من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)
شرح المشكل من شعر المتنبي (٣)
وله ايضا:
إذا ماَسَتْ رأيت لها ارْتجاجاًلَهُ لولا سواعدُها تَزُوعا
أي إنها مُنعمة تهتز في مشيتها: فلولا سواعدها لبزها اهتزازها ثوبها.
تُرَفِّعُ ثَوبها الأردفُ عَنْهافَيبقى من وشاحيْها شَسُوعا
أي يرفع ردفُها ثوبها عن جسمها. والوشاح عن الخصر، فيُبعد بينهما وبين الثوب، كقوله:
أبت الروادفُ والثديُّ لقُمصهامس البطون وأن تمس ظهوراً
ذرَاعاَهاَ عَدُوا دُمُلجيهايخُال ضجيعُها الزّند الضَّجيعاً
إن شئت قلت: إن الدُّم ُحين يلزمان الذراعين لأنهما عبلتان كقوله:
تجول خلاخيلُ النساء ولا أرىلرملة خلخالاً يجول ولا قلبا
إن شئت قلت: إن الذراعين عدوا دُملجيهما، لأنهما يُصيلن الدملجين، ويشيحانهما، حتى يكادا يكسرانهما. وهو عندي كقول جرير:
لها قصب ريان قد شجيت بهخلاخيلًُ سلمى الصمتاتُ وسُورُها
سُور: جمع سوار. وكقول القُطامي في صفة امرأة:
إذا يميلُ على خلخاها انفصماَ
ويروى:) انقصنا (وبقويه:) ذراعاها عدُوا دُمْلُجَيْها (ولو اراد الألو لقال: سوارها عدُوا ساعديها.
على انى لا أحجر ذلك، لأن العدو من باب المضاف في غالب الأمر إعنى أنك إذا كنت عدوا لشيء كان لك عدوا. فقوله: ذراعاها عدوا دُمْلُجيها كقوله: دملجاها عدوا ذراعيها.
) يخال ضجيعها الزند الضجيعا (: أي زندها عبل يظنه الضخيع من عبالته جسما.
أحبُّك أو يقُولوا جَرَّ نملٌثَبِيراً وابنُ إبراهيم ريعْا
معنى هذا البيت الأبدية؛ أي أنى أحبك حتى يجر النمل ثبيراً. وهذا لا يكون عند أحد أبداً. وحتى يقال: ربع ابن إبراهيم، وابن إبراهيم على هذا المنزع لا يُراع عنده.
وقد احسن هذا الستطراد وإن كان قرنه إمكانيا، أعنى بقوله:) وابنُ ابراهيم (فتناهى وهو قوله:) أو يقولوا جر نمل ثبيرا (، لكن الثاني عنده في الامتناع كالأول، وإن كان في تحصيل الحقيقة ليس مثله، وكذلك حبُّه إياها إلى أن يجر النمل ثبيراً شعر كذب.
وليس مُؤدباً إلا بنصلٍكفى الصَّمْصامةُ التَّعَبَ القَطيعا
أي أرهب سيفه الناس، حتى ليس تفعل في أيامه ما تستحق عليه السوط فضلا عن غير ذلك فقد كفى سيفُه السوط التعب. وإن شئت قلت: إنه لاُينزل عقوبة بجبان إلا القتل، لا يضربه بسوط، فقد استغنى بالسيف عن السوط. وكفى التعب لذلك.
فلا عزلٌ وأنت بلا سلاحٍلحاظُكَ ما تكُون به مَنِيعا
العزلُ: عدم السلام عامة. واللحاظ: جمع لحظة، وقد يكون مصدر) لاحظ (، أي ملكت هيبتُك القلوب، فنظرتك تثغنى عن السلاح، فان هيبتك إذا نظرت قاتلة، لإقدامك وإن كنت بلا سلاح.
فقوله:) بلا سلاح (جملة في موضع الحال، أي فلا عزل بك، وإن كنت غير متسلح. وقوله:) لحاظك (ما تكون به منيعا (يجوز أن تكون فيه) ما (بمعنى الذي، فيكون على هذا ما بعدها صلة لها. ويجوز أن تكون نكرة بمنزلة شيء، فما بعدها في موضع الصفة، لأنها إذا كانت نكرة لزمتها الصفة، كما أنها إذا كانت معرفة لزمتها الصلة. ونظيره في الوجهين قوله تعالى:) هذا ما لَدىّ عَتِيدٌ (.
ويجوز أن تكون) ما (زائدة كأنه قال: لحاظُك تكون به منيعا. ومنيع. يجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، أي ممنوعاً محمياّ، وأن يكون فاعل ككريم. يقال: منُع مناعة فهو مَنِع كرفُع رفاعةً فهو رفيع.
وجاودَنيِ بأن يُعطى وأحوىفأغْرق نَيلهُ أخذى سريعا
أي نازعنى الجود: بان يعطى هو، وآخذ أنا، ولم يكون للمتنبي هنالك جُود، لكن الآخذ لما كان: يجودُ هذا الجود، صار كأنه جُود. وهو أحسن عندي ممن قال: إن جود المتنبي إنما كان بالأخذ.
ونظير هذا القول الذي أنا اليه قول تعالى:) فَمن اعتْدَى عَليكُم فاعتدوا عليه (وليس قتل هؤلاء المأمورين للمعتدين عليهم اعتداء. ولكنها مكافأة اعتداء، فسُمي باسم السبب الذي هو الاعتداء. وكقول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يَجْهَلْنَ أحدٌ عليناَفَنجهل فوقَ جهلِ الجاهليناَ
) فأغرق تيله أخذى سريعا (: أي مللتُ الأخذ ولو يمل هو العطاء.
وله ايضا:
أحَقُ عافٍ بِدَمْعك الهممُأحدث شيء عهداً بها القِدمُ
العافي: الدارس. والهمم: جمع هِمّة وقد قيل هَمة بالفتح. ولا يمتنع أن يكون هِمم جمع همة أيضا، فقد جاءت فعله مكسورة على) فِعَل (كَبدْرة وبِدَر وهضْبة وهضَب. ومن المعتل، ضَيْعَة وضِيعَ، وخَيْمة وخِيمَ.
ومعنى البيت؛ أنه يسفه الناس في بكائهم الديار والأطلال إذا عفت، ويقول لهم: أولى عافٍ بدموعكم هممُ الرؤساء في هذا الزمان، فقد عفت حتى صار أحدث عهد بها قديما، فما تفضل هممهم عن ملاذ بطونهم وفروجهم، فاياها فابكوا لا الديار، فهن أولى بالبكاء عليها منها، لأن الهمة المعدومة أعزفقداً من الدار. واذا كان أحدث عهد بها قديماً، فما ظنك بغير الحداث.
مِلْتُ إلى من يكادُ بينكماإنْ كُنتما السائلين يَنْقَسِمُ
يخاطب صاحبه؛ أي آثرت بقصدي وتأمبلي من لو سألمتاه ولا شيء لديه إلا شخصه لا نقسم بينكما شقين، اعتيادا للنوال وألا يردُ ذوى السؤال.
يُريكَ من خَلْقه غرائبهفي مَجْدِه كيفُ يخْلَقُ الَّنسَمُ
إن شئت قلت: إن الله لطف خلقه للنسم كما شاء، حتى دق على الوهم تصور كيفيته، ولهذا الممدوح غرائبُ من خلقه تُوصله إلى اقتناء المكارم، تغرُب وتلطُف؛ فمن تأملها، فكأنه قد تأمل خلق الله للنسم. وذلك تعظيم لقدر ما يأتيه، لشبهه بخلق الله، تعالى عن ذلك! وإن شئت قلت: إنه بحسن أفعاله ويُمنها تحيا النفوسُ، فكأنه بذلك يُحيها وينشئها وليس الخلق عنده في قوله) يريك في خلقه غرائبه (الخلق الذي هو إيجاد المعدوم، وإخراجه إلى التكون، لأن ذلك لا يستطيع عليه إلا بارئنا جل وعز، وإنما الخلق ها هنا: كناية عن الصُّنع، وكنى عنه بلفظ الخلق ذهاباً إلى ابتداع هذه الغرائب، وهذا من شديد المبالغة. وربما كنى بالخلق عن الصنع. وبين الخالق والصانع فرقٌ، لا يليق إيضاحه بهذا الكتاب. والنسم: جمع نشمة، اشتقت من النسيم، كما اشتق الروح من الريح، والنفس من النَّفس.
تُشرقُ أعراضُهم وأوجُهُهُمكأنها في نُفوسهم شِيمُ
لا شيء أصغى ولا أبسط من النور، فلذلك توصف الجواهر الصافية به. وأولى شيء بذلك الأمور النفسانية، لأنها أذهب في البقاء وعدم السراب من الجسمانية. والشِّيمة نفسانية، والوجه جسماني. والعِرض: يجزو أن يكون بالجسم، فلم يخلُص إلى النفسانية كخلوض الشيمة، فشبه ابو الطيب الأعراض والأوجه بالشيم في الشروق والصفاء، وتناهى البقاء. وإن شئت قلت: موضع هذا الكلام على أنه قد علم أنه شِيمة مُشرقة علماً عاماً، وقدم ذلك لمزية الشيمة، وهي الطبيعة، على الوجه والعرض، فحمل الوجه والعرض بعد ذلك عليها، تشبهاً لهما بها. والأوجْه ما قدمناه من أن الشيمة نفسانية، فهي أملك بالصفاء، والوجه والعرض جسمانيان، فحملهما عليها.
كأنها في نهارها قمرٌحف بها من جنانها ظُلمُ
شبه البحيرة في استدارتها بالقمر كقول ابن الرومي يصف رغيفاً:
ما بين رؤيتها في كفهِ كُرةوبين رؤيتها قوراء كالقمر
وشبه الجنان علىى حافاتها، وبالظُّلم من شدة خضرتها، وذلك لأن النبات إذا اشتدت خضرته ادهام، كقوله ﷾ في وصف الجنتين) مُدْهامَّتان (وقال الراجز يصف سائمة عدت على كلأ ناجم مُخضر:
فصَبَّحتْ أرْعَلَ كالَنَبالومظلما ليس على الدغال
وقال:) في نهارها (لستغرب وجود الظُّلم نهارا، واختار ذلك لمكان القمر، اذ القمر في غالب أمره، لا يكون إلا مع الليل، وهذه البحيرة بالشام وليست البحيرة تصغير بحر، لأن البحر مذكر، فلا تثبت الهاء في تصغيره، إنما هي تصغير) بحرة (! وهو القاع العظيم يُنبت السدر، كقول النمر بن تولب في صفة روضة:
وكأنها دَقَرَى تَخيَّل نبتُهاأنفٌ يغم الضال نبتُ بحارِها
ناعمةُ الجسم لا عظام لهالها بَنَاتٌ ومالها رحيمُ
وصف جسمها بالنعمة لأنه ماء، والنعمة إنما تكون في النامي، وهما الحيوان والنبات، وأما الماء؛ فلا يقبل نماء. وإنما كثرته بعد القلة كمية لا كيفية. لكن لما كان الناعمُ صافي البشرة، وكان الماء صافياً، استعار له النعمة، كما يقال في البرود ذوات الدُّور والفرائد: ناعمة. وأنما هو على الاستعارة.
) لها بنات وما لها رحبمُ (: أغرب بذلك؛ لأن البنات مولودة، ولا تلد إلا الرحم، فهذه ذات بنات بغير رحم ولدتهن. وعنى بالبنات: سَمكها؛ كأنه لما ربين فيها وغتذين، صرن لها بنات.
وإن شئت قلت: إن الماء للسمك كاللبن للمولود. فلما غذتها هذه البحيرة بما فيها، صارت كالوادة الكرضعة. وقد ألم التنبي في هذا بقول ابن الرومي يستهدي سمكا:
وبناتُ دجِلة في قبائِكُمُمأسورةُ في كل مُعتركِ
إلا أن المتنبي زاد عليه بقوله:) وما لها رحمُ (، فأغرب.
يُبْقرُ عَنْهن بطنُها ابداًوما تشكى وما يسيلُ دمُ
يُحاجي بذلك، لأن شق البطون الحيوانية يُشكى ويدُمى. وهذه البحيرة يُشق بطنها عن سمكها، فلا تشتكي ولا تدمى بعدمها الحيوانية.
وقد توإلى العِهَادُ منه لكُمْوجَادَتِ المَطَرةُ التي تَسِمُ
الوسى: أول المطر، لأنه يسم الارض بالنبات. والعهدة: المَطْرة تاتي بعد الوسمى، تعهد الارض بالنبات.
واعتيادُ الشعراء الاعتداء على الملوك بتكرر مدحهم فيهم، وتمهيدهم بذلك الحقوق عندهم، كقول أبى تمام:
لها أخوات غيرُها قد سمعتهاوإن تَرُغْ بي مُدًة فستمع
فيقول: هذه القصيدة الثانية من جملة العهاد التي تتعهد الارض، وأما القصيدة الأولى التي كانت كالوسمى فقد جادتْ.
وله ايضا:
دارُ الملم لها طيفٌ يُهدِّدُنىليلاً فما صدَقت عيني ولا كَذَباَ
أي تهددني الطيفُ بالهجر؛ كما كانت رؤويته في اليقظة، والحلم جار على عاداته في اليقظة، فما كذب الطيفُ فيما تهددني به، لأن الهجر واقع. وما صدقت عيني في رؤية الخيال، لأنه زور لا حقيقة. والألف واللام في) الملم (للمراة، والفعل للطيف ولها. والام فيها للاستحقاق لا للملك لأن الطيف غير مملوك، وإنما هي مستحقة له من حيث كان إياها في المعنى.
عُمْر العدُوِّ إذا لاَقَاه في رَهَجٍأقلُّ من عُمْرِ ما يَحوي إذا وَهَباَ
ليس الموهب بمحوى فيصح قوله: أقل من عمر ما يحوي إذا وهبا، لأن ما فارقه بالهبة، فليس في ملكه، وإنما عنى: إذا أراد أن يهب. فاكتفى بالمعلول الذي هو الهبةُ عن العلة التي هي الإدارة.
وَتغبِطُ الارض منها حيث حلَّ بهونحَسُدُ الخيلُ منها أيَّها رَكِباَ
غبطت الرجل: إذا تمنت مثل ماله من النعمة، ولم تُرد زوالها عنه. وحسدته: إذا تمنيت ماله بزواله عنه. فجعل الارض تغبطُ، لأنها جرم واحد متصل. والذات الواحدة لا يريد بعضها ببعض كراهة، وجعل الخيل تُحسد لأنها جمع غير متصل الأجزاء، ولا مُتداخلها، وإنما هي اشخاص مفترقة، وان ضمها نوع فهي متغايرةٌ بالشخص، ومشتركة بالنوع، والاشخاص متشاكلة ومتعادية. فمن المألوف أن يُحب بعضها بعض.
و) أيها (: منصوب بركب، ولا يكون بتحسد، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلا أن يكون حرف جرٍّ.
بكُل أشْعَث يلقى الموت مُبتسماًحتى كأن له في قتله أرَبا
أي أنه يستبشر بالنية إذا كانت في سبيل المعالاة، لأن ذلك يُعقبه ذكراُ رفيعاً، ومثله كثير، كقول الشاعر:
إذا قتلوا أقرائَهم لم يَروهُمُوإن قُتلُوا لم يقشعرُّوا من القتلِ
إلا أن أبا الطيب أغرب بقوله:) مبتسما (، فهو أبلغ في قلة المبالاة بالمنية من قوله:) لم يقشعروا (. وقال أبو تمام:
يَسْتعذبُون مناياها كأنهمَلابَيْأسون من الدنيا إذا قُتلُوا
إلا أن الابتسام أبلغ من الاستعذاب، لأن الابتسام مُشعر بلذةٌ نفسانية.
وله ايضا:
بأبى الشَّموسُ الجانحاتُ غوارباالَّلابِسَاتُ من الحرير جلاببا
الشموس هنا: النساء والجانحات: الموائلُ للغروب. فإن شئت قلت: إنه شبههن بالشموس في هذه الحال، لأنه لقيهُن، فأظهرن الخَفَر، أو خَفَرْن فَسَتَرْن بعض محاسنهن، وأبقين بعضا: إما للمُباهاة، وإما لأنهن لم يمكنهن إلا ذلك، فجعلهن كالشموس التي أخذت في الغروب، فخفى بعضها، وبقي بعضها، كقول قيس بن الخطيم:
تَراءتْ لنا كالشَّمس تحتغمامة بَداَ حاجبٌ منها وضَنَّتْ بحاجبِ
وإن شئت قلت: إن هؤلاء النساء غبن في الخدور والهوادج، فكأنهن شموس غوراب. هذا قول ابى الفتح، وليس عندي بقوىّ، لأنهن إذا غبن في الخُدور والهوادج، فهن غير محسوسات، والشمس إذا جنحت للغروب فبعضها محسوس، وبعضها غير محسوس. ولم يقل الشاعر: بأبى الشموسُ غواربا فُيتأول أنه عنى النساء اللواتي أخفتهن الخدور، وإنما قال: الجانحاتُ، والجنوح لا يقتضي كُلية الغروب.
فإن قلت: فقد قال:) غوارباً (، فأشعر ذلك بغروب كُلي، قلنا: قد أثبت الجنوح قبل ذلك. وإنما قال: غوارباً، وهو يذهب إلى أنه آخذه في الغروب ولما تغرب بعدُ. كقولهم في العليل إذا يئس منه: هو ميتٌ؛ وإن لم يُمت بعدُ. وقد يجوز أن يوقع غواربا على الكُل حين غرب الجزء تجوزاً لا حقيقة.
وله ايضا:
سلامٌ فلولا الخوفُ والبخلُ عندهلقلتُ أبو حفصٍ علينا المُسلم
أي إنى ارتحت بسلام هذا الطيف عليَّ، كارتياحي بسلام هذا الممدوح، فكأن سلامه علىّ تسليم إبى حفص علىّ. لكن الفرق بين الخيال وتسليم أبى حفص أن تسليم الخيال يتخلله بتمام الوصل وتحقيقه، والخوف من فراقه، وألم معاتبته على بطعم الغُمض بعده. فتسليمه كَدِرٌ بهذه الآفات وتسليم أبى حفص لا يلحقه بخل ولا خوفٌ، بل هو الشرف السابغ الهنىء.
وأغربُ مِن عَنقاءَ في الطيرِ شَكْلهوأغْوزُ من مُستَرْفدٍ منه يُحرَمُ
ليس الشكل هنا: الصورة لأن صورته موجودة، وعنقاء مُغرب معدوم البتة. فلا يقال في موجود إنه أغربُ من معدوم. والشكل هنا: المثل، أي أن شكله اسم واقع على غير مُسمى، أي لا شكال له، كما أن العنقاء اسم لغير مسمى. وإنما يوجد الشكل ملفوظا به في نفي الشكل عنه، أعنى في قولك: ماله شكلٌ، فتفمهه، فإنه معنى منطقي.
) وأعوزُ من مُستَرْفدً منه يُحرم (: أي أن نظيره عدم، كما أن مسترفداً منه محروما عدم.
وقال:) أعوز (وإنما هو أشد إعوازاً، لأنه جاء به على حذف الزائد. هذا قول أبى الفتح. وليس على حذف الرائد كما قال، لأنه يقال: عازه الأمر وأعوزه. فأعوز في بيت المتنبي على) عاز (، لا على) أعْوز (.
وإنما يتوهم حذف الزائد إذا لم يوجد عنه مندوحة، كقولهم: ما أعطاه للدرهم وآتاهُ للجميل وأولاهُ للمعروف، فإن هذه كلها على حذف الزائد. والمسترفدِ: طالب الرفد، لأن باب استفعل في غالب الأمر، إنما هو للطلب والمحاولة، كاستخرج واستسمن واستجاد.
قال سيبويه: وقالوا مرَّ مستعجلا، أي مرّ طالباً ذلك من نفسه، متكلفا إياه.
وله ايضا:
أركائِبَ الأحْباب إنَّ الأدْمُعَاتَطِسُ الخُدود كما تَطِسْنَ اليَرْمُعا
أي أن الدمع يؤثر في الخدود تأثير كُن في اليرمع، وهو الكذان.
وتطس: تكسر، وليس هناك كسر، إنما بالغ في التأثير، فكنى عنه بالكسر، للتكثير.
نظِمَت مواهبهُ عليه تَمَائِماًفاعتَادَها فإذا سَقَطْن تَفَزَّعَا
أي اعتقاده في مواهبه أنها تقيه المذام كاعتقاده في التمائم انها تقيه السوء، فاذا خلا منهن تفزع، كفَزعَ ذى التمائم إذا سقطت عنه. وإنما ضرب ذلك مثلا. ولو قال: فلو سَقَطن تَفزعا: لكان سقوطها إنما يكون لعدم مالٍ أو انقطاع سؤال، فهذا توجيه قوله:) فإذا سقطن (، و) تمائماً (منصوبة على الحال، وإن كانت اسما، لأن فيها معنى حَوَارِس، وقد يكون الاسم الجامد حالاً، على توهم الصفة، كقوله تعالى:) هَذِهِ نَاَقةُ الله لَكُمْ آيةً (. قال سيبويه:) وسمعنا من العرب من يقول: العجبُ من بُرً مررْنا به قبلُ، قفيزاً بدرهم قفيزا بدرهم (فقيزا بدرهم حال، وهذا واسع كثير.
يَهتزُّ للجَدْوى اهتزازَ مُهنَّدٍيَوم الرَّجاء هَزَزتَه يوم الوعَىَ
أي اهتزازُه للعطايا والجدوى، اهتزازُ السيف عند الوعى، والوعى: صوت الحرب. والغبن أعلى في الحرب. وإنما الوعى والوغى: الصوت، فسميت الحرب بهما لمكان الصوت.
وله ايضا:
وربيعاً يُضاحكُ الغَيثُ فيهزَهَرَ الشُّكرِ من رِياضِ المعَاليِ
أي أنه مظنة للنعم، وأهل لوافر القسم، كما أن الربيع مظنة للخصب وزمن الإمراع، مع مافيه من الاعتدال، وتساوي الأحوال. فلذلك سمى هذا الربيع على ضروب النواوير، وأنواع الأزاهير. وقوله:) يضاحك الغيث فيه (: عنى بالغيث النعمة. وجعل الشكر زهرا، لأن النعمة هي التي أنبتت الشكر، كما ينبت الغيثُ الزهر، فهذا الممدوح كلما أنعم عليه شكر. وإذا كان غيث وزهر، فلابد من روضة، وهي الأرض. التي تنبت الزهر، وكل ذلك مستعار.
والجِرَاحَاتُ عِندَه نَغَماتٌسَبَقَتْ قبل نَيْله بسؤال
من طبيعة الكريم، أن يبادر بالنوال من غير أن يُحوج إلى السؤال، لأن في ذلة السؤال مالا يفي به فضلُ المسئول. فإذا كان ندى من غير مسألة فهي اليد البيضاء التي لم يشنها تكدير، ولا خالطها تنغيص. فإذا سبقت المسألة نوال المسئول الكريم، سُر بذلك سروراً مشوباً بالكراهية، إذ) طبيعته (إيثارهُ الجود قبل السؤال، فنغمات السائل عنده، كالجراحات التي تُصيب الشجاع فتسره من جهة الثبات، سروراً يخالطه الكراهية، لما يلحقه من الألم. وإن شئت: لم تمثل ذلك بجراحات الشجاع، وقلت: إن نغمات سائله جراحات عنده تؤلمه، إذا لم يكن نيله له من غير سؤال.
وَبقايا وَقارِه عافَتِ النَّاسَفصارت ركانةً في الجِبالِ
كانه استبد بالوقار اجمع، إلا أنه بقيت منه بقية، فتلك البقية عافت نوع الانسان، لما رأته به من قلة الاحتمال لها، والعجز عن الاستقلال بها، لضعف منته، ووهيقوته. فعدلت إلى اجسم الجواهر الارضية، وهي الجبال اذ لم تجد جوهرا يستقل بها إلا إياها.
وإن شئت قلت: إن لوقاره) هيُولى (خلق منها فما فضل من تلك الهيولى يكون ركانة في الجبال. وهو قريب من القول الأول.
واستعارَ الحديدَ لوناَ وألقىلَونَه في ذَوائبِ الأطفالِ
الحديد هنا: كناية عن السيوف والاسنة والنصال، ولونهن الغريزى: البياض لكن استعارت لونا غيره، وهو احمرارُها بالدم، ولذلك جعله مستعاراً، لأنه لون غريب. إنما هو لمكان الدم الذي صبغها به، فيقول: لما صبغ سيوفه ورماحه بالدم، أشاب بأهوالها لاطفال فكأنهن لما استعارت غير لونها، أعارت لونها ذوائب الاطفال. وكان لونها قبل ذلك السواد. كما كان لون السيوف البياض قبل ذلك.
وله ايضا:
أسَفِي على أسفِي الذي دَلَّهْتنِيِعن علمه فبه على حفاءُ
ليس يأسف في الحقيقة على الأسف، إنما يأسف على تمييزه الذي يعقل به أسفه. فحقيقة الكلام، أسفي على عقلي الذي كنت أحصل به أسفي.
) فبه على حفاء (: أي أنك دلهتني حتى ما أشعر بأسفي.
وقد كان ينبغي له ايضاً أن يذهب عليه، لو كان مُدلها، أسفه على هذا الأسف، إلى ما لانهاية له، لكن هذا مقطع شعري فلا تَتَقَصَّيَنَّ بالمنطِق، فيفسد. وما أحسن هذا المثل العمي، الذي هو قولهم: الاستقصاء فُرْقَةٌ، ولا تستخفن بذكر هذا المثل؛ فقد ذكره ابو نصر الفارابي في باب من البُرهان.
وشكِيتي فَقْدُ السَّقَام لأنهقَد كان لمَّا كانَ لي أعضاءُ
وهذا البيت أيضا يشبه الأول: لما يشكُ فقد السقام لأنه مكروه والمكروه لا يستوحش احدٌ من فقده، ولكن شكا فقد أعضائه، لأن السقام عَرَض والعَرَض لا يكون إلا في الجواهر؛ فإذا عدم أعضاءه فقد عدم السقام وإنما شكا في كُل الأكبر، واستسهل الاصغر.
فنبيتُ تُسئدُ مُسْئداً في نيهاإسآدَهَا في المَهْمَه الإنضاء
الإسآد: سرعة السير، وقيل: سير الليل. والنى: الشحم. وتقدير البيت: فتبيت تسْئد الإنضاء في نيها إسآدها في المهمه. والإنضاء: الهزال. أي أن الإنضاء الحادث عليها من التعب، يُسئد في نيها أي يسرى فيه مُسرعا، فيأخذ منه، كما تُسئد هي في هذاال المهمه الذي تقطعه. يقول: يأخذ السيرُ من جسمها كأخذها هي من المهمه، فقد أفناها السيرُ كما أفنت هي المهمه، فلم يبق من جسمها شيء كما لم يبق من المهمه، فمسئدأ في اللفظ حال من الضمير الذي في تسئد، وهو في الحقيقة للانضاء والإنضاء: فاعل بقوله: مُسئداً.
وتحقيق الحال في ذلك، أن تقول: فتبيتُ تسئد، والإنضاء: مُسئدٌ في نيها، والعائد إلى الضمير الذي قد تُسئدُ من هذه الحال اللفظية، وما في نيها وإسآدها من الضمير.
وتقدير لفظ البيت، على ما صورته لك يُؤديك إلى حقيقة إعرابه، لكنى ذهبت إلى التبين.
وَكَذَا الكريمُ إذا أقَامَ بِبَلَدةٍسَالَ النُّضَارُ بها وَقَامَ الماء
أي أنه يبُثُّ الذهب ويصرفه في كل وجه، فكأنه بكثرته يسيل ويمُاعُ، حتى يخجل الماء من كثرته، فيقف حائراُ. يقال: قام الماء: إذا جمد فلم يسل. ومنه قوله تعالى) إلاَّ ما دُمْتَ عَليه قاَئِماً (أي ثابتا غير منصرف، ألا ترى قوله بعد هذا) جَمَد القِطَارُ... (وإن شئت قلت: يَخْجل القطر من سيلان الذهب، فيعود سيلانه - بإضافته إلى سَيَلان الذهب - جُمودا، إلا أنه يجمد عن السَّيَلان.
مَنْ يَهتَدِى في الفِعل مالا يَهْتَدىفي القَول حتى يَفْعَل الشُّعراءُ
أي هو من يهتدي في الفعل إلى مالا يهتدي إليه الشعراء في القول حتى يفعل. يقول: ذهنُه في الفعل أنفذ من أذهان الشعلااء في القول، فإذا أغربوا في مدحه لم يك ذلك اإغراب من غوص أذهائهم على المعاني. وإنما نظروا إلى فعله الذي عليه هو بذهنه. فاهتدوا إلى القول بما رأوه من فعله.
ولولا ذلك لم يهتدوا، فاذا فعل تعلموا وصفه من فعله.
منْ نَفعُه في أن يُهاجَ وضُرُهُفي تَركِه لَو تَقْطن الأعداءُ
إنما جعل نفعه في أن يُهاج، لأنه إذا هيج أوقع بالأعداء، فأغار وغنم، وأثرى، واتسعت كفُّه للجود. وتلك بغيته من الثروة. وضره في تركه أي إذا سُولم ياَلم، وهو في ذلك بجود بما عنده حتى ينفد، فلا يجد ما يجود به. فهذا وجه ضُره في تركه.
وإت شئت قلت: البأس وحبُّ الحرب في طبيعته، فإذا هيج مُكن بما في طبعه، والإنسان ينفعه تحريكه إلى مافي سجيته، لأن في ذلك كل بلوغ أمنيته، وضرُّه في تركه: أي أنه مُشته للقتال بطبيعته، فاذا سُولم اشتاق إلى مشاهدة مافي طبعه، فضرُّه شوقه إلى ذلك إذا لم يمكنه مشاهدته، كقوله هو:
فالسِّلمُ يَكسِرُ من جَنَاحَىْ مَالهِبِنَوالِه ما تَجْبُر الهَيْجاءُ
أي أنه يجود بماله فيُثْلم، ثم يُغير فتجبرُ الهيجاءُ ما انثلم، ثم يسالم فيعود إلى طبعه الأول من الجود، فكلما هاضت السلم ماله جبرتها الحربُ، وبالعكس، أي كلما جبرته الحربُ هاضته السِّلم.
يا أيُّها المُحْيَا عَليه رُوحُهإذ لَيْس يَأتيه لَهَا اسْتِجداءُ
) أحياء عليه روحه (: بأنه لم يستوهبه ولو استوهبه لأعطاه فعدمُ، فإن لم يستجده روحه أحياله. وعدى) المُحْيَا (بعلى، لأنه في معنى المحبوس عليه روحه.
احْمَدْ عُفَاتَكَ لا فُجِعْتَ بفقْدِهمفَلَتَرْكُ مالم يَأْخذوا إعْطاءُ
يقول: احمدهم على أن لم يستجدُوك رُوحك، اذ لم استجدوك إياه، لحقك طبع الكرم والسخاء على هبته لهم، فقد استوجبوا أن تحمدهم على ترك هذه الروح لك، لأنه عطاء منهم لك، كما ينبغي لهم أن يحمدوك على ما أعطيتهم من مالك فهم يقتضونك الشُكر على عطائهم، كما تقتضيهم أنت إياه على عطائك لأن المعطى بطبيعته يجب أن يشكر. فأعطِ من نفسك أيها الممدوح، كما تطلب من غيرك. بل أنت أولى بشكرهم، لأن الذي تركوا لك وهو الروح، أنفسُ من الذي أعطيتهم، وهو المال.
وقوله: لافُجِعت بفقدهم: إنما حد الصنيعة أن تُشكر لأنها إذا شُكرت حييت واذا كُفرت ماتت، لن كفرها له سترٌ.
فيقول: لا مانت صنائعك عند عُفاتك بكفرها قلة شكرها. دعا بذلك له وإن شئت قلت: لا فُجعت بحمدهم: أي لا فارقتك المروءة، فيفضى بك فرارها، إلى ذد حمدِ عُفاتك لك.
لا تَكثرُ الأمواتُ كَثْرةَ قلةٍإلا إذا شَقِيتْ بك الأحياءُ
أي أن الأموات أفلاء، حتى تعود فيهم، فيكثرون حيئنذ.
وقوله:) إلا إذا شقيت بك الأحياء (: جَمْجَمةٌ عن قوله: إلا إذا مِت، أي فاذا مت وشقيت الأحياء بفقدك، قلت الأحياء، وكثرت الأموات. وقال: كثرة قلةٍ: لأن الأموات وإن كثرت أعدادُهم، فهم قليل لَعَدمهم للفنى، وأخذهم في الفنا.
وإن شئت قلت: كثرة قلةٍ: أي كثروا بك وأنت واحد، والواحد قليل، فتكُّرهم بك تكثُّر قلة.
وقد يتجه هذا البيت على معنى آخر، وهو أن الأحياء إنما ينالون الحياة بنداه، فإذا عُدم بالموت، مات الأحياء الذين كانوا يتعيشون بذلك، فكثرت الأموات بموت هؤلاء الأحياء بعده.
وقد يجوز أن يعنى بالأحياء هاهنا أعداءه. يقول: لاتكثر الاموات إلا إذا ضاربتك أعداؤك، فَغَلبْتَهم وقتلتهم، فحينئذ تكثر الموتى بهم. وشقاءُ الأعداء به قَتْلُهُ إياهم، وقال: كثرة قلة: لأن ما يدخل تحت الفناء قلةٌ في الحقيقة ودل ذلك على أن أعداءه كثير. والقولان الأولان عندى أوجه.
أخبرني بعض أهل بغداد، أن الممدوح بهذه القصيدة أدركته الوفاة بعد إنشاد المتنبي إياه هذا الشعر بأيام قليلة، فكان يتقلب على فراشه ويردد هذا البيت الذي فسرناه.
أبدأْتَ شَيئاً مِنكَ يُعرف بَدؤُهُوأعَدْتَ حتى أنكرَ الإبداء
أي أعدت أعظم مما بدأت به، حتى لا يسمى المبدأ به بالإضافة إلى المُعاد.
لم تُسم ياهارونُ إلا بعد ما اقْترعتْ ونازعتِ اسْمَكَ الأسماءُ
أي تنافست فيك الاسماء، رغبة في الشرف بذاتك، وتقديره لم تسم هارون ياهارون فاكتفى من ذكر المفعول الثاني بقوله: ياهارون، لأن نداءه إياه به دليل على أنه اسمه. وهذا من أحسن الحَذفِ وأجزه.
فَغَدَوت واسُمك فيكَ غيرُ مشاركٍوالناسُ فِيمَا في يدْيكَ سَواءُ
أي لم تُسم بغير هذا الاسم من الأسماء التي نازعته فيك، والناس فيما لديك سواء: أي أنه وإن لم تشترك فيك الأسماء فالناس مشتركون في مالك شركَ تساوٍ.
ولجدت حتى كدت تبخل حائلاللمُنتهى ومن السرور بُكاءُ
إن شئت قلت: بلغ جُودُك الغاية. ومعروف أن الشيء إذا انتهى انعكس ضدا فكذلك جودُك، لما انتهى فلم يك مزيداً، كاد أن يستحيل بخلا. وقوله: ومن السرور بكاءُ:) أي (أعلمت أن الشيء إذا انتهى عاد إلى ضده كالسرور إذا أفرط كان بكاء. وقال:) كدت تبخل (، ولم يقل: حتى بَخِلتْ، استقباحاً منه أن يٌوجب عليه البخل.
وإن شئت قلت: تَنَاهَيْتَ في الجود، فبخلت أن يُشارك أحدُ في اسمه، فحال الجودُ بخلا، كما يحول السرورُ بكاء.
والقول الأول عندي أوجه، اذ لو كان على القول الأخير، لم يكن يِكدت معنى لأنه نُقصان من مدحه، اذ بُخْلُه بأن يُشارك في اسمه الجود غيرُ مذموم. وأما في القول الأول فالبخل المطلق مذموم. فتفهمه، فإنه جيد لطيف.
وقوله: للمتنبي: أي من أجل الانتهاء.
لَمْ تَحْكِ نائلك السحابُ وإنماحُمَّتْ به فَصَبِيبُها الرُّحَضَاءُ
الرُّحضاء: عَرَق الحُمَّى يُرحَضُ: أي يعُسل. أي لم يُحاكك السحاب بمطره، ولا ناوأك، لأنه معترف أنك أندى منه. وإنما تأمل بذلك وأيقن بالعجز عنه، فحسدك فحُمَّ حمى حُساده، فمطرُها إنما هو عَرَقُ حُماها.
لَو لَمْ تكُن مِنْ ذَا الوَرَى اَّلذْ منك هُوْعَقِمَتْ بمولدِ نَسْلِها حَوَّاءُ
جعل الورى جُزءاً منه، بعد أن جعله جُزءاً من الورى، فالاول حقيقة، والثاني مجاز، لا يكون الكلُّ جزءاً لجزء. هذا خُلفٌ، لكن جعلهم منه، إشعاراً أنه جمال هذا النوع، به عُرف، وإليه نسب، فكأنه إنما يكون منه كقوله:
أنى يكونُ أبا البرايا آدمُوأبوك والثقلان أنت مُحمدُ
وهذا قبيح داخل في الشَّنَع.
وقوله: عَقَمتْ بمولد نسلها حواءُ: أي لو لم تكن من ولدها كان نسلُها كلا نسْل، حتى كأنها عقيم، لم تلد قَطُّ.
وقوله: بمولد نسلها: أي عُدَّتْ عَقِيماً على أنها قد ولدت.
وله ايضا:
) يَحولُ بين الكلْبِ والتأمُلِ (
إن شئت قلت إن الظبي يُجهد الكلب فيشغله عن التأمل. وإن شئت قلت: إنه يمنع الكلب أن يتأمله بسرعته، كقول البحتري يصف فرساً:
جَارِي الجيادَ فَطارَ عن أوْهَامهاسَبْقاً وكادَ بطيرُ عن أوهامه
وهذا أبلغ من قول أبى الطيب، لأن سبق الوهمِ أدلُ على السرعة من سبق الطرف مع لفظ الطيران، والطيران أبلغ في السرعة، ولذلك شبهت العرب خيلها بالطير كقول لبيد: وَكأني مُلْجَمُ سُوذَا نِقا وكقول الآخر:
كأنَّ غُلامي إذا علا حالَ مَتْنِهعلى ظهر بازٍ في السماء نُحلقِ
) لَهُ إذَا أدبَرَ لَحْظُ المُقْبِلِ (
أي أنه تَيقُّظِه يُراعى جهاتهِ، فكأنه يرى ما وراءه كرؤيته ما أمامه.
) شَبِيهُ وَسْمِىِّ الحِضَار بالوَلِىْ (
الوسمىُّ والوليُّ هنا: مستعار، وأصلهما في المطر، الوسمْىُّ الأول والولىُّ الثاني. يقول: ثاني جريه الأول، وذلك لشدته وصلابته، حثى إن إعياءه كجمامه.
وهذا كقوله في موضع آخر يصف فرسا:
وأقْتُلُ أي الوحشِ قَفّيُته بهوأنزِلُ عنه مِثلَه حين أركبُ
أي أنه من المنعة ولالنشاط في آخر عدوه، مثله في أوله، وحسن استعاراته الوسمى والولى لأو لاجرى وآخره، لانهم يستعملون لفظ الغيث في هذ النحو كقولهم: فَرَسٌ سَكْب، وفَيْض وغَمْر، وبحْر... كل ذلك جواد، وهُن من صفات الغيث والماء. وقالوا: شآبيبُ الجرى، كقولهم شآبيبُ المطر، وهي الدُّفَع منه.
) وَعْقْلَةُ الظبي وَحَتَفُ التَّتفلِ (
أي إذا رأى الكلبُ الظبي والتَّتْفُل وهو ولد الثعلب، كان عُقلة للظبي يأخذه ويمنعه من الهرب، ويهلك التتفل. وهذا كقول امرئ القيس: بِمُنجردٍ قَيدِ الأوابدِ هَيكلِ أي إنه هذا الفرس قيد للوحش، فكذلك هذا الكلب، عٌقلة للظبي، وحتف للتتفل. وقد قال المتنبي أيضا مثله في هذا الموضع:
يَتَقَبَّلْون ظِلالَ كُل مُطَّهمأجل الظليمِ وَرِبْقَةِ السِّرحان
فقول: ربقة السرحان كقول امرئ القيس: قَيْد الأوابد، وزاد عليه اجل الظليم. فبيته هذا الأخير مكافئ لبيته الأول، لأن الحتف كالأجل والربقة كالعقلة. وصح له الشرف على امرئ القيس.
) لو كَان يُبلىِ السوط تحريكٌ بَلىِ (
أي أن هذا الكلب بجدول مضمر كالسوط، فكما أن السوط لا يُبليه التحريك، كذلك هذا الكلب لايبليه شدة عدوه ولا ينقصه، ولو كان السوط الذي شبيه له في الجدل الضُّمر والاستعمال له يُبلى لبلى الكلب.
) فَحَال ما للْقفزِ للتَجدُّلِ (
أي صُرع فصارت قوائمه التي كانت للقفز إلى التجدل. أي الُّزوق بالجدالة وهي الارض.
) وَصَار ما في مسكه في المِرْجَلِ (
المرجل: قدر النحاس حاصة، مذكر من بين أسماء القدر، يقول: سُلخ عنه جلده، وأدخل في القدر، فعاد ما كان من لحمه في الجلد رهين المرجل، واراد: ما كان في مسكه، ففي مسكه من صلة الذي ولا يكون خبراً لكان هذه المرادة، لأن تلك لا تضمرُ، وتَعمل، لأنها فعل كوني غير مؤثر ولذلك منع سيبويه إضمارها وإعمالها، فقال:) واعلم أنه، لايجوز لك أن تقول: عبد الله المقتول، وأنت تريد: كُن عبد الله المقتول (. ولذلك حمل الفارسي قوله تعالى:) فوجد فيها رجلان يقتلان هذا من شيمته وهذا من عدوه (على الحكاية، لا على إضمار) كان (استدلالا بما قدمت من كلام سيبويه.
وله ايضا:
رأينا ببدر وآبائهلِبَدرٍ وَلُوداً وبَدراً وَليدَا
معنى هذا البيت: التعجبُ من خرق العدة، وهو من ظريف المحاباة. فبدرٌ الاول: اسم الممدوح. والآخران: عنى بهما البدر المعروف.
يقول: ليس من طبيعة البدر الفلكي أن يَلِدَ ولا أن يولد. فلما رأينا بدراً هذا الممدوح وأباه وجدنا بوجودنا إياه بدراً مولوداً، ووجدنا بوجود آبائه وَلُودَ البدر. فقد خرق علينا المعتاد، فوجب التعجب.
وحاصل البيت: وجدنا ببدر هذا الممدوح بدراً وليدا. ولا كبير فائدة في وجود الآباء، لأن المولود والوالد من باب المضاف والمضاف إليه. فاذا وجَد بدراً مولودا، فلا محالة أن له والِدَين. فإذن ذكرُه الآباء هنا حشوٌ، إلا أن يُفيدنا بذلك أن أباءه بدور وليس بكبير فائدة أيضا، لأن النوع لا يلدُ غير نوعه، فتفهمْه.
طَلَبْنا رِضَاهُ بتركِ الذيرَضينَا له فَتَركْنا السُّجودا
أي رضينا أن نسج له إذا رأيناه إكبارا له وإيثاراً، لا أنه لا يريد ذلك منا لن هذا إنما ينبغي لله غزل وجل، فطلبنا نحن حينئذ رضاه، بترك السجود الذي رضينا له. فقد مدح بدراً هنا بشيئين: أحدهما: جلالة القدر، حتى رُئى أهلا للسجود له. والآخر: تورُّع بدر عن هذا الذي رضيه له، قبحاً لكلامه، ونهراً في هذا الموضع وأشباهه لنظامه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع