تجاوز إلى المحتوى

من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)

شرح المشكل من شعر المتنبي (١٠)

ويُروى:) يحدث ما بين القرون وبينه (. وهي الأمم الخاليه. اي أن هذا الأغيد حافظ واع حسن الحديث، جيد السياق له، فهو يحدث عن الأوائل، ويخبر بأخبار القدماء، وإن كان حديث السن.

وقوله:

) وصُدغاهُ في خدى غلامٍ مُراهِقِ (

كناية عن حداثته وفُتُوته. ويعنى بالصدغ: ما سال من الشعر على خده. وهذه الكناية، وإن كانت حسنة، فإن فيها تكلفاً، كان أقرب من ذلك لو اتزن له أن يقول: وهو مُراهق. فكان يعنى من قوله:

) وصدغاه في خدىْ غلام مراهق (

ولكنه تكلف ذلك، لحفظ إعراب القافية.

يُفرقُ ما بين الكُماةِ وبينهابطعنٍ يُسلى حره كل عاشقِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اي بين الكماة ونسائهم، بطعن يؤلم العاشق، فيُسليه بحرهِ عن المعشوق.

أتى الطعن حتى ما تطيرُ رشاشةٌمن الخيل إلا في نحُورِ العوانق

الرشاشُ: ما أرش من الدم. يقول: ألْحق عقيلا بحلالهم وعيالهم، حتى إنهم إذا أصيبوا بالطعان، طارت دماؤُهم في نُحور الشواب من النساء. وبالف باختصاص الشواب، لأنهن لوازم لزوايا الخُدور، فذلك أغرب.

وَملَمُوسةٌ سيفيةٌ ربعيةٌيصيحُ الحَصَى فيها صياح اللقالقِ

ويروى تصيح الحصى. مَلموُمة: يعني كتيبة مجتمعة لم بعضها إلى بعض، اي جُمع. وقيل مجموعة كالحجر اللملموم. والقولان متقاربان. سيفية: منسوبة إلى سيف الدولة منها.

) يصيح الحصى فيها اللقالق (

اي قد كثر فيها الخيل والرجل، الحصى يصيح تحت حوافر الخيل، وأرجل الرجال، صياح اللقالق: وهي نوع من الطير. واحدها لقلاق. وحقيقة اللقالق: الصوت، فسمي هذا النوع من الطير لقلاقاً بصوته، وكان يجب على هذا) صياح اللقالين (لان واحدهما لقلاق. وإذا كانت الألف وغيرها من حروف اللين رابعة في الواحد، ثبتت ياء في الجمع، نحو حملاق وحماليق، وكُردوس وكراديس، وشملال وشماليل. لكن الشاعر إذا اضطر حذف هذه الياء في الجمع. أنشد سيبويه:

قد قربت ساداتها الروائساوالبكراتِ الفثتح العطامِسا

فكذلك اضطر هذا الشاعر، فحذف ياء) اللقالين (ولا يلتفت إلى قول العامة في واحدها) لقلق (، فإن ذلك خطأ.

وقيل: كانت هذه الكتيبة مَكسوة تجافيف ودروعاً فإذا وضع الفرس حافره على حصاة أطارها، فقرعت تجفافاً أو درعاً، فأشبه صوت وقوعها بالدرع أو التجفاف، صوت اللقلاق. واستعار الصياح للحصى وإنما الصياح للحيوان. ومن رواه) تصيح (اراد تُصيح هذه الكتيبة الحصى، وكان يجب على هذه الرواية أن يقول إصاحة اللقالق، لان مصدر أفعل إنما هو الإفعال، فإن كان الفعل معتل العين، وكان مصدره إفعالة، تحذف العين، ويجعل الهاء عوضاً منها، كقوله أقَالهُ إقاَلَةً، وأقامه إقامةً، لكنه قال: صياح، فجاء بالمصدر على غير فعله، لانه اراد فتصيح صياح القالق، وفي التنزيل) واللهُ أنْبَتَكُم من الأرْض نَبَاتَاً (اي فنبتم نباتاً. ومثله كثير، قد أفرد سيبويه فيه باباً.

وكانَ هَديراً من فُحُولٍ تركتهامثهلبة الأذنابِ خُرس الشقاشقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

اي كان هذا الذي أبدتُه عُقيل من الطغيان والأشر. بمنزلة الهدير للفحول، والفحول إذا هاجت هَدَرَت، وأخرجت شقاشقها، وهي هنوات تخرج بيضاً وحُمراً كالرئة. أنشد ابن دريد في صفة شقشقة حمراء: في جَوْنةٍ كقفدانِ العطارْ الفقدان: أدمة حمراء، تصان فيها أتواع العطر، فشبه الشقشقة في لونها وعظمها لها. والجَوْن: يكون للأبيض والأسود والأحمر.

وإنما قلنا هنا: إنه يصف شقشقة حمراء. لتشبيهه إياها بالفقدان، والفقدان أحمر. فاذا تهادرت الإبل، شُدت أذنابُها وأهلابُها، فسكنت وخَرِست شقاشقها وذلت، فجعل عُقيلا بمنزلة الفحول، وأشرها وتوعُّدها لسيف الدولة كالهدير. وجعل إذله لهم، وتحبيسه إياهم، بمنزلة تهليب الأذناب، وإخراس الشقاشق.

وإن شئت قلت: لما هزمهم، فأدرك بعضاً وفاته بعض، كانوا بمنزلة فحول صال عليها فَحل مُقرم، فهربتْ أمامه، فهلب ما أمكنه من أذنابه اي نسفها.

