من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)
شرح المشكل من شعر المتنبي
قال ابو الحسن علي بن إسماعيل النحوي المعروف بابن سيده: قال ابو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي رحمه الله تعالى:
أبْلَى الْهَوَى أَسفًا يومَ الْنَّوى بَدَنىِوَفَرَّف الْهجْرُ بَيْنَ الْجَفْنِ والوَسن
يذهب الناس إلى أن أسف البعد هي الذي أبلاه على عادة البِلَى وإنما قصد المبالغة، أرد أن البِلَ يعمل في الجسام فحالا على الأيام. وقد عمل فيه ليوم واحد، وهو يوم النَّوى، عمله لسنين.
وقال:
ظَلْت بهاَ تَنطَوِي عَلَى كَبدٍنَضِيجةٍ فَوق خِلْبِها يَدُها
ظلت: أقمت، والخِلبُ: غشاوة الكبد والبيت مضمَّن بالأول وهو أبعد بان عنك خرَّدُها.
فالعامل في أَبْعدَ، ظلت كأنه قال: ظلت بها بَعْدَ ما بان خُرَّدُها، والمعنى: بعدما بان خردها، ظلت منطويا على كبد قد أنضجها التوجع وأذابها التفجيع، و) عليها يدها (: إنما توضع اليد على الكبد خشية من ضعفها.
يريد بذلك، وكذلك يُفْعَل بالفؤاد، كقول الآخر:
وضعتُ كفِّى عَلَى فُؤادي مِنْنار الهوى وانْطَويت فَوق يَدِي
وأكثر الناس على أن) نَضِيجَة (، صفة للكبد في اللفظ والمعنى، لا حظَّ لليد في النُّضج، وإنما يريد أن اليد موضوعة على خِلب الكبد فقط، ويُقَويه البيت الذي أنشدناه، وهو) وضعت كفى على فؤادي من......ناؤ الهوى..... (.
وقد يجوز أن يكون) نضيجة (صفة للكبد في اللفظ، ولليد في المعنى، أي على كبد قد نضجت يدها على خلبها من حرارتها، وهذا أبلغ لأنه إذا أنضجت اليد وهي موضوعة على الخلب من حر الكبد، فما الظن بالكبد؟ فإذا كان المعنى على هذا، جاز في) نضيجة (الجر والرفع. فالجر على الصفة للكبد في اللفظ، والرفع على أن يكون خبر مبتدأ، وذلك المبتدأ هو اليد، كأنه قال: يدها نضيجة فوق خلبها. وهذا كما تقول: مررت بامراة ظريفة أمتها، فالظرف في اللفظ للمرأة، وفي الحقيفة للأمة. وإن شئت قلت: ظريفةٌ أمُّها، أي أمُّها ظريفةٌ.
وأما إذا كانت النضيجة صفة للكبد في اللفظ والمعنى، فإنه لا يكون فيها الا الجرُّ. وكن) نضيجة (صفة لليد، أبلغ في المعنى، لأنها حينئذ نضيجة بما ليس في ذاتها. وإذا كانت نعتاً للكبد، فهي نضيجة بما في ذاتها. واحتراق الشيء بما ليس في ذاته، أبلغ من احتراقه بما في ذاته وإنما يريد أنه إذا وضع يده على كبده متألِّماً نضجيت اليد بحر الكبد، كقوله:
هل الوجد إلا أن قلبي لودنامن الجمر قِيد الرمْحِ لاحترق الجمرُ
وهذا عندي أبلغ من قول المتنبي، لأن اليد إذا كانت على خلب الكبد، فهي اقرب إلى الحرّ من الفؤاد من الجمر، إذا كان بينه وبين الجمر قِيدُ رُمح، مع أنه جعل الجمر الناريّ محترقاً من حر فؤاده. فحر الفؤاد إذن أشد من حر الجمر.
شابَ من الهجر فرْقُ لِمَّتِهِفصار مثل الدِّمَقْسِ أسْودُها
وفي هذا البيت ثَرْمَلَة صنعة، قال:) فَرقْ لمِته (فخص جزءاً من اللمة ثم قال: أسودُها، فعَمَّ، لكن قد يجوز أن يعود الضمير إلى الفرق، وإن كان الفرق مذكرأ، لأن المذكر إذا كان جزءاً من ذات المؤنث جاز تأنيثه.
أنشد سيبويه:
وَتَشْرَقٌ بالقول الذي قَدْ أذعْتَهُكما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدَّمِ
وقد يجوز أن يريد بياض اللمة كلها، وخص الفَرْقَ، لأنه معظم الرأس، تم أعاد الضمير إلى اللِّمة. وإنما وجهُ استواء الصنعة لو اتزن له، وحسُن في القافية أن يقول:
شابتْ من الهَجْر لِمَّتُهُفصارمثل الدمَقْسِ أسودُها
أو يقول:) أسودُه (بعد قوله) لِمتَّه (وأسودُها هنا: ليست مفاضلة، إذ لو كان ذلك، لكان أشد سواداً.
وقد يجوز أن يكون أراد المفاضلة، فقد جاء ذلك شاذاً، فقوله أسودها بريد به مُسوَدها كما يقول: هو أسود القوم أي الأسود فيهم.
كيف يحيك المَلامُ في هِمَمٍأقربُها منك عَنْكَ أَبعْدُها
كيف يكون أقرُ شيء أبعدَ شيء! هذا خُلْفٌ إذا حُمل على ظاهره لكن لو قال: أقربها منك بعيد عنك، كان حسناً، ولكن الذي أراده: أقربها عندك مثل أبعدُها. فالجملة في موضع الصفة لهمم. أي أقربها منك عندك أبعدُها منك على الحقيقة.
