَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

إن شئت قٌلت معناه: أنك تلقي فسك للطعان محتقراً لها، لتهابك الأقران. وإن شئت قلت معناه: إنك تلوذ من الطعن بطعنك لعدوك، علما أنك إن تهيبته ولم تطعنه طعنك فإما تدفعه باإقدام، لا بالإحجام،) لأنه (تمكين للعدو.

ولهذا قالت العرب: إن الحديد بالحديد يُلف: أي إن الشر إنما يدفع بمثله. كقول قطري:

تأخرتُ أستبقى الحياة لم أجِدلنِفْسي حياة مثل أن أتَقدَّما

وقال المتنبي في نحوه أيضا:

فإن تكُن الدولاتُ قسماَ فإنهالمنَ ورد الموتَ الزؤام تدُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»
لمنْ هوَّن الدنيا على النفس ساعةٌوللِبيض في هامِ الكماة صليل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»
لمَّا رَأوك رَأوا أباك مُحمداًفي جوشنٍ وأخاَ أبيكَ مُعَاذَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

أي) ذكروا (برؤيتهم إباك عمل وأباك. يذهب إلى قوة شبهه بهما كقولهم ابو يرسف ابو حنيفة، أي مثله، وقد قال المتنبي في هذا المعنى:

لو تنكَّرت في المكَرِّ بقومٍحَلَفُوا أنك ابنُهُ بالطِّلاقِ

وله ايضا:

وكأنما عيسَى بن مريمَ ذكرُهوكأنَّ عزر شخصُه المقبورُ

عازرُ هذا: أخياء عيسى، وإقامه من قبره، فكذلك ذكر هذا البيت يحييه، كما أحيا المسيُ عازر. وترك صرف عازر لأنه أعجمي.

وله ايضا:

تُشَقَّق منهُنَّ الجُيوب إذا بَدَتْوتُخْضَبُ منهُنَّ اللَّحَى والمفارِقُ

) تشقق منهن الجيوب (. أي إن البعولة والبنين يقتلون بها، إذا جُردت من أغمادها، فيشقق الثكإلى جيوبهن. و) وتُخضَب منهن اللحى والمفارق (أي يُخضبن بالدم، حتى يُشكل الشابُ والكهل والشيخ، فلا تعرف الثكلى بعلها من ابنها.

يحُاجى به: مَا ناطقٌ وهو ساكتٌ؟يُرى ساكتاً والسيفُ عَن فيه ناطقُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

الصمت والنطف: ضدان، والضدان لا يجتمعان في محل واحد، في وقت واحد، لكن هذا الملك ينطق السيفُ عنه وفمه ساكت، فالأحجية من البيت في الشطر الأول وتحليلها في الثاني، ونُطق السيف عنه؛ عمله في عًصاته وعُداته، إذ السيف جمادُ، والجماد لا نطف له. وإنما هو كقوله:

وقالت الأنساعُ للبطن الحقِ

ولو تقصيت هذا لطال الكلام، لن في مثله يطولُ المثال.

وله ايضا:

وتُنكرُ مَوْتَهُم وأنا سُهيلٌطَلعتُ بموت أولادِ الزِّناء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتنكر يا ابن إسحاق إخائي»

أكثر الموت الواقع في البهائم، إنما هو عند الرعاء بطلُوع سُهيل، فعد أضداده من جهلهم. بهائم يمُيتهم سُهيل. قال:

وكان أضر فيهمْ من سُهيلٍإذا أوفى وأشأم من قُدارِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «حذرت الحب لو أغنى حذاري»

وقال المنجمون: طُلوع سُهيل طلوع ضُرٍّ وويل. فيقول هو: طلوعي ضرر على أولاد الزنا. ولم يعن بذلك أنهم لزنية في أنسابهم، إنما أراد أنهم يعتزون إلى الفضل وليسوا منه، كما ينتسب بنُو الزنا إلى غير آبائهم. وسُهيل: اسم جاء على بناء التصغير وله ايضا:

مَلامُ النَّوى في ظُلمِها غايةُ الظُّلملَعلَّ بها مِثلَ الذي بي مِنْ سُقْم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي أن ملامى للنوى في ظلمها لي، واسئثارها بمحبوتي غاية الظلم، لأن في الإمكان، وطبيعة تأثير الزمام أن تكون النوى عاشقةُ لهذا المحبوب كعشقى، فيورثها ذلك سُقما كَسُقمى، فالحكم ألا ألومها، لأن من لم يُؤثر عليك إلا نفسه فليس بمؤثر عليك أحدا.

وبالغ بقوله: غاية الظلم، مُدرا أن بالنوى من الوجد مثل ما به. وذكر السُّقم ولم يذكر العشق استغناء بذكر المسُبب عن السبب. واراد ملامى للنوى، فأضاف المصدر إلى المفعول، كقوله تعالى:) لايَسْأمُ الإْنسانُ من دُعاءِ الَخْيْر (.

طِوال الرُّدَينَّيات يَقْصفُها دَمِىوبِيضُ الْسُّريْجِيّات يقطُعها لحْمِى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

إن شئت قلت: إن دمه يقصف الرمح بحدته وقوته، أي أنه أقوى من الرمح.) وبيض السُّريجيات يقطعها لحمى (: أي أنه احدُّ من السيف، فهويؤثر في السيف تأثير السيوف في غيره.

وقد يكون أن الرماح والسيوف تنبو عنه، ولا تؤثر فيه البته. فكأن دمه كَسر الرمح، وكان لحمه قطع السيف. وقد يجوز أن يهنى أنه من نفسه وعشريته في منعة. فإذا أصابه طعن أو ضرب، أكثر الطعن في طلب ثأره، حتى تتقصف الرماح، وتتقطع السيوف.

مُذلُّ الاعِزَّاء المُعزُّ وإن يئنبه يُتمُهم فالمُوتمُ الجابر اليتم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

أي مذل مخالفيه المعادين له، معز محالفيه المعاضدين له. وإن يئن: أي يقرب به يُتمهُم، أي يُتم أبنائهم بقتله أباءهم، فإنه يجبر يتمهم بعوده عليهم؛ واكتفاله إياهم بعد الآباء.

وقد يجوز أن يوتم قوما ويجبر يتم آخرين، لم يكن هو الذي أيتمهم.

إذا بَيَّت الأعداء كان اسْتماعُهمصرير العوالي قَبل قَعقعةِ اللجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

أي يطوى سره؛ ويخفى حسه، حتى يكاد يُخرس اللجام فلا يخرس. وهذه مبالغة في طي الخبر.

وقد الحزم حتى لو تعمد تركهلألحقهُ تضييعه الحزم بالحزْم

أي أن حرمه طبيعي؛ فلو تعمد تركه لا نعكس تضييعه الحزم حزماً، إذ ليس قوته غير ذلك.

وفي الحرب حتى لو اراد تأخرالأخره الطبعُ الكريمُ إلى القُدْم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

أي أن طبعه إتيان الفضائل، وتنكب الذائل، فلو رام التأخر ممتحناً لطبيعته تلك، لتأبى عليه الطبع، فرده إلى التقدم.

وقد اطرد هذا المعنى في غير هذا الموضع من هذا الشعر، كقوله:

لَهُ رحمةٌ تحيى العظام وغضْبةٌبها فضلَةٌ للجُرم عن صاحِبِ الْجُرمِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يُحيى العظام: مبالغة في قوتها على الإحياء. وغضبةٌ: أي إذا إغضبه المجرم الجاني تجاوز له غضبه قدر جُرمه، فاما تجاوز به قدر جرمه فإهلكه، وإما تهاون به فتركه.

دُعيتُ بِتقريظيك في كل مجلسٍفظَن الذي يدعُو ثَنَائي عليكَ اسْمِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

أي أن لزمتُ مدحك، وخصصت حمدك، حتى عُرفت بذلك، وغلب على اسمي العلم وكُنيتي ونسبي، وظن الذي يدعو ثنائي عليك اسمي: أي قيل لي: با مادح ابن إسحاق، ذهاباً إلى أن ذلك اسمي لا اسم لي غيره، وأراد يدعوني، فحذ المفعول. ثنائي واسمي: مفعولا ظن. وإنما أراد الصفة المشتقة من ثنائي عليك، كقوله: يا حامد، ويا مادح. ولم يرد المدح ولا الحمد، لأنهما عرضان، والمسمىجوهر، فلا يُدعي الجوهر بالعَرَضِ.

وَثقناَ بأن تُعطى فلو لم تَجُدْ لَنالَخِلْنَاك قد أعطيتَ من قوَّةِ الوهمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يذهب إلى أنه لو عدم فضيلة في وقت، لُظن فيه أنها موجودة أو تُيقنت وذلك لما يُعتاد من وجود الفضائل فيه، وهذا كالصادق يَكْذب فيُتوهم كِذْبه صدقاً، لما جرت به العادة من صدقه.

وقد عظم إعياء أبى الطيب في هذه القصيدة جداُ.

فمن ذلك أنه عكس المر بين الفاعل في بيته الذي هو) طوال الرُدينيات... (.

ومنه: أنه جعل الضِّد ينقلبُ إلى ضده كقوله:) لألحقَه تضييعه الحزم بالحزم (. وليس من شأن تضييع الحزم أن ينتج الحزم.

وكذلك قوله

وفي الحرب حتى لو أراد تأخراًلأخره الطبعُ الكريم إلى الْقُدو
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

فجعل التأخير ينعكس إلى التقدم.

ومنه: أنه جعل العدم يُظن به الوجود، كقوله:

... فلو لم تجد لنالخلناك قد أعطيتَ
فكم قائل لو كان ذا الشخُ نفسهُلكانَقراهُ مكمنْ العسكر الدهمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

النفس روحانية: فاما تعظم عظما روحانيا كعظم العالم العلوي. والجسم جوهرٌ متكائف، فلو تجسمت هذه النفوس لعظم جرمُها، وكانت ذات طوائف جسمانية عظيمة. فكأن ظهر هذا الجسم يستُروراءه عسكراً عظيماً فيحجبه، وإن شئت قلت: لو كان شخصهُ على قدر نفسه في العظم، لكان ظهره مكمن عسكر كبير. وخص الظهر، لأنه لا غُصون فيه، فالكمون فيه أصعب.

عظُمت فَلَماَّ لم تُكَلَّمْ مهابةًتواضعت وهو العُظْم عُظماً عن العُظْمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

فأرحت ما بالناس من تهيُّبهم لك، تواضعت عظما عن التعظيم، وهو العُظم في الحقيقة، لأن العظمة والكبرياء إنما يليقان بالأعظم وهو البارئ سبحانه.

و) عَن (في قوله:) عن العُظم (، متعل بقوله عُظماً: بمعنى تعاظم وهو نصب على الحال أو المصدر. وتقدير تالبي: تواضعت عُظماً عن العُظم وهو العُظم أي ذلك التواضع هو العُظم الحقيقي.

وله ايضا:

أحادٌ أم سداسٌ في أحَادِلُيَيْلَتُنا المُنوضَةُ بالتَّنادي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

أي أواحدة لُييلتنا هذه أم ستٌ في واحدة. لُييلتنا: صغرها تصغير التعظيم، كقول أوس:

فُويق جُبيلٍ شاهِق الرأسِ لم يكنليبلُغهُ حتى يَكَلَّ ويعملا

فقال جُبيل. والجبلُ الذي هذه حاله ليس بجبيل، إنما هو جَبَل.

وأنما وجه تصغير التعظيم، أن الشيء قد يعظم، في نفوسهم، حتى ينتهي إلى الغاية، فاذا انتهى إليها، عكس إلى ضده، لعدم الزيادة في تلك الغاية، وها مشهور من رأى القدماء الفلاسفة الحكماء: أن الشيء إذا انتهى انعكس إلى ضده، ولذلك جعل سيبويه الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وهي نهاية التعدي بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى إلى مفعول. قال: لأنه لما انتهى فلم يتعد صار بمنزلة ما لا يتعدى. وهذا منه ظريف جداً.

والتنادي: القيامة، لما جعل الليلة ستا استطالها بعد ذلك، فجعلها هو أكثر مدة، فقال: إنها منوطة بالبعث.

وأحاد: خبر مبتدأ مقدم، ولا يكون مبتدأ لنه نكرة، ولُييلتنا معرفة، فهو أولى بالابتداء، وصغر الليلة على القياس.

مَتى لَحظتُ بياض الشَّيبِ عَيْنيِفقد لَحَظتْه مِنْها في السوادِ

أي حزنى على بياض شيبي كحزنى عليه لو رأته عيني في سواد ناظرها. كقول أبى دلف:

في كل يوم أرى بيضاء قد طلعتكأنما طلعت في ناظر البصر
مَتى ما ازْددتُ من بعد التَّناهيفقد وَقَع انتْقِاصِي في ازْديادي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

أي إذا ازددتُ عمراً بعد تناهي الأشُد، فتلك الزيادة في سني نقصان مني، لنه قد بلغ غاية النماء ببلوغ الأشُد، فهو آخذ بعد ذلك في التحلل إلى بسيط العنصر، كقوله هو وقد مدح بعض الأمراء بشعر عدد أبياته أربعون:

فبعثنا بأربعين مهاراًمُهرٍ ميدانه إنشادُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»
عَدَدٌ عشته يرى الجسمُ فيهأرباً لا يراه فيما يُزادُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

أي عدد عشته أيها الممدوح، لأن سن الممدوح حينئذ، كانت اربعين فسوى عدة الأبيات بعدة سنيه، وقال:) يرى الجسمُ فيه أرباً لا يراه فيما بُزاده (يعنى بالأرب: النماء، ولا يكون إلا إلى الأربعين. فاذا زيد عليها عمرا لم ير الجسم في ذاته تماءً، إنما هو راجٌ عن التركب إلى التحلُّل.

وأبعَدُ بُعْدنا بعد التدانىوأقربُ قُرْبنا قُرب البعادِِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: كنت منه بعيداً، فكان البُعد مني حينئذ قريباً، والقربُ بعيداً.

فلما جئتهُ وقربت منه، انعكست الحال، فعاد البعد بعيداً وكان قريباُ وعاد القرب قريباً وكان بعيداً.

ونسب الإبعاد والتقريب إلى هذا الممدوح، لأن انعكاس الحال، إنما كان بسببه. فلولا هو لم يَبْعُد البعُد الذي كان قريباً، ولا قرب القرب الذي كان بعيداً. وإخراجه مصدر أبعد وقرب على بُعد وقُرب، أنما مصدراهما إبعاد وتقريب. على قوله تعالى:) واللهُ أنْبتكُمْ مِن الأرْضِ نباتاً (أي: نبتُّم نباتا. وكذلك ابعد وقرب، مطاوعهما بَعُد وقرُب، فأخرج المصدر عليهما، مثله كثير.

وأنك لا تَجودُ على جوادٍهباتُك أن يُلقب بالجوادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

أي لم تترك هباتُك أحدا غيرك يستحق أن يٌلقب بالجواد إذا قيس بك وتلخص ذلك: أي لا تجود هباتك على أحدٍ بهذا الاسم، وإن كانت لاتمكنع غيره من ضروب العطايا،) فأن (على هذا القول نصب بإسقاط الحرف أي بأن يُلقب. وهباتُك فاعل بتجود. ولا تكون التاء في تجود للمخاطبة ويكون) هباتك (بدلاً من الضمير الذي في تجود، ولا يجوز ذلك البتة، لأن المخاطب لا يُبدل من البته. ومن هنا منع سيبويه البدل في قولك: بكَ المسكين مررت، إنما تنصبه على الترحم، أو على نية إسقاط الألف واللام في قول يونس، فيكون منصوباً على الحال. وقد كره هو أيضا قول يونس وقال: ولو جاز هذا لقلت: مررت بعبد الله الظيف تريد ظريفاً.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح المشكل من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.