تجاوز إلى المحتوى

من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)

شرح المشكل من شعر المتنبي (٩)

قوله:) والخيل تلتقي (؛ جملة في موضع الحال. اي ويرعى الحب محارباً.

إذا ما لبِستَ الدهرَ مُستِمتْعِاً بهِتخَرَّقْت والملْبُوسُ لم يتخرقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

لبس الدهر مَلبوساً، وإنما هي استعارة يقول: إذا لبستُ الدهر مليا أهرمني، وهو لا يُهرِمُه امتداد برهته، فجرى الأمر بيني وبينه بضد ما يجري بين اللابس والملبوس، لأن شأن اللابس أن يُخلق الملبوس، والدهرُ ملبوسٌ يُخلق لا بسهَ. ولما استجاز أن يجعله ملبُوساً، استعار له التخَرُّقَ.

إذا شَعَتِ الأعداء في كَيْدِ مَجدِهسَعَى جَدُّه في كَيدهم سعى مُخنقِ

حنق حنقاً: غضب، واحتنقتهُ: اي إذا رام العدو كيد مجده، فحاول هدمه بمبارزته أو مقاومته، غضب جده، فدفع سعى عداه بسعي أنفٍ وأيدٍ، على ما تقدم قبلُ.

) كيدُ العدو لمجده (.) وكيد (: مصدر كاد يكيد المتعدية: كقوله تعالى:) فإن كان لكُم كيدٌ فكيدُون (. فَمَجدُه، مجرور في موضع نصب. اي في كيدهم لمجده. وذلك أن المصدر يضاف إلى المفعول، كما يضاف إلى الفاعل، كقوله تعالى) لاَ يسأمُ الإنسانُ مِن دُعَاء الخيْرِ (، فالخير في موضع المفعول، اي من دعائِهِ الخير.

وله ايضا:

يَشكُو الملامُ إلى اللوائم حرهُويَصُدُّ حين يُلمن عن بُرحائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذل العواذل حول قلب التائه»

اي إن الملامة لا تتعى سمعي؛ ولا تصل إلى فؤادي، لأن حره يمنعها من ذلك، فهي تتفادى منه. ويعتذر إلى اللوائم من قصوره عن الوصل إليه، بما يتوقعه من ناريته. والكلام شعريٌّ لا حقيقة، لأن الملا عرض، والعرض غير حاس فيشكو. وإنما تشكو الجواهر ما يلحقها من العَرَض. وشبه أبو الفتح هذا بقول كثير:

ذَهوبٌ لإعتاق المئينَ عَطاؤهغلُوبٌ على الأمرِ الذي هو فاعلُ

) ويصد حين يلمن عن برحائه (

مثل ما تقدم والبرحاء: الشدة.

ما الخِلُّ إلا من أودُّ بقلبهِوأرى بطرفٍ لا أرى بسوائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

أي ما الخل الا من يكون حظى من قلبه، حظه من قلبي، ويرى بالعين التي أراهُ بها، فيقع التكافؤ في الحب والجلالة، لا من حظى من فؤاده مُقصر عن حظه من فؤادي، وتعظيمه لي دون تعظيمي له.

وقد يجوز أن يعني بذلك التناهي في التشاكُل والتناسُب؛ حتى كأنه هو جملة. واذا كان هو إياه بالجُملة، فقلبُه قلبُ خليله، وَعينه عينه.

عَجب الوُشاةُ من اللُّحاةِ وقولهمدع ما نراك ضعُفت عن إخفائه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

إنما عجب الوشاة من اللُحاة في ذلك، لأنهم كلفوه ترك ما يعجز عن إخفائه، والإخفاء للحُب أمكنُ من تركه. فإذا ضعف غن الأقل الذي هو الإخفاء؛ وقد علم اللُّحاةُ ذلك منه، فكيف يكلفونه الأكثر الذي هو السُّلوان.

وقوله:) ضعفت عن إخفائه (: جملة في موضع المفعول الثاني، إن كانت الرؤية علمية، أو في موضع الحال إن كانت الرؤية حسية.

مهلاً فإن العذل من أسقامهوتَرَفقاً فالسمعُ من أعضائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

اي إن العذل يُسقمه كما يُسقمه الحب، فهو نو من إسقامه، وترَفقُّاً في عذلك، فإن السمع الذي يقرعه عذلُك من جملة أعضائه. فإن عَنُفت به في العذل، اختل سمعُه أو ذهب.

وإنما قدر ذلك نافعاً له عند من عذله، لأن العاذل لم يُرد بعذله إفساد جوهره، وإنما أراد إصلاحه. فيقول: إن لم تترفق، عاد ما حاولته من إصلاحي إفساداً إلي.

والسمع: يجوز أن يكون مصدراً، إلا أنه إذا كان مصدراً، فليس من أعضائه. لانه حينئذ جنس، والجنس عَرَض، والأعضاء جواهر، والعَرَض لا يكون جزءاً للجوهر. وإنما عنى موضع السمع من أعضائه.

وقد يجوز أن يكون السمعُ اسماً للأُذن، سُمي لحسها، كما سميت العينُ بصراً في بعض المواضع. وإنما البصرُ في أكثر الكلام حسنٌ.

وَهَب المَلامَة في اللذَاذَةِ كَالَريمطرُودة بسُهاده وبُكائهِ

اي إن كنت تلتدُّ بالملامة، فاجعلها كالكري الذي قد عدمتهُ أنا، على التذاذي به. فكما نفاهُ عنى سهادي وبكائي؛ فكذلك ينبغي لك أيها اللائم أن يُسليك عن كلامي الذي تلتذ به ما تراه من سُهادي وبكائي، فيعودا سواء في امتناع الالتذاذ. ودعاه إلى الائتساء به في الصبر على عدم ما يُلتذُ به.

) ومطرودة (: مفعول ثان لِهَب، لأنها بمعنى) اجْعَل (المعتدية إلى مفعولين. وإن شئت قُلت: إنه بدل من موضع) كالكري (لنه بمنزلة قولك مثل الكَرَي. وهو القول أقوى.

إن المُعين على الصبابةِ بالأسىأولى برحمة ربها وإخائهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

اي مُعينى على الصبابة: من أعان بالمؤاساة لا بالملام. فإن راحم ذى الصبابة مُؤاسه بالعذر، لا لائمه.

والعشقُ كالمعشُوقِ يعذُبُ قُربُهللمُبتلَى وَيناَلُ من حَوبائهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

اي العشق مُلتذ محبوبُ، كما أن المعشوق كذلك. وكلاهما نائل من حوباء المُبتلى وقاتل له. وقوله:) والعشق كالمعشوق (: جملة يفسرها ما بعدها من البيت. كأنه لما قال: والعشق كالمعشوق، قيل له فيه، أو كيف تفسره للسائل، فتقديره: والعشق كالمعشوق في أنهما يعذُبان ويقتلان مع ذلك.

وقُي الأميرُ هوى العُيون فإنهُمالا يزُولُ ببأسه وسخائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

اي وقى هوى العيون. وأما ما سواه فقد آمنتُه عليه، لأنه دافع له ببأسه وسخائه. وهوى العيون مالا ينفع فيه بأس ولا سخاء؛ فإنما أدعوا له أن يُوقى مالا طاقة لجوده وبأسه على دفعه.

منْ للسيُوف بأن تكون سميهافي أصله وفرنده وَوفائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

اي بأن تكون مثل سميها في أصله، إما أن يرد: في نوعه الذي هو الإنسانية، وإما في قبيله، وفرنده؛ أو في صورته، لأن صورة الانسان أحسن من صورة السيف، ورونقه افضل من رونقه. وإما وفاؤه فلا وفاء للسيوف ولا عُذر إلا على المجاز، لأن ذلك من خواص الإنسان.

إني دعوتُك للنوائبِ دَعوةًلم يُدع سامعهُا إلى أكفائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

أي: دعوتك لخطب ليس كُفؤا لك، لأن كل خطبٍ دُونك، لا يعزُّك ولا يغلُبك.

وإن شئت قلت: كل نائبة وإن عظمت فهي دون أن يُدعى مثلُط إليها، وإن كنت لا تُدعى من النوائب إلا إلي ما أنت له كُفُوء، ما وجدنا ما يكون كفؤا لك، فندعوك إليه، لكن لا بد أن ندعوك لما ناب، وإن جل عنه خَطرُك، وعلا قدرُك.

وله ايضا:

كأني عصت مُقلتي فيكُمُوكاتمت القلبَ ما تُبصرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

هذه مبالغة في كتمان السر والضن بإذاعته، اي رأت عيني ما رأت، فكتمته عن قلبي. واذا كان القلب لم يعلم ذلك؛ لم يمكن أن يعلم غيرُه به، إذ لا يمكن أن يعلم غيرُك إلا ما علمته.

وإن شئت قلت: إذا رأت عيني ما تحبون كتمه، تناساه قلبي، حتى كأن العين كتمت عنه ما رأت. والمقولان متقاربان.

وقوله) فيكم (: أي من أجلكم. وعصيان المقلة للفؤاد: إنما هو كَتْمها عنه ما رأته، فكأنه قال: كاني عصت مقلتي فيكم قلبي، وكاتمته ما تبصر فحذف الأول لدلالة لثاني عليه، وأعمل) كاتمت (. إذ لو أعمل الأول واتزن لقال: وكاتمته القلب. اي عصت مقلتي القلب وكاتمته.

وله ايضا:

إذا كان شَمُّ الروحِ أدنى إليكُمُفلا برِحَتني رَوْضةٌ وَقَبُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

اي إن كنتم إنما تؤثرون شم الروح، ونسيم الهواء. وذلك إنما يكون بحضور الروض والريح القبول، فلا زلت أنا روضة فتضمكم، وريحاً قبولاً تشُمونها، تلذ لكُم، إذ كلما كنتُ كذلك، فأنتم قريبٌ مني، وطالبون إلي.

قوله:) أدنى إليكم (: أي أشد إدناء لمن يُحبكم. وقوله:) فلا برحتني روضة وقبول (: أن شئت قلت: أراد فلا برحتُ روضة وقبولاً، فعكس، فجعل المعرفة الخبر، وهي) ني (والنكرة الاسم، وهي) روضة وقبُول (. وإن شئت قلت: إن) ني (من) برحتني (ليست بخبر، ولا برح هذه المقتضية للاسم والخبر. وإنما) بَرِح (هنا المتعدية إلى المفعول. وكقوله تعالى:) فَلَنْ أبْرح الأرضَ حتىَّ يأذنَ لي ربي (فيكون) ني (على هذا مفعولاً، ويكون التقدير: فلا فارقتني، أو فلا زايلتني روضة.

اي فإذا كان ذلك، قصدهم هذه الروضة التي عندي، فسعدت أنا بقربكم والأول أبلغ، لانه على ذلك القول الأول، يجعل نفسه ذات الروضة؛ ويتمنى الخروج من النوع الحيواني الإنساني إلى النوع النباتي، إيثاراً لهواهم، واختياراً لقربهم.

لقيتُ بدربِ القُلةِ الفجْر لقيةًشفت كَمدى والليلُ فيه قتيلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اي أصبحت في هذا الموضع، أو أفجرت فيه.) شفت دمدى (. اي شفت اللَُقيةُ للفجر بانحار الليل، ما كان من الكمد.) والليل فيه قتيلُ (: اي قد ذهب، واشتمل ضده على محله، فكأن الليل لما عُدم أو قارب العدم مقتول.

وإن شئت قلت: طال على الليل بالصبابة، فكأنه وَترني، فاستوجب بذلك أن أطلبه بثأري: فأوقد سيف الدولة بالدرب نيرانا، فخالط ضوؤها دخانها، فبدت لي من الضوء المختلط بالدخان، سُمرة كسمرة الفجر، قبل أوان الفجر، فكأن هذا الملك قد قتل الليل بإيقاده هذه النيران، التي خَلْخَلَتْ كثافة الظلمة، فأنا أكنى بذلك عن ثأري، فيُشفي كمدي.

وقيل ك الفجر هنا سيف الدولة، أقام غُرته مُقام الفجر، وبالغ في ذلك، حتى جعله قاتلاً ليل، وما طُلب عند ليل ذحل، ولا نيل منه ثأر قبل هذا.

على طُرُقٍ فيها على الطُّرْقِ رفعةٌوفي ذكرها عند الأنيس خُمُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

رفعتها: أنها أكُمٌ وجبال، وخمولها: أنها غير مسلوكة لوعورتها، فهي لذلك خاملة. وقد يجوز أن تكون طرقاً لم يسلكها إلا جيش سيف الدولة، لأنها مخُوفة فالناس لا يعرفونها لذلك.

وما شعرُوا حتى رأوها مُغيرةقباحاً وأما خلقُها فجميلُ

أي قباح الأفعال بهم، وإن كانت في خلقتها جميلة، لأن خوفهم لها يُقيحها في أعينهم، فيخفى عليهم جمالُها. وهذا نحو قوله: حَسنٌ في عيون أعدائهِ اقبحُ من ضيفهِ رأتهُ السر فالحسن فيه طبيعية؛ والقبح عَرَض.

وأضعفن ما كُلفنهُ من قُباقبٍفأضحى كأن الماء فيه عليلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قُباقب: نهرٌ دهمته هذه الخيل، فسدت مجاري الماء فيه، بكثرة قوائهما، فارتدع الماء، إلا ما تخلل شُعب قوائم الخيل، فأضعفته عن قوة جريه، حتى كأنه عليل. والعلة هنا كناية عن الضعف، إنما العلة في الحيوان، والماء ليس بحي.

نَجَوت بإحدى مُهجتيك جريحةًوَخلفتَ إحدى مُهجتيك تسيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

يخاطب الدُّمُستُق، وكان شُج في وجهه ونجا جريحاً، فهذا معنى قوله:) نجوت بإحدى مهجتيك جريحة (، وكان ابنه قد أسر، فلذلك قال:) وخلفت إحدى مهجتيك تسيلُ (، اي تركته يذوب في الكبل والحبس، مع ما اشتمل عليه من خشية القتل:

إذا لم تكُن لليث إلا فريسةًغذاهُ ولم ينفعك أنك فيلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

ضرب) الفيلِ (مثلا لعظم عدد الروم، وضرب) الليث (مثلا لسيف الدولة وجيشه، اي فلا تُعجبن الروم كثرة عددهم، فإن الكمية لا تغني، وإنما الغناء للكيفية وقال:) غذاه (: أراد غذاهُ ذلك الشخص المفترس.

أعادى على ما يُوجبُ الحُب للفتىوأهدأ والأفكارُ في تجُولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

اي أعادى على ما لدي من الفضائل النفسانية، كالشجاعة والفروسية، والفصاحة والشعر، حسداً لي على ذلك. وكل واحدة من هذه الفضائل في حد الحقيقة، مُوجبة للحب، فكيف أشنأ على ما يُوجب الحب؟ يقول ذلك متعجباً.

قال أبو الفتح: لو قال) أبغض (مكان) أعادى (كان أوفق في مذهب الشعر، يعني أبو الفتح: أنه لو قال ذلك، كان أذهب في باب التقابُل، لأن النقيض إنما يقابل بنقيضه؛ وكذلك الضدّ بضده. فضد الحب البغض. وضد العداوة الصداقة. فإذا قابلت بالحب، والصداقة بالشنآن، لم يكُ ذاك على تقابل الضد والنقيض.

لكن الذي يُسهل ذلك، أن العداوة علتها البغضة، التي هي ضد الحب، فأقام العلة التي هي العداوة، مُقام المعلول، الذي هو البُغض. ولولا ما يدخلُ التخفيف البدلي من الاضطرار، لقال: فأشنى، أو) أشنَ (على اجتمال الجزم، ولكن الاول أسوغ أعنى وضع) أعادى (مكان) أبغض (لما ذكرت، من دلالة العلة على المعلول.

وله ايضا:

تُرى الأهلهَ وجهاً عم نائلُهُفما يخُصُّ بهِ من دُونها البشرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الصوم والفطر والأعياد والعصر»

اي انه يكسب الأهلة بنظرها إلى غُرته نوراً وسعداً، فتنال بذلك من جوده كما ينال الناس. فالبشر إذن نوع غير مخصوص بنائله بل هو عام للعالم العُلوي والسفلي.

وله ايضا:

وشربِ كاسٍ أكثرتْ رنينهُوأبدلتْ غناءه أنينهُ

الشرب: اسم للجمع عند سيبويه، وهو عند أبى الحسن جمع. ويدل على صحة قول سيبويه: إن العرب إذا حقرت هذا النحو حقرته بوزنه، كما تحقر الواحد، فقالوا: شُريب ورُكيب. فلو كان جمعاً كما ذهب إليه أبو الحسن، لرُده إلى واحده في التحقير، ثم جمع بالواو والنون، فقيل: رُوَيكبون ورُوَيجلُون. وإنما كلام العرب ما قدمنا.

أنشدنا القرشي:

بنيته بعُصبةٍ من مالياأخشى رُكيباً ورجيلا عاديا

وذهب قوم إلى أن معنى البيت: أن هذا الشرب - وهم أعداء الممدوح - غنوا بمناقبه، حتى إذا سكروا هاج لهم السكر ذكر من سبا منهم وقتل، فأنوا حزنا، وعاد ذلك الغناء أنيناً وتفجعاً.

والذي عنتدي أن هؤلاء الشرْب غنوا، فأثخن فيهم هذا الملك وأوجعهم، فعاد ذلك الغناء رنينا وأنينا. وقوله:) أكثرَت (و) أبدلتْ (: إخبار عن الخيل والقنا اللتين في قوله:

) إن الجياد والقنا يَكْفِينهُ (

وله ايضا:

فاني رايتُ البَحر يعثُر بالفتَىوهذا الذي يأتي الفَتَى مُتعمدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

اي أن سيف الدولة اولى بأن يرجى ويخشى من البحر، لأن البحر وإن أروى وأعطى، فليس شيء من لك على عمد ولا قصد، لانه لا رُوح له ولا فؤاد، فليس إذن يحمد على مكرماته ولاذميمٌ لآفاته. وهذا كقوله هو:

ألا لا أرى الأحداث حمداً ولاذمافما بطُشها جهلاً ولا كَفها حلما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

وأما سيف الدلوة فهو لكل ما يأتيه من إفاقة وإغناه وإمانة وإحياء، عامدٌ قاصد، لانه من نوع الانسان، الذي هو أشلاف الحيوان.

وَتُحيي لهُ المالَ الصوارمُ والقناوَيَقُتلُ ما تُحيى التبسم والجدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي انه يغير فيغم بسيوفه ولاماحه، فهي تحيي له المال. ثم يهب عُفاته، ما يسلبه عُداته، وذلك في حال تبسُّمٍ وأريحية للعطاء، فذلك التبسم هو الذي يقتل المال الذي أحيتهْ الأشنة والصوارام، كقول ابى تمام:

إذا ما أغاروا واحتووا مال معشرٍأغارت عليه فاحتوته الصنائع

وذكر التبسم والجدا هنا كقول كُثير:

غمرُ الرداء إذا تبسم ضاحكاًغلقت لضحكته رقاب المالِ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «إربع فحي معارف الأطلال»

ولو قال) يميت (مكان) يقتل (لكان أشد مقابلة للحياة، لأن القتل ليس بضد الحياة إنما هو علة ضد الحياة في بعض الأوقات.

ونقيض الحياة إنما هو الموت. ومقابلة الشيء بنقيضه أذهب في الصناعة و) التبسم والجدا (: مرتبطان بيقتل، اي ويقتل التبسم والجدا ما تحييه الصوارم والقنا. ففي تحيى ضمير راجع إلى لقنا والصوارم، اي ما تحيى هي.

هُو الجدُّ حتى تَفضُل العينُ أختهاوحتى يكُون اليزمُ لليوم سيدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وإنما ذكر فضل يوم الأضحى وجعله سيد نوعه. ثم مثل به فضل سيف الدولة على جميع نوعه. وذلك في البيتين اللذين قبل هذا البيت. ثم عجب من تفاضل الاشخاص الواقعة تحت نوع واحد، على أن عنصر هذا واحد. فقال:) هو الجد حتى تفضل العين أختها (فبلغ بالعجب من العين التي تفضل صاحبتها على اقترابهما وشدة اقترابهما. وبالعجب من الآيام التي تتفاضل بما يحدث فيها من السراء والضراء وضروب الممالك والمناسك.

أجزني إذا أنشِدتَ شعراً فإنمابشعري أتاك المادحُون مرددا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

أجزني: اي أعطني الجائزة إذا مدحك غيري، فإن الشعراء إنما يأخذون معاني شعري، فيمدحونك بها، فاذن إنما المستحق بجوائزك أنا لاهُم. إذ لولا شعري لم يهتدوا إلى ما يمدحونك به. فكلما احسنوا فإنما الإحسان لي كقول الآخر:

فإن أنشدَ حَمادٌفقد أحسن بشارُ

اي إن حماداً إنما يأخذ شعر بشار. فالإحسان له، والإنشاد لحماد.

وله ايضا:

ثيابُ كريمٍ ما يصُونُ حسانهاإذا نُشرت كان الهباتُ صوانها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

يعني ثيابا رومية كساه إياها،) كان الهبات صوانها (اي أنه لا يصونها إنما يبتذلها بالهبة هي التي تكون لها مقام الصوان إذ لاصوان لها عنده وإذا لم يصن حسانها كان أحجى ألا يصون دُةنها.

تُرينا صناعُ الرُّومِ فيها مُلوكهاوتجلُو علينا نفسها وقيانها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

اي صورت الأنواع الحيوانية إلا الرزمان، فانها لم تصوره لعجزها عن ذلك وذلك أن الزمان هنا إما أن يعني به الفلك، ولا أحد يستطيع تصويره على حقيقته التي هو بها؛ وإما أن يكون الزمان هنا وجود النور وعدمه وذلك عَرَض والعرض لا يقتصور إلا في جوهره الذي هو منه.

وأم عتيقٍ خالُهُ دون عمهرأى خلقها من أعجبتهُ فعانها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

وأم عتيق: يعني فرساً. وعتقُها: مُهرُها، والعتق: الكرم وجعل لها خالاً وعما، يذهب إلى أن هذه الفرس ات طرفين كريمين مختلفين بالنسب، لأن ذلك مما يُستحب في الخيل أعنى ألا يكون الأبوان متناسبين.

وقد يستحب ذلك في الإنسان، لأنهم يزعمون أن الأبوين إذا كانا متناسيبن جاء الولد هنا وياُّ، اي مهزولاً، دقيق العظم) ابن السكيت (.

ومنه الحديث:) اغتربوا لا تُضْوُوا (. اي لا تنكحوا في الأقارب، فيجيء الولد ضاويا. وقال:) خاله دون عمه (يذهب إلى أن أباه أكرم من أمه، وذلك أنجب له.) رأى خلفها من أعجبته فعَانها (. يزعمون أن الشيء المُعجِب ربما أصابته العين فقسد لذلك، فيقول: رأى هذه الفرس بحجر من أعجب فعانها (. اي رأت خلفها فحلا حاول كَومها حين أعجبته، فأمكنته، فأولدها، فكأنه تنقصها بالإيلاد، كما يُتَنقص الشيء الحسن المعجب إذا أصيب بالعين.

إذا سايرتهُ باينته وبائهاوشانتْه في عين البصير وزانها

أي باينته، من) البَون (اي باعدته. فان قلت. ينبغي على ذلك:) باونته (، لانه من الواو. فان شئت قلت: إن هذا على المعاقبة، ومعناهما: قلب الواو إلى ياء لغير علة إلا طلب الخفة، وهي لغة حجازية عربية. يقولون:) صُياغ (في) صُواغ (، ومياثق في مواثق، وهو كثير، قد عمل فيه يعقوب باباً واسعاً. وإن شئت قلت: إنه من) البَيْن (الذي هو في معنى) البون (حكى أبو عُبيد، بينهما) بون (بعيدو) بَينٌ (. وقد بان صاحبه يبونهُ ويبينهُ. فحمُلك إياه على هذا. خيرٌ من اعتقاد المعاقبة الحجازية، لأنك إنما تلوذ بها إذا لم تجد عنها معدلاً.

و) شانتهْ في عين البصير (: اي شانته بكونها أمه لتقصيرها عنه) وزانها (، بكونه ابنها وهو زائد عليها.

وأين التي لا تأمنُ الخيلُ شرهاوشرى ولا تُعطى سواى أمانها

إن شئت قلت: أين فرسي التي من أمرها وشأنها، من هذه الفرس المعيبة؟ وإن شئت قلت. أراد: هب لي الفرس التي هي أكرم من هذه الفرس التي وهبتها لي.

وقوله:) لا تأمنُ الخيلُ شرها (: إذا كَرَرْتُ بها. وأراد أهل الخيل، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.) ولا تُعطى سواى أمانها (: اي لا يأمنُها إلا مثلي من الحُذاق بركوب الخيل.

وله ايضا:

تَشبيهُ جُودِك بالأمطار غاديةجُودٌ لكفك ثانٍ ماله مطرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

أي انك غاية في الجود لا فوقها، فإذا شبهنا كفك بالمطر، فالمشبه دون المشبه به، فقد بالغنا بمدح المطر وشرفناه. فكان هذا التشريف له بتشبيه جودك بهن جُوداً عليه ثانياً من جودك علينا بالمال وخص الأمطار الغوادي، لأنها بالأغلب أغزرُ ما تكون حينئذ في أول النهار، والنفوس حينئذ شهمةٌ مُنشطة، فهي حينئذ أورق وأعلق.

وله ايضا:

وقاسمك العينين منه ولحظهسَميُّك والخلُّ الذي لا يُزايل

يعني بسميه والخل الذي لا يزايل: السيف. أما سميه فلأنه سيف، والملِكُ سيف الدولة، فهو وسيفه سميان. وأما كونه خلأ لا يزايلُه، فلأن السيف لا يفارق. فيقول: نظر إليك طامعاً إحسانك، وإلى سيفك، خائفاً من بأسك، يقلب طرفه من يمين إلى شمال، فذاك معنى المقاسمة، اي أن السيف قد قاسمك عيني رسول الروم فهو تارة يتأملك، وأخرى يتأمل سيفك ولحظه، عندي حشو، لانه إذا قاسمه عينيه فقد قاسمه اللحظ.

وأكبر منهُ همةً بَعثت بهإليك العدا واستنظرتهُ الحجافلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

اي أكبرت العدا همة هذا المُرسل، وأعظمت شأنه لإقدامه عليك، ومُثُوله بين يديك.) واستنظرته الحجافل (: اي سألته أن يُنظرها، بشغله إياك أيها المالك عنهم. فمعنى استنظرته: طَلَبت منه النظرة، اي التأخير.

أطاعتك في أرواحها وتصرفتبأمرك والتفت عليك القبائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

بالغ بإطاعتهم إياه في أرواحهم، لأنهم إذا أطاعوه في ذواتهم، كانوا أجدر أن يطيعةه فيما سواها. و) التفت عليك القبائلُ (: اي أحدقت بك العرب، لأن كل جيش مُحدِق بأميره.

وإن شئت قلت: جعله سطة لسراوة نسبه، وعلاوة حسبه، وقبائل العرب محيطة به، فالمحاط به أشرف من المُحيط، كالقلادة التي أنفسُها سطتُها. والدائرة التي أشرفُها نقطتها.

رميتُ عداهُ بالقوافي وفضلهِوَهنُ الغوازي السالماتُ القواتلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وفضله: اي وفضائله. هذا أذهب في الصناعة، أي أعنى يعطف جميعاً على جميع في النية وإن لم يستقم ذلك في اللفظ. إذا أغضبتُ عداه لمدائحي فيه بفضائله النفسانية، فلم يجدوا في شعري مطمعا ولا في فضائله الذاتية مدفعا، فقد قتلتُهم بأن أغضبتهم وأعجزتهم، وسلمٍت هي في أنفسها، إذ لم يقدروا على غض أشعاري، ولا إنكارِ فضائله.

يُتبعُ مُراب الرجال مُرُادُهُفمن فرَّ حرباً عارضتهُ الغوائلُ

الغوائلُ: الدواهي المهلكة. تقول العرب: الغضب غُول الحِلم. اي يذهب بالحلم فيغتاله. يقول: إن سمده المهزومين؛ فيقتلهم بالعطش والكلال وسائر أنواع الآفات، كقوله هو:

إذا فاتُوا الرماح تناولتهمُمبأرماح من العطش القفارُ

ويتبع من باب) فعل (في معنى) تفعل (اي يتبع. ونظيره ما حكاه سيبويه من قولهم بين الشيء وتبيَّنَه. وفي بين الصبحُ لذى عينين اي تبين.

رأيُتك لو لم يقتضِ الطعنُ في الوغىإليك انقياداً لا قتضتُه الشمائلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

اي لو لم يجر من أصحابك على الطعن، انقيادُهم لك، وطاعتهم إياك، لاقتضاهم إياه حُبُّهم لك. و) الشمائلُ (يجوز أن تكون منه ومنهم، فان كانت منهم، فمعناه: حبهم لك بطاعتهم. وإن كانت منه فمعناه: بحبهم لشمائلك.

وله ايضا:

وأسقطتِ الأجنةُ في الولاياَوأجهضتِ الحوائلُ والسقابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

اي أن النساء أردفن، وعُسف بهن في الهزيمة، فمن كان منهن حاملاً أسقطتْ في الولايا، وهي الأحْلاسُ على إعجاز الخيل والإبل، وأجهدت الإبل، وكُلفت أكثر من طاقتها في السير، فأجهضت الحواملُ، وهي الإناث؛ والسقابُ، وهي الذكور. والإجهاض للنوق، كالإسقاط للنساء وهذا كقول أبى النجم:

كَمْ طَرَحتْ من ولدٍ لا يغتذىتراه كالمسلوخِ والجلُد برِى
وَعَمروٌ في ميامنهم عُمُورٌوكعبٌ في مياسرهم كعابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

عمرو وكعب: بطنان، كعب: بن ربيعة، وعمرو بن مالك. فان شئت قلت: اختلفت كلمتهم فأشارت طائفة بالعرب، والأخرى بالاستذمام وأخذ الموثق من سيف الدولة. وكانوا قبل يداً واحدة، كلمتهم سواء فكانهم باختلافهم تقسموا وافترقوا فصارت القبيلة باختلاف كلمتها في قبائلك؛ فلذلك جعل عمراً عمُوراً، وكعباً كعاباً.

أنشد سيبويه:

رأيت الصدعَ من كعبٍ وكانُوامن الشنآنِ قد صاروُا كعاباَ

وإن شئت قلت: هربوا وتبددُوا، فصاروا شيعاً وأحزابا، فكل جزء من عمرو عمور، وكل جزء من كعب، كعوب. والقولان متقاربان.

ولو غَيرُ الأمير غزا كلاباًثناهُ عن شُموسهمُ ضبابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يعني بشُوسهم: حقائق نفوسهم. والضباب: مايلقاه من الطعان والضراب. وقيل: ثناه عنهم أقل ما يصيبه منهم، لأن كثافة الضباب أقل من كثافة السحابز وقيل: عنى بالشموس نساءهم التي سباها سيف الدولة وبالضباب: من فيهم من الكُماة والحُماة.

وله ايضا:

تُفدي أتمُّ الطير عُمرا سلاحهُنُسورُ الفلا أحداثُها والقشاعمُ

أتمُ هنا: بمعنى اطول. وإنما جاز ذلك لان التمام في باب) كيف (، نظير الطول في باب) كَمْ (. وإنما المستعمل في العمر أطول، فلم يتزن له، ونجوه قول رؤبة:

) كالكَرْم إذ نادى من الكافُورِ (

وإنما المعروف صاح لكَرم، سائر الشجر إذا بدا ثمره. إلا أنه لو قال صاح الكَرم لكان في الجزء طي، وهو ذهاب فاء) مُستفعلٌ (، لانه قوله:) صاح منل (مستعلُن، فاستوحش من الطي، فوضع نادى مكان صَاَح ليسلم الجزء.

والمتنبي أعذر، لانه لو قال:) أطول (لا نكسر البيت ورُؤبة لو قال: صاح من الكافور لم ينكسر البيت، وإنما كان يلحقه الزحاف الذي وصفناه.

وقال) تُفدي (فأنت الفعل، وإن كان للأنم، والأتم مذكر، حملاً على المعنى، لان الأتم هو النسور في الحقيقة. ونظيره قول بعض العرب: فلان لغُبو جاءته كتابي فاحتقرها. أنث الكتاب لما كان في معنى) الصحيفة (. و) نسور الفلا (. يدل من) أتم الطير (. و) أحداثها والقشاعم (: بدل من) نسور (. وكلاهما بدل بيان. يقول أوسعتْ سلاحُه النسور شبعاً من لحوم القتلى قديماً وحديثاً الآن. فقشاعهما وهي المسان تشكر القديم والحديث، وأحداثها تشكر الحديث، لأنها متأخرة الكون عن زمن القديم. فكلا النوعين يشكر سلاح هذا الملك، و) يفُديه (: اي يقولان نحن الفداء لسلاحه. استعار الأحداث للنسور، وإنما هو في نوع الانسان، ومثل هذه الاستعارة كثير.

هَلِ الحدثُ الحمراءُ لونهاوتعلمُ ايُ الساقيين الغمأئمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

) الحدث (: حصنٌ معروف، وأنثه على معنى القلعة، أو المدينة، وجعلها حمراء، لما سال عليها من الدماء، وكانت غير حمراء. يقول: فهل تعرف الآن لونها القديم الذي بُدلت منه الحُمرة. وإن شئت قلت: هل تعرف الآن أنها حمراء، أو تنكر ذلك؟

وقيل: جعلها حمراء، لان سيف الدولة بناها بحجر أحمر، ولم يك قبل ذلك.

يقول: فهل تعرف هذه القلعة أن بناءها الحديث غير بنائها القديم؟ وكذلك بلت هذه السيوف هذه المدينة بالدم، كما يبُل - السحابُ الارض بالمطر فهل تعرف أن الغمام سقاها الآن أو السيوف؟ وقد بين ذلك بقوله بعد هذا:

سقتها الغمامُ الغُر قبل نُزُولهِفلما دَنا منها سقتها الجماحمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

اي سقاها السحاب قبل نزول سيف الدولة بها، فلما دنا منها قتل من كان بها من الروم، فسفتها السيوف بدمائهم.

وَكان بها مثلُ الجُنُون فأصبحتْومن جُثثِ القتلى عليها تمائمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

التمائم: العُوذ، وهي تُناط بمن كان به مَرَضَ أو جنون أو سحر.

فيقول: كانت هذه القلعة مضطربة غير مطمئمة ولا مستقرة بمن غلب عليا من الروم، حتى كان بها من ذلك مثل الجُنون، لان المجنون يخالطه اضطراب وقلة ثبات، ولذك قيل له:) الأولق (. لان الولْق: سرعة الطعن والمشي، وهذا فيمن أخذه من ذلك، فجعله) أفعل (.

فأما سيبويه، فهو عنده) فوغل (بديل) مألُوق (فلما وردها سيف الدولة فقَتل من تغلب عليها، استقرت واطمأنت، فكانت جثث القتلى عليها تمائم أوجبت لها الاستقرار والطمأنينة.

وَقد حاكَمُوها والمنايا حَواكٌمفلما مات مظلُومٌ ولا عاش ظالُم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

أثبت حكماً من حيث أثبت ظلماً، لان الظلم جورٌ، والجور نوع من الحكم، ضد العدل، فحاكموا هذه القلعة. والسيوف حواكم: اي هُن ذوات الحكم على المتحاكمين عليها، وكان الظلم من قبل الروم لهذه المدينة، بهدمهم إياها، وإخلائهم لها، فلما كان الحُكم للسيوف، مات الظلم بقتل هؤلاء الروم الظالمين.

) فما مات مظلُوم (: يعني القلعة، اي لم يعفُ أثرهُا، بل جُدد بناؤها، وزيدت تحصيناً.) ولا عاش ظالمُ (: اي لم يعش الروم الذين هدموُها، بل قتلهم سيف الدولة.

تَقَطّعَ مالا يَقطعُ والقناوفر من الفُرسان من لايُصادمُ

اي ما كان من السيوف قاطعاً للدرع وللابسها بقي وما لم يبلغ من الحدة والشدة أن يقكعهما، تقطع وفنى، وذلك لشدة ما كان هنالك من الضرب. ومن كان من الفُرسان غير مزاحم ولا مصادِم لم يَثبت. يذهب في كل ذلك إلى أنه لم يبق إلا الجيدُ الصابر على الكفِاح من الرجال والسلاح ألا تراه يقول:

ولله وقتٌ أذهبَ الغش نارُهفلم يبق إلا صارمٌ أو ضبارمُ
تجاوزت مقدار الشجاعة والنُهيإلى قول قوم أنت بالغيب عالم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

اي أن أناساً من الحُذاق لما رأوا إقدامك، وإعمالَك رُمْحك وحُسامًك، يُبيحان لك سلامة الحَوْباء، والظفر أبداً بالأعداء، قالوا إنه لا يقتحم ذلك إلا بعد ما ظل عالماً، أنه لا يئُوب إلا سالماً غانماً. فَحَلَتْ عندهم بذلك عالم غيب، مُتقفيا للعواقب غير ذي ريب وهذا أرفع من منزلة الشجاعة والتدبير.

تظُنُ فراخُ الفُتح أنك زُرتهابأماتها وهي العتاقُ الصلادمُ

اي أن خيالك صعدت الجبال حتى انتهت إلى أعاليها، وهناك وكُورُ العقبان. فلما أشرفت لى تلك الوكور جَمْجَمْتَ، والجمجمة تشبه صَرْصَرة عتاق الخيل، ظنتها فراخُ العقبان أمهاتها. ومما يدلُك على أن الجمجمة تشبه الصرصرة قول الشاعر:

إذا الخيلُ صات صياح النسورهززنا مَراسفها بالجذمْ

وعنى بالفُتح: العقبان. أقام الصفة مُقام الموصوف، لأنها صفةٌ غالبة، تقوم مقام الاسم. وإنما العُقاب فتخاء، للين جناحها. والفَتَحُ: اللين، والصلادم: شداد الخيل: صِلدِم وصِلْدِمة.