وله ايضا:

وغيرها التراسُلُ والتشاكيوأعجبها التلُّبُ والمُغارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

اي تراسلوا بما لقُوه من هذا الملك، وشكاه بعضهم إلى بعض، فدعاهم ذلك إلى ترك الطاعة، وغيرهم عن الائتمار لسيف الدولة.) وأعجبها التلبب (وهو التحزم بالسلاح، والمُغارُ: اي الإغارة على الأحياء.

فكُنت السيف قائُمُه إليهموفي الأعداء حدك والغرارُ

اي كنت قبل نفاقهم وشقاقهم، سيفاً مردود القائم إليم، لا تقطعهم ولا تؤذيهم، لان القائم. وفي أعدائهم غرارك: اي حدك وله التأثير.

فأمْست بالبديةِ شفرتاهُوأمسى خلف قائمه الحيارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

البدية والحيار: ماء أن بأرجان. والحيار أقرب إلى العمارة فيقول: سير من الحيار إلى البدية وبها أدركهم، فصار الحيار خلف القائم. والشفرتان بالبدية، ضارباً لهم بالسيف، الذي كان قبل مشاقتهم له يضرب به أعداءهم عنهم.

مضوا مُتسابقى الأعضاء فيهِرُءُوسُهُم بأرجُلهم عثارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

اي أنفصلت أعضاؤهم بعضها قبل بعض، يقُول: تقطعت أعناقهم فبُددت، فتعثرت.

يُغادر كُل مُلتفتٍ إليهولبتُهُ لتعلبهِ وجارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الثعلب: ما دخل من الرمح في جُبة السنان، والوجار: جُحرُ الثعلب وِجَار ووَجَار، حققها يعقوب. وشك أبو عبيد في الكسر. اي إذا التفت اليه المنزِم ليقاتل بعُده وقُربه لم يلبث أن يُطعن به في لبتهِ. فتكون بمنزلة الوجار للثعلب. ويجوز أن يجعل الليلة وجاراً من حيث سُمي ما يدخل من الرمح في جُبة السنان ثعلباً.

وقوله:) وَلبَّتُه لثعلبه وجار (:جملة في موضع الحال، إذا رددتُها إلى المفرد فكأنك قلت: يغادر كل ملتفت إليه مطعون اللبة به، وهو في موضع الفلادو من الصدر.

فهُم حزقٌ على الخابٌو رصرعيبهم من شُرب غيرهم خُمارُ

اي أنهم جمدوا، وأجمدوا خيلهم، فانقطعوا وانقطعت، وأقاموا في هذا الموضع صَرعَى، كانهم شَرْب مخنُوروُن وليسوا بشَرْب، إنما الشَرب رماح سيف الدولة، لأنها التي شربت دماءهم، والخُمار إنما هو للشارب. يسخرُ بهم فيقول: كيف خُمر هؤلاء. وإنما الشاربة رماحُك.

وإن شئت قلت قلت: جعل المهرومين كالمخمورين، لما بهم من الحيرة والكسل والفتور. وجعل الهازمين كالشَرْب، لما نالوا منهم، أو مابهم من الفرح بفلهم لهم، وقتلهم إياهم، كفَرَح الشراب للنبيذ.

يُوسطُه المفاوز كل يومٍطلابُ الطالبين لا الانتارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يوسطه: اي يدخله وسط المفاوز، طلابُه للمهزومين الهاربين إلى الفقار، فهو يطلبهم هناك. يقول: فهذا هو الذي يدخله المفاوز، لا هربه من أعدائه، ولا انتظاره أن يُدركوه. وقوله:) طلابُ الطالبين (: كان الأحسن في الظاهر - لو اتزن له - أن يقول: طلابُ المطلوبين، ولكن هذا يتجه على ثلاثة أوجه: إما أن يكون عنى بالطالبين أعداءه الذي كانوا يطلبونه قبل، وهم الان مطلوبون، وإما أن يكون عَنلا بالطالبين للنجاة، وهم هؤلاء المهزومون، وإما أن يكون) الطالبين (بمعنى المطلوبين، فقد يجيء) فاعل (بمعنى مفعول كما يجيء عكس ذلك كثيراً، فما جاء) فاعل (فيه بمعنى مفعول قولُ بشر بن أبي خازم:

ذكرتُ بها سلمَى فبتُّ كأننيذكرت حبيباً فاقداً تحت مَرْمَس

اي مفقوداً. وأما عكسُه، فنحو قوله تعالى:) إنهُ كانَ وَعدُه مَأْتِياَّ (اي آتياً.

وذكر لي أن المتنبي سُئل عن هذا فقال: عَنيتُ بالطالبين سيف الدولة وكتيبته، وهذا عندي حسن. فطالبين على هذا في موضع رفع اي طلاب الطالبين لعدوهم: كقولك:) عجبت من ضرب زيد (وانت تريد من ضرب زيد لعمرو، فاذا كانوا قد يحذفون الفاعل، ويجتزون بالمفعول، للعلم بالمعنى، مثل قوله تعالى:

) لاَ يَسْأم الإنسانُ من دُعاء الخَيْر (

اي من دعائه الخير، فحذف المفعول وإبقاء الفاعل اولى. فقد جاء المفعول نحذوفاً كثيراً، في مثل قوله تعالى:

رَخِيماتَ الكلامِ مُيتلاتٍجواعل غي القَنَا قَصَباً خدالاَ

مبتلات) بالكسر (اي مُقطعات للكلام، يَبْرْن المنطق نَغْمة، فحذف المفعول ومن رواه) مبتلات (فقد كفاك، لان المبتلة لفظ المفعول، وهي من النساء التي كل شيء منها حسن على حدة، كأن الحُسن) بُيل (على كل جزء منها، اي قطع. وقد اثبت هذا في كتابي الموسوم بالمخصص في اللغة.

وتوطه في المفاوز في أثر المنهزمين يكون كناية عن بعُد همته، كقوله هو فيه:

أكلما رُمتَ جَيْشاً فانْثَنَى هَرَباًتَصَرَّفتْ بك في آثاره الهِمَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»
عليك هَزْمُهُمُ في كل معتركوما عليك بهم عارٌ إذا انهزمُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

وقديكون ذلك كناية هن هديته ومعرفته بالسبلُ والمخادع، حتى لا يفوته الهارب منهم، كقوله هو فيه أيضا حين هزم عُقيلاً:

توهما الأعرابُ صَولة مُتْرَفٍتُذكَّرُه البيداءُ ظل السُّرَادقِ
فذَّكرتَهُمْ بالماء ساعةَ غَبَّرتسَماوَةُ كَلْبٍ في عُيُون الحَزَائِق
وكانوا يرُوعُون الملوك بأن بدواوأن نَبُتَتْ في الماء نبتَ الغَلافِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»
فهاجُوك أهدى في الفلا من نُجومِهِوأبدى بُيوتاً من بُيوت النقانق
غَطا بالعثير البيداء حتىتحيرتِ المتإلى والعشارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

العثير: ماء اي غطى مالُهُمُ البيداء، في هذا الموضع المسمى بالعثير، حتى تحيرت متالية وعشاره: اي أعز أولادها، وذلك لكثرة العدد، وغزارة المَدَد.

وَجيشٍ كلما حارُوا بأرضٍوأقبل أقبلتْ فيه تحارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

اي أن سيف الدولة تبع بنى كعب بجيشه، فكان الكعبيون كلما مروا بأرض واسعة حاروا فيها وكان جيش سيف الدولة كلما مروا بتلك الأرض التي حار أولئك فيها، حارتِ الأرض فيه، وذلك لعظمه، وحمهور أممه، مع ما خالط الكعبيين من الخَوَر، وهؤلاء من التحدث بالظفر. فالضمير في حاروا راجع إلى هؤلاء المتبوعين، وغي أقلب: راجع إلى الجيش. وكذلك الهاء في قوله) فيه (راجعة إليه أيضاً.

وَأجفَل الفُرات بنُو نُميرٍوزأرُهُم الذي زأرُوا خُولرُ

الزئير للأسد، والخُوار للضأن، يقول: كانوا أسداً قبل لقاء سيف الدولة، فعادوا ضأناً عند لقائه. وكنى بالزئير عن الأسد، وبالخوار عن الضأن، لان الزئير والخُوار في هذين النوعين خاصتان، والخالصة دالة على مخصوصها فتفهمه.

فَهثم حِزقٌ على الخابور صَرْعىبهمْ من شُربِ غيرهمُ خُمارُ

قيل معناه: اراد غيرهم، فظنوا انه ارادهم، ففروا وتفرقوا.

والذي عندي أن سيف الدولة أوقع ببني كعب، فذلك معنى قوله:) من شُرب غيرهم خُمار (، وخاف النميريون من مثل ذلك فتفرقوا، فذلك خُمارهم لان الخُمار أقرب إلى الصحو من السكر المُغرق. ففزعُ هؤلاء النميريين اخف من موت الكعبيين.

بَنو كعبٍ وما اثرتَ فيهميدٌ لم يُدمها إلا السوارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

اي أنك وإن نلتهم بمساءةٍ؛ فقد شرفتهم باعتمادك إياهم، واشتغالك بهم، كالكف التي إن أدماها السوار، زينها ذلك وإن آلمها.

وله ايضا:

أيا رامياً يُصمى فُؤاد مرامهِتُربي عداهُ ريشها بسهامِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا راميا يصمي فؤاد مرامه»

يخاطب سيف الدولة. يقول: أيا رامياً يصيب مارامه، فرماه بسهمٍ ريشهُ أجنحة عداه. عنى بالسهم: جيشه، وبريش عداه: سلاحهم الذ سلبهم إياه، وكساه جيشه. وجعل سلاح عداه ريشاً، لكونه عوناً لهم. كما أن الريش عون للسهم، وسوغ ذلك أيضا أن السلاح لباس، واللباس يُكنى عنه بالريش، لقوله تعالى:) وريشاً ولِبَاسُ التقوى (، وكنى بالسهم عن جيشة، لانه يقتل به عدوُه، كما يقتُل بالسهم.

وحسن لن يناديه بالنكرة، لانه قد أطال وصفها، وذهب إلى أنه ليس أحد يستحق هذه الصفة إلا هو. فكأن النكرة هنا معرفة. والعدا: اسم للجمع عند سيبويه، وليس بجمع لان) فَعُولا (لا يكسر على) فِعَل (وإنما جمع عَدُوً، وأما عُداةٌ فجمع عادٍ. حكاه أبو زيد عن العرب. أشمت الله عاديك، اي عدوك.

وما كان على) فاعل (من المعتل اللام، فَفُعَلَة فيه مطردة كقاضٍ وقُضاة، ورامٍ ورُماة. ولا يكون) عُداة (جمع عدو، لان) عدو (فَعول، و) فَعُول (لا يُكسر على) فُعَلة (، ولم أسمع لعادٍ يجيء) عادٍ (عليه، اي لم يجيء) عَدَوته (في معنى) عاديتُه (. ولن هذا عندي على النشب، اي ذو عداوة، ونظيره. فاعل، ونايل، وأشياءُ قد حكاها سيبويه وغره.

وَيَجْعَلُ ما خُولتُه من نَوَالَلما خُولتُه من كلامهِ

اي إن أياديه تُنطقني بجيد وتطلعني على بالغ الشكر، فهو سبب ما خُولته من الكلام. فإن ذا الكلام إنما هو منه، ثم يجازيني بالنوال، على ما اعاننى عليه من المقال. يُغرب المتنبي بذلك وهو كقول البحتري:

فهو بُعطى خيراً ويُثنى عليهثم يُعطى على الثناء جزاء

قوله: جزاء لما خُولته من كلام: أراد) جزاء على ما خولته (، فأبدل اللام مكان) على (ضرورة. ويجعلُ هنا: بمعنى) يُصير (فهي متعدية إلى مفعولين، كقولك: جعلتُ الطين خزفاً.

وله ايضا:

قاسَمتَك المنونُ شخصين جوراًجعل القسمُ نفسه فيك عدلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

ويروى) فيه عدلا (يعني بالشخصين) أختيه (أخذتِ المنون إحداهما، وهي الصغرى، وأبقت لك هذه الأخرى. وهذه المقاسمة جور، لأنه تسورٌ عليه في أهله. إلا أن القسم صير نفسه عدلاً في ذلك الجور بأن أبقى لك الكبرى، وسلبك الصُّغرى، كقوله:

قد كان قاسمكَ الشخصين دهرهُماوعاش دُرُّهما المفدي بالذهبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

ومن روى) فيك عدلاً (: عنى أنه إذا سلمت أنت فلم يأخذك، فذلك الجور عدل، لان من ترك أنفسُ ممن أخذ، إلا أن الجور في ذلك موجود. وإنما كان يكون العدل لو ترك الجميع موفوراً. وإنما هذا العدل على الإضافة، لا على الإطلاق.

خِطبةٌ للحمامِ ليس لها ردٌوإن كانت المُسمَّاة ثُكلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

اي حُلول الحمام بهذه العقيلة، يعني أخت سيف الدولة، خطبةٌ لا ترد، يذهب إلى إعظامها وإنكارها، وإن كانت هذه الخطبة نسميها نحن ثُكلا فليست كذلك في الحقيقة، إنما هي إرادة من النُّور العُلوي، يجذبها ويُصيرها إلى ذاته.

وَكَم انتشت بالسُّيُوفِ من الدهرِ أسيراً وبالنوال مُقلاً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»
عدها نُصرهة علية فلماصال ختلا رآه أدرك تبلا

اي تسورت أنت على الدهر في مظلوميه، فككت أسيره، وجبرت كسيره، وأغنيت فقيره، فأغضبته بمضادتك إياه في افعاله. وفأرصد لك ختلةً ينتهزها منك، إذ عد كل ذلك إنصافاً منه لمظلوميه، ونُصرة عليه لمغلوبيه. فأخذ إحدى أختيك، مكافأة لذلك وعقاباً، فقدر أنه ادرك ذحلا، ونال تبلا.

والهاء في) رآه (: عائدة إلى الدهر، فالفاعل هنا هو المفعول؛ ولا يكون مثل هذا عند سيبويه إلا في الأفعال النفسانية التي في معنى الشك والعلم فرآه هنا: المتعدية إلى مفعولين. وإذا كان كذلك، فالجملة التي هي قوله) أدرك تبلا (: في موضع المفعول الثاني. وختْلا: مصدر في موضع الحال، من باب أتانا غدواً ومُسيا. والانتياش: التخلص والانتفاض.

وَهُوَ الضاربُ الكتيبة والطعنةُتغلُو والضربُ أغلى وأغلَى

اي أن الكتيبة متمنعة ببأسها شديدة؛ فالطعنة تغلو فيها، اي تغلو وتشتد على مريدها منها. فإذا كانت الطعنة الواحدة غالية؛ فالضرب أغلى منها، لان الطعن أمكن من الضرب، إذ هو على بُعد، والضرب على قُرب، وقال:) والطعنة (ثم قابلها بالضرب، احتياجاً لإقامة الوزن. وكان أذهب له في الصنعة - لو اتزن له - أن يقابل الطعنة بالضربة؛ والطعن بالضرب.

وله ايضا:

كُلما رَام حطها اتسع البنْىُ فَغَطى جبينهُ والقذالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

بنى بنياً: مصدر بنى إما أن يكون قد تُكُلم به، وإما أن يكون على الضرورة، لان الشاعر إذا اضطر، كان له أن يرُد مصادر الأفعل الثلاثية غير المزيدة إلى) فَعْلٍ (، وإن استُعمل في الكلام على ذلك زيادة وغير زيادة. مثال ذلك بعُد بعداً، وذهب ذهبا، وكذب كذبا، فيُردّ كل ذلك إلى فعل. هذه حكاية الفارسي.) والجبين (: من أمام الرأس.) والقذالُ (من ورائه.

يقول: كلما رام) ابنُ لاون (ملك الروم هدم هذه القلعة، أوسع سيف الدولة بناءها وأطاله، حتى امتد ظله من أمامه، فغطى جبينه، ومن ورائه فغطى قذاله. اي قذال ملك الروم وجبينه.

وتُوافيهمُ بها في القنا السُّمرِكما وافتِ العطاشُ الصلالا

الصلال: الأرضُون التي لم تُمطر بين أرضين ممطورة. واحدتها صلة، وقيل هي الأمطار المتفرقة. ويروى) الضلا (: وهي بقايا الماء، واحدها ضلل وقيل الضللُ: الماء الجاري تحت الحجر. ويقول: توافيهم بها أو بالمنايا وهي في القنا السمر، ببادر جيشك إليهم بالفتل كما تبتدر الأنفس العطاش بقايا الماء. والعطاش أحرصُ عليها، لأنهم لا يثقون بالري، فلم يتسابقوا.

وقوله: في) القنا السُّمر (: في موضع نصب على الحال، اي مستقرة في القنا السمر، وملتبسة بها، كقولك: خرج زيد في ثيابه: اي لابساً لها، مشتملاً بها، و) كما وافت (أيضاً نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، اي موافاة مثل موافاة العطاش. ولو قال قائل: إن) في (مع قوله:) بها (اسم على حدة) فاعل (مقلوب موضع العين إلى اللام، من هافت الإبل تهاف: إذا عطشت لكان حسناً. وهذا الباب كثير، قد عمل سيبويه وأهل اللغة فيه أبواباً.

فكأن المعنى حينئذ أن الرماح تبتدر شُرب دمائهم، فكأنها عطشةٌ إليها، كما يبتدرُ العطاش الماء.

أبصرُوا الطعْن في القلوب دراكاًقبل أن يُبصرُوا الرماحَ خَيَالاً
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اي رأوا أصحابهم مقتولين، فشاهدوا الطعن فيهم دراكاً قبل أن يروا أشباح الرماح.

وإن شئت قلت: أعجلتِ الرماحُ هؤلاء القتلى أن يتوقعوا قبل ذلك، فيروها في نومهم. يذهب إلى أنه يك هنالك توعُّد من سيف الدولة، ولكن فَجِئهم فقتلهم.

وقد يتوجه المعنى على أنهم أبصروا الطعن في قلوبهم دراكاً بالقرع قبل أن يروا نفس الرماح، كأن القرع قتلهم.

وليس قول من قال إن البيت مقلوب العجز والصدر، لان ذلك فاحش يذهب إلى أنه اراد: أصروا الرماح خيالاً، قبل أن يبصروا الطعن في القلوب دراكاً، استدلالاً بقوله:

يرى في النوم رُمحك في كُلاهويخشى أن يراه في المنامِ
اي عين تأملتكَ فلاقتْكَ وطَرْفٍ رَنَا إليك فآلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

اي أنك مُتهيب، فإذا رأتك العين تغشتها هيبتكُ، ولم تَتمل، منك فتصفك وصف من لقى الموصوف، وأيُّ طرف رَنَا إليك، فأنكر أن شعاعك يغلبه ويهرُه، فيمنعهُ إدامة النظر إليك، وكره عليك كقوله هو فيه:

كأن شعاع ضوء الشمس فيهففي أجسامنا عنه انكسارُ

أراد:) أيُ طرف (، فاجتزأ بالأول عن الثاني، كقولهم، أينا فعل ذلك أخراه الله، أراد) أيى وأيك فَعل (. من أبيات الكتاب:

فأيي ما وأيكَ كان شرافسبق إلى المنيةِ لا يراها
كُلما أعجُلو النذير مسيراًأعجلتهمُ جيادُهُ الإعجالا

اي كلما آب إليهم المنذر بإقبال خيل سيف الدولة مُعْجلا سبقوه، كأن ذلك قد وَقع في روعهم قبل الإنذار، فُتعجِلُهُم خيلهُ عن العجلة التي تكلفُوها للهرب فخيلُ سيف الدولة منهم، في إعجالها إياهم، بمنزلتهم من النذير، في إعجالهم إياه.

رُب أمر أتاك لا تعحمدُ الفُعالفيه وتحمدُ الأفعالا

هؤلاء جيش من الروم، تزلوا على) الَدثَ (فنذروا بعسكر سيف الدولة، فانهزموا، فالانهزام محمود، والمنهزم غير محمود على ذلك، لأنهم فروا وخلوا له سبيله، اضطراراً لا اختياراً. والمضطر غي محمود على فعله، وإن كان فعله في ذاته حميداً. وهذا كقوله هو:

فولى وأعطاك ابنه وجُنودهُجميعاً، وما أعطى الجميعَ ليُحمدا
وَقسى رُميت عنها فردتفي قُلوب الرُّماةِ عنك النصالاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

اي رموك فأخطئوك، ورميتهم أنت فأصبتهم.

أخذوا الطرقَ يَقصَعُون بها الرُّسلفكَان انقطاعُها إرسالاَ

اي لما قطعوا الطُرقٌ، فلم يمكن الإرسال، استمع الناس وتطلعوا إلى عرفان الأنباء، فأحوجهم ذلك إلى إنعام البحث، حتى عرفوا مع انقطاع الرسُل، ما كانوا يعرفون بالإرسال أو اكثر، فكأن الانقطاع صار إرسالاً حين أنتج من معرفة أخبار الأعداء، وما كان يُنجه الإرسال.

ما مضوا لم يُقاتلوك ولكنَّالقتال الذي كَفاكَ القتالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

) لم يقاتلوك (: جملة في موضع الحال، اي هؤلاء - وإن لم يقاتلوك - فما مضوا غير مقاتلين لك. وذلك القتال هو علمهم بظفرك بهم، وعلمهم باعتيادك إبادتهم، وهو الذي حملهم على ترك القتال، فهو الذي كفالك القتال.

فقوله:) القتال (، نصب بلكن، و) الذي (؛ خبر لكن؛ اي، ولكن القتال القديم الذي علموه منك، هو الذي كفاك القتال أن.

والثباتُ الذي أجادوا قديماًعلم الثابتين ذا الإجفالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

اي لما ثبت للهاجمين منهم فبادوا، امتثل هؤلاء خلاف ذلك. خشية أن يحُل بهم ماحل بأوائلهم، فهربوا وأجفلوا، وكانوا من ذوى النجدة والثبات.

بَسطَ الروعَ في النُّهير يميناًفَتَولوا وفي الشمال شمالا

إن شئت قلت: أتاهم الروع من أيمانهم وشماثلهم. وإن شئت قلت: ضاعف الرَّوْع عساكر سيف الدولة في عيونهم، ففروا ولم يَثبُتوا.

وله ايضا:

يَقْمُصن في مثل المُدى من باردٍيذرُ الفُحول وهُن كالخصيانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

القٌماص. والنزوان، حكى سيبويه عن العرب أفلا قماص بالعير، وقال هو مثل هذا الماء الذي ذكر المتنبي) أرسناس (داثم البرد مَشتى ومصيفاً، وكانت هذه الغزوة صيفية. فيقول: إن هذا الماء خصى الخيل، وآلمها البردُ إيلام المدى، وهي السكاكين، حتى قلص ذلك البرد الخصى، فعاد الفحلُ منهن كالخصي. وقال:) من باردٍ (، فوضع الصفة موضع الموصوف، لانه قواه بالنعت، وهي الجملة التي هي قوله:) يذر الفحول (فصارت الصفة كالاسم، بما هيأ لها من الوصفز ولولا ذلك لَقَبحُ. قال سيبويه: لو قلت ما أتاني اليوم إلا قوى، وإلا بارداً، لم يكن في قوة قولك: ما أتاني اليوم إلا رجلٌ قوى، وإلا ماء بارداً.

والماء بين عَجَاجتينِ مُخلصٌتتفرقانِ به وتلتقيفانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يعني عجاجة الإسلام، وعَجاجة الروم ربما جازت النهر فالتقتا، وربما قصرتا عن ذلك فتفرقتا.

ركَض الأميرُو كاُّللجينِ حَبَابُهوَثنى الأعنة وهو كالقيانِ

اي جاوزه أبيض بريئاً من الدم والقتلُ لم يقع بعد، ثم أوقع بالروم فسالت دماؤهم في) أرسناسِ (فاحمر، وةُعَثره للرجوع، وهو من ذلك الدم أحمر كالعقيان، وأراد: ركض الأمير الخيل فحذف المفعول.

وَحشاهُ عادِيةً بغيرِ قوائمٍعُقم البُطُون جوالك الألوان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول حشا سيف الدولة هذا النهر سُعثا سُودا بالقار عُقماً: اي لا تحمل. وإنما أقام السُّفن في هذا النهر مُقام الخيل. وقيل:) عادية بغير قوائم (لان السفن سابحة لا ماشية. ونظير قوله:) حوالِك الألوان (قول الآخر في وصف سفينة:

وإلى نداك ركبُتها زنجيةًكرُمت منابتُ أصلها من عَرْعَرِ
وعلى الدُّرُوب وفي الجرُّجُوع غضاضةٌوالسيرُ ممتنعٌ من الإمكانِ

اي: كان الذي عددنا من أحوالك، وذكرناه من أخبارك على الدروب.

وإن شئت قلت: وعلى الدروب لك آثار أيضاً، إذ في الرجوع غضاضةٌ ونقصان على الراجع، والسير حينئذ صعبٌ لا يُمكن، وقوله:) وفي الرجوع غَضَاضة (و) السيرُ ممتنع (، جملتان في موضع الحال. ولو قال:) والسيرُ ممتنعٌ (، لكان الكلام تاما، لأنه قد عُلم أن الممتنع غير ممكن. ولكن القافية وباقي بناء البيت أحوجاه إلى قوله:) من الإمكان (.

وفَوارسٌ يُحيى الحمامُ نُفُوسهافكأنها ليستْ مِنَ الحيوان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

من شأن الحمام أن يمين ولا يُحيى، لكن هؤلاء الحِمام نفوسهم، بما يتبع موتهم في الحروب من عالي الذكر؛ وجميل الثناء، بحسن البلاء، كقول أبي تمام:

ألفُوا المنايا فالقتيلُ لديهمُمن لم يُخلِّ العيش هو قتيل

وإن شئت قلت: يُحيى الحمامُ نفوسهم، وهؤلاء يُحبونه ويُؤثرونه؛ فكأنهم ليسوا من الحيوان، لان الحيوان يكرهون الحِمام؛ وهؤلاء يحبونه ويؤثرون حُب الحِمام نفوسهم.

حُرمُوا الذي أملوا وأدرك منهُمُآملهُ من عادَ بالحرمانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

اي الذي أملُوه من الظفر بسيف الدولة؛ وأدرك الناجي منهم بنفسه أمله الحادث له حينئذ، لأنه لما حُرم الظفر، وعلم أن سيف الدولة مُظفر به، جعل أقصى آماله السلامة والنجاة بذاته، فمن تهيأ له ذلك منهم، فقد نال أمله الحادث، وإن كان قد حرم ذلك الأول. ونحوه قول أمرئ القيس:

وقد طوفت في الآفاق حتىرَضيتُ من الغنيمة بالإيابِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أرانا موضعين لأمر غيب»

ومن أشعار المَثَل:

الليلُ داجٍ والكباشُ تَنْتَطِحفمن نَجَا برأسهِ فقد ربحْ

وله ايضا:

عُقبى اليمين على عُقْبى الوَغى ندمُماذا يزيدُك غي إقدامكَ القَسمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

كان الدمستق أقسم على أن يلقى سيف الدولة. فلما لَقيَهم انهزم، فَنَدِم على قسمه، فجعله المتنبي مثلاً. يقول: إذا حلقت أن تلقى من لست قِرنا له مُوازياً، ولا كُفُؤاً مساوياً، ندمت على ما فرط منك من حلفك. ثم قال: ماذا يزيُدك في إقدامك القسمُ؟ اي لا تقسم فإن ذلك لا يزيدك في إقدامك؛ بل ربما أعقبك الندم، وهذا نحو قول العرب: الصدق يُنبئ عنك لا الوعيد.

وقوله:) على عُقْبى (متعلقة باليمين وإن يُستعمل منه فعل. وحروف الجر إنما تتعلق بالأفعال والأسماء المشتقة منها. لكن جاز تعلُّقُها باليميمن، لان في اليمين معنى الحَلفِ؛ فكما تتعلق بحَلَف؛ كذلك تعلقت بما هو في معناها. والعُقبى: العاقبة.

وَلى صَوَارِمهُ إكذاب قَولهِمُفُهن ألسنةٌ أفواهُها القمَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

كان زعيم الروم أقسم ليغلِبنَّ سيف الدولة أو لا يبرحُ؛ فكان الأمر بخلاف ما أقسم عليه ليكُونن، فأعقب ما كان من ذلك القسم، أشد ما يكون من الندم. فيقول: ولى سيفُ الدولة صوارمه إكذاب قول هؤلاء، بإصارتهم إلى الحنث، لأنهم واقعُوا، لم يلبثوا أن انهزموا، قال:) فهُن ألسنةٌ (يعني السيوف، شبهها بالأسنة في الصورة والمضاء، وجعل هامهم الملقة بها، بمنزلة الأفواه التي تكون بها الألسنة، وجعل عمل السيوف في الهام، بمنزلة الفُتياَ المرخصة لهم في الهرب.

ومما شبه فيه السيف باللسان قول الشاعر:

وسيفي من خوض الدماءكأنه بكفي لسانُ الذيبِ أولغه الدمَّا

وما شُبه فيه السنان باللسان أيضاً قوله:

وأسمرُ في رأسه أزرقٌمِثلُ لِسَانِ الحية الصادى
وَشُربٌ أذكُتِ الشعري شكائمهاوَوَسَّمَتْها على آنافِها الحَكمُ

اي أحمى طلوع الشعري العبُور، وهو أوان اشتداد الحر، وانقطاع المطر، شكائم هذه الخيل الضامرة والشكائم: فئوس اللُّجُم، واحدتها شكيمة وقيل: الشكائم: الحكَم، فاستحرت الحكم حتى عادت كالمكواة، فوسمت آناف الخيل، كما يسمها الكاوي بالنار.

حتى وَرَدْنَ بِسمنينٍ بُحيرتهاتنش بالماء في أشداقها اللُّجُمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

اي أن الخيل شربت من بُحيرة سُمنين. فغلا ذلك الماء في أفواهها باستحرار اللجم التي في أشداقها، كان ذلك الحر الذي في الحديد هو الذي أحمى الماء فغلى في أفواه الخيل.

وأصبحت بقُرى هنزيط جائلةترعى الظُبا في خصيبٍ نبتُه الِّمَمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الخصيب هنا: الهامُ، ونبتها الشعر. والخصيب كناية عن كثرة الشعر. وإنما عنى أن هؤلاء القتلى شباب لم يصلعُوا بعد، وهم يكنُون عن كثرة الشعر وسواده بالخصب، وعن ذد ذلك بالمَحْل فمما جاء في ذلك قولُه:

رأت أقحوان الشيب فوق خَطِيطةٍإذا أمطرت لم تستكن صُوأبها
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «هل يرجعن لي لمتي إن خضبتها»

شبه رأسه حين صلع بالخطيطة، وهي الارض التي تُمطر بين أرضين ممطورتين. وإذا لم تُمطر لم تُنبت. وقال:) تستكن صُؤابها (: اي أنه ليس هنا شعر فيستتر فيه الصؤاب لو مُطر، ولا نعلم أحداً شبه الشيب بالأقحوان إلا هذا الشاعر: قال أبو النجم في تشبيهه قلة الشعر بالجرب) أجرب الفإلى إذا الفإلى فلا (كقولك: أهيجتُ الأرض: وجدْتُها هائجة النبات وله نظائر كثيرة.

فَمَا تركن بها خُلداً لهُ بصرتحت التراب ولا باراً لهُ قدمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

استثارت هذه الخيل من مُنهزمي الروم من وَلَجَ بطن الارض، وسلك الأخاديد، فصار بتخلله التراب، بمنزلة الخُلد وهي الفأرة العمياء، إلا أن الخلد هنا إنسان وله بصر، إنما أخرجه بقوله:) لهُ بصر (من نوع الخلد إلى نوع الانسان إذهو المختبئ في التراب، وليس يُخلد في الحقيقة، إنما هو إنسان، وإنما شبهه بالخلد فيما ذكرت لك. وكذلك أنزلت منهم صقر الخيل والعُقاب، فصار بازًا في تسنُّمه المراقب، كتسم البوازي، إلا أن له قدماً، إذ ليس بباز في الحقيقة. وبقوله:) قدم (أخرجه من نوع البازي إلى الإنسانية، كما أخرجه من نوع الخُلد بقوله:) له بصر (وهذا الاخراج مليح، وإن كان قوله:) له بصر (و) له قدم (، من باب الرسم لامن باب الحد، فقد أحال، فتفهمه، فإنه لطيف.

ولا هزبراً لهُ من دِرعه لِبدٌولا مساةً لها من شِبهها حشم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

اي: درعه له كاللبدة للأسد،) ولها من شبهها حشم (: اي: جوارٍ مثلُها في الحسن والسن يخدُمنها. وبقوله:) من درعه لِبدَ (أخرجه من نوع الأسد، لان الأسد لا يدرعُ. وبقوله:) لها من شِبهها حشم (عرضان، ليسا برسمين، كالبصر والقدم الذي قبله، لان البصر والقدم جوهران.

عبرت تقدُمُهُم فيه وفي بلدٍسُكانهُ رممٌ مسكونُها حُمَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

والحُمم: الفحم؛ واحدته حُمة بالهاء. سمي بذلك لسواده. اي قتلتهم وأحرقت منازلهم؛ فلم يبق من أنفسهم إلا أعُظمُ رمم، وهي البالية، ولم يبق من منازلهم إلا ماعاد حُمما. فالأعظم هي الساكنة لأنها جزء من السكان، والمسكونةُ هي الحمم، لأنها جزء من المساكن.

وما أحسن ما قابل به بين الرمم والحُمم: لفظاً ومعنى. وقوله:) سكانها رممُ (جملة في موضع النعت لبلد. وقوله:) مسكونها حُمم (: جملة في موضع النعت لرمم. فكأنه قال: في بلد خال مُحرق.

وفي أكفهمُ النارُ التي عُبدتقبل المجُوس إلى ذا اليوم تضطرمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

سبه السيوف بالنار في صفائها والتهابها وقوة تأثيرها. وقوله:) عبدت قبل المجوس (: كلام صحيح، لان الحاجة إلى السيف طبيعة، وعبادة المجوس النار شريعة، والطبيعة أقدم من الشريعة، وإن لم تكن هذه السيوف المحدثة الآن، هي السيوف التي استعملت قبل عبادة المجوس النار، وإنما أراد التي عُبدت أفرادُها من السيوف، أو عبدت أمثالها. ومعنى عبادتها: القول بها، والاستغاثة إليها.

وقيل: اشتمالهم بها: كاشتمال الاسلام بالمصاحفن والنصارى بالإنجيل، ونحو ذلك من أنواع الشعار الإلهي.

وقيل، معنى) عُبدت قبل المجوس (، إنما ذهب إلى أنها عتيقة قديمة.

تلقى بهم زَبدَ التيار مُقربةٌعلى جحافلها من نصحهِ رثمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يعني زوارق يحثُها سيف الدولة لأصحابه، حتى عبروا عليها هذا النهر. والرثمُك بياض الشفة العليا، والجحْفلةَ للفرس: كالشفة للإنسان، يقول: جُزت بهم التيار على هذه الزوارق. والتيار: هو الموج يقذف على مقادم هذه الزوارق، والسُّمَيريات بالزبد، وهو أبيض، فكأن ذلك الزبد عليها رثمٌز ثم جعل الزوارق مُقربة الخيل، لأنهم كانوا يعبُرون عليها هذه الأنهار بالخيل، فأقام هو الزوارق مُقام الخيل، فاستجاز لذلك أن يصفها بالمقربة. ولما جعلها خيلاً مُقربة، استجاز أن ينسب إليه أعضاء الخيل وشباتها. فجعل لها حجفلة، إنما هي الخيل، وجعل لها رثما حين جعل لها جحْفلةز والنضج: مارمى به الزبد. يقال: نضحَ ونَضخَ: وقيل ما كان فعلا فهو نَضح؛ بالحاء غير معجمة، وما كان اسما فهو بالخاء معجمة. وهكذا رُوى هذا البيت عنه.

فإن قلت: كيف قلت إن المقربة هنا زوارق، وهو يقول عقب هذا البيت:

تجفل الموجُ عن لبات حيلهمكما تجفلُ تحت الغارة النعمُ

فأنبأ أنهم عبروا على الخيل. وقال في موضع آخر وذكر هذا العبور:

حتى عبرن بأرسناس سوابحايَنُشرون فيه عمائم الأبطال

فالقول عندي: أن بعضهم عبر على الخيل، وبعضهم على زوارق. وقد يجوز أن يكون قوله:) تجفل الموجُ عن لبات خيلهم (: عنى فيه الخيل الزوارق، على ما تقدم في البيت الأول.

ومما يدلك أنه عنى الزوارق قوله بعد هذا:

دُعمُ فوارسُها رُكابُ أبطنُهامكدُوُدةٌ وبقوم لا بها الألمُ

فالخيل لا تُركب بطونها، وإنما يُركب منها الظهور. وأراد المتنبي بقوله: ركاب أبطنها: أن يفصلها من أنواع الخيلز وقوله:) بقوم لا بها الألم (: إنما الم بالقنا لا بها وإن كُدت. وقيل الألم بالقوم العاملين فيها.

من الجيادِ التي كدت العدُو بهاوما لها خِلَقٌ مِنها ولا شِيمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

اي السفن مبلغة لك من عدُوك، ما أبلغتك الخيل منهم، فهي من الخيل بمشاركتها إياها في ذلك. لكن لا تشبهها في حلقة ولا خليقة. الخيل حيوان، والسفن عيدان.

صَدَمتهم بخِميس أنت غُرتُهُوسمهريتُهُ في وَجْهه غَمَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

انت غُرته: اي انت أمامه، فكنى بالغرة عن التقديم والشهرة. ولما جعل للخميس غُرة، فوصفه بما هو من شيات الخيل، استجاز أن يصف بالغَمَم، وهو كثرة شعر الناصية. فجعل الرماح المشرعة في وجهه بمنزلة الشعر الكثير. وجعل الغمم وهو عرض، خبراً عن السمهرية، وهي جوهر تجوزاً وكأنه أراد، وتكاثفلإ السمهرية في وجهه غمٌ. لكنه حذغ المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. ونظيره قوله تعالى:) وَلَكِنَّ البِرَّ من آمَنَ باللهِ (اراد: ولكن) ذا البر من آمن بالله (، ولُيقابل الجوهر بالجوهر، والعرض بالعرض. ولذلك اعتقد النحويون الحذف في مثل هذا.

فلا سقى الغيثُ مَاوَارَهُ من شجرٍلو زال عنهُ لوارتْ شخصه الخمُ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح المشكل من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.