تجاوز إلى المحتوى

من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)

شرح المشكل من شعر المتنبي (٥)

أي إذا اضظرات إلى ناقص فتفضل عليك فشكرته فقد حصل الفضل لذلك الناقص فمن الحق أن تتحامى رجاء الناقص، لئلايتيح لك فضلا منه عليك، فيكون الفضل له. وقال:) الفضل فيمن له الشكر (أي: الفضل للشاكر لا للمشكور، لانه يُشرف هذا الناقص بشكره، أو بنفعه به.

وَغثٍ ظَنَنا تَحْتَهُ أن عامِراًعَلاَ لَم يُمت أو في السحابِ له قبرُ

عامر: جد هذا الممدوح. يصف سحابا بكثرة الماء، حتى كأن عامراً علا إلى الفلك فأمطر الناس جوده، أو دفن في السحاب، فهو يجود بالماء وإن كان فيها ميتاً.

وقوله:) لم يمت (بدل من قوله:) عَلاَ (. وقد يجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في علا أي غير ميتٍ.

أو ابنَ ابنهِ الباقي على بن أحمدًيجودُ به لو لَمْ أجُز ويدي صِفْرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

أي لولا أني جُزت به خالي اليد منه، لما شككت أن أحدهما هناك ويدي صفرُ: جملة في موضع حال.

إليك طَعَنا في مَدَى كل صَفْصَفٍبكلِّ واة كُلُّ ما لَقِيتْ بحرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

أي قطعنا غليك الأراضي البعيدة بكل ناقة خفيفة مُوثقة، تفعل في الارض البعيدة ما تقعل الطعنة في النحر. ومعناه أنها تتوغل الطعنة في الصدر، وتبلغ الغاية، كما تبلغ الطعنه إذا وصلت إلى القلب.

إذا وَرِمَت من لسعةٍ مَرِحَت لهاكأن نوالا صر في جِلْدِها النِّبرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

النبر: دُويبة تلسع الإبل، فتحبطُ مواضعُ لسعها وترم، يقول: إذا لسعها النبر لم تألمْه، لا عتيادها إياه، وطيب نفسها، وفرحت له، حتى كأن تلك اللسعة التي أورمت جلدها، صرت فيها نوالاً لها، فهي تفرح لذلك كما يفرح المُعطى بالعطية.

وقوله:) كأن نوالا (: يجوز أن يكون نوالاً منصوباً بكأن، والجملة التي هي) صر في جلدها النبر (: خبر كأن. وفيه ضعف لأن اسم) إن (نكرة غير مؤيدة بالصفة. وخير منه عندي أن يكون في) كأن (الأمر أو الحديث، ونوالاً: مفعول لصر. فقوله:) نوالاً صر في جلدها النبر (: تفسير للمضمر الذي في) كأن (.

فَجِئناك دُون الشمسِ والبدرِ في النوىودُوَنك في أحْوالِك الشمسُ والبدرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

قوله:) دون الشمس والبدر في النوى (حال أي جئناك وأنت أقرب إلينا من الشمس والبدر، وهما دونك في المجد وشرف القدر.

لِساني وَعينِي والفُؤادُ وِهمتيأودُّ اللواتي ذا اسْمُها منك والشطرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

الاود: الاحباء، واحدهم وَُد. فيقول: هذه الأعضاء مني تُحبُّ ما قابلها من أعضائك التي أسماؤها هذه.

وقوله:) والشطر (: أي كأن هذه الاعضاء مني شقيقة سيمتها منك، حتى كأنهما اقتسمنا جزءاً من العنصر الذي منه كونها. وإذا كان هذا في الاعضاء، فكان لساني موافقاً للسانك، يقول ما تقول، وعيني مطابقة لعينك تستحسن ما تستحسن، وفؤادي ملائم لفؤادك، يهوى ما يهواه، وهذه عُمدة أعضاء الانسان فالجملتان شقيقتان. فنحن إذن شقيقان.

وأما قوله: وهمي، فزيادة، لأن الفؤاد محل الهمة، فهو يغنى عنها.

وله ايضا:

أقَلُّ فَعَإلى بَلهَ أكثرهُ مَجْدُوذا الجدُّ فيه نلْتُ أم لم أنلْ جَدُّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

بله: يُنصبُ بها ويجر، النصب على أنه اسم للفعل كرُويد. والجر على أنه مصدر، وإن لم يكن له فعل، فقد وجدنا مصدراً دون فعل، كويل وأخواتها. أي أقل فعإلى شرفٌ. دع أكثره، كقول القائل فكيف أكثره. وهنا إفراط في القول، لانه ليس فوق الشرف منزلة، فيكون أكثر فعله أعلى من الشرف. إلا أن الشرف يتفاضل في ذاته. فإذا كان أقل فعاله شرفاً، فأكثره شرفٌ أعلى من ذلك.

وقوله:) وذا الجِدُّ فيه نلتُ أم لم أنل جَدُّ (. الهاء عائدة إلى الجد، أي ود الجدُّ في طلبه جدٌّ.

الجِدُّ: الاجتهاد والتشمير. والجَدُّ: البَخت. ويقول: جِدي في الامور بخت. وإن لم أنل به بختا، لأن الجِد معدود في السعاة، لكونه من الفضائل النفسانية، التي يبعث عليها الأنفه والشهامة، كما أن التواني يُعد في الشقاوة لكونه من الرذائل التي يبعث عليها العجز والسآمة، يقول: فأنا إن لم أنل بسعي حظاً نلت به عند نفسي وغيري عذراً أحصل به على راحة نفسي، لا يلحقني كلام من أحد: كقوله:) ومُبْلِغُ نَفْسٍ عُذرَهَا مثلُ مُنْجِحِ (؟

سأطلبُ حَقي القنا ومَشَايخٍكأنهُم من طول ما التَثَمُوا مُردُ

مشايخ: جمع مشيخة، حكيناه عن أبى زيد، وقد يجوز أن يكون جمع مشيوخاء، الذي هو اسم لجمع شيخ فكان ينبغي على هذا) مشايخ (لكنه اضطر فحذف، كقوله: والبكرات الفُسج العطامسا فشبههم بالمرد، لأنهم التثموا حتى لم تظهر لحاهم، كما لم يظهر للمرد لحى. ولو اتزن له لكان أحسن أن يقول: كأنهم من شدة ما التثموا، لأن كيفية الالتثام حجبت لحاهم، بإحامهم إياها. والشدة كيفية، والطول كمية فالكيفية أولى بما ذهب إليه.

وإن قلت انهم أطالوا الالتثام حتى حُسيُوا مُرْاً كان له وجه.

تَلَجُّ دُمُوعي بالجُفونِ كأنماجُفُونِيِ لِعَيْني كُلِّ باكيةٍ خذَُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

أي أن جفوني مساربُ للدمع لا يخلو منها، حتى كأنها خذٌ لكل باكية.

فالدمع يلازمها كما يلازم خد الباكية.

وإن شئت قلت: ذهب في ذلك إلى غزر الدمع. أي أن جفون دموعي مُجتمع الدموع، حتى كأنها خد لعيني كل باكية.

سَرَى السِّيفُ مما تَطبع الهندُ صَاحِبيِالسيفِ مشما يَطْبَعُ اللهُ لا الهِند
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

صاحبي: نعت للسيف. ولا يكون على حد قولك) ضاربي (المنقولة من قولك: زيد ضارب عمراً؛ لانه لا يقال: زيد صاحبٌ عمرا، وذلك أن هذه الصفة جُردت من معنى الفعل، فلم يعدوها من المصادر، وقولهم:) لله درُّك (فدرك: مصدر وقد أجمده حتى قال سيبويه: هو بمنزلة قولهم:) له بلادك (وقوله:) مما تطبع الهند (، يعني السيف الذي عنصر الحديد، وهو الذي يطبعُ الهند. والسيف الثاني: هو الممدوح، وهو الذي يطبعُه الله لا الهند، لأن الهند لا تخلُق وإنما الخالق الله وحده:

يَكادُ يُصيبُ الشيءَ من قَبْلِ رمْيهوَيُمكنُه في سَهْمِه المُرْسلِ الردُّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

يصفه بالقوة في الرماية، والعلم بها، فيقول: يصرف سهمه كيف شاء، حتى لو اراد رده بعد إرساله مثلاً، أمكنه ذلك. و) يمكنه (: يجوز أن يكونمعطوفا على) يصُيب (. فيكونان جميعا داخلين تحت) يكاد (ز ويجوز أن يكون من الفعل الذي هو خبر) يكاد (فيكون ذلك أبلغ. وكلتا القضيتين داخلة في الامتناع، لا يجوز أن يصيب شيئاً قبل رميه له. ولا أن يقارب ذلك وكذلك القول في القضية الثانية. والهاء في) رميه (يجوز أن تكون ضميراً لشيء فيكون مجروراً في موضع نصب. كأنه قال: من رميه هو. ويجوز أن يكون ضمير لفاعل، والمفعول على هذا محذوف، أي من قبل رميه إياه.

وله ايضا:

حَوْلىِ بكُلِّ مَكِانٍ مِنهُمُ خِلقٌتُخطى إذا جِئْتَ في اسْتِفْهامها بِمَنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

أي انهم لا يعقلون و) مَنْ (إنما يستفهم بها عمن يعقل، فإذا استفهمت عن هؤلاء بمن فأنت مخطئ، اذ لاحظ لهم فيها وإنما حظُّهم) ما (التي هي لما لا يعقل، وأن شئت قلت: إنهم وإن كانت صُورهم صُور الناس، فهم بهائم، لجهلهم، وأنما تُعامل الأنواع بطبائعها لا بأشكالها، وذلك أخذت الحكماء في حدودها طبائعها دون صورها، حتى إن بعضهم قال استضعافا للحد المأخوذ من الصورة:) فإنه لا يُستنكر أن يكون إنسان على شكل سمكة، كما لا يستنكر أن تكون سمكة على شكل إنسان (. واراد) تُخطئ (، فأبدل إبدالا صحيحاً للضروة، كما أنشد سيبويه:) فارعى فزارةُ لا هناك المرتعُ (ولو خفف تخطى قياسيا بين بين، لانكَسَر البيت، لأن الهمزة المخففة بَيْن بين عند سيبويه بُرمتها مخففَّة.

ومُدْقعينَ بُسْبُروتٍ صَحِبْتُهمُعارين من حُللٍ كَاسِينَ من دَرَن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

أي ورب فقراء بأرض قفر صحبتهم وبُليت بهم) عارين من حلل (: أي هم اللصوص لا يتسربلون،) كاسين من دَرَن (: يصف شعثهم وقشفهم. وإنما يُعدد ما مُنى به وبلى، من مكاره الأيام، وصحبة من لم يكن أهلا للصحبة.

كم مخلصٍ وعلا في خوض مهلكةٍوَقَتْلةٍ قُرنت بالذم في الجُبُن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

أي: كم إنسان أقدم، فسلم وعلا مع إقدامه، ولم يضره اقتحامه الهلكه، وآخر جُبن، فقُتل مع جُبنه، ومات مع ذلك، مذموماً على نكوله ملوماً. قوله:) في الجُبُن (متعلق بقتلةٍ، كأنه قال: وقتلة في الجُبن قُرنت بالدم، كما أن قوله) في خوض مهلكة (مُتعلقة بمخلص وعُلا.

مدحتُ قوماً وإن عشنا نظمت لهمُقصائدا من جياد الخيل والحُصنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

عنى بالقصائد: الجيوش، وإنما كنى عنها بذلك، لقوله:) مدحت قوماً (واستعمل النظم مكان الحشد، لماكن القاصائد، وجعلها من جياد الخيل والحُصُن، لانه عنى بالقصائد العساكر، والعساكر إنما تأتلف من الخيل وفُرسانها، ولو قال:) من إناث الخيل والحصن (لكان أذهب في الصنعة، لأن الحُصُن: الفحول من الخيل، فكان يطابق الإناث لقوله تعالى:) وَبَثَّ منهما رِجَالاً كثِيراً ونِسَاءَ (. وأما) من جياد الخيل والحصن (، فقسمة غير سالمه، لأن الحصن قد تدخل في جياد الخيل، وكذلك جياد الخيل قد تدخل في الحصن، إذ بعض الجياد حصان، وبعض الحصن جواد. ومن عنى بالحصن الجياد، ما ذهب في باب القُبْح، لانه لا يوجب قسمها، إذ الجياد هي الحصن.

تَحتَ العَجَاجِ قَوافِيها مُضَمَّرةٌإذا تُنُوشِدنَ لم يدخُلْنَ في أذُنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

عنى بالقوافي الخيل، وخصها بالذكر لأنها أشرف ما في الشعر، لاشتمالها على اللوازم، كالروى والصِّلة والخرُوج والرِّدف والتأسيس، وغير ذلك من طوائف القافية، وإذا جادت القافي؛ سَرَت جودتُها في الشعر. واستجاز أن يجعل القوافي) مضمرة (، لكنايته بها عن الخيل.

) إذا تُنُوشدن لم يدخلن في أذن (: فرق مليح صحيح، لأنهن لسن في الحقيقة قوافي، فتلج في المسامع، وإنما هن خَيْل، وليس هناك تناشد. إنما استجازه للفظ القصائد والقوافي.

غَضُّ الشبابِ بعيدٌ فَجُر لَيلتهِمُجانبُ الجَفْنِ للفَحشاء والوَسَنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يستغرب العبادة مع الشباب. و) بعيد فجر ليلته (: أي لا ينام، فآخر ليلته بعيد من أولها.) مُجانب الطرف للفحشاء والوسن (: هذا اختصار مليح. وما أحسن مقابلته الشباب بالفحشاء، والسهر بالوسن. وكأنه قال: غض الشباب، مجانب الطرف للفحشاء، طويل الليل، مجانب الطرف للوسن.

ألقى الكرامُ الأى بادُوا مكارمهمُعلى الخصيى عند الفَرْض والسُّنَنِ

) الإلى (: بمعنى الذين بادوا من صلة) ألى (. أي باد هؤلاء الكرام وألقوا مكارمهم على هذا الممدوح، كأنهم كفلُوه إياها، كما يكفل الوصي اليتيم.

فهن في الحجر منه كلما عرضتلَهُ اليَتَامَى بدا بالمجْدِ والمِنَنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

فُهن: يعني هذه المكارم الملقاة عليه التي كُلها. يقول: هذه المكارم التي مات اهلها، وبقيت يتامى في حجر هذا القاضي الممدوج، فهو يفرق أمواله فيهم، ويبدأ منهم بالمجد والمنة. فهما من جملة الأيتام، يظهرهما ويؤثرهما. كما يفعل الرابُ المُشبل. وقوله: اراد) بدأ (فأبدل إبدالا صحيحاً للضرورة. كما تقدم في تخطي ونحوها.

وله ايضا:

لَقدَ حَازَني وَجْدَ بمن حَازَهُ بُعْدُفيا ليتني بُعدٌ وياَليُتَه وجدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

أي الوجد خُلُقى فقد حازني، والبعد خُلُقه فقد حازه، يقول: فياليتني بُعد لأحوز كما حاز البعيد وياليته وجد فيحوزني كما حازني الوجد، فنجتمع ولا نتفرق.

سُهاد أتانا منك في العين عِندنَارقادٌ وُقلاَمٌ رَعَى سَرْبُكم وردُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

استحين كل مكروه اتى من قبلهم؛ واستلطف كل جافٍ لهم، حتى جعل السهاد رُقاداٌ، والقلام - وهو ضرب من الحمض - ورداً. كل ذلك لحبه إياهم.

من الحمض - ورداً. كل ذلك لحبه إياهم.

إذا غدرت حسناء وقت بعهدهاومن عهدها ألا يدوم لها عهدُ

شيمة المرأة: الغدر. وهي التي عُهدت عليه فمتى غدرت فقد أوفت بعهدها

وسيفي لأنت السيفُ لا ماتسُلهلِضربٍ ومما السيفُ منه لك الغمدُ

أقسم بسيفه، ثم تلقى القسم بقوله للممدوح، لأنت السيف، أي إنك أمضى من السيف بل أنت السيف في الحقيقة، إذا لولاك لم يكن للسيف عناء كقوله: إذا ضَرَبتْ يُمناهُ بالسيفِ في الوَغَى تَبيَّنْتَ أن السيف بالكف يضرِبُ) ومما السيف منه لك الغمد (: الشيء أنما يصُان بما هو دونه في القدر، ليكون له وقاء. يثول: فأنت أشرف من السيف، لأن السيف مطبوع من الحديد، وأنت تلبس الدروع والجواشن والترك، فهن لك كالغمد. وإذا كنت أنت مصونا بما السيف منه مصنوع. فلا محالة أنك أشرف من السيف، لأن السيف مساو للدرع في القدر؛ لأن جوهرهما سواء. والدرع لك لباس. والغمدُ في قوله) ومما السيف منه لك الغمد (:مرفوع بالابتداء. وخبره:) مما السيف منه (، فغمدك من الحديد الذي طُبع منه السيف:

كَاَنَّ عَطِياتِ الحُسَين عساكِرٌفَفِيهاَ العِبِدي والمُطّهّمةُ الجُردُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

العسكر إنما يأتلف من الخيل والرجال. وهذا يهب الخيل والعبيد. فهذا وجه الكيفية في تشبيهه عطاياه بالعساكر. ثم يكثر هبة هذين النوعين، حتى يعود في كثرة العسكر. فهذا تشبيها بالعساكر من جهة الكمية. والعطية: المُعطى لا العطاء إذ لو كان ذلك لم يجز تشبيه العرض بالجوهر، فتفهمه.

حَبَانيِ بأَثَمْان السوابِقِ دُونهامَخَافَة سَيْرِى إنها للنَّوى جُندُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»
وَشَهوةَ عَوْدٍ إن جُودَ يميِنهثُناَء ثُنَاءُ والجَوادُ بها فَرْدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

أي أعطاني الدنانير دون الخيل، مخافة أن أبين عنه، لأن الخيل جُند للنوى وأعوان. و) شهوة عودٍ (أي اراد أن أقيم فيُوإلى لي عطاياه. وإن جود يمينه ثُناء ثُناء: أي أياديه مثنى؛ وهو في ذاته فردٌ. وإن شئت عنيت بالعود، أنه معدوم النظير في جوده، كما يقال: رجل واحد: لامثل له، قال ابو ذؤيب:

يَحمى الصرِيمةَ أحدَانُ الرجال لهصَيدٌ ومُجْتَرئٌ بالليلِ هَماس

فكأنه قال: والجوادُ بها أوحدُ.

فَهُم في جُموع لايراها ابن دايةوهُمْ في ضجيجٍ لا يُحس به الخُلدُ

ابن داية: الغُراب، سُمي بذلك لانه يقع على دأية البعير، وهي فقارته، فيعقرها. والعرب تصف الغراب بصحة البصر، حتى عنوا به فقالوا: أ [صر من غراب، والخلد: فأرة عمياء لا سمع بها، رعموا. يقول: فما يراهم الحديدُ البصر ولا يُحس بهم الذي مبالغة. وليس يذهب في ذلك إلى قلة جموعهم، وجفوت لُجُمهم، إنما يذهب إلى احتقارهم، وقلة غنائهم، ومثله في ذلك الاستضعاف قوله:

فبَعْدهَ وإلى ذا اليوم لو رَكَضَتْبالخيل في لَهَواَت الطفل ماسَعَلاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

وله ايضا:

أراكضُ مُعْوصات القَوْل قسراًفَأقْتُلها وغَيرِيَ في الطِّرَدِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي أنا ذو بديهة، فاذا عورضت في قول الشعر فرغتُ وغيري يعد في تلحينه وتسديته ومعاناته، وليس هناك قتل ولا طراد، وإنما استعارهما وأقتلها: بمعنى أصيها وأملكها كقولهم: قتلتُ الأمر علما. والمُعْوص: الأبى الممتنع.

وله ايضا:

أنا لاثمى كُنتُ وقت اللوائمعلمِتُ بما بي بَيْنَ تلك المَعَالمِ

قوله:) أنا لا ثمى إن (كقوله: أنا مثلك إن فعلت كذا. أي ضرني الله مثل لا ثمى في قلة اللب والجهل بالحب. وقيل اراد: أنا لاثم نفسي أي جعلني الله لاثماً لها، وهذا أضعف في العربية، إنما تستعمل العرب في مثل ذلك أنا لاثم نفسي هذا مذهب سيبويه. وقد أنشد بعض الكوفييم:

) ندمتُ على ما كان مني عدمتُني (

فعلى هذا يجوز) أنا لاثمى (أي لاثم نفسي.

يقول: إن كنت علمت بحالتي وعقلت أمري بيت تلك المعالم، كقول الأشتر:

بقَّيتُ وَفرِى وانحرفت عن العُلاولقيتُ أضيافي بوجه عَبُوسِ
إن لم أشُن على ابن حرب غارةًتعدو ببيض ي الكريهة شُوسٍ
وَلكِنني مِما شُدهتم متيمكسال وقلبي بائح مثل كارتم

أي ولكني متيم كسالٍ مما شُدهتُ وذهلت. أي قد أفرط ذهولي، حتى كأنى ذهلت عن الهوى، فُعدتُ كالسالي، ومعنى كل ذلك أنه يريد: لم يخلص لي حال ولا يثبت لي حقيقة، وإنما يقول إنه بقي فقيد العقل، ومن فقد عقله لم يثبت له تذكُّر ولا سُلُو، ونحو هذا قوله تعالى في صفة أهل النار:) لا يَموتُ فيها ولا يَحْيى (. وإن شئت قلت: ذهلت عن الشكوى، حتى كأنني سال وذهوله عن الشكوى إما أن يكون عدم حسه بتلاشي جسمه كقوله هو:

وَشَكيتي فقدُ السقام لانهُقد كان لما كان كان لي أعضاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

وقلبي بائح مثل كاتم: أي أنه قد ظهر على الحب، فكأن قلبي بائح به وهو مثل كاتم، أي أنه لم يقصد إظهار ذلك. ومعنى كل ذلك نفي القصد لاطوله.

عن المُقْتَنىِ بَذْلَ التلادِ تلادهُوَمُجْتَنبِ البُخل اجتِنَابَ المحارمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

أي يقتني ذل التلاد مكان تلاده، فأعقبه ذلك ذكراً في البذل، فكأنه قال: عن المقتنى الذكر الجميل، ببذل التلاد مكان تلاده. الذي كان اقتناه، لما في تلاده من البقاء في الذكر الجميل المقتنى مكانه من البقاء.

فتلاده عندي - منصوب بالظرف، كما أنك لو أظهرت المضاف المحذوف فقلت: مكام تلاده، كان منصوباً على الظرف، فلما حًذف المضاف عمل الفعل في المضاف اليه ذلك العمل نفسه، كقوله تعالى:) واسْألِ القرية التي كُنَّا فِيهَا (. ولو قال:) تلادُه (، فرفعه بالمُقتنى على السعة لجاز. أي كأن ماله يدعوه أن يبذله فَيقفُوه بذلك فخراً. فكأن المال هو المقتنى له ذلك ولا كلام في قوله:) ومُجتنب البخلِ اجتناب المحارم (لظهوره.

كأنك ما جَاوَدْتَ من بان جُودُهعليك، ولا قاومت من لم تُقاوِمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

إن شئت قلت: إن حساد جاودُوك في الجود والبأس، حتى غلبتهم فيهما، فكأنك بعد غلبك إياهم ما جاودوك ولا قاتلوك. ثم جعل للقضية مثلاً مطلقاً، أي أيها الانسانُ من غلبك بعدما غلبته فكأنك ما غلبته، وإن شئت قلت: كل من جاودته فْقته، وكل من حاربته غلبيته، حتى كأنك إنما اخترت من المُجاوين والمحاربين من وثقت بظهورط عليه؛ ولم يكُ ذلك قصدك، اذ لو كان ذلك لم يك محموداً منك، لانك لم تَشْجُع إلا على من علمت أنه دونك ولا جاريت في الندى إلا من علمت أنك فوقه. هذا كله لا يُمدح به. ولكنك إنما كنت الظاهر على المجاودين المحاربين، بفضيلتك النفسانية، ومزيتك الطبيعية إلا أنك اخترت من هو دونك. وقوله:) من لم تقاوم (كقوله: ولا قاتلت من بانت شجاعته عليك، فهذا اللفظ المسلوب في المعنى لفظ آخر مُثبت وإنما ذكرت لك هذا لتثبت قدمك في تبينُّه.

وله ايضا:

غَدَا الناسُ مِثْلَيهِم به لاعدمْتُهْوأصبح دهرى في ذَاِرهُ دهُورا

أي فيه من الفضائل مافي كل الفضلاء. فقد صار الناس به ناسين. ولا يعني بالناس جميع نوع الإنسان، لأن في جماع النوع رفيعاً ووضيعلً، وإنما عنى بالناس الفضلاء من الناس، ولولا ذلك لم يقتض مدحاً، كقول أبى نواس:

لَيْس على الله بُمستنكرٍأن يجمع العالم في واحد
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

لم يرد العالم كله، إنما عنى رُفعاءهم وخيارهم.

) وأصبح دهرى في ذراه دهورا (

يقول: جنيت من لذيذ تمر العيش في دهرى عنده، ماجناه أهلُ كل دهر من حُلو تمر دهرهم، فصار دهرى بذلك دهوراً.

وله ايضا:

وَكَمْ من عَاثبٍ قولاً صحيحاًوآفَتُه من الفهمِ السقيم

قد يكون القول صحيحاً في ذاته، ولا تلوح صحته إلى الجاهل به، فيعيبُه، لانه يظنه على خلاف ما هو به. من كلام الحكماء:) من علم أنس، ومن جهل استوحش (. وقال تعالى:) بَلْ كَذَّبُوا بما لَمْ يحيطوا بِعِلْمِه وَلماَّ يَأتِهِمْ تَأوِيلُه (: أي لو فهموه لعلموه، فآمنوا به. ويشبه هذا البيت قوله هو:

ومن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مرِيضٍيَجِدْ مُرًّا به الماء الزُّلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

وله ايضا:

كَفِرنْدى فرندُ سَيْفِي الجُرازلَذَّةُ العين عُهدةٌ للبراز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

الفرند: ماء السيف، فارسي معرب. إنما هو ما بين الباء والفاء. والعرب تعرب مثل هذا بالفاء المضة، والباء المحضة. هذا قول سيبويه في باب اضطراد الإبدال في الفارسية.

الجُراز: الماضي النافذ. وإنما شبه فرنده بفرند السيف، لأن فرند السيف، دليل على مضاء حده. وعنى بفرند نفسه هنا شحوبه، وتغير لونه من الأسفار والتعب، فجعله فرنداً، لانه دليل على مضاء عزمه، كما أن فرند السيف دليل على مضاء حده.

ففي ذلك شبه فرنده بفرند السيف، وإن لم يكن شُحوبه في الحقيقة فرنداً، بل هو خلاف الفرند، فإنما سماه به، لانه محمود منه، كما أن ذلك محمود من السيف. ونحوه قوله ﷺ لَخلُوفُ فم الصَّائم أحَبُّ إلى اللهِ من المِسْكِ (وليس الخُلوف بطيب، ولكن لدلالته على ما يحبه الله ﷿ من الصيام.

وأما ابن جنى فقال: عنى أن جوهر سيفي كجوهرى. فإن كان عنى بالجوهر الفرند، فخطأ، لأن الفرند إنما هو صفاء السيف بما يحدُث من الصقال، فهو لذا عَرَض.

وإن كان عنى بالجوهر سنخ هذا السيف، أي أن سنخى في نوع الانسان كسنخ سيفي هذلا في نوع الحديد، فصفاء فهمي من جهة شرف جوهري، كما أن صفاء هذا السيف من جملة شرف جوهره، فهو حسن.

ويقوى ذلك أنه قد استطرد في أبيات السيف من هذا الشعر، تشبيهه نفسه به، وجعله نفسه في نوعه، كسيفه في نوعه. ثم أخبر عن نفسه فقال: هو لذةُ العين، أي أنظر إليه فأستملحُه، وهو أيضا عُدةٌ للقتال.

ودقيقٌ قَدى الهباء أنيقٌمُتَوالٍ في مُستوٍ هَزْهَازِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي وفيه فرند دقيق، قدر الهباء في شكله وتضاؤله. متوالٍ: متتابع في مستوٍ، أي في متن مُستوٍ. فأقام الصفة مقام الموصوف، وقواها بهزها، فحسن ذلك.

يا مُزيل الظلام عنى وروضىيوم شُربي ومعقلي في البراز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

البرازُ: الصحراء. يقول لسيفه: إذا اسودت الدنيا على بنزول الملمات، كشفتها عنى وفرجتها. وقد يعنى به أنه يزيل الظلام عنه بمائه وضيائه) وروضى يوم شُربى (: شبهة بالروض في خُضرته، وجعله روضة يوم شربه، على ما تجرى به عادة الشجاع من تلقفه سيفه وتنزيهه طرفه فيه، متأملاً لحسنه وما هيه جوهره. وكان أذهب في الصنعة أن يقول:) وروضتي (لأن الروض جمع، وهو يخاطب واحداً، ولكن هذا واسع كثير.) ومعقلى في البراز (: أي أنى أمتنع بك إذا امتنع غير بحصن، لأن الشجاع إنما يلجأ إلى سلاحه لا إلى معقل، كقوله هو:

) جواشنُها الأسنةُ والسيوف (

وكقوله:

) فلا أحارب مدفوعاً إلى جُدُر (

وإن شئت قلت: إذا كنتُ في الصحراء فلم أجد معقلاً، فأنت أيها السيف هناك مَعْقِلى.

إن بَرقى إذا بَرَقْتَ فعإلىوصليلي إذا صَلَلْتَ الرتجازي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

يذهب بذلك إلى التقريب بين نفسه وسيفه، لما أن مثل نفسه به في جوهره أراد أن يكمل تشبييهها به في أعراضه، فيقول: ايها السيف، لا تظني مُقصراً عنك، بأن لالَمْعَ لي كَلمْعِك، ولا صليلي ني كصليلك، فإنك إن قدرت ذلك، فأنت مخطى، لأن ما يُوازي لمعك وصليلك منى، أشرف من لَمْعك وصليلك. أنا أفعل بك يوم الروع ما يكسو جبيني وسائر وجهي ضياء، استبشارً به وفرحاً. فذلك البشر هو برقى المُوازي لبرقك، وأرتجز بشعري إذا صُلت فيقوم ذلك مقام الصليل لك فإذن لايُقصر حإلى عن حالك.

وَلقَطْعِى بك الحديدَ عَلَيهْافكلانا لجِنِسه اليوم غاز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

وهذا أيضا زيادة في تقريبه بين نفسه وسيفه. يقول: أنا أقتل أقراني وهم جنسي، وأننت تقطع عليهم الدروع والمغافر والترك، وكل ذلك جنسك، فقد حكيت فعلك في نوعك، بفعلي في نوعي. أنا انسان أقتل إنساناً، وأنت حديد تقطع حديدا. وهذا من أبدع الصنعة، مثل نفسه بذاته، في سيفه بذاته، ثم عرضهُ المتصل به الذي لا يتعداه، كالبرق والصليل، ثم في عرضه الذي يُوقعه بغيره، عن حركة واستعمال، وهو قطعُهُ الحديد، فقدم ما هو من الذات لا يتعداها، وأخر ما يتعدى الذات. فتفهمه فإنه غريب.

كَيْف لايَشتكى وكيف تَشكَّوْاوبهِ لا بِمَنْ شَكَاها المرَازِى

أي كيف لا يشتكى هذا الممدوح وهو الذي يتحمل المغارم، ويتكلف المُؤن بذاته، وماله فيه المرازي. وكيف تشكاها هؤلاء وقد احتملها هو عنهم فالعجب من شكواهم ولا زُرء بهم، ومن يحتمل الرزية عنهم لا يشتكى. فتقدير القضية: وبه المرازي لا بمن شكاها.

والمرازي: جمع مرزأة، وكان حكمه المرازي، فأبدل إبدالاً صحيحا قياسيا، لانه لا يوصل بالهمزة المخففة إلا هكذا، أعنى أن نبذل ابدالاً محضاً، حتى تلحق بحروف العلة، ولذلك استشهد سيبويه على أن الهمزة تبدل إبدالاً صحيحاً في حال الاضطرار، كبيت عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:

وكنت أذل من وتدٍ بقاعٍيُشججُ رأسه بالفهرِ واجبى

اعتقد البدل في واج صحيحاً، لأن القطعة جيمية، فالوصل ياء محضة.

وهذا الاستشهاد من دقائق سيبويه، ولطائفه التي بز فيها الممارى، وسبقَ المُجارى.

وله ايضا:

فَمَتَى أقُومُ بِشُكْرِ ما أوْلَيْتَنىوالقوْلُ فيكَ عُلُوُّ قَدْرَ القائِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذلت منادمة الأمير عواذلي»

أي أن مدحك يُسرف مادحك، فكما شكرتك على نوالك بالشعر، رفع شعري فيك من قدري، فاقتضاني الشكرُ على ذلك شُكراً آخر، إلى غير نهاية.) فمتى أقوم بشكرك (يُوئسُ نفسه من القيام بشكره، ويجعله داخرً في الامتناع.

فهذا استفهام فيه معنى النفي، أي لا أقوم بشكر ذلك أبداً.

وله ايضا:

كأن على الجَوانِبِ منه ناراًوأيدي القَوْمِ أجْنحةُ الفَرَاشِ

أي على جوانب هذا السيف نار. شبه لمعه إذا هُز بلسان النار، وشبه أيدي القوم في تطايرها حوالي ناره بالفراش المتهافت في النار. وقال: أجنحة الفراش. لأن طيرانها إنما يكون بالأجنحة. وقد كان يعنى من ذلك الكلام، وأيدي القوم فراش. ولكن بقوله:) أجنحة الفراش (ولا معنى لرواية من روى) كأن على الجماجم (لقوله:) وأيدي القوم (وإنما كان يسوغ لو قال: وهن أجنحة الفراش يهنى الجماجم. فأما كون السيوف على الجماجم كالنار وتطاير الأيدي مع ذلك، فتشبيه.

يُدَمِّى بَعضُ أيدي الخيلِ بعضاًوما بِعُجايةٍ أثرُ ارتهاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

العُجاية: عُصيبة فوق الحافر. والارتهاش: أن تضطرب يد الفرس، فتنعقر ذراعاه، لأن ذلك الاضطراب يحدث عنه احتكاك. فيقول: إنما دميت أيدي هذه الخيل بعجلة الهزيمة والازدحام في الهرب، لارتهاش كان أصابها. ولو وصفها بالارتهاش، كان ذلك عيباً لها، ولم يقتض مدحاً.

لَقُوه حَاسِراً في دِرْع ضربدَقِيقِ النسج مُلتَهب الحواشي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أقام الضرب في تحصينه له، مُقام درعٍ دقيقة النسج. ووصفها بالتهاب الحواشي، ذهاباً إلى حدة ضربه.

مِنَ المُتَمِّردَاتِ يُذَبُّ عنهابرُمحى كُلُّ طَائره الرَّشَاشِ

أي قوسى هذه متمردة كالشيطان المريد، أذُب عنها بالطعن المُرش.

ولو قال: يذُب عنها رمحى بكل طائره الرشاش، لكان أليق؛ لأن الرمح فاعل لطعنته. والطعنة منفعلة له. فكأنه عكس إدلالاً واتساعاً.

عَليكَ إذا هُزِلت مع اللياليوحَوْلك حين تَسْمَنُ في هِراشِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

الهُزال هنا: مثل لإدبار الدُول، والسمن: مثل لإقبالها. يقول: إذا ساعدك الزمان بالإقبال عليك تهارشُوا في طلب المنفعة حواليك.

وذكر الهراش تخسيساً لهم، لانه من فعل الكلاب. فإذا ألمت بك نوائبه فهم عليك أعوانه. والعرب تكنى بعلى على خلاف ما تكنى معه بمع. فمع واللام: للموالاة. وعلى: للخذلان والمعاداة. قال تعالى:) لها ما كَسَبتْ وعليها ما اكْتَسَبَتْ (ومعنى هذا البيت متداول كثير. ومنه قول بعض المُحدثين:

وكنت أخي بإخاء الزمانفلما نبا صرت حرباً عوانا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وتقدير البيت: عليك مع الليالي إذا هزلت، وحولك في هراش إذا سمنت أي أنهم هم كذلك.

وله ايضا:

خَلاَ وَفيهِ اهلٌ وأوْحَشَناَوَفيِه صِرمُ مُروحٌ إبله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

الصرم: الجماعة من الناس، أي إنه خال عندي وإن كان فيه أهل، لأنهم غير أحبائي الين عهدت بها، وهو موحش وإن كان فيه صرم من الناس، لعدم أولئك الأحباء. ويقويه بعد هذا:

لو خُلِط المِسكُ والعبيرُ بهاولستَ فيها لَخِلُتها تفله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

وإنما تحسن الأمكنه في عيون المحبين باحتيازها المحبوبين. وقوله:) وفيه أهل (: جملة في موضع الحال. وكذلك قوله:) وفيه صرم (جملة في موضع الحال ايضا، فاذا رددتها إلى الإفراد. فكأنه قال: خلا عامراً، وأوحشنا آهلاُ.

يَنْصُرها الغَيثُ وهيَ ظامِئةٌإلى سِواهُ وسُحْبُها هطله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

ينصرها: يُسقيها. قال:

من كان أخْطَاهُ الربيعُ فإنمانُصِرَ الحجازُ بغَيثِ عبد الواحِدِ

وإنما قيل في المكان المسقى: نصره الغيث لأن المكان في غالب الأمر إنما يهُجر لجدبه. فذلك الخجر خذل له. فاذا سُقي أعشب وأخصب فاستدعى من رحل عنه، فكأنه نُصر بالمعاودة، كما خُذل بالترك، ولذلك دعُى للدار بالسُّقيا، لتخصب فيعاودها من حل بها، فيعود عامراً ما كان منها غامرا.

ويقول: الدار ظامئة إلى من رحل عنها، إلا إلى الغيث الي ينصُرها ها وسحبها هطلة، ليكون لك أبلغ في استغراب الظمأ. وما أشبه ها بقوله:

إذا أردت كُميت اللون صافيةًوجدتُها وحبيبُ النفسِ مفقودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

قوله:) وهي ظامئة (: جملة في موضع الحال. وكذلك) وسحبها هطلة (والسحب: جمع سحاب لا جمع سحابة لأن) فَعَالة (لاتكسر على فُعُل. إنما سجمع سحابة: سحائب.

واحرباَ منك يا جِدَايَتهَامُقيمة فاعلمي ومُر تحلهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

الجداية: الظبية. أي: واحربا منك ياظبية هذه الدار. أقمت أو منُعتِ منى وقُصرت عنى. فُمقامك وارتحالك سواء، كلاهما عائد علي بالحرب، وهو الهُلك. ومثله قول الآخر:

) والقريب الممنوعُ منك بعيدُ (

وقوله؛) منكِ (: أي حُبك ومن أجلك واستعمل) وَا (هنا دون) يا (. لانه أشهر أعلام التفجُّع والنُّدبة.

وَبيضُ غِلمانِه كَنَائِلهِأولُ مَحْمُولِ سَيْبِه الحَمَلَهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

جعلهم محمولين لأنهم إذا حملوا إلى المعطين البدر والثياب كانوا في جملة الهبات فكأنهم حملوا أنفسهم مع حملهم الهبات. وقوله:) أول محمول سيبه (قدمهم في السيب لأنهم أشرف أنواعه. وقال:) بيض غلمانه (يعني: الصقلب والروم لأنهم أثمن من الزنج والنوب وأحسن في الأعين وهذا البيت كقوله:

كأن عطياتِ الحُسين عساكرٌففيها العبدى والمُطَهَّمة الجردُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»
وراكب الهّوْلِ يُفترهلو كان للِهولِ مَجزِمٌ هزله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

أي إنه يركب الهول دائما، لا يُفتره ولا يُريحه، فلو تجسم الهول، فكان مركوباً يُشد عليه الحزام، لهزل ذلك المحزم، بدوام الركوب وملازمته، وخص المحزم دون طوائف الجسم، لانه موضع الركوب والهمْز.

قد هَذَّبَتْ فَهمَه الفَقَاهَةُ ليوهَذَّبت شعِرِي الفصاحةُ له
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

والفقاهة: الفهم. تقول العرب: ماله فقاهة ولا فصاحة.

يقول: فقاهته في الشعر قد هذبت فهمه لي، باستحتانه ما أنقح من شعري فيه، حتى مايستحسن غيره من الشعر المتعسف المخْشُوبِ. وهذبت فصاحته شعري له، أي لما علمت إنه فصيح، نقيت ألفاظ شعري واستجدتها، فكانت فصاحته هي التي هذبت شعري.

فَأكبروا فِعلهُ وأصغرهُأكبرُ من فِعْلهِ الذي فعله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

أي أعظموا فعل أبى العشائر، وأصغره هٌوَ، أي استصغره، لانه صغير بالإضافة إليه، كما هو عظيم بالإضافة إليهم. ثم قطع فقال:) أكبر من فعله الذي فعله (: أي الفاعل أكبر من الفعل المنفصل عنه.

فصرتُ كالسيفِ حامداً يَدَهُما يَحْمَدُ السَّيفُ كلَّ مَنْ حَمَلَهْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي أجاه الفهم عنى، كما أجاد الضرب بالسيف، فأنا كسيفه في أنى أحمد فهمه، كما يحمد السيف يده. إلا أن السيف يحمد منه جُسمانياُ وهو يمده وأنا احمد منه نفسانياً وهو فهمهُ.

) ما يحمد السيف كل من حمله (: أي ليس كل حامل له يجيد الضرب به، فيكون حامداً لكل من حمله. وكذلك أنا، ليس كل أحد يفهم شعري، فأحمدهم كما حمدت هذا الممدوح.

وله ايضا:

أعيدُوا صَبَاحيِ فَهْوَ عِنْدَ الكَواعبِورُدُّوا رُقادى فهو لَحْظُ الحَبَائِبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

إن شئت قلت: طال على الليل فلا صباح، وأسهرني الحزن فلا رُقاد، وكل ذلك بمغيب من أحببت. فيقول: أعيدوا الكواعب الي، فإذا كان ذلك قصُر ليلي، وجاء الصباح. وردوا الحبائب إلي، رُقادى عندهن، فإذا عُن عاودني نومي.

وإن شئت قلت: غاب عنه الصباح بمغيب الكواعب، لأن الدنيا تظلم على المحزون، فاذا أراد أن يُرد ذلك عليه، استدعى أن يُرد إليه الرُقاد. لانه قد كان يرى الخيال فيه وفي الخيال أنس فلما عدم الرقاد، عدم الخيال الذي كان يأنس به.

وقوله:) فهو لحظ الحبائب (أي أن سبب رُقادي نظري إليهن، فاذا لم ألحظهن سهرتُ غرضاُ إليهن.

أرَاكِ ظَننتِ السِّلْكَ جسمِي فَعُقْتِهعليك بِدُرً عن لِقاء الترائِبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

السلك: الخيط. يقول: عهدت جسمي ناحلاً؛ فلما رأيت السلك حسبته إياه؛ ومن عادتك البخلُ بالعناق. فَحَجَزْتِ بين السلك وبين ترائبك بنظام الدُّر عليه، جرياً على ما اعتدته من البخل.

وقوله:) عليك (: ظرف في موضع الحال.

إليك فإنى لستُ ممن إذا اتقىعضاض الأفاعي نام فوق العقارب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

ضرُّ العقرب، أسهل من ضر الأفاعي، فهو يزجُر عاذلته على اقتحام المهالك، والاهجام على صعاب المالك، فيقول لها: إليك؛ فإنى لا أصبرُ على الصغير من الأذى، فرقاً من العظيم؛ وإن كان أيسر من الموت؛ كما أن سم العقارب أخفٌّ من سم الأفاعى؛ وأبلغ من هذا قولهُ:

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح المشكل من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.