أفى كل يوم ذا الدُمُستُقُ مُقدمٌقفاهُ على الإقدام للوجهِ لائمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

اي إن هذا الدمستق في كل يوم يُقدم فيُهزم، ويحُجم فَيسلم وجههُ، ويُضرب قفاه، فالقفا يلُوم الوجه على الإقدام. يقول له: كم تتوجه إلى من قد علمت أنه لك هازمٌ، فتسلمُ أنت، ويهونُ عليك ما ألقاه إذا سلمت أنت. وأراد قفاهُ لائمُ لوجهه على الإقدام فقال:) للوجه (، لأن إضافة القفا غليه تشعر أنه لا يعني من الوجوه إلا وجهه.

بضربٍ أتى الهاماتِ والنصرُ غائبٌوَصار إلى اللبلتِ والنصرُ قادمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

اي أن الضرب الضرب إذا قرع الهام لم تعده نصره، إذ في الإمكان أن يموت صاحبُها، وأن لا يمُوت. فإذا وصل إلى اللبة، هلك لا محالة، فيحنئذ يُعتدُّ بالنصر. وضرب الغيب مثلاً للشك في النصر، والقدوم للتيقن. وكذلك الغائب مشكوك فيه، والحضر متُيقن.

حقرْت الرُّدينياتِ حتى طضرحتهاوحتى كان السيف للرُّمِح شاتمُ

الرُّدينيات: الرماح، منسوبة إلى مرأة تسمى رُدينة، كانت تُركب فيها الأسنة.

يقول: إنما أحبتُ لقاء العدو على قُربٍ معانقةً ومصافحة، لجرأتك وشجاعتك، ولم ترض لن تستعمل في قتاله الرمح، لان ذلك مُشعرٌ بالجبن، لان القتال به إنما هو على بُعد، فاطرحته واستعملت السيف مكانه قال:

) وحتى كأن السيف للرُّمح شَاتِم (

اي لكأنك قد رأيت السيف قد عير الرمح بالضعف والتقضف وقلة الغناء، فَهَان عليك الرمح لذلك، ألا تراه يقول بعد هذا:

ومَنْ طَلب الفتح الجليل فإنمامَفَاتيحُه البيضُ الخِفافُ الصوارِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ومن كلام بعض العرب: الرمح أخُوك وربما خانك. وقال عمرو بن معْدِ يكرب في السيف:

خليلي لم أخنُه ولم يَخُنىعلى الصمصامَِة السيف السلامُ

وله ايضا:

أراع كذا كُل الأنام همامُوسح لهُ رُسل الملوكِ غمامُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

كذا في موضع نصب صفةٌ لمصدر محذوف. اي راع روعاً مثل هذا:

) وسح له رُسل الملوك غَمام (

اي تقاطوا عليه، وقد جاءوه تترى من كل أوب، حتى كأن غماماً سحهم عليه لكثرتهم، اي صبهم، فُرسل الملوك: منصوب على المفعول به، لان سح فعل متعد.

وَرُب جوابٍ عن كتابٍ بَعَثَتَهُوعنوانهُ للناظرين قتامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يعني جيشاً أجاب به عن كتاب، فأنبأهم قتامُه عنه، كما يُنبء عن الكتاب عنوانه.

تضيقُ به البيداء من قبل نشرهومافُض بالبيداء منهُ ختامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

اي انه يملأ البيداء، وهو مجتمع قبل انتشاره، فكيف به إذا انبت وانبعث.

حُروفُ هِجاء الناس فيه ثلاثةٌجوادٌ ورُمحٌ ذابلٌ وحُسامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

اي لا يشاهد فيه إلا هذه النواع، كما لا يشاهد في الكتاب إلا حروفه.

وله ايضا:

بلادٌ إذا زار الحسان بغيرهاحَصَى تربها ثقبنهُ للمخانق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

بلاد: اي هي بلاد، يعني) الثوية (وهي الكوفة وحصاها وهو ذلك الذي يعرف بالفرومي، وهو شفاف حسن. يقول: فإذا زير به النساء في غيرها من البلاد استحسنه فثقبنه ووضعنه في مُخانقهن. وليس الحصى هو الزائر في الحقيقة لان الزيارة إنما هي لمن يعقل، والحس جماد. وإنما أراد زير به الحسن فاتسع بأن جعل الفعل له. وواحد المخانق مخنقة، سميت بذلك، لأنها توضع في موضع الخق من الحلق.

وأغيدُ يهوى نفسه كل عاقلٍعفيف ويهوى جسمه كل فاسقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

اي أنه كامل الحُسن خلقاً وخُلقاً، فحسنه حُسنان رُوحاني، وهو حسن الخُلُق، وجسماني وهو حُسن خلْقه، فأوجب ذلك أن يعشقه العفيف والفاسق، فالعفيف يهوى نفسه، ولها الحسن الخُلُقي، والفاسق يهوي جسمه، وله الحسن الخلقي. ولو اتزن له أن يقول:) كل عفيف (ولم يذكر العاقل؛ لكان أذهب في التقابل لان العفة ضد العقل. وإنما يقابل العاقلُ الأحمق؛ فلا معنى لقوله) كل عاقل (، ولكن لما كانت العفة للجزء المعتدل، وكان الجزء المعتدل يوصف بالقعل، حسُن أن يذكر العقل مع العفة، وإلا فوجه التقابل ما ذكرت لك. وقوله:) وأغيد (: عطفٌ على قوله:) مليحةٌ (من قوله:

) سقتنى بها القُطرُ بلىَّ مَلِيحةٌ (

وإن شئت رفعت أغيد على الابتداء، وخبره مضمر. كأنك قلت: وثمّ أغيدُ.

يُحدثُ عما بين عادٍ وبينهوصُدغاهُ في خدى غُلامٍ مُراهقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح المشكل من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.