أَحْيَيْتُهَا واّلدُّموعُ تُنْجِدُنىشُئُونُها والظَّلامُ يُنْجِدُها
أحييتها: يعني الليالي. تنجدنى: تعيننن. والشؤن: مجارى الدموع، واحدها شأن. أي أحييت الليالي بالسهر والبكاء.
ومعنى ال بيت: إن شأن الدمع أن يخفف الحزن، كقول البحتري:
إن الدموع هي الصبابة فاطرححبعض الصبابة واسترح بهمومها
وهذا مثير في أشعار العرب. وهو عندنا موجود بالمشلهدة، فكأن الدمع يعينه على طول الليل، وإعانة الدمع للمحزون على الحزن ليلاً، أحدى من إانته عليه إياه نهاراً، لأن المحزون يتسلى نهاراً بما يتأمله، وينظر إليه، والظلام يقصر الطرف عما يتشاغل به المحزون نهاراً، فيفرغ الحزين عند ذلك إلى الدمع، لا يجد مُعيناً غيره. قال:) والظلام ينجدها (أي أن الظلام إذا قَصَر الطرف عما يتشاغل به المحزون، زاد الليل بذلك طولاً. فكأن الظلام أنجد الليل عليه بقَصْره طرفه عن النظر إلى ما يتشاغل به. ولذلك قال الشاعر:
بلى إن للعينين في الصبح راحةلطرحيمها طَرْفيهما كل مَطرَحٍ
وقوله:) والدموع تنجدنى (جملة في موضع الحال من التاء في أحييت.
وقوله:) والظلام ينجدها (جملة في موضع الحجال من الهاء التي في أحييتها، أي أحييت الليالي وأنا تنجدنى دموعي بالتسلية، وهي ينجدها الظلام بالتطويل لها.
لا نَاقَتي تَقبلُ الرَّديفَ ولابالسَّوْط يَومَ الرِّهان أُجهِدُها
حاجى بهذا البيت، إنما عنى نَعْلَه، فكنى عنها بهذا النوع من الحيوان لأن الماشي يعلو نعله كمل يعلوا الراكب ناقته، ونفى عنها مالا يكون لاحقاً لغير الحيوان المراكب، يخرجها بذلك من نوعه. ثم بين هذه الأُحجيَّة فقال:
شِراكُها كُورُها ومِشْفَرُهازِمَاَمُها والشُسُوعُ مِقْوَدُها
أي كل واحد من طوائف هذه النّعل يحل محل الأرداف من الناقة، فجعل شراكها كالكور على وسط الناقة. والزمام أمامها، كما أن مِشْفَر الناقة أمامها، والشُّسُوع مِقْودها، وذلك أنه يَفْضل عن ذات النعل، كما أن المِقْوَد يفضل عن المقود.
وكان ينبغي أن يقول: وشِسْعها مقودها فيفرد، كما قال: شراكها وزمامها، لكنه جمع عَلَى أن كل ظائفة من الشِّسْع شِسْعٌ، وكذك كان ينبغي أن يقول لو اتزن له:) وزمامُها: مِشْفرها (، كما قال:) شراكُها: كورُها، وشسوعها: مِقودها (، فبدأ بطوائف النعل قبل أداة الإبل، لكن حَسَّن عندي ابتداءه بالمِشْفر ذاتي، والكور والمقود من الأداة، لا من الذات.
ياَ لَيتَ بي ضَربةً أُتيحَ لَهاكما أُتِيحتْ له مُحمَّدُها
معنى إتاحة الضربة له: حُلُوها به، ومعنى إتاحة محمد لها: نبوُّها عنه، واحتماله لها، وتأثيره فيها برغمه، وكذلك كل حال وذى حال كل واحد منهما مُتاح لصاحبه، وأراد أتيح محمدها كما أتيحت هي له. وأُتيح قٌدِّر.
ويجوز أن يكون أراد أن الضربة ندمت حيت وقعت به، لأنها لم تكن بحق، فكان ذلك الندم تأثيراً فيها، وكذلك السيف ضربَ غيرَ مُسْتَحق. وكل ذلك مجاز واتساع. أي قدر محمد للضربة كما قُدرت له فكان هو المؤثر فيها، ألا ترى بعده:
أَثر فيها وفي الحديدِ وَمَاأَثَّر في وجهه مُهنّدُها
أثر في الشيء: غادر فيه أثراً، ولا يكون إلا في الجواهر، كقولك: أثر المطر في الحائط والْخَسْف في الارض، وأثر المرض في الجسم ولا يكون ذلك في العَرَض، وقد اقتسم قوله:) اثر فيها وفي الحديد (جوهراً وعرضاً، أما الجوهر فالحديد والتأثير فيه شائع، وأما الهاء في قوله:) فيها (فَعَرَضٌ، لأنها كناية الضربة التي في قوله:
يا ليت بي ضربه أتيح لها
وإنما لم يصح التاثير في العَرَض لأن التاثير أيضاً الأثرُ. والأثر عَيْنٌ، والعين لا يكون إلا في عين مثله، أعنى بالعين: الجوهر، إذ لا يحمل الجوهر إلا جوهر. وأما العَرَض فليس بعين، فيكون حاملا لعين آخر. فإذن قولهُ:) أثر فيها (استعارة ومجاز غريب. كأنه توهم الضربة عَيْناً، بل هو عندي أبلغ، لأنه إذا أمكنه التأثير في العَرَض كان له في الجوهر أمكن، لكنه مع ذلك قول شعري. أعنى أنه ليس بحقيقة. وقوله:
وما أثر في جهه مهنَّدُها
المهند: السيف. وهو عندي من قولهم:) هَنَّدَتْهُ النساء (: أي تَّمته والميتم... نحيل، فكذلك السيف، ولم ينف تأثير المهند في وجهه نفياً كلياً. وكيف ذلك وقد أثبت الضربة، وهي التاثير. وإنما أراد أن المهند لم يُؤثر في وجهه أثراً قبيحاً، لأن وقوع الضربة على الوجه تَزين ولا تَشِين، لدلالتها على الشجاعة والإقدام، كما أن التاثير في الظهر دليل على الجيبن والفرار، كقوله:
فلسْنا على الأعقاب تَدْمَى كُلُومناولكن عَلَى أعقابنا تقطُر الدَّما
ويُروى) تقطر الدِّما (. جعل) الدِّما (اسماً مقصوراً كغِنَى.
