تجاوز إلى المحتوى

من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)

شرح المشكل من شعر المتنبي (٧)

رمُح أظمى: أسمر؛ وقيل: ظمآن إلى الدم؛ والاول أولى؛ إذ لو كان من الظمأ لكان حرياً أن يُسمع مهموزاً، ولم أسمعه كذلك. إلا أن مثل هذا الإبدال قد يجوز في الضرورة كقوله:) لاَ هناكِ المَرْتعُ (ولا حاجة بنا إلى توجيه ذلك هنا، اذ المشهور في كتب اللغة أن الأظمى: الأسمر. يقول: إذذا تداعى العلجان لتناذر أو تشاور أو تناحُر، حال بينهما رُمح أظمى يدخل بين الضلعين؛ فيفرج بينهما حتى يتفرقا. و) منه (: أي من أجله. وحسن ذلك المفارقة هنا لقوله:) حال بينهما (. وكان من حُسن الصنعة لو اتزن له - أن يقول: إذا دعا العلج صاحبه ليوازي به قوله:) أختها الضلعُ (؛ لأن الأخوة والصحبة من باب المضاف ولكنه ذلك اراد؛ كأنه قال: إذا دعا العلج صاحبه أو أخاه.

كم من حُشاشة بطريقٍ تضمنهاللباتراتِ أمينٌ مالهُ ورعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الحُشاشة: النفس. وقيل، بقيتُها. والباتراتُ: السيوف القاطعة. والأمينُ هنا: القيد ونفى الورع عنه إغراباً بأمين لا ورع له. وانما سماه أميناً لحفظه على السيف ما استودعته إياه من الأسارى؛ حتى يردهم إليه عند القتل فهو أمين لذلك. وليس له ورعٌ. لأن الورع إنما يكون عن قصد، والقصد إنما يكون لذى العقل. وكذلك أمانته غير حقيقة. ولو كان أميناً عاقلاً لكان ورعاً إذا لا أمانة إلا بورع.

يُقاتلُ الخطو عنهُ حين يطُلبهُويطرُدُ النوم عنهُ حين يضطجعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

أي تقصر خُطا هذا الأسير بضيق القيد، إذا اراد أن يخطو. ويطرد النوم عنه ترنم حلقه كقول أبى نواس:

إذا قام غنتهْ على الساق حلقةلها خطوُهُ عند القيام فصير
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»

والمقاتلة والطراد في هذا البيت مستعاران.

قل للدُّمُستقِ إن المسلمين لكُمخانُو الأمير فجازاهُم بما صنعُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

خيانهم اياه: خلافُهم له؛ بسعيهم إلى النهب وأسلاب العدُو المفزوعين. وإسلامهُ إياهم له: تركُه الطلب بثأرهم؛ أو رضاه لهم ماحل بهم.

وجدنموُهم نياماً في دمائكُكُكأن قتلاكُمُ إياهم فجعوا

اي خافوكُم؛ فألقوا نفوسهم في دماء قتلاكُم: لتحسبوهم منهم، فتتجافوا عنهم؛ وكأنهم هم المجُوعون بقتلاكم، يُلقون أنفسهم عليها كإلقاء المفجوع نفسه على القتيل تأسفاً. وقيل: كان المسلمون يأتون قتلى الروم يتخللونهم؛ فينظرون من به رمقٌ فيقتلونه، فبينما أكب عليهم المشركون فقتلوهم.

تشُقُّكُم بفتاها كُل سلهبةٍوالضربُ يأخُذُ منكُم فوق ما يدعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

) بفتاها (: اي بفارسها. ذهب في لفظ الفتى إلى الرفع من شأن الفارس؛ كقولهم:) أنت الفتى كلُّ الفتى (لا يُذهب به إلى فتاء السن: لكنه كقولك: انت الرجلُ. تمدحه بالصبر والثبات والنجدة، لا تعني به الرجولة التي هي الذكورية) والضربُ يأخذُ منكم فوق ما يدعُ (. ذهب قوم إلى انه عنى أن القتلى أكثر من الناجين. وهو لعمري قويلٌ والذي عندي انه لم يعين بذلك الكمَّ؛ وانام؛ وانما عنى أن الضرب يأخذ النفوس، ويدع الأبدان؛ والنفس فوق الجسم في لطف الجوهر، وشرف العنصر. فهذا معنى قوله: ما يَدع. لا الكميه التي ذهب اليها أولاً.

وله ايضا:

يردُّ يداً عن ثوبها وهو قاردٌويعصي الهوى في طيفها وهو راقدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

) يرد يدا عن ثوبها (: كناية عن العفاف. والثوب هنا: يجوز أن يعني اللباس؛ وان يعني بعض طوائف جسمها؛ كقول الآخر:

خرَّقوا جيبَ فتاتهمُلم يُبلوا حُرمة الرجلهْ

قيل: يعني بالجيب القُبل. وقوله) وهو قادر (: اي متمكن بها، لا يتقي رقيباً لانه ذلك في النوم وأثبت لنفسه قدرة في نومه لانه قد تتهيأ للنائم أفعال اليقِظ وإن كانت غير مقصودة، وقد قيل: إن قوله) يريد يدا عن ثوبها وهو قادر (: أن هذا إنما هو في اليقظة. وانما اراد وهو يقظان فلم يتزن له، فكنى بالقدرة عن اليقظة لأن اليقظان أملك لذاته من النائم مع أن قادراً مقلوب لفظ راقد. فأناب المقلوب في المقابلة مناب الضد الذي هو يقظان.) ويعصي الهوى وهو راقد (: اي انه يملك نفسه عن شهوته في حال النوم. وتلك حال لا يغلب فيه عقلُ شهوةً، لأن التحصيل حينئذ عازب؛ فهو يقرُب بتمالكه عن محبوبه في الحال الرٌّقاد.

وجملة معنى البيت: انه اعتاد العفاف في يقظته؛ كقوله هو:

وترى المروة والفتوةَ والأبوَّةَ في كُل مليحةِ ضراتها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فاذا رآى الطيف أراه النوم ما تعود من العفة في اليقظة فعف، فإن ذلك من خلق النفس كثير. أعنى أن ترى في حُلمها ما تعودته يقظي؛ ولذلك علة ذكرها حذاقُ القدماء جالينوس وغيره. والطيف فعل من طاف يطوف الا أنا لم نسمع فيه طوفا. وقد يكون) فعلا (من طاف يطيف؛ سُمي بالمصدر، لأن نسمع طاف يطيف عندنا من باب باع يبيع واسع ولا أحمله على ما ذهب اليه الخليل في طاحَ يطيح قياساً عليه؛ لأن باب باع يبيع واسع كثير.

وباب) طاح يطيح (قليل، لايُوجد لها ات إلا تاهُ يتيه في لغة من قال: توهْتُه. وحكى ابو زي: ناهت الركيةُ تميه وهو من الواو فهي ثالثة) لطاح (وتاهَ (على قول الخليل:

مخضبةٌ والقومُ صرعى كأنهموإن لم يكونوا ساجدين مساجدُ

اي هذه البلاد مُخضبة، الدماء فيها جارية والأشلاء مُنكبة ومبطوحة فكأنها مساجدُ مُخلقة لا نكباب القتلى وإن يكونوا ساجدين.

تُنكسُهم والسابقاتُ جبالُهموتطعنُ فيهم والرماحُ المكايد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

تنكسهم: تقلبهم على رؤسهم. فيقول: من شأن تنكيسك لهم عن متون خيلهم وهو رُكبان لها. فلما تركوا الخيل، وركبوا الحصون والقلاع وقُنن الجبال مكان الخيل؛ فلم يمكنك تنكيسُهم بالرمح حينئذ، كما كنت تنكسُهم به فُرسانا، أقمت كيدك لهم مقام الرمح فنكستهم عن الجبال به. وقوله:) والرماح المكايد (: اي المكايد هي التي قامت مقام الرماح لأنك وصلت بالمكيدة إلى مثل: ما كنت واصلاً إليه بالرم. وقد أجاد ي تطبيقه قوله:) والسابقات جبالهم (بقولهم:) والرماح المكايد (.

فتى يشتهي طُول البلاد ووقتُهُتضيقُ به أوقاته والمقاصدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

اي همته يقصُر عنها الدهرُ فهو يشتهي طول الدهر ليسع همته، وجيشه عظيم تضيق عنه البلاد فهو يشتهي أن تسع البلاد وتطول لتحمل جمعه. فلأوقات أزمنة وتضيق عن همته والمقاصدُ أمكنةُ تضيق عن جيشه. وفي البيت حذف. وتمامه - لو اتزن - فتى يشتهي طول لجيشه وسعةَ الأوقات لهمته فهتمه تضيق عنها الأوقات وجيشه تضيق عنه البلاد.

أحبُك ياشمس الزمان وبدرهُوإن لا منى فيك السُّها والفراقدُ

جعله شمس الزمان وبدره ليخبر عنه بكمال النُّورية وأنه يعم الليل والنهار بضوئه وهذا أحسن. لأن الممدوح موجوده نهاراً وليلاً فهو النهار شمس ولليل بدر، واختار البدر على القمر لأن القمر ربما لم يُغن ضوؤه كبير غناء مع ما آثر ممن الوزن. وجعل غيره من الأملاك بالإضافة إليه سُهاً وفراقد. ولا خفاء بما بين الشمس والبدر وبين السُّها والفراقد من المراتب في النُّور. فيقول: أنا أحبك أيها الملك الذي هو الملوك كالشمس والبدر في النجوم لعظم نفعك وجسامة غنائك في نوعك وإن فيك أملاك؛ هم في الملوك كالسُّها. والفراقد في الكواكب فكيف أطيع من هو كالسهام والفراقد فيمن هو كالشمس والبدر وهما مُغنيان عن السها والفرقدين. بل احدهما مغن عنهما. والسها والفرقدان لا يتجزءان كنها ولا من احدهما وقال:) والفراقد (. وانما هو) الفرقدان (لأن جمعهما. بما حولهما، أو على أنه جعل كل جزء منهما فرقداً وقد فعلت العرب ذلك قبله كثيراً كقوله: ودون الجدى المأمول منك الفراقد وحكى سيبويه: أنهم يقولون للبعير) ذو عثانين (جعلوا كل جزء منه عُثنونا.

وقال جرير: أنشده سيبويه:

قال العواذلُ ما لجهلك بعدماشاب المفارقُ واكتسبن قتيرا
للشاعر جرير، من قصيدة «صرم الخليط تباينا وبكورا»

وله ايضا:

يحيدُ المحُ عنك وفيه قصدويقصُر أن ينال وفيه طُولُ

اي هيبتُك في فؤاد القرن تخذُل يده فيحيد رمحه عنك مهابة لك بعد أن سده ويقصُر الرمح أيضاً أن ينالك هذا القرنُ به حذره إقدامك عليه وإن كان طويلا. وانما يعنى بطول الرمح العمل به وجودة التصريف له لا الطول الذي هو ضد القصر. لأن الطُّول عيبٌ وذلك أن الرمح إذا كان طويلاً خان فضعف.

وله ايضا:

شفن لخمسٍ إلى منْ طلبنقُبيل الشفُون إلى نازلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الشفن: النظر من فوق إلى أسفل.) لخمس (: اي بعد خمسٍ بين يوم ولية. والعرب تُغلب في مثل هذا المؤنث على المذكر، لسبق الليلة في تاريخ الشهر.

اي ركبت فُرسانك خيلهم إلى عدوهم وطوَوا عليها المراحل ليلاً ونهاراً فما نزلوا عنها حتى هجمت بهم على مطلوبهم. فكان نظرهُن إلى من طلبته من العدو قبل نظرهن إلى نازلٍ عنهن. اي لو ينزل أحدٌ منهم عنها فتنظر إليه. وانما أدركوا ما طلبوه ثم كان النزول بعد ذلك.

فأقبلن ينحزن قُدامهُنوافر كالنحل والعاسلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ينحزن: ينفعلن ويتحوزن فقبلت الواو ألفا لانفتاح ما قبلها، فالتقى بذلك ساكنان فحذف الاول لا لتقائهما. اي كانت خيلُ عدوك أمامك وهو في آخرها من خوفك. وهي بينك وبينه نوافر. فاقتضى البيت ثلاث تشبيهات اختصرها بأن ردها إلى اثنين وشرح ذلك أنه شبه الممدوح بالعاسل وعدوه بالعسل المطلوب للشور وصحابه بالنحل التي يُنفرها العاسلُ ليصل إلى العسل المطلوب. وعنى بالخيل هنا: أصحاب الخيل. واكتفى من تشبيهه عدوه بالعسل لفظاً لأن كلامه يقتضي ذلك وهو من حُسن دليل الخطاب؛ لانه إذا كان عاسلٌ ونحل فهناك عسلٌ لا محالة، وقوله:) ينحزن قدامه (: اي ينحاز بعضهم إلى بعض.

وَمَا بين كاذَتَى المُسْتغيرِكما بين كاذتى البائلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الكاَذة: لحم الفخذ ألفُه منقبلة عن واو. قالوا ثوب مكُوذ: بلغ الكاذة. والمستغير: الفرسُ المُغير، بناه على استفعل لأنه طلبٌ، والطلب يأتي على استفعل كثيراًعليه بني سيبويه باب استفعل.

يقول: قد تفؤج ما بين أفخاذها.

فُلقين كُل رُدينيةٍومصبوحةٍ لبن الشائلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن خيل سيف الدولة لقيت مع الخارجي بعد جهدها أشد الأعراب الذين يغذُون الخيل الكرام التي تُثر باللبن عند قلتة. ولقيت جيشاً) لخارجي من الأعراب يقاتل (على ناقة قد تيقن استهلاك أصحابه دونه. فأعرض عن ركوب الخيل ووصفه بحاله في كذبه ودعواه.

أنما الشائل بغير هاء: اللاقح، وبالهاء: التي خف لبنها. والخيل أنما تغذى بلبن لشائلة لأن اللبن إذا خف مرأ ونجع وانما اراد هذا الشاعر الشائلة فحذف الهاء للضرورة. والمصُبوحة: المسقيةُ الصبوح وهو ما اصطُبح بالغداة حاراً. اي كل قناة ردُينية وفرس ملبونةٍ وهي أقوى الخيول. وأنشد سيبويه:

لايحمل الفارس إلا الملبُونالمخص من أمامه ومن دُونْ
وطعنٍ يجمعُ شُذانهُمْكما اجتمعت دٍرةُ الحافلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

) شُذلنهم (: من شذ منهم. والدرة: اللبن يجتمع في الضرع.

) والحافلُ (: إما أن يكون جُملة فيعني به الناقة فيكون من باب ناقة بازل اي من المؤنث الذي لا هاء فيه. وإما أن يكون جزءا فيعني به الضرع وهو عندي أجود لأنه موضع تحفل اللبن. ومعنى البيت: أنه عنى طعنت كل طعنة عظيمة تجمعُ المتفرقين على صاحبها، تعجباً من سعتها، كما تُجمع الدرةُ في الضرع المُحفل كقول الشاعر:

تركتُ بني الهُجيمْ لهم دوارُإذا تمضي جماعتهم تعودُ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «تركت جرية العمري فيه»

والدرة في الدر كالحيلة في الحلي. أعنى أن هاء التأنيث تعاقب الفتحة ومثله برك وبركة وهي الصدر. وحب وحبة وهي بذور الصحراء.

وأنبت منهُم ربيع السباعفأثنت بإحسانك الشاملِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أقام الأشلاء للسباع، مُقام الربيع للماشية. والاول) ربيع للسباع (إنما هو على المثل كما قيل: فلان يرعى في لحوم الناس. يقول ألقيت لها الأشلاء فأخصبت كما تخصب السوام في الربيع. ونحوه قوله:

وأصبحت بقُرى هنريط جائلةترعى الظُّبا في خصيب نبتُه اللحمُ

يعني الرءوس جعلها خصيبة إشعاراً بأن أصحابها شُبان. وقوله:) فأثنت - بإحسانك الشامل (: مبالغةٌ وإفراط ومذهب شعري غير حقيقي. ولكن يقول: إن السباع قد اعتادت ذلك منهم حتى عقلت أنه من لدُنه فشكرتْ لذلك.

وكم لك من خبرٍ شائعٍلهُ شيةُ الأبلق الجائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

اي خبرك مشهورٌ ظاهر شُهرته كشهرة الأبلق الجائل. وذلك أن الأبلق مشهورٌ في موضعه. فإذا جال كان أشهر له، لأنه يُعرف في مواضع. وكذلك خبرك سائرٌ مشهور في كل موضع.

وله ايضا:

ولهُوإن وهب الملوك مواهبٌ درُّ الملولكِ لدرها أغبارُ

الغُبر: بقية اللبن في الضرع. فيقول: هباتك كأول الدر، وهبات الملوك كبقايا اللبن بعد الحلب. وأوضح من هذا أن يقول: إن مواهب الملوك وإن كثُرت وغزرت بالإضافة إلى مواهبك، كالغُبر بالإضافة إلى الدر الذي هو أغزر اللبن؛ فهذا أبين. والاول وجيه. واللام في قوله:) درُّ الملوك لدرها أغبار (: جملة في موضع الصفة للنكرة. فكأنه قال: وله مواهبُ در الملوك لدرها أغبار. واذا رددت هذه الجملة إلى المفرد، فكأنه قال: وله مواهبُ فائقة وقوله:) وإن وهب الملوك (: معناه: أجزل الهبةَ. فهذا يُحسن معنى البيت ويدلك عليه قوله:) درُ الملوك (فقد اوضح ما اراده في قوله:) وإن وَهَب الملوك (ولا يكون وَهب هنا مجردة من معنى الغَزَارة لأن الممدوح إذا فاق واهباً غير مُجزل، لم يك ذلك فضلاً إنما فضله أن يفوق المُجزلين.

وبدُون ما نا من ودادك مُضمرٌيُنضى المطىُّ ويقرُب المُستارُ

اي بأقل من هذا الوداد الذي أضمره لك تعمل المطى في الأسفار إلى المودود حتى تنضى، فيقرب بذلك ما كان بعيدا. وذلك أن الشوق يحمل على احتثاث المطى وإغذاذ السير كقول الشاعر:

كأن عليها سائقاً يستحثهاكفى سائقاً بالشوق بين الأضالع

وقال:

وعودُ قليل الذئب عاودت ضربهُإذا خاج شوق من معاهدها كبرُ

والمُستارُ: مُفتعل من السْير. اي: يقرب الموضع الذي يسار إليه.

وله ايضا:

وكذا تطلعُ البُدورُ عليناوكذا تقلقُ البحُورُ العظامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

اي إن همتك لا تستقر لأن شيمتك الحركة كما أن البدر شأنه الحركة دائماً كلما غاب من موضع طلع على خر وكذلك البحر يتموجُ فلا يستقر. وكنى بالقلق عن التموج لأن القلق ضد الطمأنينة والاستقرار. و) كذا (: مجرور في موضع نصب. اي مثل طلوعك تطلع البُدور ومثل قلفلك تفلق البحر ومثل طلوعُه يطلوع البدر وقلته بقلق البحر إشعاراً أن الممدوح كالبدر جمالاً وكالبحر نوالاً. وقوله:) العظام (: مؤازرة للبدور لانه لو قال البحور ولم يذكر العظام لم يك مطابقاً للبدور، فتفهمه.

والذي يضربُ الكتائب حتىتتلاقى الفهاقُ والأقُدامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

الفقهة: ما بلى الرأس من فقر العُنق. وقيل الفهاهة: مواصل الأعناق في الرءوس اي ينقص الأعضاء ويبضعها، حتى يلتقي طرفا الجسم على بعد بينهما. وإن شئت قلت: يضرب الهام، فتسقط على الأقدام.

فكيرٌ من الشجاع التوقيِّوكثيرٌ من البليغ الكلامُ

اي هيبته تروع قلوب ذوي النجدة وقلوب ذوي البلاغة لأن هذا الممدوح شجاعٌ بليغ قد بلغ الغاية في الفضليتين، فأبعدُ غايات الشجاع وأعلى منازله أن يُحسن التوقي من هذا الممدوح ولا يتحدث بالظهور عليه لأن ذلك منه سفهُ رأي. وأبعد غايات البليغ أن يقدم فيسلم عليه ولا يتحدث بإسهابٍ في مخاطبته ولا إطناب. وهذا في أسلوب قول الشاعر:

بغضى حياء ويُغضى من مهابتهِفلا يُكلم إلا حين يبتسمُ

ولأبى الطيب فضل ذكر الشجاعة والبلاغة في بيت واحد وإفراد كل واحد من الفضليتين بمصراع.

وله ايضا:

ضُربن إلينا بالسياط جهالةفلما تعارفنا ضُربن بها عنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

يصف خيل الروم. وذلك أن سرية الروم رأت جيش سيف الدولة فظننته جيشها فهمزت نحوه تريدُ اللحاق، فتبين لهم بل أن يلحقوا أنها خيل الإسلام، فانصرفوا هاربين عنها مُجدين يضربونها بالسياط للإدبار كما يضربونها للإقبال. و) عن (ها هنا: لما عدا الشيء اي مبعدين عنا لها. وقوله: تعارفنا: اي افترقنا فعرفونا وعرفناهم.

وإن كُنت سيف الدولة العضْبَ فيهمفدعنْا نكُن قبل الضرابِ القنَا اللدْنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

اللدن: اللين. ذكر على اللفظ لأن القنا وإن كان جمع قناة فلفظه لفظ المذكور وما خرج من الجمع على هذه الصورة جاز تذكيره وتأنيثه. يقول: إن كنت انت سيف الدولة والسيف أشرف السلاح، وهو المستغاث به إذا اشتد البأس، لأن الرماح والسهام قد فنيت فعدنا نحن حينئذ رماحا وقدمنا، فإذا فنينا أو قاربنا ذلك فكن انت سيف الدولة الذي يكون به الضراب اذ لا يباشر ذلك إلا مثلُك. وهذا نحو قول الآخر.

فلما لم ندع قوساً وسهْما مشيناه نحوهم ومشوا إلينا وله ايضا:

اخترتُ دهماء تين يامطرُومن له في الفضائل الخيرُ

راد دهماء هاتين الفرسين، فاكتقى الإشارة من التنبيه تقول العرب: تا، وهاتا، وتى، وهاتى. وقوله: يامطر: يخاطب سيف الدولة جعله مطراً بجوده.) ومن له في الفضائل الخيرُ (: عطفٌ على قوله:) يامطرُ (والخيرُ: جمع خيرة وهو الشيء المختار. اي له من الفضائل أشرفها، أو من نوع كل فضيلة أشرفه. اراد ومن له من الفضائل الخير فوضع) في (موضع) من (.

والفضيلة: الخصلة التي يُستحق بها الفضل، وضدها الرذيلة.

وله ايضا:

حصانٌ مثل ماء المُزن فيهكثوم السر صادقةٌ المقالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

اي هذه المرأة حصان طاهرة نقية من الشوب كماء المُزن في المُزنْ قبل انحطاطه إلى الارض ومُمازجته طبيعة التراب. فالهاء في قوله) فيه (: راجعة إلى المُزن. كيُومُ السر: يعني محاسن خُلقها وخَلقها؛ وكتمها إياه: صوتها له حتى لا يُطلع عليه منها. ولما كنى بالسر عن المحاسن الخلقية والخُلُقية كنى عن صوتها بالكتمان. وكأنه إنما سمي ذلك سراً لانه مما يجب ألا يُعرف من النساء.) صادقة المقال (اي لا تدخل في ريبة فتحتاج إلى افتعال التأويل والتحيل للاعتذار، ولكنها حسنة الخفايا سالمة الإرادة، فصدقُها يُغنيها عن التماس الكذب. وإن شئت قلت: وصفها بصدق المقال مُطلقاً لأن ذلك من أجل ما يُمدح به ولا حفاء بمزية الصدق.

فلا غيضتْ بحارُكِ ياجمُوماًعلى علل الغرائب والدخالِ

بحر جمُوم: كثير الماء، وكذلك البئر. والدخال: أن تُدخل بعيرا قد شرب بين بعيرين لم يشربا. والغرائب: الإبل الواردة حياض غير أهلها فهي مدفوعة عنها ممنوعة دُونها كقل الحجاج) ولأضربنكُم ضربَ غرائب الإبل (وغيضت، نقصت غامض الماء وغضته وفي التنزيل.) وغيضَ الماء (والعلَلَ: الشُّرب الثاني من النهل. فيقول: لا غيضت بحارُك: اي لا قصر جودُك عن كثرة من يردُه من الغرائب وذوات الدخال وكلاهما نوع غير مستحق للورود، فكنى بهم عمن لا يستحق جُود هذا الممدوح وإن شئت قلت: كنى عن المقيمين والطارئين عليه. اي عمَّ جودك الفريقين. يدعو له بذلك.

وله ايضا:

بناَ منكَ فوق الرماِ ما بك في الرملِوهذا الذي يضنى كذلك الذي يُبلى

منك: اي من أجلك. تقديره: بنا فوق الرمل من لحزن بك والأسف عليك ما يُنْحفُنا ويُضنينا كما بك في لرمل. إلا أن هذا لنا مُضنٍ وذاك مُبلٍ وكلاهما مشتبهان في أن عملهما التَّنقص والفساد إلا أن حالك البلى وحالنا الضنى وقال:) وهذا الذي يُضنى (فأشار إلى الضنى إشارة القُرب لانه مُشاهد وقال:) كذاك الذي يُبلى (: فأشار إلى البلى إشارة البعد لانه مُغيبٌ عنه.

تركتَ خُدود الغانيات وفوقهادُموع تُذيبُ الحُسن في الأعين النُّجلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

هؤلاء الغواني كُحل الأعين كحلا طبيعياً. والكحلُ الطبيعي يزيده الحسن حسناً لأن كل طبيعي يُقوية المكتسبُ المشاكلُ له، فيقول: إن دموع الغانيات الكُحل المكتحلات تفسل الكُحل الذي هو زيادة في حسن الكحل فيزول حُسن الكُحل ويبقى الكَحَل فقد زال الحُسن الاكتسابي الذي كان زياة في الطبيعي فنقص الحسن عما كان عليه إذ كان المكتسب موجوداً مع الذاتي، وكأن الدمع هو الذي أدابه ونقصه. ولا يُكنى تذوب الجواهر، لكن لما كانت زيادة بالكُحل وكان جوهراً استجاز إيقاع الإذابة على العَرضَ الحادث عنه فتفهمه.

تَبُل الثرى سُوداً من المسك وحدهُوقد قطرت حُمراً على الشعر الجثلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

اي بكين دمعاً مشوباً بدم لإفراط الحزن عليك تقطرت حُمراً ووقعت على لذوائب المنشورة على الخدود للحزن وفيها أفواهُ المسك فسقطت إلى الارض سُوداً بالمسك وحدهُ دون الكُحل لأن الكُحل قد أذابهُ الدمع وأسالهُ. وقال) تبل الثرى (: فأشعر بأنها خرقت الارض لشدة وقوعها وغزارتها حتى سختْ في الثرى.

الست من القوم الذين رماحُهُمنداهُم ومن قتلاهُمُ مُهجةُ البخلِ

لما استعار للبُخل مهجة مقتولة، فجعلها إحدى قتلاهم، وكان البخل إنما يُقتل بالندى، جعل نداهم رُمحاً يُقتل به البخل. وقيل: من رماحهم نداهم: اي يجودون بما أفاءت عليهم رماحهم. والاول أولى لقوله: ومن قتلاهم مهجةُ البخل. وقوله:) مهجة البخل (: تفلسُفٌ لانه إذا قتلت المهجة والمهجة قوام المقتول أغنى ذلك عن وصف الجملة بالقتل. وهذا منه احتيال مليح لتسوية إعراب الرَّوى. وليس للبخل مُهجةٌ. إنما المهجة للحيوان فاستعارهُ وسهُل ذلك حين استعار لقتل للبخل. وقال:) ألست (. فأخرج اللفظ مُخرج الاستفهام ومعناه الإثبات والتقرير كقوله) ألستُ بربكم (؟ قال جرير:

ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بُطزن راحِ
للشاعر جرير، من قصيدة «أتصحو بل فؤادك غير صاح»

فمعناه انت من القوم الذين شأنهم كذلك كما أن معنى) ألستُ بربكم (: أنا ربُّكم. ومعنى) ألستم خير من ركب المطايا (: أنتم خير من ركب المطايا.

ويبقى على مرِّ الحوادثِ صبرهُويبدُو كما يبدُو الفرندُ على الصقلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

اي إذا نزلت بك الملماتُ ثبت من صبرك وتبين من جلك ما يزيدك في النفس جلالاً لأن ذلك عين الخبر والمحنةِ، كما أن السيف إذا أخذ منه الصقلِ جلا عن جوهره الذي كان يخفيه منه الصدى فازداد شرفاً بذلك؛ ولذلك قالوا: خرج منها كالشهاب. اي بين الفضل واضح الشرف. وقابل الحوادث بالصقل لأن ذلك روز واختيار وداعية إلى الوقوف الصحيح من الشيء.

بنفسي وليدٌ عاد من بعد حملهِإلى بطنِ أم لا تُطرقُ بالحملِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

يعني انه عاد من بعد الحمل الذي تبعته الولادة إلى بطن أمٍ لا تضع حملها يعني الارض لأن من تضمنته لا يخرج منها إلا إلى الحشر فجعل تضمينها له كالحمل به، ونفي عنها التطريق الذي هو ضد الحمل وكل ذلك مستعار.

وما الموتُ إلا سارٌ دقَّ شخصُهيصُول بلا كف ويسعى بلا رجلِ

قوله) دق شخصه (: كلام شعري لأن الموت عرض والعرض لا يُشخص، إنما التشخيص للجواهر. وقد يُتجوز بالعرض المحسوس كالحمرة والصفرة. فأما الاعراض النفسانية فلا تُشخص وسوغه ذلك قوله فيه) سارق (لأن السارق لا يكون إلا شخصاُ، فلما نسب إليه صفة لا تكون إلا في الجواهر، وهو السرق استعار له التشخص.) يصُولُ بلا كف ويسعى بلا رجل (: اي انه عَرَض والعَرَض لا يد له ولا رجل.

يرُدُ أبو الشبلِ الخميس عن ابنهِويُسلم عند الولادة للنملِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

يعذر سيف الدولة في أنه لم يطق دفع المنية عن ابنه يقول: إن الأسد يردُ الخميس عن شبله وذلك لكبر أجرامهم وعظم أشخاصهم ويسلمه عندما يولد للنمل تأكله إذ لا يطيق دفعها عنه لدقة أشخاصها فكذلك الموت لو نجم لردهُ سيف الدولة عن ابنه ولكنه عَرَضٌ غير مُتجسم ولا محسوس، فلا قوة به عليه، بل سيفُ الدولة أعذر من الأسد لأن النمل وإن دقت فهي مرئية والموت غير مرئي، فدفعه أبعد من الإمكان. ألا ترى إلى قول بعض حكماء العرب يوصي ابنه:) فإنما تغُر من ترى ويغرُّك من لا يُرى (. يعنى الموت وهو الذي لا يُرى.

وله ايضا:

فما تُرجى النُّفوسُ من زمنأحمد حاليه غيرُ محمُودِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

اي أحمد حإلى الدهر أن يمُد للإنسان في العمر ويُسلمه ثم يفضى به بعد ذلك إلى الهلكة وتلك حال غير محمودة لمصيرها إلى ما لا يُحمد، لكنها أحمد الحاليت، فما ظنك بالآخر. وإن شئت قلت: أحمد أحولك بقاؤك بعد صديقك، وتلك حالٌ غير محمودة لما هو به من تعجُّل الوجل وانتظار الأجل. وهذا إفراط من القول لانه إذا كان الأحمد غير المحمود فهو مذموم لا محالة. فأي صفة تقع على الأذم والمحمود مذموم ما هي إلا أن الأذم أذهب في باب الذم وإلا فالذم مشتمل عليها فذكر محموداً لانه ذهب إلى الأحمد.

نحملُ أغمادُها الفداء لهمُفانتقدُوا الضربَ كالأخاديد

الأخدود: الشق الواسع في الارض يُخذُّ فيها: اي يحفر. شبه الضربة العظيمة بها وكان ابو وائل تغلب هذا، قد أسرته بنو كلاب، فضمن لهم الفداء عن نفسه فكان مكان ما ضمن لهم من الفدية أن غزاهم فأوقع بهم ألا ترى إلى قوله فيه وفيهم:

فَدَى نفسه بِضمانِ النُّضاروأعطى صُدور القنَا الذَابِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»
ومناهمُ الخيل مجنُوبةًفجشن بكل فتى باسلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

فيقول: تحمل لهم أغمادُ السيوف ما ضمنه لهم من الورق والعين وغيرهما، وذلك منه هُزء بهم اي إنما كان الفداء المحمولُ إليهم أن ضربُوا بما في الأغماد وهي السيوف. فكانت كل ضربة على قدر الأخدود عظماً. ولما كان المعتاد في الفداء الذهب والفضة بالأغلب جعل السيوف نقوداً والأغماد أكياساً، وحَسُن ذلك لأن السيف من الحديد، والحديد يشرك الذهب والفضة في أنه جوهرٌ معدني كما أنهما معدنيان. فانتقدوا الضرب، اي قام لهم مقام النقد. وقيل: وقع بهم أجود الضرب كما يختار المنتقد أجود الدراهم والدنانير، وكله هُزء. وقوله:) كالأخاديد (: في موضع الحال. اي انتقدوا الضرب عريضاُ ومستطيلا. والضرب ها هنا يجوز أن يكون الجنس، وأن يكون جمع ضرْبة. فقد ذهب محمد بن يزيد في قوله تعالى:) غَافِرِ الذْنْبِ وقَابِلِ التَّوبِ (إلى انه جمع توبة، إلا أن أكثر ذلك إنما هو في الجواهر المخلوقة دون الأعراض، نحو لوزة ولوز. وقد جاء في الجوهر المصنوع منه شيء كدواة ودوى، وسفينة زسفين. فأما في العرَض فقليل كما قلنا. لكني أوثر أن يكون الضرب هنا جمع ضرْبة لقوله) كالأخاديد (مع ما آنسنا محمد بن يزيد في قوله تعالى:) وقَابِلِ التَّرْبِ (. وأضمر السيوف في قوله:) تحمل أغمادها (للعلم بمكانها، كقوله تعالى:) كُلُّ من علَيْها فَانِ (وأيضا فقد جاء ذكر الجنود والسيوف متصلة بهم فكأنها مذكورة.

مَوِقعُه في فراش ِ هامهِموريحُه في مناخرِ السيدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

الفراش: قشور تكون في الرأس على العظام دون اللحم، وقيل: ما يتطاير من عظام الرءوس واحدته بالهاء. و) مَوْقعِه (: وقوعه. اي يقع هذا الضرب برؤسهم فَتَشمُّ الذئابُ رائحة الدم فتقطع إليهم لتأكلهم. فالهاء في قوله:) وريحه (ليست للضرب لأن الضرب لا طبيعة له فيكون ذا ريح، وإنما الهاء للدم، فأضمره لمكان العلم به، وقد يجوز أن تجعل الريح للضرب. وإن شئت قلت: إذا وقعت الضربة أرشت دماً فتغير منه الهواء، حتى ينشق الذئب رائحته فيستدل عليه. وقوله) في مناخر السيد (كان ينبغي أن يقول منخر السيد أو في منخري السيد. ولكنه جعل كلَّ جزء من المنخر منخراً، ثم جمعه كما حكاه سيبويه من قولهم للبعير: ذو عثانين كأنهم جعلوا كل جزء منهم عُثنوناً. وعليه وجه قول العرب: آتيك عُشياَّنات، قال: جمعوا لانه حين، كلما تصوبت الشمس، ذهب منه جزء. وأنشد قول جرير:

قال العواذلُ مالجهلك بعدماشابَ المفارقُ واكتسين قتيرا

وإن شئت قلت: إنه عنى بالسيد هنا: النوع فجمع المنخر لذلك وكل واسع.

ثُم غَدَا قيدُهُ الحِمام وَماَتَخلُصُ منه يمينُ مصفُودِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

صدت الأسير وصفدته: أوثقته. وأصفدت الرجل: أعطيته رالألف لا غير. فمصفُودٌ على صفدته. وكانت أغلال العرب القدز ولهذا قالوا في المرأة السيئة الخلق: غُلٌّ قملٌ، لأنهم كانوا يشدُّون القد على الأسير فيقمل. فمعناهُ: كان هذا الميت ابو وائل أسيراً في يد العدا فأنقذته منهم ثم غدا بعد ذلك في أسر الموت فلم يك بك قدرة على تنقذه منه وما يخلص منه يمين مصفُود. وعذرهُ لعجزه عن تنقُّذه إياه من الموت، فالموت لا يخلص منه من أوثقه. فأنت ياسيف الدولة غير ملوم على أن لم تنقذه من الحمام كما تنقذه من الأنام.) قيده الحمام (: مبتدأ وخبر في موضع خبر غدا، واسم غدا: مضمر فيها، كما حكاه سيبويه من قولهم:) كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه اللذان يُهودانه أو يُنصرانه (أضمر اسم يكون فيها، وجعل جملة في موضع الخبر، وأنشد:

إذا ما المرءُ كان أبوهُ عبسٌفحسبك ما تريد إلى الكلام

ولو قال:) ثم عدا قيدُهُ الحمام (أو) قِدُّهُ الحمام (، لكان حسناً لكنه لما كان ذكره إنما هو لأبى وائل، وقد أجره كثيراً، أكد ذلك بالمحافظة عليه فأضمره الا ترى قوله:) قد مات من قبلها (... وقوله:) ما كنت عنه (... وقوله:) أين الهبات التي يفرقها (إلى سائر ما في القطعة من إخباره عن أبى وائل، واستفهامه عنه.

وله ايضا:

ولا فضل فيها للشجاعة والنَّدَىوصبر الفتى لولا لقاءُ شعُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

فيها: اي في الدنيا. وشَعُوبُ: المنية تَشعب اي تفرق، وأنشد يعقوب:

فقام إليها بها جازرُوَمن تدعُ يوماً شَعُوبُ يُجبها

يعزى عن الدنيا ويقول إن تمام هذه الفضائل فيها إنما هو بتيقُن الفناء. اي لولا خوف الموت، شجع كل الناس وجادوا وصبروا فلم يك أحد مخصوصاُ بهذه الفضائل دون صاحبه ولو كان كذلك لم يك لهذه الفضائل فضل لأن الأشياء إنما تَتَبَينَّ بأضدادها. فلو عُدم الضد خفى ضده. وإن شئت قلت: لو أمن الموتُ لما كان للشجاع فضل، لانه قد أمن الموت. وكذلك السخيُّ والصبور لأن اعتقاد الخلود، وتنقل العُسر والشدة إلى الرخاء مما يُسكن النفوس ويسهل البوس. هذا قول أبى الفتح، وهو حسن. وقوله:) لولا لقاء شعُوب (اراد لولا تيقن لقائها. و) الفتى (هنا لا يعني به فتاء السن إنما يراد به المدخ. كقولك: أنت الرجلُ اي الجلد الصابر وكقول الهذلي:

فثى ما ابنُ الأغر إذا شَتَوْناوُحبَّ الزاد في شَهرْى قُماحِ

كنى بالفتوة عن الكرم، كأنه قال: ابن الأغر كريم مُتَفَتٍّ، ولولا ذلك لم يعمل) فتى (في) إذا (لأن الظروف لا تعمل فيها الا الأفعال أو ما هو في طريقها، واذا قلت زيد فتى تعني به السِّن، فليس فيه معنى فعل.

فعُوض سيفُ الدولة الأجر إنهأجلِّ مُيبِ

إن شئت عنيت بالمثاب سيف الدولة، وإن شئت عنيت به الأجر الذي أثيبه.

إذا استقبلت نفسُ الكريم مُصابهابخُبثٍ فاستدبرتهُ بطيبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

المصاب هنا الإصابة لأن المصدر قد يخرج على شكل المفعول به لانه في المعنى مفعول، فمن ذلك الميسور والمعسور والمعقول والمجلود فأما فيما جاوز الثلاثة فمطرد كالُموفى في معنى التوفية، والمقاتل في معنى القتال أنشد سيبويه:

أقاتل حتى لا أرى لي مُقاتلاوأنجو إذا لم ينج إلا المكيس
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة

والخُبثُ في هذا البيت: كناية عن الجذَع، وجيشان النفس عند الفزع. والطيب: كناية عن الصبر والتوطين. اي إذا جَزع الفهم في أول نزول المصاب به رَاجَع أمره بعد ذلك، فعاد إلى الصبر. وإن شئت قلت: من لم يوطن نفسه للقاء المصائب قبل نزولها صعبت عليه عند حلولها فليستشعر اللبيب التوطن على لقاء المكروه لانه إذا لم يفعل ذلك، ونزل به ما يكره، عظم عليه وجزع منه ثم يحول بعد ذلك إلى الصبر، لا جدوى له الجزَع. فالحكم أن يبتدئ أولاً بما يعود إليه آخراً كقول الشاعر:

رأى كلَّ شيء إلى غايةفصيرَّ آحَرهُ أولاَ

وقد فسر المتنبي معنى هذا المتقدم بقوله بعد هذا:

وللواجِد المحزُونِ مِن زفراتهسُكونُ غزاء أو سكونُ لُغُوبِ

اي لابد للمحزون أن يسكن حزنُهُ: إما تعزيا وهو الحميد، وإما إعياه وهو اللغوب. وإن شئت قلت: إن لم يصبر تعزياً واحتساباً، وإلا صبر لغوبا حين لا أجر له ولا فضل.

وله ايضا:

فَلم لا تلُوم الذي لاَمَهاوما قصُّ خاتمه يذْبُلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

كأن لائماً لام هذه الخيمة على عجزها عن الاستقرار على سيف الدولة والاعتلال له حين تقوضت. فيقول: لا ينبغي أن تُلام ذلك ليس في وسعها، ولا استطاعتها، وليس على تارك ما يطيق لوم. فإن كان الإنصاف أن تُلام هذه الخيمة على ما ليس في طوقها، فلم لا تلُوم لائمها على أن لم يطق أن يجعل فصَّ خاتمه يذبل؟ لأنهما قد استويا في العجز وإنما كان ينبغي أن يلومها من أطاق التختم بهذا الجبل. فإذن لا أحد يقدر على ذلك فلا تلومن الخيمة على تقوضها، وضعفها عن حمل سيف الدولة، لأن العجز عن الممتنع قد وضح فيه العُذر، و) لِمْ (:لغة في) لِمَ (فاشية معروفة.

فام اعتمد اللهُ تقويضهاولكنْ أشار بما تَفْعلُ

اي لم يقوضها ليحُزنك، ولكن اشار عليك بالرحيل نحوما اختاره لك من الجهاد، وسلوكِ شُبُل الرشاد. والإشارة من الله ﷿ عليه: إنما هي إلهامُهُ إياهُ، وليست على حد الاشارة الانسانية، لأن إنما هي الجوارح. وربنا تعالى يَجِلُّ عن ذلك.

رأتْ لون نُوركَ في لونهاكَلَون الغَزَالةِ لايُغسَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح المشكل من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.