تجاوز إلى المحتوى

من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)

شرح المشكل من شعر المتنبي (٦)

إن المنية عند الذلِّ قنديدُ

أتانى وعيدُ الأدعياء وأنهمأعدوا لي السودان في كفر عاقب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

) كفر عاقب (: موضع بالشام، وأرصد له فيه قوم يريدون إهلاكه.) والأدعياء (: ناس ادعوا إلى على ﵇.

ولو صدقُوا في جدهم لحذرتُهمفهل في وحدى قولهم غير كاذبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

أي لو صدقوا هؤلاء الأدعيان المُوعدُون لي، في ادعائهم قُربي على عبسه السلام، لحذرتهم لشرفهم، ولكنهم يكذبون في ذلك، فهل في وحدي يكون قولهم صادقاً، كما يكونون في نسيهم، كذلك يكونون في توعُّدهم إياي.

بأيِّ بلادٍ لم أجُر ذوائبيوأيُ مكانٍ لم تَطأهُ ركائِبيِ

أما جرُّه ذوائبه: فكناية عن الغزل والتغني، كقول الآخر:

أيام أسحبُ لمتى عفر الملاوأغُضُ كل مُرجلٍ ريان

وأما وطء ركائبه المكان، فكناية عن الغزو، يقول: كل مكان قد شاهدت إما طالب غزلٍ أو غازى أملٍ.

كأن رحيلي كان من كف طاهرٍفاثبت كُوري في ظهُور المواهب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

أي أن مواهب هذا الممدوح مُشَرقة ومُغربة. فكأن رحيلي كان من كفه، وهي مكانُ العطايا، فأثبت كُوري في ظهور مواهبه فهي تُشرق بي وتغرب. ووجه اتصال هذا البيت بالذي قبله، أي لم أدع موضعاً إلا أتيته، كما أن مواهب طاهر لم تدع موضعاً إلا أتته. وإنما صح لي ذلك بإثباته رحلي على ظهور مواهبه السيارة.

وجعل للمواهب ظهوراً، لذكره الكُور الذي موضعه الظهر. وهذا مجاز. إذ لا ظهر لمواهبه ولا بطن.

فَلم يبق خَلقٌ لم يرِدن فِناءَهُوَهُن له شِرْب وُرُودَ المشارب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يُحقق تشريق مواهبه وتغريبُها، وأخذها من الدنيا في كل أفق وقُطر.

فيقول: لم يبق خلق إلا وقد وردت هبات طاهر فناءه؛ إما قادماُ بها من لُدنه، وإما محمولة اليه. والخلق هنا: بمعنى المخلوق، إذ لا معنى للمصدر في هذا الموضع.

) وهُن له شِرب وُرُود المشارب (: أي وهي وإن كانت مشارب للآملين، فإنها تطلب الآملين الزُّوار؛ مع طلبهم إياها طلب العطاش لمشارب. وقوله:) وهُنَّ له شِربُ (: يتعجب من أنها لهم شرب، وهي تطابهم طلب الظمآن للماء. وهذا نحو قول أبى تمام:

فأضحت عطاياهُ نوازع شُرداًيُسائلن في الآفاقِ عن كل سائِل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»

لا أن بيت أبى الطيب أغرب. وتلخيصه: فلم يبق خلق لم يردن فناءه وُرُود المشارب، على أنهن شرب لذلك الخلق.

فقد غَيَّبَ الشُّهادَ عن كل موطنٍوردَّ إلى أوطانه كل غائبٍ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

أي دعا صيتهُ في السا الناس حتى غابُوا عن أوطانهم، مسافرين إليه. ثم أغنى هؤلاء السفر؛ فردهم إلى أوطانهم، وكفاهم عن السفر إلى غيره، بما أفادهم إياه. قال بعض النُّفاد: وهذا كقول أبى نُواس:

واذا المطى بنا بلغن محمداًفظهورُهن على الرجال حرامُ
للشاعر شاعر الحمراء، من قصيدة «يا أيها المولى الذي بوجوده»

وليس عندي مثله، لأن المتنبي قال: أغنى هذا الممدوح قُصاده، وردهم إلى أوطانهم، فكفاُهم السفر. وأبو نواس قال: إذا بلغتِ المطىُّ بنا هذا الأمير، حرمنا ظهورها على الرحال؛ أي لم نركبها أبداً؛ ولا امتهناها، جزاء لها على تبليغها إيانا أملنا من لقائه. ولم يذكُر عطاء؛ ولا كفاية سفر، ألا تراه يقول بعد هذا؛ مُبينا لعلة تحريم ظهورها على الرجال:

قَرَّبْننا من خير من وطئ الحَصَىفَلَها علينا حُرمة وذمامُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا دار ما فعلت بك الأيام»
أناسٌ إذا لاقواعدى فكأنماسلاحُ الذي لا قوا غُبارُ السلاهبِ

السلاهب: الطوال من الخيل وغيرها. وإن شئت قلت: سلاح أعادبهم بمنزلة غبار الخيل في أنه لا يعبأ به. وخص السلاهب، لأن الطوال أخفُّ، فغبارها أخف.

وإن شئت قلت: إن سلاح من لقيهم إنما هو إثارة الغبار بالهرب والانهزام، وجعل ذلك سلاحهم، لانه هو الذي يقيه كما يقى السلاح غيرهم، أي ذلك الذي يقوم لهم مقام السلاح.

وإن شئت قلت: كان السلاح هنا الدروع والجُفن أي هي عليهم أوهى نسجاً من الغُبار تحرقها الرماح، كقوله في صفة الرماح:

قواضٍ قواض نسج داود عندهاإذا وَقَعَتْ فيه كَنَسجٍ الخدرنق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الخدرنق: العنكبوت؛ شبه الدروع في خرق الرماح لها، وسهولة ذلك منها عليها، ببيت العنكبوت.

رموا بنواصيها القسى فجئتهادوامى الهوادى سالمات الجوانب

أي رموا نواصي هذه الخيل بالقسى، فعكس،) ومثله كثير (؛ فجاءت دوامى الهوادى، وهي الأعناق والمقَاوم، لأقدامها. وسلمت جوانبها، لأنها لم تستعرض ولم تستدبر. وكنى بالجوانب هنا عن الأعجاز والأعطاف جميعاً، وهم يصفون المُقدم بأن جُرحه في أمام جسمهن والمُدبر بخلافه، كقول القُطامى:

ليست تجرحُ فُراراً ظهورهُموفي النحور كُلوم ذات أبلادِ
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وقوله:) دوامى الهوادى (: اراد دَوَامى، فسكن اضظراراً.

يَقولوُن تأثير الكواب في الورىفما بالهُ تأثيره في الكواكب

أثر فيها باعتلائه عليها. يقول: أثر هو في الكواكب؛ وهو من الورى فكيف زعموا أن الكواكب تؤثر في الورى. يذهب إلى تكذيب المنجمين، فيقع فيما هو أوحش وأفحش من قولهم، وهو قوله: إن هذا الممدوح أثر في النجوم بفضله عليها. وهذا نحو قوله:

فتباًّ لدِينِ عَبيدِ النُجُوِموَمَنْ يَدَّعِي أنها تَفْعَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
وقَد عَرفتكَ فما بالُهاتَراكَ تراها ولا تَنزِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
يرى أن ماما بان منك لضاربٍبأقْتَلَ مما بان مِنْك لعائِبِ

أي يرى أنه ليس الذي بان منك لضارب، بأقتل مما بان منك لعائب. أي العيب أقتلُ من الضرب. ففي) أن (مُضمر على شريط التفسير، وما الأولى نفي، والثانية بمعنى الذي والجملة بكليتها تفسير المضمر على شريط التفسير.

حَملتُ اليه من لِساني حديقةًسَقَاهاَ الحجا سقْي الرياض السَّحائبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

الحديقة: الروضة. شبه القصيدة بها في حسنها، إلا أن الذي قام لها مقام السحاب للحديقة، إنما هو هقلي، بأنه سقاها بفكره وبأمله، سقى السحابِ الرياض، كقول أبى تمام في صفة الشعر:

ولكنه صوبُ العُقُول إذا ابجلتْسحائبُ منه أعقبتْ بسحائبِ

وأراد سقي السحاب الرياض فصل بين المضافين اضطراراً.

وله ايضا:

كتمتُ حبك حتى عنك تكرمةًثم استوى فيك إسرارى وإعلانى

أي كَتَمتُ حبي عن الأنام، حتى عنك وإنما كان كتمانه تكرمة لك، ثم غلبني ذلك فاستوى سري وجهري أي أظهرت منه مثل ما كنت أخفي.

كَأنه زَادَ حَتى فَاض عَن جسدِيفَصَارَ سُقمى به جسمِ كتمانى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي كأن الحب زاد حتى سَقِمتُ، فغاض بعض سُقمى إلى جسم كتمانى، فمرض الكتمان، وبطل، فظهر الحب. وهذا اعتذار منه إلى محبوبه في إعلانه بحبه. أي إنما كان ذلك لهذا. واستعار للكتمان جسماً، وان كان عرضاً، لانه ذكر السُّقم، والسُّقم عرض، والعض لابد له من محل.

وان شئت قلت: الهاء في كأنه راجعة إلى الكتمان. وإن لم يجر له ذكر كقوله: من كذب كان شرا، أي كان الكذب شرا له. حكاه سيبويه. ومثله كثير في التنزيل وغيره. فيكون المعنى على هذا، كأن الكتمان فاض عن جسدي فتغشى الجسم؛ واستتر العرض في أغلب الأمر. ولما قال إن الكتمان مشتمل على الجسم كاشتمال الثوب، استجاز أن يجعل الكتمان جسماً مؤلفا، وقد خفي جسمه وظهر ما فاض عليه من الكتمان، فكأن السُّقم في جسم الكتمان.

وله ايضا:) ولقد علمنا أننا في طاعة الفراق والانقياد له، لتيقننا الموت، الذي هو أشد أنواع الفاق، لانه اضطراري الوجود، وغيره من أنواع الفراق ممكنٌ لا واجب، وكأنه قال: نحن متيقنون لوقوعه، لعلمنا أننا نموت. وذكر الطاعة، لأن الامتناع من الموت ممتنع.

ومن ظريف هذا البيت: أيجابه إطاعة الجنس، وجعله علة ذلك إطاعة النوع الضروري، لأن النوع قابل لاسم الجنس. وهذا منه تفلسف منطقي بديع.

وله ايضا:

أعلى قناة الحُسين أوسطُهافيه وأعْلَى الكمى رِجْلاهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

) فيه (: أي في المأزق. ومعناه: أنه لما طعن بها الفارس تحنَّت، وتقوست أحد طرفيها في المطعن والآخر في يد الطاعن، فيعتمد عليه، فصار أوسطها أعلى أنبوب فيها.) وأعلى الكمى رجلاه (أي يطعُن الفارس فيخر مكبواًّ: أعلاه رجلاهُ وأسفله رأسه.

تُنشدُ أثوابا مدائحهبألسن مالهن أفواهُ

أي تدل من رآها أنا قد مدحناه، فأخذنا مدحه، فتخبر عن جودة المدح بجودتها، اذ لا يكافئ الممدوحُ الناقد بالجيد إلا على الجيد.

وقيل: عنى أنها جُدد، فهي تُقعقُع. وهذا لا يلتف اليه.

إذا مَرَرنْا على الأصم بهاأغْنَتْه عن مِسْمَعَيْهِ عَيناهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الناس ما لم يروك أشباه»

) بها (: أي بالحُلل. ويقول: إذا رأى الأصمُ علينا هذه الحلل التي كساناها ابو العشائر، علم أننا داعون له من أجلها، وشاكرون عليها، لما يُرى من بهائها وسنائها وإن لم يسمع شكرنا إياه، ولا دعاؤنا له. فعيانه موثوفٌ به، بل هو أشد إعراباً عن ذلك من اللسان. لأن اللسان ربما حذف إما اختصاراًوإما لُكنة. ونحو هذا البيت قوله هو:

خلفت فاتُك في العيون كلامهكالخط يملأ مسمعي من أبصرا

ونظير البيت الاول قول الأسود، وهو نُصيب:

فعاجُوا فأثنوا بالذي أنت أهلهولو سكتُوا أثنت عليك الحقائبُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»

وقال قوم لم يكنك يا أبا العشائر، فقال:

قالُوا ألم تكنه فقُلْتُ لهُمذلك عى إذا وَصَفْنَاه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا ألم تكنه فقلت لهم»

قالوا) ألم تكنه (: يُخرج ظاهره على أنه كناه، لأنك إذا قلت مُنكراً: الم تقم؟ فمعناه: قد فعلت القيام. وإذا قلت أقُمْت، لم يكن فيه غثبات إنه قام، وإنما هو إنكار امر القيام. والمتنبي لم يُكن أبا العشائر في القطعة التي قبل هذه. وإنما قال له هؤلاء المطالبون المتتبعون لزلله:) ألم تَكْنه (؟ وهم مستفهمون لا منكرون، فلم يشعر هو لمكرهم، فاعترف لهم، فقال: لا. ثم أعلم ما حاوله هؤلاء الحاسدُون منه، فقال ها الشعر معتذراً وحكى كا واجهُوه من لفظ الاستفهام.

لايتوقى أبُو العَشَائرِ منلَبْسِ معاني الورى بمعناهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا ألم تكنه فقلت لهم»

أي إن صفاته مُغنية عن تسميته وتكنيته، لانه منفرد يها لا يُشرك) فيها (اذ هي صفات لا يُحلى بها غيره. فصارت كالاسم، بل هي أشد اختصاصاً به من الاسم والكنية،، لأن حُسناً وأبا العشائر كثير. والصفاتُ التي لأبى العشائر ها، لا تلحق إلا إياه. فصارت لاته كالحد للنوع المحدود. وللك سمي تكنيته مع وصفه إياه عيا.

وله ايضا:

كيف ترثى التي ترى كُل جفنٍراءها غير جفنها غير راقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

أي لا يسعها الرثاء للباكين، لانه يبكي من هجرها واحد، بل كل واحد وإنما كانت ترثى لو انفرد باك بالبكاء، فأما جميع الباكين من هجرها فلا يسعهم رثايتها لهم. وإن شئت قلت: إن كل جفن رآها بكى من هجرها إلا جفنها وحدها، فانه لا يبكى، لأنها لا تهجره. ويُقوى ذلك بعد هذا:

أنتِ مِنا فتنت نفسك لكنكِ عُوفيتِ من ضنى واشتياق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فهي لا ترثى لذلك من غيرها؛ لأنها مُعفاة منه. وتقدير البيت: كيف ترثى التي ترى كل جفن رآها غير راقٍ إلا جفنها) فغير جفنها (استثناء) وغير راق (حال. وإذا رددت غير راق إلى الاسم المحصل فكأنك قلت: كيف ترثى التي ترى كل جفن رآها باكياً، لأن) غير راق (معناه: باك كما أنك إذا قلت: زيد غير عالم. فغير عالم كقولك: جاهل واراد: راقئا، فأبدل إبدالاً صحيحاً، للوصل.

لو عَدَا عَنْك غَيْرَ هَجْرِك بُعدلأرَار الرسيمُ مُخ المناقى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

عدا: صرف وارارِ: ذاد. والرسيم: ضرب من السير. والمناقى: الإبل السمان. أي لو كان المانعُ عنك بعداً لا هجراً، لسرنا دأباً حتى تُهزل إبلنا، فيذوب مُخها، فاكتفى بذكر المسُبب عن ذكر السبب. ومثله قوله:

أبعدُ نأى المليحة البخلُفي البُعد مالا تكلفُ الإبلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»
وَلَسِرْنا وَلَوْ وَصَلْنَا عَلَيْهامِثْلَ أنفَاسِنَا عَلَى الأرْمَقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

الأرماق: البقايا. أي سرنا إليك على هذه الإبل التي كانت تعود أرماقا ونحن كالأنفاس عليها خفة، لما لحقنا من النحول: كقوله: برتنى السُّرى برى المُدى فرددننيِ أخف على المركُوب من نفسي جرني) فمثل أنفاسنا (: حال من الضمير الذي في وصلنا) وعلى الأرماق (ظرف متعلق بأنفاسنا. وإن شئت قلت: ولو وصلنا على هذه الإبل فقد استكرهت حملنا فضعقت عنه لما لحقها من المشقة، كما استكرت أرماقنا حمل أنفاسنا لذلك.

كاثرت نائل الأمير ممن المالِ بما نوَّلت من الإيراق

الإيراق: التجنيب والمنع. يقول: كاثرت عطاء الأمير بمنعها. يصفها بكثرة ذلك منها. فكأنه قال: عارضت جُودهُ ببخلها، ليكون أبعث على حبها كقول العرب:) تمنعى أشهى لك (. وقد يكون أنه وصفها بالعفة، كما وصف الأمير بالكرم؛ أي أن عفتها في نوع العفة، ككرم الأمير في نو الكرم.

يابني الحارث بن لقمان لاتَعدمكُمُ في الوغى متون العتان

في الوغى اختصاص حسن. يصفهم بالشجاعة إذ لا يُدمنُون ركوب الخيل أبدا لإراضتها وسياستها.

طاعنُ الطعنة التي تطعنُ الفيلقَ بالذُعر والدم المهراق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

الفيلق: الكتيبةُ. والذعر: الفزع. أي أنها طعنة تملأ صدور الكتيبة كلها ذُعراً، وإن لم تكن تقع الطعنةُ إلا بواحد. فكأنه بذلك قد طعن الفيلق كله، فيفرُّون.

همُّهُ في ذوى الأسنة لا فيها وأطرافُها له كالنطاقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

أي حفت به الأسنة، حتى صارت له كالنطاق، فهمهُ حينئذ في قتل ذوي الأسنة؛ لهوانها عليه، وحقارتها لديه.

وقوله:) وأطرافها كالنطاق (: جملة في موضع الحال، يستغرب ذلك وهذه حال. وشبههه بعض النقاد بقول أبى تمام:

إن الأسود أسود الغاب همتُهايوم الكريهة في المسلوب لا السلبِ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إن الأسود أسود الغاب همتها»

وليس مثله، لأن أبا تمام نفي عن الممدوح حُب سلب وأبو الطيب ذكر أن أبا العشائر لا يعبأ بالأسنة المحدقه به لشجاعته، ولم يذكر حُب سلب ولا ضده، وقال:) وأطرافها (ولم يقل) هي (، لأن الأسنة لم تخالط لحمه بعدُ، وإنما هي على ظاهر جسمه، فأطرافها هي المحدقة به لا جُملتها.

جاعلٍ درعه منيتهُ إنلم يكن دُونها من العارِ وَاقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

أي يجعل درعه منيته التي تقيه العار، إذا لم يجد غير الموت واقياً. وكان أظهر من ذلك - لو اتزن له - أن يقول: جاعل منيته درعه.

والاسى قبل فُرقةِ الرُّوح عجزٌوالاسى لا يكُون بعد الفراق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

يُسفه رأي من شح بنفسه وجبُن. فيقول: لامعنى للأسى قبل فرقة الروح، لانه في حد الوجود، فإذا حل به العدمُ وأزال الوجود فلا أسى هنالك؛ فمن الحُكم ألا يكون أسى. وقيل: الأسى لا يكون بعد الفراقن وإنما هو قبل الفُرقة، فعلى هذا يكون صدر البيت تسفيهاً لرأي المشفق على الذات، وعجزهُ اعتذار له.

ليس قولي في شمسِ فِعلككالشمس ولكن ي الشمس كالإشراق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

جعل لفعل شمساً: استعارة لحسن أفعاله وإنارتها. فيقول: ليس ثنائي عليك في نوع الثناء؛ مثل فعلك في نوع الفعل، ولكن فعلك شمس وثنائي إشراقها، أي أن ثنائي ينشُرها فعلا ويُبينه كما يُظهر الإشراقُ جوهر الشمس وكنى عن فعله بالشمس، وعن ثناثه بالإشراقُ، لأن الشمس أشرقُ من الإشراق؛ من حيث كانت جوهراً والإشراقُ عرضٌ فيها.

وله ايضا:

ولو لم أخف غير أعدائهعليه لبشرتُه بالخُلُود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

غير أعدائه: الحمام البيعي. فيقول: لو أخف عليه الموت إلا من قبل أعدائه لتيقنت أنه خالد؛ لقصور عداهُ عنه. وهو نحو قول جرير:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاأبشر بطول سلامة يامربعُ
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط برامتين فودعوا»

إلا أن قول أبى الطيب أبلغ جريراً بشر مربعا بطول السلامة، ولم يفصح بالخلود. وأبو الطيب اراد أن يبشره بالخلود.

وله ايضا:

قطعت ذياك الخُمار بسكرةوأدرتْ من خمر الفراق كُئوسا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الخُمار: أخف من السكر. فيقول: كنت أشكو هجرك مع القرب، فأتبعني بينك، وهو أشد من الهجر الذي كان مع دُنو الدار، وقرب المزار. وكثيراً ما يستعمل هذا النحو، أعنى أنه يستصغر العظائم، بإضافتها إلى ما هو أعظم منها، كقوله: وقد كنتُ قبل الموت أستعظم النوى فقد صارت الصُّغرى التي كانت العُظمى وكقوله:

ولم يُسلها الا المنايا وإنماأجلُ من السُّقم الذي أذهب السُّقما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»
وَبه يُضَمن على البرية لاَبِهاَوعليه منها لاَعَلِيْه يُوسى

أي يضن على البرية أن يُعد منها وإن كان من نوعها، لانه أشرف منها جوهراً وفعلا. فكأنه أنما يعُد في نوع آخر غير نوع الإنسان، ولا يُنفس بالبرية عليه، لأن خطره أنفس من خطرها، فتقديره: لابها عليه.) فحذف عليه (للعلم بها، وكذلك يُحزن عليه منها: أي يُحزن على أن يُعد منها، فُيبخس حقه، ولا يُحزن عليها من كونه معدوداً فيها بالنوعية، لأنها دونه في القدر والخطر.

وإن شئت قلت: إنه إنما يُحزن عليه من بينهم إذا هلك، لا عليها إذا هلكت، لعجز غنائها عن غنائه.

فمن على القول الاول للعلة أي من أجلها، وعلى القول الثاني بمعنى من بينها.

وأراد:) يُءسى (؛ فأبدل إبدالاً صحيحاً للردف، في قول أبى الحسن وهو تخفيفٌ قياسي في قول أبى عثمان؛ لانه يرى الردف يالتخفيف القياسي معامل للفظ.

وله ايضا:

مَرَتْكَ ابنَ إبراهيم صافيةُ الخمرِفَهُنئتها من شاربٍ مُسكرِ السُّكْرِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مرتك ابن إبراهيم صافية الخمر»

أي أنت سكران صاحياُ بأريحية خلتك؛ فإذا شربت الخمر أسكرتها بفضل سكر أريحتك. وقال مُسكر السكرِ ولم يقل مُسكر الخمر لأن إسكاره السكر أبلغ من إسكاره الخمر. وهو أذهب في الشعر وأغرب؛ لأن العرض لا يحملُ عرضاً؛ فتفهمه. وقال: مرتك؛ وإنما هو مرأتك؛ فأبدل إبدالاً صحيحاً، كقوله:) فارعى فزارة لا هناك المرتعُ (.

وله ايضا:

يا أخت مُعتنق الفوارسِ في الوغىلأخُوكِ ثم أرقُ منكِ وأرحمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»
يرنُو إليك مع العفاف وَعندهُأن المحبوس تُصيبُ فيما تحكمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

قيل: يخاطب محبوبته. جعلها أختاً تعففاً عنها، وتنزهاً عن الفجور بها.) لأخوكِ (: يعني نفسه.) ثم (: أي في موضع القتال. و) اعتناق الفوارس (أرق منك في الهولا وأرحم، ذلك على قساوته في الحرب، برنو إليك مع العفاف... البيت.

أي أن أخاك وهو يعني نفسه ينظر إليك فيعجبه حسنُك، إلا أنه يعفُّ تشرفاً لا تديناً، وعنده مع عفته، أن المجوس تُصيب في حكمها الذي هو نكاح الأخوات.

إن شئت قلت: إنه يتعزل بأخت رجل شجاع، فيقول لها: أخوك على شدته وبسالته، أرقُ منك وأرحم، ثم أخبر عنه أنه يرنو إليها مع العفاف الذي تُوجبه منافرة الطبيعة لنكاح الأخوات، فيذُم نفسه على ذلك العفاف الطبيعي. وعنده أن المجوس تصيب في نكاح الأخوات.

وقد قيل في هين البيتين قول لا ينبغي أن يُلتفت إليه لسُخفه.

وقولُه المجوس: اراد المجوسيين، فلذلك أجل عليه الألف واللام. ولو عنى القبيلة لقال إن مجُوس كقوله:

أحار أريك برقاً هب وهناًكنَار مجَوسَ تَسْتَعِر اسْتِعارَا
راعتك رائعةُ البياض بعارضيولو آنها الأولى لراع الأسْحمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

الرائعة: اول ما يظهر من الشيب. والعرب تصف المرعى بالسواد، فاذا حلت الشيبةُ جعلوها) راعية (لذهاب السواد، كما تُذهب الراعيةُ من الماشية حضرة المرعى.

) ولو آنها الاولى لراع الأسحم (: أي لو تقدم البياض قبل السواد، ثم أعقبه السواد لكان اروع؛ لأن السواد أروع من البياض وأهول.

والظُّلمُ من شيم النُّفُوسِ فإن تجدذا عِفةٍ فلعلة لا يظلمُ

المعنى: والظلم من تأليف خلق النفوس. ومعنى الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. وتأليف النفوس من اربعة أشياء متنافرة: من حار رطب، وبارد رطب، وحار يابس، وبارد يابس. وهي ما اعتدلت صلح الجسم، واذا اختلفت فسد الجسم، فهل يوجد؟

وتراه أصغر ما تراهُ ناطقاًويكون أكذب ما يكونُ ويُقسمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

أي يعظم ساكناً بهيبته، فيغُرُّ من رآه، فاذا تكلم صغُر من لكنته، كقوله:

وكائن ترى من صامتٍ لك مُعجبٍزيادتهُ أو نقصُه في التكلمِ
للشاعر بلعاء بن قيس الكناني، من قصيدة «لسان الفتى نصف ونصف فؤاده»

) ويكون أكذب ما يكون ويُقسم (: أي إذا تناهى في الكذب أقسم عليه أنه حق له.

وله ايضا:

كُنْ لُجنة أيها السماح فقدآمنه سيْفُه من الغرقِ

الُّلجة مهلكه للأرواح، والسماح مهلكة للمال. فيقول: أيها السماح اعظُم، حتى تكون لُجة مُهلكة لما له، فإن سيفه يحلف عليه بالإغارة والنُهبة جميع ما تتلفه أنت. ولما جعل السماح لجة استعار اسم الغرَق للفقر. ونظير هذا قول الشاعر:

ومن يفتقر منا يعشْ بُسامهِومن يَفتقِرْ من سائر الناس يسألِ

وقال: كن لُجة، ولم يقل: كن بحراً، لأن اللجة اهول ما في البحر ألا ترى أن العرب تسنيها) العَوْطب (، لما يحدث فيها من العطب أو يُخاف، ولم يُسَمُّوا جملة البحر عَوْطَبا.

وله ايضا:

أنا بالوُشاة إذا ذكرتُك أشبهُتأتي الندى ويُذاعُ عنك فتكرهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه»

الكريم يكره ذكر إحسانه إلى مُؤمليه، حذار أن يُظنوا ذكر ذاك اعتداداً به عليهم ومنا، فكأن من يذكره عنه؛ يُشيع عنه ما يكره إشاعته؛ وينمُّ به. والقطعة رائية؛ ولا تكون هائية؛ لأن بعد هذا البيت بيتاً آخرُه) نَصْرهُ (؛ فهذه هاء إضمار؛ متحركٌ ما قبلها؛ وهاء الإضمار المتحرك ما قبلها؛ لا تكون رويا.

فإن قال قائل: قد قال في المصراع الاول من هذا الشعر) أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبهُ (فقفى بالهاء. قُلتَ: لم يُقف بهاء. وليس الشعر بمصرع، وإنما هو في البُعد من التصريع، بمنزلته لو قال:) إذا ذكرتك أمثلُ (مع قوله تكره. فهذا احتيالُ لطفه له أهل بغداد.

والذي عندي أن أبا الطيب كان جاهلا بصناعة القوافي؛ فانها مهنة دقيقة يعجز عنها الشعراء؛ ويفلطون فيها. نعم؛ وقلَّ من يعرفها من النويين إلا الخليل وأبا الحسن إماميها وقليلاً بعدهما.

وله ايضا:

ومن خُلقتْ عيناك بين جُفُونهِأصابَ الحدور السَّهل في المرتقى الصعبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك أهدى الناس سهما إلى قلبي»

أي أن قلبي متنزه بمناعته؛ أي بشجاعته؛ دافع عن نفسه ببأسه. ولكن من كانت له عين كعينك، أصاب الأمر الصعب بالسعى السهل. أي فذلك ممكن لك منى على تمنُّعه على غيرك. والانحدار سهل، والاؤتقاء صعب. فمن كان الارتقاء عليه في سهولة الانحدار؛ فكل صعب له سهل، كقول البحتري:

ومُصعدٌ في هضاب المجد يطلُعُهاكأنه لسكُون الجأش منُحدرُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»

وقد بالغ أبو الطيب بالمقابلة بين الحدور السهل والمرتقى الصعب؛ لسرى طبيعة الضد في الوصفين والموصُوفين. قابل الحدُور بالمرتقى، والسهل بالصعب. ولو أمكنه أن يقابل الحدُور بالصعود؛ لكان أذهب في الصنعة. ليوازن اللفظين.

وله ايضا:

وفاؤُكُما كالربع أشجاهُ طاسمُهبأن تُسعدا والدمعُ أشفاه ساجمهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

يخاطب خليله. وإنما كثرت مخاطبة العرب خليلين وصاحبين؛ دون أقل أو أكثر؛ لأن أقل السفر المتُرافقين ثلاثة، فالواحد يخاطب صاحبيه. يذهبون في ذلك إلى أنه إن اختلف الاثنان قتل الأقوى الأضعف. فاذا كان لهما ثاث؛ توسط فحال بينهما في الأغلب. فلذلك لم يصطحب في الأكثر أقلُّ من ثلاثة لهذه العلة. هذا معنى مخاطبة العرب في أغلب الأمر الاثنين، حتى تجاوزوا في ذلك إلى أن خاطبوا الواحد بخطاب الاثنين؛ كقوله تعالى:) ألْقَيا في جَهَنَّم (. ومن كلامهم: ياحَرسيُّ اضربا عُنقه. وقال: فإن تَزْجُرانى يابن عفان أزدجر والطاسم: الدارس. وأشجاه: أشدُّه إشجاء وإحزاناً. ولا يكون فعلا، لمقابتله إياه بقوله: أشفاه. وأشفى: اسم لا فعل. يقول: وفاؤكما أيها الخليلان بأن تسعداني على بكائي في هذا الربع الدارس، كهذا الربع الذي بكيتهُ، وذلك في ترك المساعدة في الوقت به معي، ففي ذلك أشبه وفاؤكما للربع دروساً وطُموسا. ثم قال:) والدمعُ أشفاه ساجمه (: أي لا تلوماني على البكاء، فان أشفى الدمع ساجمُه. وقد يجوز،) والدمعُ أشفاه ساجمه (: أي بالإسعاد وبالدمع الذي أشفاه ساجمُه. أي: وفاؤكما بالإسعاد لي، والبكاء معي.

) دارسٌ (قد قارب العدم، كما أن الربع كذلك، فكلا كما أشجاه لي مادرس، وقد يقنع المشُوقُ من صاحبه أن يقف معه على الربع عاذلاً، أو عاذراً، وإن لم يشركه في شوق ولا بكاء، كقول البحتري:

قف مشُوقا أو مسعداً أو حزيناًأو مُعيناً أو عاذراً أو عذولاَ
للشاعر البحتري، من قصيدة «ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا»

فقد يجوز أن يكون أبو الطيب عدم هذا كله من خليله، وأبيا موافقته على وجه: لا مشوقين ولا مسعدين، ولا عاذرين.

والدمع على هذا، معطوف على موضع) بأن تسعدا (أي بالإسعاد. وبالدمع الذي أشفاه ساجُمه، يعني بكاه معه. والباء في) بأن تُسعدا (: متعلق بمحذوف أي وفاؤكما بالإسعاد. ولا تكون متعلقة ب) وفاؤكما (الاولى، لأنك قد أخبرت عنها بقولك:) كالربع (فمحال أن تخبر عن الاسم وقد بقى ما يتعلق به، لأن هذا المتعلق به جزء منه. فكما لا يخبر عن الاسم قبل تمام حروفه، كذلك لا تخبر عنه وقد بقى ماهو جزء منه.

سقاكِ وحياناَ بكِ اللهُ إنماعلى العيس نورٌ والخُدُورُ كما كمائمُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

جرى في هذا البيت على مذاهب العرب وطرائقهم، لأنهم يُحُّيون بالنُوار وأصناف الازهار. فلما أبصرها في الخدور جعلها نوراً في كمه، فدعا له بالسُّقيل، لينعم ويحْسُن. ودعا لنفسه أن يحيا بذلك النور.

إذا ظفرت منك العيونُ بنظرةٍأثاب بها مُعيى المطى ورازمُه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يريد أن النظر إليها سببٌ لقول الشعر فيها، والتغنى به في الطرق، وجميع ما يتصرفون، ويحدُون به. فتنشط الإبل لذلك. إذ من طبعها أن تنشط للحُداء.

قِفِى تغرم الاولى من اللحظ مُهجتيبثانيةٍ والمُتْلفُ الشيء غارمُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

يقول: لحظتك فأهلت اللحظةُ مُهجتي. فقفى على حتى ألحظك اخرى، فترد على ما أذهب الاولى، وذلك أن لكل نظرة أنظرها تأثيراً في، فا ... ذا قد عدتُ المهجة الاولى، فعمل الثانية ردُّها، لأن الشيء إذا انتهى في ضد انعكس إلى ضده.

وتكملةُ العيش الصبا وعقيبهُوغالب لون العارضين وقادمُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

أي كمال العيش، يعني جميع طبقاته، فأولُهن الصبا: وهو من النشوء إلى الشباب، وعقبيُه الشباب، وبعده غائب لون العارضين، وهو الشيب مالم يقدم، فاذا قدم فقد كمل العيش، وما بعد الكمال إلا النقص. والهاء في) قادمه (راجع إلى اللون، ولا يكون راجعاً إلى اللون، ولا يكون راجعاً إلى) غائب (، فيكون من إضافة الشيء إلى نفسه، وليس كذلك إذا كان مضافاً إلى اللون، لأن لون جنس انقسم إلى نوعين: غائب وقادم؛ والنوع غير الجنس، فكأنه قال: وتكملة العيش الصبا وعقيبُه، سوادُ الشعر وبياصُه، لانه إذا كان البياض غالباً، فالسواد حاضرز

وأحسنُ من ماء الشبيبة كُلهحيا بارقٍِ في فازة أنا شائمهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

قوله:) في فازة (يعني فازة ديباج ضربت لسيف الدولة، والحيا هنا: الخصب، ويعني به سيف الدولة. والشائم: الناظر.

إذا ضَرَبته اليرحُ ماج كأنماتجُول مذا كيه وتدأى ضراغمُهْ

أي هذه الفازة مُصورةٌ بصورة خيل وأسد، فاذا مرت به الريح حركت الفازة، فتحركت هذه الصُور بحركاتها، فتُخيل أن مذاكيها، وهي الخيل المصورة فيها تجول، وان ضراغمها تدأى: أي تمرا سريعاً. ومن روى) تأى (: أي تهمس المشى لتختل. والضراغم: الأسد. واحدها ضِرْغم وضِرغام وضِراغمة. وان يكون في البيت جمع ضِرغم أولى، ىنه إن كان جمع ضِرغام أو ضرغامة، لزم) ضراغيم (لأن الألف إذا كانت رابعة في الواحد، صارت ياء في الجميع ثابتة، إلا أن يُضطر شاعر، كما أنشد سيبويه: والبكرات الفُسج العطامسا وانما حكمه العطاميس، فحذف للضرورة، فإن يكن ضراغمه جمع ضرغم وهي لغة مشهورة حكاها ابن دُوَريد وغيره، أوجه من أن يُوجه على الضرورة:

فَقَد مل ضوء الصُبح مما تُغيرُهُوَمل سوادُ الليل مما تُزاحمُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»
ومل القنا مما تدُقٌ صدورهومل حديدُ الهند مما تلاطمُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

ذكر طاهر بن الحسين أن) تُغيرُه (في البيت من الغيرة، يريد أن الصبح يغار من كثرة ما تفعل فيه، من قبله إلى ضده، من شدة القتال، وكذلك الليل أيضا يفار من ذلك، لانه يُصيره يوماً، لإظهاره فيه السيوف والرماح، من ضيائها.

قال ابو الفتح بن جنى: اراد تُغير فيه، فحذف حرف الجر اختصاراُ.

وقال في) تزاحمه (: أي تسرى فيه، فاستعمل) تزاحمه (في موضعها.

والهاء في) تزاحمه (مفعول به، وليست بمعنى) تزاحم (فيه. وقال الوحيدُ: ليس هذا اراد بقوله) تغيره (وإنما اراد أنك تسير في بياض الحديد، من البيض والروع، فكأن الصبح يغار عليه إذا رأى ضياء غيره قد ألبس به.

يزاحم الليل الذي هو الظلمة. وقوله:) ومل حديدُ الهند مما تُلاطمه (أي تلاطمه بأمثاله.

قبائعهُا تحت المرافق هيبةًوأنفذُ مما في الجُفُون عزائمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

يريد انهم يسترون سيوفهم ويخفونها هيبة ومخافة من سيف الدولة. وعزائمهُ أنفذُ من شفار سيوفهم.

سحابٌ من العقبان يزحفُ تحتهاسحابٌ إذا استسقت سقتها صوارمُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

ويروى:) فوقها (، فيكون قوله:) العقبان (في أول البيت كناية عن الخيل، كما قال:

تظُنُّ فراخُ الفُتخ أنك زرتهابأماتها وهي العتاقُ الصلادمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

السحابُ: جمع سحابة. وكل جمع ينقصُ عن واحده بالهاء، ذلك تذكيره وتأنيثه، فأنث في قوله) تحتها (، وذكر في قوله: صوارمه، أخذاً بالأمرين. ولا يمكنه هنا غير ذلك، لمكان الوزن، وأن هذا الشعر موصولٌ، ليس له خروج، أعنى أنه ليس بعد هائه حرف لين. وقيل تأنيث هذا النوع على الجمع، وتذكيره على الجنس. أي قد حُشرت العقبان في أفق جيشه، وثقةً منها بما يُقتلون، فيكون رزقاً لهذه العقبان، كقول الأفوه:

وترى الطيرَ على آثارهارأي عينٍ ثقة أن ستُمارُ

فالعقبان على هذا الجيش كالسحاب، لتكاثُفها واشتباكها ولونها والجيش تحت هذا السحاب، الذي هو من العقبان، سحابٌ آخر. فإذا الذي هو الجيش، بأن تضع لها القتلى فتنزل عليها، فتخصُب. وجعل الأسفل يسقى الأعلى؛ إغراباً، لانه بعكس ما جرت عليه العادة، من أن الاعلى هو الذي يسقي الاسفل.

وقال:) إذا استسقت (وانما العقبان وسائر سباع الطير مستطعمةٌ لا مُسْتَسْقِيةٌ؛ لانه ذكر السحاب؛ والسحابُ مُسقٍ. كقول أبى ذُؤيب في صفة السحاب: تروت بماء البحر ثم ترفعت

ومن الحسن أن تكون الرواية) يزحف (على لفظ التذكير؛ توطئة لقوله: صوارمُه، فيكون ضرباً من الإشعار. وجعلها تزحف لكثرة الجيش، كما قالوا: كتيبةٌ جرارة، أي لا تقُدر على السير إلا رويداً؛ لكثرتها.

سلكتُ صُروف الدهر حتى لقيتُهعلى ظهر عزمٍ مُؤيداتٍ قوائمُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

الهاء في لقيتُه: عائدة على سيف الدولة. وعلى: متعلقة بسلكتُ...

فالمعنى: إن عزمه قوى مؤيد؛ فاستعار انه ركبه ويسلك صروف الدهر عليه.

وله ايضا:

أأطرحُ المجدَ عن كتفِي وأطلُبُهوأترُك الغيث في غمدي وأنتجعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

كنى بالمجد عن الرمح الذي يحُمل على الكتف مُعتقلاً، لما كان المجد يُكتسب به. فهذا من باب الاستغاء عن ذكر السبب بذكر المُسبب. وإن شئت قلت: جعل الرمح هو المجد مبالغة. كقولهم: ما زيد إلا أكل وشُرب: وإن شئت: كان الحذف؛) أي ذا المجد (وهو الرمح ايضا، لإدراك المجد به.) وأطلبه (: أي أطلبُ أثراً بعد عين. وأترك الغيث في غمدي: يعني السف الذي هو سبب خصب المعيشة. وليس الغيثُ هنا ذات السيف. وانما عنى الغيث. وإن شئت قلت: جَعَله الغيث مبالغة، إذ كان سبباً له، ثم قال وأطلب الرزق على غير هذا الوجه الذي لا يكْرُم عيش ولا يُصب إلا به، كقول النبي ﵇:) الخير في السيف والخير مع السيف (.

زأصل الانتجاع: طلب الكلأ. ثم صار كل طلب: نُجعة. وحسن لفظ الانتجاع لتقدم ذكر الغيث.

ذم الدُمسْتُق عينيه وقد طلعتسُودُ الغمام فظنوا أنها قزعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

أي غرت الدمستف عيناهُ، ثم توهم جيش سيف الدولة قليلاً وهو كثير، فأقدم اغتراراً بما خيلته اليه عينهُ، فذم عينيه ولا مهمُا اذ لم تخبراه باليقين، فَتُرياهُ الجيش على ما هو به من الكثرة، لانه لو صدَقتاهُ لم يُقدم والقَزَعُ: قطع السحاب المفترقة. يقول: ظن الجيش قليلا كقزَع السحاب، وهو كسود الغمام، وانما شبهه بالغمام السُّود، لانه أهول منظراً؛ ولأن فيه صواعق بلا غيثٍ، فهي أشبه بصفة الجيوش من جهة العاقبة واللون، ألا تراهم قالوا: كتيبة جأواء وخضراء وخصيف. وكل ذلك إلى السواد.

فتلخيص البيت: ذم الدمستق عينيه حين أوهمتاه الجيش قليلاً وهو كثير، فأقدم، وكان أذهب في الصنعة لو اتزن دون زحافٍ - أن يقول:) فظن (، بلفظ الإفراد لانه إخبارٌ عن الدُّمستق، ولكنه حمل الضمير عليه وعلى من حوله.

كأنما تتلقاهُم لتسلُكهُمْفالطعنُ يفتحُ في الأجوافِ ما تسعُ

أي كأن خيله تريد سُلُوك عداه، كما يسلكُ السهمُ الرمية ثم يمرقُ، فالطعن يفتح في أجوافهم ماتسع الخيل، إشادة بالطعن، وتشيعاً له. كقول قيس بن الخطيم:

سلكتُ بها كفى فأنهرتُ فتقهايرى قائم من دُوتها ماوراءها

وأراد ماتسعُ الخيل؛ فحذف المفعول، لتقدم ذكر الخيل.

دُون السهام ودُون الفرِّ طافحةًعلى نفوسهم المُقورة المُزُعُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي قد تغشتهم الخيلُ حتى صارت أقرب إليهم من السهام التي فيهم، مبالغة وليس بحقيقة، لأن السهام التي فيهم، أقربُ اليهم من الخيل التي عليهم. و) دون الفرِّ (: أي أن الخيل تمنعهم الفرار. وقال:) على نفوسهم (، ولم يقل على أبدانهم؛ لأن نفوسهم قد فاضت عن أبدانهم، فكان الخيل تسبق السهام وتفوت حتى تغنى عن الفر. ويروى) دُون السهام ودون القر (فيكون المُقْورةُ على هذا الدروع التي قد أخلقها التداول؛ حتى عادت كالمقورة من الخيل وهي الضامرة - المتجردة و) المُزُع (على هذا: التي قد تمزقت أشلاؤها أي قد تمزقت كما يتمزعُ اللحم أي يتبدد. فيكون المعنى أنه لا تقيهم الكُسى حراً ولا برداً؛ ولكن هذه الدروع المقورة. والرواية الاولى أصح.

إذا دعا العلجُ علجاً حال بينهُماأظمى تُفارقُ منهُ أختها الظلعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح المشكل من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.