أنشد الفارسي:
كمَهاة فقدت بَرْغزهاأعقبها الغُبْسُ منه ندما
غفلت ثم أَتت تطلبهفاذا هي بعظام ودِمَا
فهذا شيءُ عَرَض، ثم نعاود الغرض.
فكان المهند لما وقع على وجهه، فكان ذلك إشعار بلإقدام، ثم لم يؤثر فيه البتة، فلذلك نفى التاثير نفياً عاماً. ونحوه ما حكاه سيبويه من قوله:) تكلم ولم يتكلم (أي أنك إذا لم تُجد ولا أصَبْتَ، كنت بمنزلة من لم يتكلم وإن كنت قد تكلمت.
تَنْقدِحُ النَّارُ مِنْ مَضَارِبهاوصَبُّ ماءٍ الرِّقابِ يُخْمِدُها
قدحه فانقدح: أوقد فاتقد، أي أن السيوف تقطع ما تحتها وتهوى في التراب، فلا يردها إلا حَجَر يقدح النار بملاقاته جرْم السيف، كقوله:
تَقُدُّ السَّلُوقىَّ المضاعَف نسجُهُوتوقد بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ
) وصبٌّ ماء الرقاب يُخمدُها (أي أن الدم الذي يطفئ تلك النار يجرى على السيف والجمر، وسَمَّى الدم ماء استعارة ومجازاً، وإنما ذلك لأن ماهَتَه سيلانه، وعلى هذا قالوا ماء العناقد. وسَمُّوا الدمع ماء، كل ذلك اتساع وتجوز، لا حقيقة.
إذ أَضلَّ الهُمامُ مُهجَتَهُيَوماَ فأَطرافهنَّ تَنْشُدُها
نَشَدْت الضالَّة: طلبتُها، وأنشدتها: عَرَّفتهان ونَشَدْتها في التعريف لغة أيضاً. وقوله: ويصيخُ أحيانا كما استمع المضلُّ لصوت ناشد قيل: يعنى بالناشد هنا المعرِّف وهو الصحيح، لأن المضِلَّ يضغى إلى كلام المعرف ليدُّلّه على ضالته. هذا قول الأصمعي.
وقيل: الناشد هنا: الطالب، لأن المُضشل يحب أن بجد مُضِلاًّ مثله ليتعزى به. وهذا القول الآخر مستقل عن تغالي الأول. ويصحح القول الأول:
يُصيخ للّنبأةِ أسماعَهُإصاخة المُنْشِدِ للناشِدِ
أي إصاخة الطالب للمعرِّف. أي أن الهُمام إذا فقد مهجته فإنه يسأل عنها أطراف هذه السيوف، لأنها عارفة بمسالك الأرواح، بها تُقْبض وعليها تَرِد، لا مظنةَّ لها إلا هي. فأطرافهن على هذا مفعول ثان أي تَنْشُدُها أطرافهن.
أَقَرَّ جِلْدِى بها علىَّ فَلاَأقْدِرُ حنى المماتِ أجْحدُها
أي نضرة العيش بادية على بَشَرتي، كقول العرب: بَشَرٌ ما أخاك مشفر. فإذا جحدتُ نعمتك، شهد بها جلدى فلم يمكنه إنكارها، إذا أثرها عليه بادٍ جحدتها وأقرَّ جلدى بها افتضحت. ونظيره قوله تعالى:) تَعرِفُ في وُجُوههم نَضْرَةَ النعيم (قوله:) فلا أقدِر حتى الممات أجحدُها (أراد: على أن أحجدَها فحذف على وأن، ورفع الفعل لعدم العامل الذي كان ينصبه وهو) أن (. ونظيرة قوله تعالى:) قُلْ أفغيرَ اللهِ تأْمُرُونِّى أعبُدُ (أي تأمروني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل. ولو كانت القطعة مفتوحة الروى لقال:) أجحدها (فأعمل أن مضمرة إعمالها مظهرة. وقد رُوى هذا البيت بالوجهين جميعاً.
وقال المتنبي:
أحْيا وأيْسَرُ ما قاسَيْتُ ماقَتَلاَوالبيْن جاَرَ عَلَى ضَعْفِي وما عَدَلا
يجوز أن يكون أراد: أحْيَا وأيسرُ ما قتلني، أوما من شأنه أن يقتل، وإذا كان أيسر ما قاسيته قاتلا، فما بأكثره وأشدّه. وهذا على وجهين: إما أن يكون تعجب من ذلك فقال: أنا في حال حياة، وأقل مالاقيته قاتلٌ، وإما أن يكون طمع بالحياة فأنكر ذلك، فقال: كيف أحيا مع هذه) الحال (. فهذان وَجْها إرادةِ الاستفهام. وقد يكون أحيا خبراً، أي أنا أحيا. وهذه حالي، أي تجلدى. يتعجب من صبره. وقد يكون) أحيا (اسماً يدل على المفاضلة، أي: أثبتُ ما قاسيته لحياتي ما قتل، وهذا غُلوٌّ ولإفراط، لأنه إذا كان ما قلته أثبت شيء لحياته، لم يبق له ما يوجب الموت.
وَضَاقَتِ الأَرضُ حتى كان هارِبُهمإذا رأى غيرَ شيء ظَنَّه رَجُلا
أما الرؤية فلا تقع على غير شيء، لأن غير شيء ليس بمحسوس إحساس الجوهر، ولا إحساس العَرَض، لأن غير شيء خارج عن الجور والعَرَض، لأن كل واحد من الجوهر والعرض شيء، وإنما أراد هذا الشاعر: إذا رأى غير شيء يُحفَل به في قوة قولك: إذا رأى شيئاً لا يحفل به ظنّه رجلا كقول العرب: إنك ولا شيءَ سواءٌ، ومحال أن يسوى بين الموجود والمعدوم، لأنهما في طريق التضاد، ولكنهم يريدون إنك ولا شيءُ يُعْبأ به سواءٌ ولكنهم قالوا: إنك ولا شيء، واكتفَوا به من قولهم وشيئاً لايعبأَ به، لأن مالا يعبأ به كالمعدوم، ولذلك ألْزَمَناَ سيبويه الْنصب في قوله: إنما سرت حتى أدخلها، إذا كنت مُحتقراً للسَّير، قال الْفارسي: إنما ذلك لأنه لا شيء أقرب إلى طبيعة النفي من الاحتقار، والنفي عدم فجعل الاحتقار كالعدم.
فَبَعْدَهُ وإلى ذّا اليومِ لَوْ رَكَضتْبالخَيلِ في لَهَوات الطِّفْل ما سَعَلاَ
أي أن هذه القبيلة قَلَّتْ وذَلًّت، حتى لو ركضوا الخيل، على قوة الركض، في لَهَوات الطفل، على ضعفه، ما شعر بهم فيسعُل، بالغ بذلك كقوله:
ولَوْ قَلَمٌ ألْقِتُ في شِقِّ رأسِهمن السُّقم ما غيرتُ من خط كاتب
فأما قول رؤبة في صفة الصائد:
فباَت والنفسُ من الحِرْص الفَشَثْفي الغاب لو يمضغ شَرْياً ما بَصَق
فإنما أراد أن هذا القانص من النَّهَم على صيد الوحش، وخشية أن يسمع له حِسَّا فينفر، لو مَضَغَ الحنظل، لم يبصُق خشية أن يُنَفِّرها بَصْقهُ، وقال الأصمعي: إن تهمّه عَلَى التَّصُّيد قد شغله حتى لو مضغ الحنظل لم يشعر بمرارته فيبصُق.
وخص المتنبي لهوات الطفل لأنها مظنة السُّعال.
وقوله: ركضت بالخيل، إنما وجهه: لو رَكَضتْ الخيل، يقال: ركضت الدابةَ، ولا يقال ركضتُ بها. هذا هو المعروف في اللغة، لكن قد يجوز أن يكون ركض بالدابة لغة، فيكون من باب طَوَّحْته وطوَّحْتُ به. وقد يجوز أن تكون الباء زائدة كقوله) سُودُ المحَجرِ لا يَقْرأْنَ بالسُّوَرِ (
كَمْ مَهْمَهٍ قَذَف قَلْبُ الدليلقَلبُ المحبِّ قَضَانني بعدَ ما مَطَلا
قال) المحِبّ (فجاء به على لفظ الفاعل، ولم يقل الحبيب وهو يريده، لأنه عَنَى شدة إشفاقه في المَهْمَه، وذلك أن المعشوق إذا أحب عاشقه، فإنما يهجرهُ لخوف واش أو رقيب، فاذا رآه خَفَق قلبُه لإشفاقه. ولو كان المحِب غير مُحِبّ لم يتجشم الزيارة على شدتها. وهذا كقول علي بن جَبَلة:
يأبى من زارني مُكْتتمِاًحَذِرَا من كل حِسٍّ فَزِعاَ
فقضاني بعد ما مَطَلا على هذا القول، جملة في موضع الحال. ويجوز وضع الفعل الماضي موضع الحال، لأنه قد يوضع موضع المستقبل في قوله: إن فَعَل فَعَلْت. وفيما حكاه سيبويه من قولهم: والله لافعلتُ، يريدون لا أفعل.
وقد ذهب بعضهم في قوله تعالى:) أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (إلى أن) حَصِرت (في موضع الحال، وقد فيه منوَّه. ويشهد عندي أن حصِرت في موضع الحال قراْة من قرأ:) أو جاَءُوكم حَصِرَةً صُدُورُهم (.
وأما قوله:) قلب الدليل به قلب المحب (الذي هذه صفته فمعناه: أن فؤاد الدليل وَجِل كقلب المحب الزائر المتوقع للفضيحة.
وقد يجوز أن يكون) قضاني بعد مامطلا (خبراً عن المَهْمَه، أي: كم من مَهْمه قد قضاني بعد مامطلا، قلب الدليل به قلبُ المحب.
وأما) قضاني بعد ما ماطلا (وهو يعنى المهمه، فمعناه: أن المهمه طال عليه، فمطله بالنجاة منه، ثم قضاه بعد حين، وكلاهما مستعار.
وأما قوله:) قلبُ الدليل به قلبُ المُحِبّ (فمعناه: أن قلب المحب يرجو ويخاف. وكذلك قلب الدليل يرجو الهداية ويخشى الضلالة.
مُحِبِّي قِيامِي مَا لِذَلِكُم النَّصْلِسليماً من الْجرحى بريئا من القتلِ
أي: يامحبي ثورتي وقيامي بدْولتي، وتركي للأسفار، كيف أفعل ذلك ولم أكسر سيفي، ولا ثَلَمْته بضربي أعدائي به، فكَىَ عن الكسر بالقتل، وعن الثَّلم باُلجرح، إذ الجرح والقتل إنما يلحقان الحيوان، والسيف جماد لا حياة به. وأراد سليماً من الجرح، فوضع الجَرْحى موضع الجُرْح. وإن شئت قلت كأنه على حذف المضاف، أي سليماً من ألم الجَرْحى، أو من هيئة جُرح الجْرحى، وبريئاً وسليماً منصوبان على الحال من قوله:) ما لِذَلِكُم (: أي استفهم عنه وهو في هاتين الحالين، كقوله تعالى:) فَما لَهم عن التّذْكِرَة مُعْرِضين (.
أَمِطْ عنك تَشْيِيهى بما وكأننَّهفما أحدٌ فوقي وَلاَ أحدٌ مِثْلي
اما) كأن (فلفظة تشبيه، فالكلام بها هنا على وجهه، كانه يقول: لاتقل في: الأسدُ ولا كأنه السيف، ولا كأنه الموتُ أو السيلُ، فكل ذلك إنما هو دوني، ولا ينبغي أن تشبه الشيء بدونه، إنما المعتادُعكس ذلك.
وأما) ما (فليست بلفظة تشبيه بمنزلة كأن، إنما استجازها في التشبيه، لأنه وضع الأمر على أن قائلاً قال: ما يُشبه؟ فقال له المسئول: كأنهَّ الأسدُ، كانه السيف. فكأن هذه التي للمسئول، إنما سببها) ما (التي للسائل. فجاء هو السبب والمسبب جميعاً؛ وذلك لاصطحابهما. ومثل هذا كثيرا.
وقد يجوز أن تكون) ما (هنا بمعنى الجحد، فجعلها اسما، وأدخل الحرف عليها، كأنه سمع قائلاً يقول: ماهو) إلا (الأسد. وفي هذا معنى التشبيه أي مثل الأسد، فأبى هو ذلك. ثم رجع إلى النوع الأشرف فقال) فما أحدٌ فوي ولا أحدُمثلي (مفضلاً نفسه عليهم.
وله أيضاً:
هَديَّةٌ ما رأيتُ مُهْدِيَهاإلاَّ رأيتُ العِبادَ في رَجُلِ
أي هذه هدية، ويجوز هدية على البدل من قوله:) بما بعثت به (. وقوله: ما رايتُ مهديَها إلا رايت الأنام في رجل: أي أن فضائل الأنام مجموعة في شخص واحد منه، فلا مُعْتَبر بالعدد، اذاحاز معانيم أجمعين وحده، كقوله أيضا:
غدا الناس مِثْلَيْهم له لا عَدِمْتُهُوأصبح دهرى في ذَراهُ دُهور
ونحو قول بعض الحكماء وقد رَضِىَ تلميذاً له من بعض تلاميذه، يقال إن ذلك التلميذ) رسْطَا لِيس (فقال: واحد كألف، وليس ألف كواحد، وليس ألف كواحد وقال ابو نوأس:
ليس عَلَى الله بمستنكرٍأن يجمع العالمَ في واحد
وله:
ولا وَقَفْتُ بجسمٍ مُسْىَ ثالثةٍذِى أرْسُمٍ دُرُسٍ في الأرْسمِ الدُرُسِ
المسُىْ، والمِسَا، والمَسَاءُ، كالصُبح، والصِّبح، الصَّباح. أي لولا هه الظبية الإنسانية، لم أقف على رسوم هه الدار ثلاثا بين يوم وليلة أسألها. ولم يُرد أنهّ وقف عليها بعد ثلاث من إقفارها، لأن الدار لا تدرس بعد ثلاث.
وإنما عنى أنه وقف عليها ثلاثا، وصفته الجسِم بأنه ذو أرسم دُرُس، ذهب فيها إلى وامحِّائه. واستعار له أرْسماً حين شبهه بهذا الربع الدارس والأرسم، كقوله في صفة الدار:
ما زَالَ كلُّ هَزيم الوَدْقِ يُنْحِلهاوالشوقُ يُنحلنى حتى حَكَت جَسدي
وهذا البيت أبلغ في نحول جسمه، لأنه جعل الدار يحكى جسمه في النحول، فإذا جسمة أنحل منها.
وفي هذا البيت أعنى) ولا وقفت بجسم... (لم يجعل لجسمه فضلاً على الدار في النحول.
ودُرس: يجوز أن يكون جمع دَريس وأن يكون جمع دَرُوس، كصبور وصُبُر، وان يكون جمع دارس كَبَازل وبُزُل.
ما ضَاقَ قَبْلَك خَلْخالٌ عَلَى رَشَأٍولا سَمِعت بِديباجِ عَلَى كُنُسِ
يقول أنت كالرشأ في الحسن، وساقُ الرشأ دقيقة، فكيف خالقت أنت الشرأ، بأن ضاق خلخالك عن ساقك. ولو ألبست ساق الرشأ خلخالاً، جال عليها ولم يثبت.
) ولا سمعتُ بديباج على كُنس (: أي على هودَجك سُتُور ديباج. ولم نسمع قبلُ بديباج على كِن اس. إنما الكِناس غُصون أو أسؤق شجر أو مَحَافِر أرض. وأنت قد خَرَقت المعتاد. بكون الديباج على كناسك. ومن رواه على كَنِس، أراد على ذى كناس. وهذا عَلَى النسب، إذ لا فعل له. ونظيره ما حكاه سيبويه: جَرِحٌ، وَسَتِهٌ، وطَعِمٌ وَنَهِرٌ، وأنشد:) لستُ بليليِّ ولكني نَهِره (أي: ذو نهار.
فأما قراءة من قرأ) في أيام نَحِسَاتٍ (، فذهب الفارسي إلى أنه من باب فَرق ونرِق، توهموه على الفعل وإن لم يكن له فعل، لم يقولوا نَحِس النهار.
وها الي قاله الفارسي غيرُ قوى عندى، أحسن منه أن يُحمل على النسب، لأن نظيره كثير، كما قد حكينا عن سيبويه، وتوهم الفعل في مثل نَحِس قليل في كلامهم.
وله أيضاً:
فَجَعلْت ما تُهدِى إِلىَ هدَّيةًمِنىِّ إليكَ وظَرفَها التأْميلا
يحتمل وجهين. أحدهما: أنه أراد: لما جلَّ قدرك عما تناله يدي ولم تبلغه إلا هبة يدك التي هي كفاؤه، جعلتُ ما تهديه إلى، هدية منى إليك، فما بعدل جلالة قدرك إلا جلالة جودك، وجعلتُ ظرفها تأميلي أن تقبلها منى.
والآخر: أن يكون استحقه فقال: ما علمت أن) ما (تتحفنى به أو تزَوِّدُنِتهِ لرحلتي، سيبلُك أن تمسكه عنى ولا تُطْلِقه، وأن تَعُدَّه هدية مني إليك، وبإمساكك عن إهدائكه إلي.
وله أيضا:
أمْطِرْ علىَّ سَحَابَ جُودِكَ ثَرَّةًوانظر إلىَّ برحمةِ لا أغْرَقُ
أي إن عطاءك جاوز المقدار، فكاد يقتل المُعطَى فرحاً، فَتَلاف عُفَاتك منه، لئلا يبلغ بهم الْحَسَد المهلك، فيكون كالماء المُغْرق، كقول أبى تمام:
تَستثيرُ الْقلبَ لولا اتصالُهابحسنِ دِفاع الله وسوسَ سائلهُ
وقد يجوز أن يكون قوله:) انظر إلى بِرَحمة (أي لا تكلفني من الشكر قدر الواجب فيهلكني ذلك، فكنى عن ضعفه عن الواجب عليه من الشكر بالغَرَق. وقال ثَرَّة وهو يعنى السحاب لأن السحاب جمع سحابة، وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، فلك وتذكيره، وجمعه وإفراده.
وله أيضاً:
وقَلبُكَ في الدُّنياَ وَلَو دَخَلتْ بِناَوبالْجِنِّ فيه مادَرَتْ كَيف تَرْجِعُ
يتعجب من ذلك. أي قلبك في الدنيا، وهو من السعة بحيث لو دخلت الدنيا فيه بنا وبالجن، أعجزنا الرجوع، وتُهْنا في سعته، فكيف وسِعَتِ الدنيا قلبك؟ وهلاًَّ ضاقت عن حمله، اصغرها عن عِظمه. يبيِّنُه ما قبله، وهو قوله:
ألَيْسَ عَجيباً أنَّ وَصفَك مُعجزىوَأَنَّ ظُنُوني في معاليك تَظلَعُ
وَأَنَّك في ثوبٍ وصدُرك فِيكُماَعَلَى أنه من ساحة الأرض أَوسعُ
وله أيضاً:
طويل النجادِ طويل العمادِطويل الْقَناة طويل الْسِّنانِ
النجاد: حِمالةُ السيف، فطوله كناية عن طول القامة، وذلك مما يُمْدَح به كقوله هو:
قُلُوبُهُمْ في مضاء ما امْتَشَقُواأبدانُهم في تمام ما اعْتَقَلُوا
وكقوله:
وَغَالَ فضُولُ الدِّرع من جَنَباَتِهاعَلَى بَدَنٍ قَدُّ الْقناةِ لِه قَدُّ
وطولُ العماد: كنيةٌ عن السُّؤْدُد، وأصل العماد: ما عُمد به البيت، أي أقيم. ويقال: عَمَدت البيت وعَمَّدْته، وعماد سيد الحلة: مَرْمُوقٌ يُقْصَد، فكأن عماده، وإن سارى عُمُدَ أهل الحِلّة، أطول بكثير الشائمين له، والقاصدين نحوه. وطول القناة والسِّنان: كناية عن الحِذْف بالطعان. ولهذا وصفت العرب أرماحَها بالطول، يريدون جودة العمل بها، والقوة على تصريفها، لا أنها طوال في ذاتها، لأن طولها مُبْعدٌ عن القِرن، ولا يَحْمدُ ذلك إلا الجبان. ولو كان طول القناة في ذاتها محموداً، لكان السيف لكونه أقصر منها... مذموماً. وإنما صفة القناة بالطول، كصفة السيف بالطول. لا يؤريدون في كل ذلك إلا الحِذْقَ بالضِّراب والطِّعان.
ومما يدلك على أن طول القناة غير محمود، أن طول القناة قد يُوْؤثها الخَطل قال الأصمعي: طول القناة: أربع عشرة وأقصرًها سبع والممدوح بينهما، وهو ما كان طوله إحدى عشرة كقول الشاعر:
وأسَمْرَ خَطِّياٍّ كأن كُعُوبَهثوى الْقَسْب قد أَربَى ذِراعا عَلَى الْعشْر
وكذلك قال البحتري:
كالرمحِ أذرعُه عَشْر وواحدةفما استبدَّ به طولٌ ولا قِصَرُ
يَرَى حدُّهُ غامضاتِ الْقُلُوبِإذا كنتُ في هَبْوةٍ لا أراني
أي أنه ماضٍ يقطع كل عضو يلقاه، حتى ينتهي إلى القلب، فكانه إنما قطع مادون القلب من الأعضاء حين رأى القلب، فَهَتَكَ اليه الحُجُب التي دونه، إذ لم يمكنه الوصول اليه إلا باختراقها الهَبْوة، وأراني هنا: من رُؤيْة العين، لأنها غير متعدية، فكان يجب أن يقول: لا أرى نفسي، لأن فعلَ الفاعل إذا كان حِسِّيًّ، لم يتعد إلى ذاته بكناية المتكلم. لايجوز ضربتُنى، وإنما يتعدى فعل الفاعل إذا كان حِسيَّا إلى ذاته بلفظ النفس. ويقولون: ضربت نفسي وفي التنزيل) رَبناَّ ظَلَمنا أنفسنا (إلا أنه جاؤ عنهم فَقَدْتُني وعَدْمتُني، وهذا نادرا غي معمول به.
لكن لما كانت ارى التي هي للعين مطابقة اللفظ لآرى التي هي للقلب، تتعدى على هذه الصورة، لأنها غير حِسَّية، كقولهم: أراني ذاهباً. اسجاز أن يُجرِىَ) أرى (التي للعين مجراها.
وعلى هذا أوَجّه أنا ما خكاه سيبويه من قول العرب: أما تَرىَ أي برق هاهنا؟ فعُلقِّت فيه أرى. ورؤية العين لاتُعلَّث وإنما تعلق رؤية القلب، ورؤية القلب بَصَرية لا نفسانية. لكنها لما طابقت في اللفظ) ترى (التي هي للقلب، وكانت هذه تعلق استجازوا تعليق التي للعين. على أن الفارسي قد ذهب في هذا الذي حكاه سيبويه إلى أنها رؤية قَلْب.
وله أيضاً:
رَمَاني خِسَاسُ النَّاس مِنْ صَائِب اسْتِهِوآخر قطنٌ من يديه الْجَنَادِلُ
يذهب إلى أن عدوه ضدٌ له. هُوجَمُّ الفضائل، وعدوه جَمُّ النقائص والرذائل، ولذلك وقع بينهما التنافر، لأن الذِّد مُحارب لضده، والشكل مُسالُم لِشَكله فهو يقول: لايعاديني إلا ناقصٌ لجرى العادة بمعاداة ذى النقص لذى الفضل. فإذا عاَبنَى - والإجماعُ قد وقع على فَضلى - فهو لا محالة ناقص وقد صرح عن ذلك بقوله في الأخرى:
وغاذ أتتكَ مَذَمَّتى من ناقٍفهي الشهادةُ لي بأنى كَملُ
أي أنه لو كان فاضلا مِثلي، ما ذَمنَّي لِتَشَا كلُنا في الفضل، ولأنه لو كان فاضلاً لنَقَص وفَضَلت. فأوجب ذلك تَضَاداً وتعادياً كقول أبى تمام:
لقد آسفَ الأعداءَ مجدُ ابن يوسُفٍوذُو النقص في الدنيا بذى الفضل مُولعُ
وقوله:) مِن صائب استِهِ، وآخر قُطن (ك أراد من بين صائب يرميه وآخر هذه صفته، أي أنه ضعيف يُعدِى ضعفُه الجَنْدل فيضعف، حتى لايُؤثِّر كما لا يؤثر القطن إذا رُمِىَ به.
وصائب استه: أي مُصيبها. يقال: صاب الشيء وأصابه.
وخص ذكر استه من بين سائر الأعضاء لوجهين: أحدهما: قصدُ الاستخفاف به في ذكر ذلك منه، والآخر أن هذا الناقص المتنقِّص لي مغلوب مهزوم. والمهزوم لا يقع سلاحه إلا على مايلي ظهره، فخص هذا العضو للأمرين جميعاً.
والأجودُ عندى أنه إنما قصد الاستخفاف، والشّتْم، والسَّب بلك كثير. ولذلك سميت الاست السَّبَّو والسَّبَ.
وأصل الناس: الأناس، حذفوا الهمزة لكثرة استعمالهم إياه، وذلك مع اللام، وقد جاء محذوفاً ولا لام فيها، كما جاءت الهمزة فيه مع اللام فيما أنشده أبو عثمان من قول الشاعر: إنَّ المنَايا يَطَّلِعْن على الأناس الآمنينا ولما ذكر سيبويه اسم الله تعالى، وكون الألف واللام فيه خَلفاً من الهمزة قال: ومثل ذلك. أناس: فإذا أدخلت الألف واللام قلت الناس. إلا أن الناس قد تفارقهُ: الألف واللام ويكون نكرة. والله تعالى لا يكون فيه ذلك، وهو فصل معروف في باب ما ينتصب على المدح والنعظيم والشيم في باب النداء.
وقوله:) وآخَرَ قُطن (الجدي في قُطن الرفعُ، لأنه جوهرٌ والجواهر لا يوصف به. إلا أن الجر في مثل هذا قد يَسُوغ، وذلك على توهُّم الصفة، يُقدر الجوهر صفة بقدر ما يحتمله وضعه، نحو ما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: مَررتُ بسرجٍ خَزٍّ صُفّتُه، لأن الخز وإن كان جوهراً فهو في معنى لَيِّن، صفة قال: الفارسي: كأنهم يقولون:) مررت بقاع عَرْفَج كله (. فيجعلونه كأنه وصف. قال الفارسيّ: كأنهم يقولون: مررت بقاع خشنٍ كله. وإنما قَدَّره بخَشِن، لأن العَرفج شاك، والشوكُ خَشِنُ المس. فاذا جَرَّ فقال:) وآخر قُطنٍ من يديه الجنادل (فكأنه قال: وآخر لين أو ضعيف من يديه الجنادل.
ومن جاَهِلٍ بِى وَهْوَ يَجْهلُ جَهْلَهوَيَجْهلُ عِلْمي أَنَّهُ بِىَ جَاهِلُ
وَيَجْهَلُ أبى مالك الأرْضِ مُعْسِرٌوَأنِّى على ظهر السِّماكين رَاجلُ
ومن جاهل: معطوف على) صائب استه (. أي أنه قد اشتمل بالجهل وَلاَ يَعَلمُ أنه جاهل، بالغ في استجهاله، فلم يُبق له أثراً من العلم، إذ لم علم أنه جاهلٌ لكاَن له جزٌ من العلم.
وكذلك أيضا بالغ في استجهاله بقوله:
ويَجلهُ على أنه بى جاهلُ
يقول: لا علم له البتة، وكذلك يجهل قدري عند نفسي، فلا يعلم أني إذا ملكت الرض، كنتُ مُعِدمِاً عند نفسي، لقصر ذلك عن قدري، وأني إذا علوتُ السماكين، كنت عند نفسي راجلاً، لأنَّ ذاتي أعظم قدراً وأكرم خظراً. و) مالكَ الأرض (: حال، والنية فيه الانفصال، أي مالكاً للأرض. والظرف في قوله:) على ظهر السِّماكين (متعلق بمحذوف أي مستقراً على ظهر السماكين، وهو حال، فالمجرور في موضوع الحال، وأراد على) ظهور السماكين (، أو) ظَهْرَى السِّماكين (فوضع الواحد موضع ذلك. ومثله كثير، وحسَّن ذلك أن السِّماكين يذكران كثيراً معاً، فصار كالواحد.
فما وَرَدَتْ رُوحَ امرىءِ رُوحُه لَهُولا صَدَرتْ عن بَاخِلٍ وَهُوَ باخِلُ
أي لم تَرِدْ سُيوفُنا روحَ امرىء إلا صار لغيره، إما بكونه إلى العنصر فَقَدر أن يبخل عليها بهما، أو بواحدة منهما.
يُخَيَّلُ لي أنَّ الْبِلاد مَسَامِعِيوَأَنِّيَ فيها ما تَقُول الْعَواذِلُ
خُيِّل له السيء وخيل إليه: أي شُبِّه حتى حسبه كائِناً، ويقول: قولُ العواذل لاَ يْثبُتُ في سَمْعي، كما لا أثْبُت أنا في بلدٍ. أراد: وأني فيها ما يقول لي العواذال، من النهى لي عن التغَّرب وضُروب التَّصرُّف، كقوله:
أواناً في بيوتِ البدْوِ رَحْلِىوآوِنةً عَلَى قَتد البعير
ومثلُ هذا كثير في شعره.
وله أيضاً:
ابْعَدْ بَعِدْتَ بياضاً لا بياضَ لَهُلأنت أَسْودُ في عَينِي من اّلْظُّلَمِ
ابعْدَ: أي اهلك. بَعِدَ الشيءُ بعداً: هَلَك، وبعُدَ بُعداً: ضد قَرُب. ودعاؤه عليه بالبَعَد: أبلغ من دعائه عليه بالبُعد، لنه إذا هَلَك فقد صار إلى العَدَم، وإذا) بَعُد (كان في الوجود وإن لم يُقْرب. والبعَد أمْحى له من البُعد. وقوله) بَياضاً لا بياضَ لَه (: أي لا بياض له في الحقيقة، ولا يحدث عنه بشر ولا فَرَح.
والعربُ تَصِفُ الحُزنَ بالسَّواد، والسرورَ بالبياض. وهو معنى وله تعالى:) يَوْمَ تَبْيضُّ وجوهٌ وَتَسْودُّ وجوهٌ (. قال:) وإذا بُشِّرَ أحدُهم بالأنْثى ظلَّ وجهُهُ نُسْوداً (وأراد:) ابْعَد بَعِدت ذَا بياضٍ (، لأنه إنما يخاطب الشَّعْر الأبيض، ولا العَرَض الذي هو البياض.) لأنت أسود في عيني من الظلم أيها الشيب.
فأما قوله:) أسْوَدُ في عيني من الظلم الُّظلمَ (، فخطأه فيه قوم. قالوا: إن) فِعْل أَفْعَلِ (هذا على أكثر من ثلاثة أحرف، وهو) اسْوَدَّ (فلا تقع المفاضله فيه إلا بأشَدّ وأبْيَنَ وغيرهما من الأفعال الثلاثية، التي تصاغ نُيوَصَلَ بها إلى التعجب من الأفعال التي على أكثر من ثلاثة.
وهذا منهم غلط. ليست) أفعْل (هنا للمفاضلة، ولا) مِن (متعلِّق بأسود، على حد تعلّق) مِنْ (بأفضل في قولك: زيد أفضل من عمرو. وإنما هو كقولك لأنت أسود، ومعدود من الظَلمِ في عيني.) فَمِن (غير متعلقة بأسْود، كتعلُّق) مِن (بأفعل التي للمفاضلة، وإنما هي في موضع رفع، حالَّةً محل الظرف، بمنزلتها في قول الأعشى:
فلست بالأكثر منهم حَصىًوإنما العزَّةُ لِلْكاثِرِ
فلا يجوزُ أن تكون) مِنْ (متعلقةً بالأكثر، لأن اللام تُعاقِبُ مِنْ وإنما هي هنا بمنزلة الظَّرف. وذلك جعل الفارسيّ) مِنْ (هنا بمنزلة ساعة في قول أوس بن حجر:
فإنا رأينا الْعرضَ أحْوَج ساعةًإلى الْصَّوْنِ من ريطٍ يمانٍ مُسَهَّم
بحُبِّ قاَتِلَتى والشيبُ تَغْذِيَتَىهَواى طِفْلاً وشَيبى باَلُغَ اْلُحُبم
أي عَذَبتُ نفسي بحب هذه التي قتلني حبها بالشيب. فأما تغذيتي نفسي بالحب ففي حال طفولتي، وأما في الشيب، ففي حال بلوغي الحُلُم، أي هَويت وأنا طفل، وشِبْت من ذلك الحب وأنا مُتِلمٌ، فجَعلَ الحُبَّ والشيب لنفسه غذاءين وهما مُهلكان لا مُتَمّنيان. والياء في تغذيتي تكون في موضع الفاعل، فيكون المفعول حينذ محذوفاً، أي تغذيتي نفسي، كما تقول: عجبت من ضرب زيدٍ عمراً. ويجوز أن تكون في موضع المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعلُه، أي غُذِّيت. وهَواى: يجوز أن يكون مبتدا وخبره الحال الذي هو طفلٌ كقولك: أكْثَر شُربي السَّويق ملتُويا، والقول في يبي وبالغَ الحلم، كالقول في هَوَاىَ طِفلا. وكأنه قال: بالغاً الحُلُم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع