من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)
شرح المشكل من شعر المتنبي (٤)
وقوله: فتركنا: معطوف على طلبنا، ولا يكون معطوفا على رضينا لفساد المعنى، وأن) الذي (لا يعود عليه من المعطوف على صلته شيء.
فأنت وحيدُ بني آدموَلست لفقد نظير وحيدا
أي: واحدهم في الفضائل، وكرم الشمائل، ولم يحترم الزمان نُظراءك بل لك نظراء في حب المجد، والسعي إلى ابتناء الحمد، ولكنهم لم يُؤتوا من ذلك ما أوتيته ولا حُبوا بما حُبيته، وليس أوانك خلواً من السادة، فتكون أنت إنما سُدت لُخلُو الوقت من ذوي السيادة، لأن تلك السيادة لا تتبين لها مزية. وإنما الفخر أنك ذو نظراء، وأنك مُوفٍ عليهم، بخلاف قول الشاعر:
خَلتِ الديارُ فَسُدت غير مُسَوَّدٍومِن الشَّقاء تَفَرُّدى بالسُّوْدَدِ
وله ايضا:
حَدَقٌ يُذِمُّ من القواتل غيرهابدرُ بنُ عماَّر بْن إسماعيلا
أي إنه يُذم كل مظلوم فيُقيده من واتره وينصفه. إلا من قتلته هذه الحَدَق، فإن هذا الأمر على جلالته، لا يقوى مظلومها ولا يُقيدُ قتيلها وهذا نحو قوله في سيف الدولة: وقوله:) بمخبرتي مجتزئٌ (: كقوله:
ذَرَاني والفَلاةَ بلا دليلٍوَوَجْهي والهجير بلا لثامِ
ورفع ذلك كله بإضمار مبتدأ، أي أنا مرُتدٍ بمخبرتي مشتمل... الخ.
أصْبَح مالاً كمالهِ لِذوي الحاجَةِ لايُبتَدى ولا يُسَلُ
أي نصرفه على احتكامنا واقتراحنا، كما يصرف ماله، فلا هو يبتدئنا بالعطاء، ولا نستأذن بدراً في أخذ ماله. فقد استوى هو ومالهُ في أنهما لايُستأذنان، ولذلك قالت العربُ: ما هو إلا هشيمةُ كرم؛ أي يأخذه الواردُ كيف شائ، لا يعسر عليه منه شيء، كما أن الهشيمة، وهي العود اليابس لا تتعذر على مُحتطبها ولا تحوجه إلى تعب في تناولها.
إن أدْبرت قُلتُ: لا تليل لهاأو أقبل قلت: مالها كَفَلُ
التليلُ: العُنق وما يليها من الصدر، أي صدرهل المقبل يَحْجُزُ عن كفلها، وكلفها المُدبر يحجز عن صدرها، فلأنت من حيث تأملتها رأيتها مُشرفة، والمستحب من الفرس أن تهتز مقبلة وتنصب مدبرة، فباهتزازها مقبلة يخفى الكفلُ، لإشراف التليل، مابا نصبابها يخفى التليل لإشراف الكفل.
أنت نَقِيضُ اسْمهِ إذا اختلفتْقَواضبُ الهِندِ والقَنَا الذُّبُلُ
جعل اسمه وهو بدر، دالاً على صورته وطبيعته. وذلك أن البدر إنما يسمى به القمر إذا قابل الشمس فانتلأ نوراً، وهو مع ذلك سعدٌ لا نحس.
يقول: فأنت خلافُ هذا الاسم، أي خلاف طبيعة المسمى بهذا الاسم في الحرب، لأنك في السلم طلق نير، وحظك السعادة، وتلك طبيعة البدر وفي الحرب عَبُوس مُهلك، وتلك طبيعة زُحل. فأنت في الحرب على غير ما انت به في السلم طبيعة. فقد وجب لاسمك في الحرب أن يكون غير اسمك في السلم. وقال:) أنت نقيض اسمه (لم يقل؛ ضد اسمه، لأن النقيض أشدُّ مباينة لنقيضه، من الضد لضده.
أنت لَعْمري البدرُ المنيرُ ولكَّنكَ في حَوْمةِ الوغَى زُحَلُ
أي أنك سعد في السلم، وشيمتك في الحرب ضد ذلك، وليس بالبدر ولا بُزحل في الحقيقة، وإنما عنى بالبدر إنه مُسعد، وبزُحل إنه مُنحس، والمنير هنا: مفيد لأن البدر قد يتلبسه الغيم فلا يُنير.
مَدَدْتَ في راحة الطبيب يداًوَما دَرَى كيف يُقْطعُ الأملُ
أي كُّفك مجتمع الآمال قد اتصلت بها، كأن عُروقها قد صارت آمالا، والطبيب لا معرفة له ببعض الآمال، ولا بمعاناتها، إنما يعانى الأبدان، فلا تلحقنه ملاما، لأنك كلفته مالا يُحسن، والانسان إنما بلام على تقصيره فيما يُعزى إليه علمه، فإن قصر فيما ليس من علمه فغير مَلوم.
وقوله:) كيف يقطع الأمل (لم يُرد القطع المُفسد، وإنما اراد كيف يقطع الأمل للإصلاح.
وله ايضا:
فَماَ حاولتُ في أرض مُقاَماًولا أزمعتُ عن ارضٍ زَوَاَلا
أي أني ملازم لظهر بعيرى، فكأنى مقم، وأنا مع ذلك سائر. فإمكاني يتقسم ما بين الحالين. لأنى لا ظاعينٌ ولا قاطن.
إلى بد بنِ عمار الذي لَمْيَكُن في غُرُةِ الشَّهرِ الهلالا
البدرُ يبدو هلالا ثم يتزايد، ولا يسمى بدراً حتى يكمل، وبدر بن عمار لم يك قط هلالا، بل لم يزل كاملا. وهذا مقطع شعري، لأنه لم يك قط هلالا ولا بدراً. وكأنه لم يزل بدراً، لأن لم يزل اسمه. وهذا البيت وإن كان المقصود به المدح ظاهراً فقد يجوز أن يقصد به الذم باطنا. لأنه لا بدر على الحقيقة إلا وقد كان في غرة الشهر هلالاً. وهذا لم يكُ هلالا، فليس إذن بدراً.
فالحاصل له من ذلك، إنه بدرٌ بالتسمية، لا بالطبيعة، فيكون ذلك مقتضيا للُهزُؤ، فخرج مُشبها لقوله:
وفارقتُ شَرَّ الارض أهلاً وتُربةًبها عَلَوىٌّ جَدُّه غيرُ هاشمِ
جَوابُ مُسائلي ألهُ نَظِيرٌوَلا لك في سثؤالك لا، ألا، لا
تقديرُ البيت: جواب مُسائلي:) أله نظير (: ألا، لا، أي ليس نظير، فلا جحدٌ، وألا: استفتاح) ولا لك في سؤالك (نظير، لا، أيها السائل، فلا الثانية توكيد، وإنما حاجة الكلام: ولا لك أيها السائل نظير، إذا شككت في إنه لا نظير له، حتى أحوجك ذلك إلى السؤال. فقوله:) ولا لك (معطوف على قوله:) ألاَ، لاَ (فعكس، بأن قدم المعطوف على المعطوف عليه.
وَقَاَلوا: هل يُبَلِّغُك الثُرياَّفقلتُ نعم إذا شئتُ استِفالاَ
اب أنا معه فوق الثُريا، فإذا أردت أن يبلغني إياها، فإنما أبلغها بأن يحظنى إليها، فإنا لا أريد منه بلوغ الثريا، إلا أن أشاء التسفٌّل لأن العالي لا يبلغ ما هو أخفض منه إلا بأن يُحط إليه.
وهذا كقوله:
فَوقَ السماءِ وفوقَ ما طَلَبُوافإذا أرادوا غايةً نَزَلُوا
أي أن عُلُوهم الآن فوق كل غاية، فإذا ارادوا غاية محدودة، نزلوا إليها، إلا أن هذا البيت الآخر أفخم معنى. وأصل ذلك قول البحتري لمجمد ابن علي:
لمحمدِ بن عليٍّ الشرفُ الذيلا يَلْحَظ الجَوْزاء إلا مِنْ عَلِى
أي إنه فوق الجوزاء، فاذا لحظها فانما يلحظها من فوقها.
فَقَد وَجِلتْ قُلوبٌ مِنكَ حَتَّىغَدَتْ أوجَالُها فيها وِجَالا
أي وجلت قلوبهم، حتى عددتْ أوجالهُم؛ فوجلت الأوجال، وهذه مبالغة كقولهم: جُنَّ جُنُونه. وقالوا: شر ٌ شاعر. مثله كثير حكاه سيبويه وسائر اهل اللغة. قال سيبويه: سألت الخليل عن ذلك، فقال: ارادو المبالغة والإشادة. ورجال: جمع وَجل كوجِع ووِجاع ولو قال: وَجَإلى؛ يريد جمع وَجِل، لكان كَحنِجٍ وحَبَاجَى وحبطٍ وحَباطَى.
يُفارِقُ سَهَمُك الرَّجل المُلاقىفرَاق القَوسِ ما لاقى الرِّجالا
أي إن سهمك كلما لاقى رجلاً خرقه ونفذ منه على ما هو به من قوته الأولى عند فراق القوس، وذلك دأبُه ما لقى الرجال وإن كثروا. يصفه بجودة الرمى وقوة النزع. فما: منصوبة على الظرف، والقوس: في موضع نصب. أي فراقه القوس. فأضاف المصدر إلى المفعول، كقوله تعالى) لاَ يسْأَمُ الإنْسانُ مِنْ دُعَاء الخَيْر (.
وله ايضا:
أفْدِى المُودِّعَةَ التي أتْبَعْتُهانَظَراً فُرادى بين زَفْرَاتٍ ثُنَا
أي حضر الرقيبُ فحذره، فقلت نظراته، وغلبت الحسرةُ، فكثرت رفراتهُ. حتى كانت الزفرات ضعف النظرات. فلذلك جعل النظرات فرادى. والزفرات ثُناء. واحتاج إلى قصر) ثُناء (وثناء معدُول عن) اثنين اثنين (المقتضية) ثِنتين ثِنتين (، ولا تكون معدولة عن) اثنين اثنين (لأن المعدول بعدد المعدول عنه. وقال. زفرات فأسكن الفاء للضرورة، كقول ذى الرُّمَّة:
أبتْ ذِكراً عَوَّدْن أحشاء قلبِهخُفوقا وَرَقْصَات الهوى في المفاصلِ
وَتَوقَّدَتْ أنْفاسُنا حَتَّى لَقَدْأشْفَقْتُ تَحَتَرِقُ العَواذِل بَيْنَنَا
أشفق من احتراق العَذُول مع شنآنه له، خشية أن يتم احتراقه بما هما عليه من توقد النفس. فقال: إن العواذل إنما احترقن بتوقد أنفاسهما عند التقائهما، وأراد) أن تحترق العواذل (أي) من أن (فحذفها، وأبطال عملها بحذقها. وإن شئت نصبت الفعل على مكان) أن (فكانت بمنزلة مُوثر غاب وبقي تأثير دالا عليه.
مَن لَيْس مِنْ قَتْلاَهُ من طُلَقَائِهمَنْ لَيس مِمَّنَّ دان مِمّن حُيِّنَا
يقول: عداه قتلاه وأسراه، ومن أفلت منهم فإنما هو طليقُه، بصفحه عنه.
) ومن ليس ممن دان حُينا (دان الرجلُ: أطاع. أي من لم يكن من دائنيه فهو من مُحينيه. واراد: دَانَ له، فحذف للعلم بها. ومن هنا بمعنى الذي، كأنه قال: الي ليس من قتلاه معدود في طلقائه، والذي ليس من دائنيه مُحين. فقوله:) من طُلقائه (في موضع خبر المبتدأ، الذي هو) من (الاولى. وقوله: ممن حُينا خبر مبتدأ، الذي هو) من (الثانية.
وَقَطعتُ في الدُّنيا الفَلاَ وَرَكائبيفيها وَوَقْتى الضُّحى والمَوْهِنَا
أي أفنيت الأمكنة والأزمنة والركائب. وكان يجب أن يقول: ووقتى الضحى والمَوْهن لأن المْوِهن نحوٌ من الزمن الليلي، وفصف الليل. والضحى: أولُ الزمن النهارى. فقابل هو المَوْهِن الذي هو نصف الزمن. الليليّ، بالضحى الذي هو اول الزمن النهاري ولو قال قائلٌ: عنى بالضحى اليوم كله، وبالموهن الليل كله، وأقام الجزء مقام الكُل، كما أقيم الكُلُّ مقام الجزء في قوله تعالى:) وَإنَّكُمْ لَمَرُّوْن عَلَيهِمْ مَصَبِحِيْنَ وبالليل (من سورة الصافات لكان جائزا، فتفهمه فإنه لطيف.
أمْضى إرادتهَ فَسوفَ لهُ قدٌواسْتَقْرب الأَقْصى فَثَم لهُ هُنَا
إن شئت قلت: متى قال غيره: سوف أفعل هو: قد فعلت فسبق. ومتى قال غيره: ثم الجم أو السماء مستبعدا، قال هو -) هُنا (مستقربا.
وإن شئت قلت: إذا نوى أمراً سابق نيته بفعله، فصار المستقبل ماضياً، ومتى لخظ أمراً بعيداً أعمل عزمه، فقُرب عليه قتناوله.
نِيطَتْ حَمائِلُه بِعَاتق مِحُرَبٍمَاكَرَّ قَطُّ وهَلْ يَكُرُّ وَمَا انثنَى
إنما يكون الكرُّ بعد النثناء فالا علةٌ له، فاذا لم يكن انثناء لم يكن كرُّ، لأنه إذا ارتفعت العلة ارتفع المعلول، فيقول: هذا المحرب ماكرَّ لأنه لم ينثن، فيُعقب الانثناء بالكرِّ.
تَتَقَاصَر الأّفْهَامُ عن إدراكِهمثل الذي الأفلاكُ فيه والدُّنَيا
غاية ما أدركت الأفهام، الفلك وما فيه، فأما ما هو فيه، فلم يُدركه وهم ولا فهم: فيقول: إدراكهُ مُعوز كإدراك ما فيه الدنيا والفلك. والدُّنا: جمع الدنيا، كالعُلا جمع العُليا، وهذا مُطرد.
لايستكن الرعب بين ضلوعهيوما ولا الإحسان ألا يُحسنا
أي لا يتصور الخوف بين ضلوعه، ولا يتصور أيضاً بينهما العلم بألا يحسن. بل هو محسن لأن يُحسن، وغيره محسن الا يحسن أي الإحسان غلبه. والإحسان هنا أن يكون المعرفة، كقول فلان مُحسن لعلم كذا، ويجوز أن يكون الإحسان الذي هو ضد الإساءة، فكانه قال في كل ذلك: ولا يحسن ترك الإحسان؛ إنما يُحسن الإحسان. وهذا كقول الآخر أنشدناه ابو الفتح:
تُحْسِن أن تُحْسِن حتى إذارُمْتَ سِوَى الإحسان لم تُحْسِن
إلا انةهذا البيت بعيد، لأنه نسب إلى الممدوح مرام غير الاحسان.
سَلَكتْ تَماثيل القِبابِ الجنُّ منْشَوق بها فأدَرْن فيك الأعْيُنا
أي سلكت الجن صور القباب، لتنظر إليك شوقاً، وإنما قال:) تماثيل القباب (ولم يقل) القباب (، لأنهم يزهمون أن الجن تألف التصاوير الموضوعة على أشكال الحيوان. وقد قيل: إنما كره اتخاذها في الثياب والمستور والبُسُط لهذا.
وَعَجَبتُ حتى ما عجبتُ من الظُّباورأيتُ حَتى ما رأيتُ من السَّنا
الظُّبا: السيوف. والسنا: الضوء. أي عجبت من السيوف حتى أنستُ بالعجب، وأخلدتُ اليه، فلم أعجب بعد، ورأيت لمعانهن حتى عُشى بصرى فلم أرى. فصدر البيت كقول ابى تمام:
على أنها الأيام قد صِرن كلهاعجائب حتى ليس فيها عجائب
فَطنَ الفؤادُ لما أتيتُ على النَّوىولِما تَركْتُ مَخافةً أن يَفْظنا
أي لم تقتصر على العلم بما صنعتُ، حتى علمت ما تركته مخافة أن يفطن به. وقيل معناه: قد علمت ما كان من شكرى وثنائي عليك، وهو الذي فطن فؤادك له. وكذلك فطن أيضا لما تركته؛ خوفاً أن يفطن له، من تَنَقُّصك ايضا، فلو لم يكن تركي لذلك إلا مخافة أن يفطن فؤادك له، فكيف وطبيعتي فيك خلافُ ذلك. والبيت يقتضي أنه قد كان هنالك شيء من الإخلال بقدر بدر بن عمار. ويقويه قوله:
أضْحَى فراقُك لي علَيهِ عُقوبةليس الذي قاسيتُ شَيئاً هَيِّناً
أي عُوقبت على تقصيري عن واجبك، بفراقك الشديد على الكُره إلي، فليس الذي لا قيته من ذلك بهين، أي بيسير. ولا يريد الهين الذي هو ضد العزيز.
وله ايضا:
يَتَداوى من كثرة المال بالإقْلالِ جُودا كأن مالاً سَقَامُ
أي يتشافى بالجود، حتى كأن المال مَرضُ يبغى إزالته، والإقلال بُرء يطلبه.
وقوله) كأن مالاً سَقَامُ (اراد كان وجود مال، لأن المال لا يقال له سقام إذ هو جوهر والسقام عَرَض.
حَسَنٌ في عُيونِ أعدائه أقْبَحُ من ضَيفهِ رَأتْهَ السوامُ
أي هو حسن الصورة غاية إلا في عيون أعدائه، لعلهم بإهلاكه إياهم أقبح من ضيفه في عيون السوام، لعلمها إذا رأت الضيف أنها منحورةٌ، كقول الشاعر:
حبيبُ إلى كلب الكريم مناخُهُبَغِيض إلى الكَوْمَاء والكلب أيصرُ
ومثله كثير. فقوله:) في عيون أعدائه (: ظَرف لأقبح، ولا يتعلق بحن، لنه في عيون أعدائه. وتقدير البيت: حسن في عيوننا معشر أحبابه ومن لا يَشْقى به، لكنه بخلاف ذلك في أعين عداه. وقد بالغ بالقُبح ولم يبالغ بالُحسن، لأن قبْحه في عيون أعدائه، وأمدح له من الحسن في عيون أحبابه.
وَعَوارٍ لوامعٌ دَمُها الحِلُّوَلكنَّ زِيها الإحْرَامُ
اللوامع: السيوف لبريقها. ووصفها بالعرى: لاعتيادها مفارقة أغمادها.
وعوارٍ: جمع عار، لا جمع عُرْيان فُعلان لا يكسر على) فواعل دمُها الحال (: أي أنها مستحلة للدماء، على أن زيها الإحرام: أي أنها مجردة أبداً كالُحرم والمحرم لا يسفك الدماء. فقد اجتمع في هذه السيوف طبيعة الحل وزيُّ الإحرام.
وَمنَ الرُّشد لَم أزُرك على القُربِ عَلَى البُعْدِ يُعرفُ الإلمَامُ
كأن قريباً منه فلم يزُره، ثم بعد فزاره، ليكون ذلك أدل على إجلاله وإعظامه له، فأوجبه. وأراد: من الرُشد أنى لم أزُرك. وقوله) على البعد (: متعلق بيعرف. وعلى القرب متعلق بأزرك.
وله ايضا:
تَخْلُو الدِّيارُ من الظباءِ وَعنْدَهمِن كل تَابِعةٍ خَيالٌ خاذلُ
كنى بالظباء عن الحسن. أي تخلو الديار ممن كان بها. والخيالُ غير مفارق لي. وكنى بالتابعة عن صغارها، لأن الجداية وهي الصغيرة من الظباء تتبع إمها. ولما جعل المراة غزالة جعل الخيال خاذلاً، كما تخذُل الظبيةُ عن القطيع، أي تتأخر.
وإن شئت قلت: جعل الخيال بمنزلة ولد والغزال، وربة الخيال بمنزلة الغزال. فتابعة بمعنى متبوعة على هذا القول. وجعلها الخيال بمنزلة الولد لها تعسُّف لأن الخيال رُوحاني، فهو ألطُ من رؤية الخيال كما أن الصغير الجسم ألطفُ من الكبير. وخاذلُ: أي خذلها وزارني. فمن - على هذا - تكون للتبعيض وللجنس، فَتَفَهَّمْه.
كَفأنَنَا عن شِبهِهِنَّ مِن المَهَافَلَهُن في غَيرِ التُّراب حبائلُ
كافأننا: من الكُفُؤ، وهو المثل، والمها: بقر الوحش: يشبه النساء بهن في سواد الحدق. والحبائل: الشرك، واحدتها: حبالة، لي صدنا المها وهن أشباه النساء، بحبائل منصوبة لُهن في التراب، فكافأننا عن فعلنا بأشباههن بأن صدننا كما صدناهن، طلباً بثأرهن، إلا أن النساء صدننا بحبائل لم تُنصب لنا في التراب وهي الأعين والخدود وغيرها من المحاسن الظاهرة، كالمباسم والأعطاف والقدود، وكلهن حبائل إلا انها لا تثبت في التراب.
مِنْ طَاعنى ثُغر الرجالِ جآذرٌوَمِنَ الرِّماحِ دَمَالجٌ وَخَلاَخِلُ
كنى بالجآذر هنا عن النساء، كما كنى عنهن في البيت الذي قبله بالظباء أي ينبغي أن تعدُ جآذر الإنس من طاعني ثُغر الرجال، لأنهن يفعلن من القًَتل مالا يفعل الطاعن. وينبغي أن يُعد الحلى من السلاح، لأنه سلاح النساء، كقول الأعشى:
إذا هُن نَازلن أقر انَهُنوكان المصاعُ بما في الجؤَن
يعنى بما تضمنت الجُؤَنُ من الطيب وسائر أنواع الزينة. ولو جعل السلاح محاسنهن لكان أليق بالشعر. ولكن لما كان السلاح في المعتاد ليس بجزء من المتسلح، جعل سلاحهن ماليس بجزء، منهن الدمالج والخلاخلُ وكان مصُوغُ الذهب والفضة، كمصوغ الحديد لرجال الحرب.
وقد يجوز أن يكون اراد. من طاعنى ثُغر الرجال جآذرُ، ومن السلاح دُملجٌ وخلخالُ يذهب في ذلك إلى التعجب. وحذفت الألف التي لفظها الاستفهام، ومعناها هنا الإنكار. لأن اللفظ مُكتفٍ بذاته، لما فيه من معنى التعجب، كقول أبى تمام:
أسربلُ هُجْرَ القول من لَوْ هَجَوْتهُإذن لَهَجاني عنه معروفهُ عندي
أي أأسربلُ، فحذف الألف. ومثله كثير إذا تضمن الكلامُ معنى الإنكار والعجب.
وله ايضا:
صَغَّرت كل كَبيرةٍ وكَبُرت عَنْلكأنهُ وَعَدَدت سن غُلام
أي فعلت الصنائع الحسان. فصغرت كل صنيعة جسيمة فعلها غيرُك، بالإضافة إليها. وجللت عن التشبيه بشيء من الأشياء التي لا نظير لها في العالم، كالشمس والبدر والبحر. وعددت سن غلام: أي نلت هذه النهاية، وبلغت تلك الغاية في حد صباك. فذاك أغرب وأشرف.
فقوله) وعددت سن غلام (جملةٌ في موضع الحال. كأنه قال: بلغت كل ذلك غُلاماً، وكان ينبغي أن يقول:) صغرت كل عظيمة (مكان) كبيبرة (لأن الصغر عند الأوائل، إنما يقاله العظم. ولكنه حمله على طريق اللغة، لأن الكبير وإن كُنى به عن المُسن، فقد يكون لعظيم. إلا أن غير المشترك في التقابل، خير من المشترك فتفهمه.
مَهْلاً ألا لله ما صَنَع الْقَنافي عمرِو حَابِ وَضَبَّة الأغتامِ
اراد عمرو حابي، فرخم المضاف اضطرارا، كقوله أنشده سيبويه:
أودى ابنُ جُلْهم عَبادٌ بصرمتهأن ابن جُلْهُم أمْسى حية الوادي
قال: اراد بن جُلهمه، والعرب يُسمون الرجل جلْهمة، والمرأة جُلْهم كل ذلك حكاه سيبويه.
والأغتام: جمع أغتم. كسر أفعل على أفعال، وهو قليل. ونظيرة أعزل وأعزال، وهو الذي لا سلاح له، وأغزل وأغزال وهو الذي لم يُختن.
أحْجارُ ناسٍ فَوَقَ أرضٍ من دمٍونُجومُّ بِيضٍ في سماءِ قَتَامِ
لما استعار للدم أرضاً، استجاز تسنية جُثث القتلى أحجاراً وشبه البيض للمعانها في القتام بالنجوم النيرة في الظلام.
وذِرَاعُ كل أبى فُلان كُنيةٌحالت فَصَاحبُها ابو الأيتام
أي وفي ذلك المعترك أذرع قطعت من قوم كانوا يُكنون أبا زيد، وأبا عمرو، وأبا عبد اللة، وغير ذلك من أنواع الكنى. فلما قُطعت منهم ماتوا فكنى كل واحد منهم أبو الأيتام.
وله ايضا:
عَذِيري من عَذَارَى من أمُورِسَكَن جَوانحي بَدَل الخُدُور
عذارى: أي خطوب أبكار لم تصب أحداً قبل. هذا معنى العذرة فيهن و) مِنْ (ها هنا للتبيين. أي ليست هؤلاء العذارى من النساء، إنما هي من أمور الدهر، أي أعذرى، أو من عاذرى؟ وقوله:) من أمور (خلص عذارى الخطوب هنا: من عذارى النساء، لا يسكن الجوانح إنما يسكن الخدور. فاقام جوانحه لعذارى الهموم مقام الخُدور لعذارى النساء بدل ظرف. أي مكان الخدور، كما حكاه سيبويه من قول العرب: إن بَدلك زيدا، أي إن مكانك. قال: ويُقال للرجل: اذهب معك بفلان، فيقول: معي بدل فلان، أي يغنى غناء، ويكون في مكانه.
وله ايضا:
مَناَفِعُها مَاضَرَّ في نفع غيرِهاتَغَذىَ وتَرْوَى أن تْجُوع وأن تَظما (ذ
أي أن ضُرها لنفسها منفعة لها، إذا جر ذلك نفعا لغيرها تغوثاً بالمجد، واحتساب الأجر، كقوله تعالى:) ويُؤثِرُون على أنْفُسِهم وَلَو كَانَ بِهمُ خَصَاصَةٌ (. أي طلباً للأجر. ثم فسر قوله:) منافُعها ما ضر في نفع غيرها (. بالنصف الثاني، فقال) تَغذَّى وتَرْوَى أن تجوع وأن تظما (. أي أنها تجوع لتخص غيرها بطعامها، فهي تَغَذى بذلك الجُوع ولا يُثر فيها، بل هو نماء لجسمها. وتعطش لتخُخص غيرها بشرابها، فذلك العطش رى لها، إذا هو في سبيل المجد.
فتلخيص القضية. أنها تغذى بالجوع، وتروى بالعطش. وكان وجه الصنعة - لو استقام له الوزن - أن يقول. تَشْبع وتروي، ليُقابل الجُع بالشِّبع، كما قابل العطش بالري. ولكن لما كان في التغذي ما يُشعر بأنه ربما كان معه الشِّبع، تَسمَّحَ به، وأراد) أن تَطْمَأ (فأبدل الهمزة إبدالاً صحيحاً، حتى ألحقها بحروف العلة، وذلك لحاجته إلى الوصل، لأن الهمزة لا يُصل بها الروي، ولا يطرد هذا في كل شيء.
وليس لك أن تقول: إنه خف الهمزة تخفيفاً قياسياً، لأن الهمزة إذا خففت تخفيفاً قياسياً، لم توصل به، لأنه في نية الهمزة. فمن حيث لا يوصل بالهمزرة مُخففة، لا يوصل بها مخففة تخفيفاً قياسياً، فتفهمه فإنه لطيف.
إذا فَلَّ عزمِي عن مَدى خَوفُ بُعْدِهفَأبْعَده شيء ممكنٌ لم يجِد عَزْمَا
أي أن الممكن من المطالب، إذا لم يعزم عليه طالبه، كان بمنزلة الممتنع. والفرق بين الممكن الذي لا بجد عزماً وبين الممتنع، أن الممكن إذا عُزم عليه نيل، والممتنع لا يُنال البتة ولو عزم. وقوله:) فأبْعَدُ شيء ممكنٌ (: يريد فأبعد الممكنات ممكن لا يعُزم عليه. وبجوز أن يكون شيء هاهنا يجمع الممكن والممتنع، لأن العقل لا يشك في أن الممتنع أبعد الأشياء.
وتخليصه: إذا فل عزمي بعد مطلبي فأبعدُ منه مطلبٌ ممكن، لم يجد لدى عزما.
وله ايضا:
سِرْبٌ مَحاسِنهُ حُرِمْتُ ذواتهادانى الصِّفات بَعِيد موصُوفاتها
السربُ: القطيع من الظباء والشاء والبقر. وعنى) بالسرب (هنا النساء، تشبيهاً لهُن بالظباء. والمحاسنُ: واحدها حُسن على غير قياس. وذواتها: صواحبُها. أي هَواىَ سِربٌ حُرمتُ ذوات محاسنه، وذوات المحاسن هن ذلك السرب. فكأنه قال: حُرمته، بأن حيل بيني وبينه. وقد يجوز أن يكون سرب مبتدأ، ومحاسنه مبتدأ آخر، أو بدلا من سرب. وحُرمت ذواتها: خبر عن المحاسن، والميتدأ الثاني وخبره؛ خبر عن سرب. فلا يحتج على هذا القول إلى إضمار) هَواى (. وأن يكون سربٌ خبر مبتدأ مضمر: أولى كما قدمنا، لقبح الابتداء بالنكرة. ثم قال:) دانى الصفاتِ بعيدُ موصوفاتها (: إنما دنت صفاته عليه، لأنه يقدر على وصفهن بما أوتيه من السن، والمنطق الحسن. وبعدت موصوفات السرب، لانهن مقصورات محجوبات، أو ممنعات، والضمير في) موصوفاتها (: راجعٌ إلى السرب وإن كان مذكراً. لكن جاز ذلك، لأنه في معنى الجماعة. ولا يجوز أن يكون راجعاً إلى الصفات، لأنه نوع من إضافة الشيء إلى نفسه.
وكأنَّها شَجَرٌ بَدا لكنَّهاشَجرٌ جَنَيْتُ المُرَّ من ثَمَراتها
أي كأن العيس شجرٌ من عُلُوهن. والعرب تشبه الحمول كثيراً بالنخل، وذلك لما يضعون على الهوادج من الرقم والعُهون الملونة، فيشبهون ذلك بالزهور والبسر الملون. ولم يشبه المتنبي الهوادج وما عليها بذكر النخل، وإنما عنى عُلُو الإبل، فشبهها بالشجر عامة، ثم قال:) لكنها شجر جَنَيتُ المرُ من ثمراتها (، يعنى بذلك: إبعاد الإبل حَبَاِئَبه عنه، وقد بين ذلك بقوله:
لا سرتِ من إبلٍ لَوَ انىِّ فَوقَهالَمَحَتْ حَرارةُ مَدْمَعيَّ سِماَتهِا
دَعَا عليهن ألا يَسْرِن، إشفاقاً من بعد حبائبه عنه إذا سارت
وَترى المُروة والفُتَّوةَ والابُوَّةَ في كلُّ مليحة ضَرَّاتِها
يعنى أن الملائح يعشقنه، وهو يوثر عليهن المروة والأبوة والفتوة، وذلك أن هذه الثلاثة يَنْهَيْنَه عن عشق النساء ويأمُرن بُحبهن أنفسهن. فعلم الملائح أن هذه الخصال الثلاث يضرُرن بهن عنده، كما تضر المرأة عند يعلها ضراتُها، إذ لولاهن لواصلهن.
وَمَقانِبٍ بمقانِب غَادَرْتُهاأقوات وحشٍ كُن من أقواتها
المقِنبُ: القطعة من الخيل. أي صرفتُ مفنب غيري بمقنبي. فهذا معنى قوله:) وَمَقانب بمقانب غادرتها (وقوله:) أقوات وَحشٍ كُن من أقواتها (أي صَرَعتُ هذه لمقانب، فتركتها أقواتا للوحوش، التي كانت من أقوى هذه لمقانب، فعاد الأمر بالعكس، وجعل الوحش الآكله لهم مما كانوا يقتاتون به، لأن العرب تأكلُ الذئب، والضُبع والهلياع والفهد ونحو ذلك من آكلة الإنسان. وقد شبه بعضهم هذا البيت بقول البحتري:
كلانا بها ذِئبٌ يحدِّث نفسهبصاحبه والجِدُّ يتبعُه الجدّ
وليس مثله، لأن البحتري لم يأملُ أكل الذئب كما أمل الذئب أكله وإنما قال: كلانا قاتل لصاحبه، الذئب يري أكلى، وأنا أريد قتله.
أقْبَلْتها غُرر الجِياد كَأنَّماأيْدِىَ بني عمران في جَبَهاتِهاَ
الكريم يوصف ببياض اليد، وهي الخيل التي أقبلتها هذه الوجوه. هُن غُرّ، فكان غُروها أيدي هؤلاء موضوعة في جبهاتها. يعني أقبلتها خيلاً سابقة، يُقبلون جباهها كما تقبل أيدي بني عمران. فهذا معنى التشبيه.
تكْبوُ وَرَاءكَ يا ابْنَ أحمد قُرَّحٌلَيْسَتْ قَوائِمهُنَّ من آلاتها
القُرح هنا: كناية عن الرجال الكهول المُذكين. وأصله في الخيل، واحدها قارح، وهو الذي أتى عليه خمسُ سنين من نتاجه. فشبه الممدوح بفرسٍ جواد، وشبه مبارزيه بخيل قُرح، كقوله:
فدى لأبى المِسْكِ الكرامُ فإنهاسوابقُ خيلٍ يَهتَدينَ بأدْهَمِ
أي بفرسٍ أدهم. وخصه بالدُّهمة، لأنه عنى به كافوراً وقوله:) ليست قوائمهن من آلاتها (: أي ليست قوائهما آلات لها لانها تعثر وتكبو وتضعف عن مجاراتها، فكأن هذه القوائم ليست من آلاتها اذ لو كانت آلا لها لنصرتها ولم تخنها ولا أظهرت فضلك أيها الممدوح على هذه القُرح. وإنما قوائمها من آلاتك أنت، لدلالتها على سبقك، إذا كبت هذه القرح وراءك، فهن آلاُتك المبينة لفضلك لا آلاتها، لأن من نصرك وخذل ماوئك، فإنما هو آلة لا لمناوئك، وإن كان أهلا له، وجزءاً منه، كقوله تعالى) ياَنُوُح إنهَّ لَيْسَ مِنْ أهْلِك (أي ليس من أنصارك ولا مُعاضديك، إنما هو من أعدائك. ولم ينف أنه اينه حقيقة، لأن نساء الأنبياء لم يَفْجُرْن.
وذكر القوائم هنا، لذكره الخيل، ذهابا إلى الصنعة. وإنما القوائم هنا كناية عن الحصال والفضائل النفسانية. وقيل: إن الضمير في آلاتها ل) وراءك (، أي لا يتبعك إلا خيلٌ قوائمها أثبت من قوائم هذه القُرح. وأما قوائم هذه فمقصرة عن متابعتك، والصبر على مجاراتك.
سُقِيتْ مَنابِتُها التي سَقَتِ الورىبِنَدىَ أبى أيوب خَيِر نَبَاتِا
الصنعة سارية في هذا البيت، وذلك أنه جعل للنفوس منابت، وليست النفوس نباتية فتنبت، واذا لم تنبت فلا منبت لها، ومعناه: سقى الله اهل هذا الممدوح بنداه لأنهم أجدواد، فإذا أفاض عليهم جوده، أفاضوه على من سواهم وقله:) وخير نباتها (الهاء للمنابت. ودعا للمنابت بُسقيا النبات لها، وتغذيتهل إياها، قلبا للعادة. لأن المنبت يغذِّي النبات، والنبات لا يُغذي المنبت، اذ المنبت غير نامٍ، ولكنه أغرب بذلك، وجعل الممدوح خير نبات المنابت التي هو منها، لانه أشرفها وأوسطها، فالباء التي في قوله:) بندى أبى أيوب (على هذا التفسير متعلقة بُسقيت. وقد يجوز أن يكون متعلقة بَسَقت. ويكون سقي المنابت غير مُبَينّ. فكأنه قال: سُقيت منابتها، وأمسك ولم يذكر ما تُسقى به.
لَو مَرَّ يركُضُ في سُطور كِتاَبَةٍأحْصى بحاِفرِ مُهرِهِ ميماتها
يصفه بالحذق في الفروسية. وخص المُهر لتكون أغرب، إذا فعل ذلك بالمهر وهو غير ماهر ولا مُرتاض، كان أقدر أن يفعل ذلك بالقادح، لا رتياضه وانقياده.
يَضَعُ السِّنَان بحيثُ شَاءَ مُجاولاًحَتَّى من الآذانِ في أخْرَاتِها
يصفه أنه حاذق بالطعن، حتى إنه يضع السنان في خرت الأذن. وقوله مُجاولا: حال مُفيدة. والمُجاول: المجُاري في ميدان الطعن، وذلك أنه إذا فعل وهو جائل في الحرب، كان أقدر عليه وهو في الميدان وادع.
لا خلق أسمع منك إلا عارفٌبك راء نفسك لم يقل لك هاتها
أي المعروف عنك الجود بكل ما سُئلته، فلا أحد أسمح منك إلا الانسان عرف هذه الشيمة منك، فلم يسألك نفسك. وجعله أسمح منه، لانه ترك له أنفس الأشياء، فكأنه قد جاد عليه بما لم يجد بمثله على أحد، لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود وهذا كقوله هو:
يأيُّها المُجدَي عَليه رُوحُهُإذ ليس يَأتِيه لها استِجْدَاءُ
وقد أنعم شرحهُ فيما تقدم. وراء: مقلوبة عن رأى، قال الشاعر:
فَلَيْت سُويداً راء مَنْ فر منهُمُومَنْ جَر إذ يَحْدونَهُمْ بالركائبِ
ويدلك على أن) راء (مقلوبة عن رأي، أنه لم يأت لها مصدر، إذ الافعال المقلوبة لا مصادر لها عند سيبويه، ولا أعرف أحداً خالفه. ولو كانت) راء (لغة في رأيته، لكان لها مصدر. وهذا أصل من أصُول التريف، فتفهمه.
والخلق في هذا البيت: بمعنى المخلوق. ولذلك أبدل) عارف (منه. إذ لو كان الخلق مصدراً لم يجُز إبدال عارف منه، لأن الجواهر لا تبدل من الأعراض. وإنما كان يَنصِبُه على الاستثناء المنقطع، مع أن المصدر لامعنى له في هذا البيت. ولذا حذرنا منه إغراباً) بالإعراب (.
غَلِت الذي حَسَبَ العُشور بآيةًترْ تيلُك السُّورات من آياتِهاَ
غلت في الحساب، وغلط في القول. هذا فرق. وقيل: هما سواء. يمدح إمام أنظاكية، فيصفه بتجويد التلاوة، وحُسن التأدبة، حتى جعل حسُن لفظه وترتيله للقراءة في الإعجاز، منزلة الآية، فيقول: يجب أن تكون قراءتك هذه مضافة إلى الآيات، تعد بصورة في النفس آية، فقد غلط حُساب العُشور إذا لم يعدوا قراءتك منها. وكان يجب أن يقول: ترتيلُك للعشور من آياتها، أو الأعشار من أياتها، فكان أذهب في الصنعة.
وهذا البيت كله) خلف (من وجهين. أحدهما: طريق الغُلُو الذي لا مساغ له في الذات اللقنة المتيقنة. والآخر: أن الترتيل عرضٌ في اللفظ وليس بذات لفظ، والآية لفظ. وإنما الترتيلُ في ذات اللفظ كالعرض في الجوهر، فلا ينبغي أن يُعد ما هو عرض في الجوهر جزءا من ذات الشيء، فتفهمه، فإنه لطيف المعنى.
لا نَعْذُل المرض الذي بك، شَائِقٌأنت الرجال، وشَائِقٌ عِلاتِها
كان هذا الممدوح عليلا، فيقول: لا تلم المرض المعتمد لك، والحالُ بك، لأنك محبب إلى النفوس وإلى أحوال النفوس، فكما أنك تشُوق النفوس فتذهب نحوك، وتحل بك، كذلك الأحوال، والعلة نوع من الحال، فلا عتاب عليها في حبها لك.
فتلخيص البيت: لا تعذل مرضك، لأنك تشوق الرجال، وتشوق عللها فشائق: خبرُ مبتدأ مقدم، وأنت مبتدأ. أي انت شائق الرجال وعللها ولا يجوز أن يكون شائق مبتدأ، وأنت فاعل بشائق، لأن اسم الفاعل إنما يعمل عمل الفعل إذا كان) معتمداً (على شيء قد عمل في الاسم قبله، أغنى كأنه يكون خبراً لمبتدأ، أو فاعلا لفعل، أو صفة لموصوف، أو حالا الذي حال، ونحو ذلك، فأما أن يكون يعمل عمل الفعل وهو مبتدأ، فلا يجوز فلو قلت: ضاربٌ زيداً تُريد: اضرب زيداً كان خطأ.
فإذا نَوتْ سفراً إليك سَبَقْتَهافَأضَفْتَ قبل مُضَافِها حَالاَتها
هذا البيت متعلق بهذا البيت الذي قبله: أي أن الرجال إذا نوت سفراً إليك سبقتها بإضافتك أحوالها، قبل إضافتك إياها. وإضافته لحالاتها قبوله لها بجسمه، لانه في ذكر المرض، عَرَض، والعرض يطلب محلاً ومحله الجسم. ويشبه ذلك قوله بعد هذا:
ومنازل الحُمى الجسُومُ فقثل لناما عذرها في تركها خيراتها
أي إذا كانت الأمراض أعراضاً، ولم يكن للعرض بد من جسم وأمكن العرض جسمُك الذي هو خير الجسوم، فكيف يعذر على تركه.
فاليومَ صِرتُ إلى الذي لو أنهمَلَكَ البرية لا سْتَقَل هباتها
هذه الهاء في موضع المفعول به، أي لاستقل أن يهبها لعالم آخر. فكان يجب على هذا أن يقول: لاستقل هبتها. لأن الهبة هنا المصدر، لا الموهوب ولكنه جمع المصدر، لانه عنى به الموهوبين، ولأنه مصدر متنوع، لانه كان يهبها فُرادى ومثنى، ومازاد على ذلك من الكم، فقد تنوع المصدر باختلاف الأعداد، فاستجاز الجمع لذلك.
مُسْتَرخَصُ نظر إليه بهنَظَرَتْ وَعثَرةُ رِجلهِ بدياَتها
) مابه نظرت (: يعني أعين البريه. أي أن النظر إلية رخيص بأعينها يعني بفقدها الأعين. وكذلك عثرة رجله لو اشتُريت بديات البرية لكانت رخصية.
وله ايضا:
وَتركُكَ في الدُّنيا دَويا كأنماتَداوَل سَمْعَ المرء أمْمُلهُ العشرُ
يعني لا يسمع شيئا، كقول النابغة:) وتلك التس تستك منا المسامعُ (والدوي: الصوت. وهذا البيت مضمن بما قبله. أي إنما المدُ السيوف، والفتكة البكر، وأيام حرب يُسمع لها من اجتماع الأصوات المختلطة الواصلة إلى الآذان، مثل صوت البحار الذي يسمعه الانسان إذا اطبق أذنيه بأنمله.
والأنمل هنا: الاصايع، واحدتها أنملة، من باب تَمْرة وتمر، وليس بتكسير أنملة لأن هذين البناءين انمايكسران على) أفاعل (. وقوله) تداول سمع المرء (: يجوز أن بكون السمع اسما للأذن، فلا يحتاج في هذا القول إلى حذف. ويجوز أن يكون السمع هنا: الحس لا الجوهر الذي يُحسن به، فإذا كان ذلك، فلابد من حذف، كأنه قال: تداول موضع سمع المرء وإلى هذا ذهب أبو علي في قوله تعالى:) خَتَم اللهُ على فلوبِهم وعَلَى سَمْعِهم (وجهة على الوجهين جميعاً.
إذا الفَضلُ لم يرْفَعْك عن شُكر ناقصٍعَلَى هبةٍ فالفضلُ فيَمنْ لَه الشُّكْرُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع