من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)
شرح المشكل من شعر المتنبي (٨)
وهذا عذر الخيمة في سقوطها، اي أنها رأت لون نورك في لونها كنور الشمس فراَعها في ذلك، لانها ظنتك الشمس؛ التي هي ملك الكواكب، فلذلك سقطت لأنها استعظمت حملها لك، وقوله:) لايُعْسَلُ (اي اصل نورك بها، حتى صار فيها كالشامة التي لا تُحمى بالغسل.
وقد عَرَفتكَ فما بَالُهاتراك تَراها ولا تَنزِلُ
هذا البيت شُنع وكُفر لما عنى أن هذه الكواكب غير عاقلة لأنها لو كانت عاقلة لعرفَتْك، وتبينت أن مَحَلك فوق محلها، فكانت تنزل إليك فإذا لا تنزل، فهي غير عارفة بك، واذا هي غير عارفة بك، فهي غير بك، وإذا هي غير عارفة بك، فهي غير عاقلة. ولعمري، فقد ذهب في تلك إلى تكذيب من ادعى أن الكواكب تعقل وإن كان قد غلا.
وله ايضا:
وما عَفَتِ الرياحُ له محلاَّعفاهُ من حدا بهمُ وساقَا
اي لم الرياح هذا المنزل، وإنما عفاه بتنقلهم عنه وإخلائهم له.
نَظَرتُ إليهمُ والعينُ شَكْرىفصارت كلُّها للدمع ماقا
شَكْرى: اي ملأى لم تفض بعدُ. والماقُ: مجتمع الدمع. فلما رأتهم متحملين، فاض الدمع مع جميع جوانبها ولم يخص الماق وحده، بل صارت العين كلها مَجرىً، فكأنها كلُّها مآق، كقول الشاعر:
أقلبُ عيني في الفوارس لا أرىحراقاً وعيني كالحجاةِ من القَطْرِ
اي تملأت كلُّها من الدمع حتى عادت كالحَجَاةِ؛ وهي نُفاخة الماء.
ولا أقول: إن الألف في) ماق (مبدلة من الهمزة، لمكان الردف، لأنهم قد قالوا) ماق (بزنة) مال (وكسَّرُوه على أمواق كأموال، فدل ذلك على أن ألفه منقلبة عن واو؛ كألف مال. ولو لم نعرف مافاً مكسراً على أمواق، لعلمنا أن ألفه منقبلة عن هكزة، لقولهم مأق مهموزة.
إن شئت قلت: إذا نظرته العين استحسنته، فلم تعدُه، وتثبت فيه. فكثر الناظرون إليه من كل جانب حتى كأنه متنطق بالحدق. وإن شئت قلت: تثبت الأبصار فيه لبضاضته ونعمته؛ فكأن ما ثبت فيه من حَدق الناظرين إليه نطاق له. واراد كأن عليه نطاقا من الحَدَق المُحدق به.
أباحَ الوحشَ يا وحشُ الأعاديفَلم تَتَعرضين له الرِّفاَقا
الحشُ مؤنث. ويروى) أباحك أيها الوحش الأعادي (. والأعادي: جمع الجمع: عدو وأعداء وأعادٍ؛ وأصله أعادي كأفاعي؛ فحذفت إحدى الياءين تخفيفاً، ثم حذفت الأخرى حذفاً لغير علة؛ وصار التنوين عوضاً منها. واراد) الأعادي (لانه في موضع نصب؛ بكونه مفعولاً ثانياً فاضطره الوزن إلى تسكين الياء. والرفاق: جمع رفقة كُحفرة وحفار، وعلبة وعلاب والمعنى أيتها الوحش؛ قد أباحك هذا الممدوح أعاديه قتلهم وصَرَعهم لك؛ وحكمك في أكلهم، فلم تتعرضين له الرفاق السائرة إليه، وقد أغناك عن الاعتساس والطلب فيمن أجزرك من أعاديه؛ وجَعَله لك أكيلة.
إذا أنعلن في آثارِ قوموإنْ بُعدوا جُعلنهمُ طراقا
الطراق: نعل تُطرح تحت النعل؛ استظهاراً وتوكيداً. اي إنها إذا أنعلت في طلب قوم أدركتهم فدلستهم؛ فصارت أشلاؤهم نعالاً لتلك النعال.
أقامَ الشعرُ ينتظهر العطايافلما فَاقتِ الأمطار فاقا
انتظر الشعر أن تُحسن، فأشكرُ وأشعرُ. فلما فاقت عطاياك الأمطار، فاق شعري الاشعار كقول البحتري:
فقد أتتك القوافي غبَّ فائدةكما تَفتحُ بعد الوابل الزهرُ
يُقصرُ عن يمينك كلُّ بحرٍوعما لم تُلقهُ ما ألاَقا
لاَقَ الشيء وألاقهُ: أمسكهُز ولاقَ هو نفسهُ: أمسك. وأنشد سيبويه:
تقولُ إذا استهلكتُ مالاً للذةٍفُكيهةُ هشىءٌ يكفيك لائقُ
يقول: يقصر البحر عن يمينك جوداً؛ ويُقصر ما آلاق من الأعلاق، عما بذلته أنت. اي إنما تعطيه أنت أكثر مما يمسكه البحر في ذاته.
وله ايضا:
لا الحُلمُ جاد به ولا بمثالهِلولا اد كارُ وداعهِ وزيالهِ
اي مثله لايستطيع الحلمُ أن يُصوره، لانه أرفع من ذلك. لكني تذكرته حين نذكرت وداعَه ومزايلته؛ فثبت ما امتثلت منه في هاحسى؛ فأراني النوم إياه. فإذن لم يجد لديه إلا تذكرهُ به. وهذا رأى بعض الفلاسفة فيما يراه النائم. وقال أبو تمام:
زارَ الخيالُ لها لا بل أزاركهُفكرٌ إذا نَامَ فكرُ الخلقِ لم يَنَمِ
وإن شئت قلت: إنه بالغ بصفة هجر محبوبه له فقال: لا يسمح لي بمواصلةٍ في يقظة ولا نوم؛ وإنما أطلت تذكره؛ وواصلت ذلك ليلاً ونهاراً حتى رأيت خياله. وأبلغ منه قول الآخر:
) صَدَّتْ وعلمت الصدود خيالها (
فهذا يصف أنه لم ير خيالها.
إن المعيد لنا المنامُ خيالهَكانت إعادتُه خيال خياله
اي كنا قبل النوم نتخيل خياله بالتذر والتفكر؛ فلما نمنا رأينا خيال ذلك الخيال الذي كنا تخيلناه. وإن شئت قلت: إنه كنى بذلك عن قلة الزمن الذي استمتع فيه بالخيال. والإعادة بمعنى المُعاد، وضع المصدر موضع الاسم ولا يكون الخيال هو الإعادة، لأن الخيالَ جوهرٌ والإعادة عَرَض.
نجني الكواكب من قلائدِ جيدهوتنالُ عين الشمس من خلخالٍه
السابق من هذا البيت إلينا؛ أنه شبه دُر قلائده بالكواكب لبياضه، وخَلْخاله بعين الشمس لاستدارته ولونه، إن كان من ذهب ولكن ألطف من هذا أن يقول إن هذا المحبوب ممنوع لا تصل اليد إلى العبث بقلائد جيده، ولا تمسُّ خلخاله الأيدي، فيقول: من مس قلائده فكأنه جنى الكواكب لبُعدها ومناعتها، ومن نال خَلْخاله؛ فكأنه نال الشمس لذلك أيضاً مع التشبيه الذي تقدم ذكره لو قال:) وننال الشمس من خلخاله (كان كافياً في المعنى لكن قال:) عين الشمس (لأن هذه الجارحة مستديرة. وإن شئت قلت: إنه عنى بعين الشمس حقيقة جوهرها، لأن هذه الجارحة من الحيوان.
بنتُم عن العين القريحة فيكُمُوسَكنتُم طي الفُؤادِ الوَالهِ
فيكم: أي من أجلكم، كما تقول: هُجرت فيك: اي من أجلك. وليست) في (هنا للوعاء) وسكنتم طي الفؤاد (: كان يعني من ذلك أن يقول: وسكنتم الفؤاد. ولكنه وطأ بذكر الوطن صنعةً وتسبباً، إلى خفظ إعراب القافية وجعل الهاء الأصلية في الواله لأن العرب تصل بها أصلاً كما تصل بها زائدة. قال:
ضوريةٌ أولعتُ باشتهارهاناصلة الحقوينِ من إزارِها
يُطرقُ كلبُ الحي مِنْ حِذارهاأعطيتُ فيها طائعاً أو كارِها
فوصل بالهاء الأصلية في قوله كَارِهَا وفَارِها كما وصل بالزائدة في سائر الأبيات.
فَدَلوتُمُ ودُنُّوُّكُم من عندهِوسَمَحْتُمُ وسَماحُكُم من مالهِ
اي فكر فيكم فأدناكم فؤاده، ولم تدنُوا أنتم بإرادتكم. فالمنُّ للفؤاد لا لكُم، وسمحتم وسماحكم من ماله. اي سمحتم له بالزيارة، وسماحكم من لدُنه لانه إنما كان لما امتثله خاطركم من ذكراهم، وتصور لقياهم. ولما ذكر السماح استجاز ذكر المال، وإلا فلا حقيقة له.
اني لأبغضُ طيف من أحببُتهإذ كان يهجرني زمان وصاله
إنما شنأ الطيف، لانه وصله أيام هجر الحبيب له، وهو المُوجب لزيارة الطيف لأن إمكان الوصل الحقيقي لا يكاد يكون معنى خيال إنما الخيال مع عدمه لما يحدُث من الشوق والتوق.
وقيل معناه: إذا كان الحبيب يهجرني زمان وصال الخيال، وهذا من الضعف بحيث لا يلتفت إليه. وإنما نقلته تعجباً.
إن الرياح إذا عمدن لناظرٍأغناهُ مُقبلُها عن استعجالهِ
اي أن الممدوح من شيمة المباردة إلى الجود، ما يغني عن السؤال، كما أن للريح من السرعة ما يغني عن الاستعجال لها. والهاء في استعجاله يجوز أن تكون للناظر، فتكون في موضع الفاعل، اي من استعجاله إياها، ويجوز أن تكون للمٌبل، فتكون الهاء في موضع المفعول. وذلك أن الاستعجال مصدر، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول.
غَرَب النُّجومُ فَفُزن دون هُمُومهِوطلعن حين طلعن دُون منالهِ
اي قد نال ما هو أعلى من النجم، وهمته في ذلك غير مقتنعة بما نالت، ولا مقتصرة عليه، فهي تطالبه بما هو أبعد من مطالعها ومغاربها.
وله ايضا:
الفاعلُ الفعل لم يُفعلِ لشدتِهوالقائلُ القول لم يُترك ولم يُقل
اي يفعلُ الذي لم يفعله غيره، بل عجز عنه وقصر، لشدته وثقل مئُونته، و) القائل القول لم يُترك (: اي لم يُترك الناس اجتهاداً في أن يقولوا مثله، فهذا معنى قوله:) ولم يُقل (. وهو كقول البحتري:
في غايةٍ طلُبت وقصر دُونهامن رامها فكأنها ما تُطلبُ
اي لما كان الطلب علةً للإدراك؛ ثم لم تك هذه الغاية مُدركة، كان الطلب كأن لم يكن.
وتقدير البيت: الفاعل لفعل الذي لم يُفعل؛ والقائل القول الذي لم يقل؛ فحذف) الذي (ومثله كثير كثير؛ أنشد سيبويه:
لو قُلت ما في قومها لم تيثمِيفضلُها في حسبٍ وميسمِ
هو الشجاعُ يعدُ البخل من جُبنٍوهو الجونادُ يعدُ الجبُن من بخلِ
اي انه شجاع جواد؛ لأن إحدى هاتين الصفتين منوطة بالأخرى؛ لأن الشجاع يجب له أن يعلم أن البُخل جُبن وهلعٌ من الفقر؛ فإن كان بخيلاً فهو ناقص الشجاعة؛ لحذره من الإعدام؛ ويُحبُّ للجواد أن يعلم أن الجُبن بخلٌ بالنفس؛ فان لم يك ذا شجاعة فهو ناقص الكرم؛ لبخله بذاته.
فهذا الممدوح قد تبين له أن البخل جُبنٌ؛ وان الجُبن بُخلٌ؛ فلم يرض إحدى الخطتين دون صاحبتها؛ فشجُع وكرُم. ومثله قوله هو ايضا:
فقلت إن الفتى شجاعتثهتُريه في الشُّح صورة الفَرَق
وقد اجاد ابن الرومي تلخيص ذلك وتسهيله؛ فقال:
البخلُ جبنٌ والسماحُ شجاعةٌلاشك حين تصحح التحصيلا
جبُن البخيل من الزمان وصرفهِفتهيب الإفضال والتنويلا
وكم رجالٍ بلا أرضٍ لكثرتهمتركتَ جمعهُم أرضاً بلا رجُلِ
اي كانوا كثيرا قد غطوا الارض بكثرتهم حتى خفيت، فكأنهم بلا أرض البتة، يقول: قتلهم أنت حتى عادت تلك الارض المُوطأةُ بكثرتهم؛ أرضاً لا ترى فيها رجُلا. وأوقع) كم (على جميع هذا؛ لأنها خبر.
قال:
كم دُون سلمى فلواتٍ بيدِمنُضيةٍ للبازل القيدُودِِ
وقوله:) تركت جمعهم أرضا بلا رجُل (جملةٌ في موضع جر، لأن موضع كم هنا رفع بالابتداء.
يا مَنْ يَسيرُ وحُكمُ الناظرين لهُفيما يراهُ وحُكمُ القلب في جذلِ
اي قد أطاعتك آمالكُ، وحكمك الزمان في نيلك كل ما سعيت إليه، وبنيت هواك عليه، فما تقغ عيناك من المرئيات إلا على ما يسُّرهما ويؤديان به إلى فؤادك ما يخبرك ويسرك. وقال: وحكم الناظرين وحكم القلب: اي حكم ناظريه وحكم قلبه. وكلتا الجملتين في موضع الحال من الضمير الذي في الفعل، أعنى) يسير (اي: يا من يسير مسروراً جذلَ الفؤاد.
أجر الجياد على ما كنُت مُجربهاوخُذ بنفسك في أحلاقِك الاولِ
السابق إلى من هذا البيت، أنه رأى منه تغيراً عما كان عليه من تفضيله على من سواه من الشعراء فقال له: اعدل كما كنت فاعلا.
وأما ابن جني فقال: سألته عن هذا فقال: كان سيف الدولة قد ترك الركوب أياماً، فحضُه بذلك على المُعاودة
إذا كان مدحٌ فالنسيبُ المقدمُأكُلُ فصيحٍ قال شعراً مُتيمُ
من شأن الشعراء إذا ارادو المدح، أن يقدموا النسيب. هذا هو الأغلب، حتى سموا الشعر الذي لا يُصدر بالنسيب خَصِياً، حُكِى هذا عن أبي زيد.
فالمتنبي قد خَرَق في هذا الشعر عادتهم، وأنكرها عليهم، وجعل ابتداء شعره مدح سيف الدولة. ثم قال:) أكلُّ فصيح قال شعراً مُتيمُ (؟ هذا في اللفظ إنكارٌ، ظاهره استخبار، وهو في الحقيقة خبر منفي. اي ليس كل فصيح شاعراً مُتيماً، فيلزمه النسيب إذا مدح.
فَجَازَ له حتى على البدرِ حُكْمُهوبَانَ له حتى على البدرِ ميسمُ
اي إذا سار أثار الغبارَ، فحكم على الشمس بالاسوداد. وهو ضدُّ لونها. واذا سَارَ ضاعفَ الغبار. وكَلَفَ البدر. والميسم على هذا القول من الوَسمِ - الذي هو العلامة بالنار والقطع، وليس بآلة هنا، إذ لا معنى لذلك وقيل المِيسم هنا الحُسن. اي فاق البدر في الحسن والأول أولى.
وتقدير البيت: فجاز له حُكم على شيء، حتى على شمس. وبان له وسم على كل شيء، حتى على البدر. وينبغي أن يكون الفعل مَنويا مع حتى، كأنه قال: حتى جاز على الشمس، وحتى بان على البدر، اي إلى أن. ولا تكون حتى هنا حرف غاية، وتكون داخلة على) على (لأن حتى وعلى حرفان، ولا يدخل حرف على حرف. فلا بد من تقدير حتى) بإلى أن (. وإذا قدرتها بإلى أن، فقد حصل الفعل؛ لأن) أنْ (لابد لها من الفعل.
وَلا كُتبَ إلا المشرفيةُ والقناولا رُسلُه إلا الخميسُ العرمْرمُ
اي الذي يقوم له مقام الكُتُب، إنما هو السيوف. والذي يقوم له مقام الرُسُل، إنما هو الجيش العظيم، يُهديه إلى عدوه. وإنما نفي عنه الإخلاد إلى الكُتب والرسل، لأن ذلك تأنٍ، وأخذٌ بالهُويني.
يطأن من الأبطال من لا حملنهُومن قصد المُران ما لا يُقومُ
القصد: كسر الرماح، واحدتها: قصدة. والمُران: وشيج الرماح إذا لأن وتخلق، من المرانة؛ وهي اللين، ألا تراهم قالوا في هذا المعنى: ... رمح لدن. واللُّدنة: اللين. ومن هنا زعم سيبويه أنه إذا سميت بُمرانٍ صرفنه؛ لتصوره معنى من اللين فيه. ومعنى البيت: أن خيله يطأن من أعدائه، منى لم يَحمِلنه. فومضع الماضي موضع المستقبل.
وإنما توضع الأفعال بعضها موضع بعض في غالب الأمر مع الحروف، نحو قولك: إن فعلتَ فعلتُ: اي إن تفعل أفعل، وقولك: والله لا فعلتُ، تريد: لا أفعلُ.
) ومِن قصَدِ المُران ما لا يقومُ (
اي قد بالغت في تحطيم الرماح وتعويجها حتى ليس في الإمكان أن يُجبر عن كسرها؛ ولا أن يٌقوم مُنادُها وقيل:) مَنْ لاَ حَمَلتهُ (: دعا للمدوح: اي لا غلب عداهُ حرابه، فيملكوا خيلهم. والأول عندي أولى، لقوله:) ومن قصد المُران مالا يقوم (فهذا خبر، إلا أن تضع) يُقوم (موضع) قُوم (فيتوجه معنى الدعاء، وقد يجيء لفظ الدعاء مساوياً للفظ الخبر، كما يكون ذلك في الأمر والنهي، كقول الشاعر، أنشده يعقوب:
كملقي عقالٍ أو كَمَهلكِ مالكٍوليس لحي هالك بوصيلِ
وقال الهُذلي:
ليس لِميْتٍ بوصيل وقدعُلق فيه طرفُ المَوصِلِ
فمعنى هذا كله: ولا وُصل هذا الحي بهذا الهالك. وهذا دعاء قد خرج على لفظ الخبر، ومثله كثير.
يُقرُّ له بالفضلِ من لا يودُّهُويقضي له بالسعِد من لا يُنجمُ
اي إن فضله ذائع شائع، يضطر عداه إلى الإقرار به له، تنكبا لخرق الإجماع، وعلما منهم أنهم أنكر، ولم يقبل ذلك منهم، فكان دليلاً على تعسُّفهم كقول البحتري:
لا أدعى العلاءِ فضيلةًحتى يسلمها إليه عداهُ
) ويقضي له بالسعد من لا يُنجمُ (
أي قد عهد سعيداً ميموناً مدركاً لكل من طلب فيقاس بماضي أفعاله وحاضرها على مستقبلها.
أجار على الايام حتى ظننْتُهتُطالُبه بالرد عادٌ وَجُرْهُمُ
) أجار على الايام (: حمى منها ومنع، وجعل نفسه ملاذاً للناس منها، حتى ظننت أن الغابرين من الأمم ستطالبه بأن يردها إلى الحياة، وأن يُعديها على الأيام التي تحيلإتها وأهلكتها. وخص عاداً وجُرهماً لقدمهما. وإن شئت قلت: لعظمها.
كأجناسها راياتُها وشعارُهاوما لبسته والسلاحُ المصمُ
عسكر العرب قبيلةٌ واحدة. فحيلة وسلاحه ملبوسه كُله عربي، وإنما مدح عسكره بذلك، لأن الجيش إذا كان من قبيلة واحدة كان أشد لبأسها. هذا قول ابي الفتح.
والذي نؤثر نحن، أن عسكر العرب إنما هو كما قال، ألا ترى أن النابغة قد قال:
وثقت لهم بالنصر إذ قيل قد غزتكتائبُ من غسان غيرُ أشائب
وهي التي تسمى الحمرة. ومنه قول الحطيئة لعمر بن الخطاب:) يا أمير المؤمنين، كُنا ألف فارس، ذهية حمراء: اي لم يختلط بنا أحد، فهكذا عسكر العرب. فأما عساكر الملوك فكلما تنوعت أجنادها، كان أعظم لمُلكها، وأقدر لملكها، لانه متى تغيرت حربٌ ما، قوم بحرب آخر (فيقول إن أجناس عسكرها هذا الملك كثيرة مختلفة بالنوعية، فينبغي أن تختلف أيضاً أعلامها وبزتها وسلاحها، لكل نوع من أنواع الخميس زي يخالف زي صاحبه كقوله هو يصف عسكراً:
تَجَمه فيه كل لسنٍ وأمةفما تُهمُ الحُداث إلا التراجمُ
وتقدير البيت راياتهُا وشعارها وسلاحها كأجناسها. اي أن هذه المحمولات كلها متنوعة في ذاتها، كما أن الحاملين لها متنوعون. والتنوع الذي ذكرناه في هذا البيت؛ إنما هو تنوع بالنسب، وتنوع بالصورة، لا تنوع بالفصول الذاتية، ولو قال هو كأنواعها، لكان أشبه، ولكنه آثر كلام الجمهور.
بغُرته في الحرب والسلم والحجاوبذل الُّها والحمدِ والمجد مُعلمُ
اب أنه مُعلم بغرته في هذه الفضائل كلها مطرور لها. ذهب إلى شهرته وجَهرَته.
ضلالاً لهذي الريح ماذا تُريدُهوهدياً لهذا السيلِ ماذا يُؤممُ
دعا على الريح، لأنها عارضت سيف الدولة فآذت، ودعا للغيث لمشاكلته إياه في طبيعة الجود.
تَلاَكَ وَبعضُ الغيثِ يَتبَع بعضَهمن الشام يتلُو الحاذق المُتعلمُ
تلاك يعني الغيث، ويخاطب الملك، وكان الغيث قد صحبه من الشام إلى ميافارقين وبعض الغيث يتبع بعضه: اي أنك غيث، فلا تلم الغيث في اتباعه إياك، لأن بعض الغيث يتبع بعضاً. و) من الشام (: متعلق بتلاك؛ اي تلاك هذه الغيثُ من الشام.
) يتلو الحاذق المتعلمُ (: إما أن يكون هذا على المَثل، فيكون الحاذق والمتعلمُ نوعين، اي كل حاذق يتلوه مُتعلمه، من اي الطبقات كان. فهذا وجه المثل الكلي.
وإما أن يهني بالحاذق سيف الدولة، وبالمتعلم الغيث، اي سيف الدولة هو الحاذِق بسلوك طريقة الجود، والغيثُ مُتعلمٌ منه فهو يتبعه لذلك.
ولو اتزن له أن يقول: يتلو المُعَلمَ المُتعلّم، لكان حسناً لمقابلة الفاعل بالمنفعل المفعول، ولكن في الحاذق مزيةٌ، اذ ليس كل مُعلم حاذقاً.
ألم سألِ الوابلُ الذي رام ثنيناَفيُخبره عنك الحديدُ النُثبمُ
اي: ألم يسأل الوبلُ الذي اراد صرفنا عن وجهنا، الجديد المَثلم فيخبره عنك، انه لم يجد فيك مطمعا، ولا لصرفك مَوضعاً. فكيف يروم الغيث من فك وصرفك، ما عجز عنه الحديد، الذي هو أقدر على ذاك منه. فالعامل في هذا البيت الفعل الآخر، الذي هو) فيخبره (. وهذا كقولك ضربتُ وضربني زيد، اي ضربت زيداً، وضربني زيدٌ.
فخذف لدلالة الثاني. وقد أبان سيبويه ذلك وقال: إنه كلام العرب، أو أكثر كلامها. يعني إعمال الثاني. ولو أعمل الاول لقال الحديد المثلم فيخبره، وهو كقولك: ضربت وضربني زيداً، اي ضربت زيداً وضربني.
وله ايضا:
وَمن صحب الدنيا طويلاً تَقَلبتعلى عينه حتى يرى صدقها كذبا
اي لا صدق أصدقُ من العيان، وبه تثبت حقيقة البُرهان. فيقول: من عرف الدنيا علم أن ما يراه عياناً مما يسره، لا يلبث أن يزول، فيعقبه ما يسوءه فكأن ذلك الصدق المدرك بالعيان كذب. و) طويلا (هنا: نصب على الحال، ولا يكون على الظرف، لأن طويلاً ونحوه صفة، وليس بحين يقع فيه الفعل، ولذلك اختار سيبويه في قولهم:) سِبر عليه حسناً وشديداً ونحوهما (أن يكون أحوالا لا ظرفاً، لما قدمنا.
لقدْ لعب البينُ المُشتُّ بها وبيوزودني في السير ما زود الضبا
يعني ما زود الضبَّ العدم، وإن كان لفظه لفظ الوجود. اي لم يُزودني شيئاً بقدلا ما يشربُ الضبُّ من الماء. والضب لا يشرب الماء ألبتة، إنما يستروح النسيم.
إذا الدولةُ استكفتْ به في مُلمةٍكَفَاهَا فكانَ السيفَ والكفَّ والقلباَ
استكفت به: اي طلبت الكفاية. ولو قال استكفتهُ فاتزن، كان) مثل (قوله: استغفرت الله واستعجلت السير.
) كفاها فكان السيف والف والقلب (: اي كان هو الجامع لهذه الثلاثة، وذلك أن السيف لا يستغني عن الكف، والكف لا تقبض عليه حتى يؤيدها القلب. وقد قال هو في تحقيق هذا:
وَلَكِن إذا لم يحمل القلبُ كفهعلى حاله، لم يحمل الكف ساعدُ
فبُورِكت من غيثٍ كأن جثلُودنابه تُنبتُ الديباج والريط والعصبا
العَصبْ: برود اليمن، جعله كالغيث وجعل جلودهم كالأرض التي إنما تُنبت بالغيث. فان شئت قلت: كَنَى بالديباج والربط والعصب عن نَعْمة جلودهم وما يعلوهم من الخير. وإن شئت قلت: كنى به عما تَهب لهم من الكُسا، وإن شئت قلت: إن الغيث يُنبِت الرياض، وجلودُنا بنداك تنبت ما هو أحسن من الرياض: عَصْباً وديبتجاً.
ولكنه وَلى وللطعنِ سورةٌإذا ذَكرتها نفسُه لمَسَ الجَنبْاَ
سَورة: حِدةٌ وارتفاع: اي إذا ذكر سَورْة الطعنة لم يصدق أنه نجا منه فلمس جنبه، ليعرف هل أصابه الطعن أم لا؟ كقول أبى نواس:
إذا تفكرتُ في هواى لهلمستُ رأسي هل طار عن جسدي
يعني أنه يَهوَي ممتنعاً عزيزاً.
فأضحى كأن السُّور من فوقُ بضدؤُهُإلى الارض قد شَق الكواكب والتُّرْبا
) من فوقُ (: مبني على الضم لحذف المضاف إليه. وبدؤه: ابتداؤه. اي أن هذا السور فوقه قد شق الكواكب إلى ما فَوقها؛ وأسفله قد شق التربَ إلى ما تحته، كقول السموءل بن عادياء يصف حصْناً:
رَسا أصلهُ تحت الثرى وسما بهإلى النجم فَرع لا يُنال طويلُ
فكأنه قال من السماء بدؤه إلى الارض. وإذا كان من السماء إلى الارض، فهو لا محالة من الارض إلى السماء. وإن كان المبدأ الصحيح إنما هو: من الارض.
وله ايضا:
أعيذُها نظراتٍ منكَ صادِقةًأن تحسب الشَّحْمَ فيمَن شحمُه وَرَمُ
اي: أجلُ نظرك الصادق المصيب، أن تظن بي حُسن حالٍ، لما يظهر لك من شارتي، وانما ذلك تجمُّل لا غنى، فنظرُك هذا لايُشبه لك الأمر بخلاف ما هو به. ويكون النظرُ ها هنا ظنُّه الخير فيمن لا خير فيه؛ والاول أشبه.
إذا تَرَحَّلْتَ عن قومٍ قدرُواألا تُفارقهُم فالراحِلُون هُم
اي إذا قدرُوا على إغنائي عن مُفارقتهم، ثم اضطلاوني إلى فراقهم) فُهمُ (المخلُّون بي حقيقة. وإن كنت أنا المخل بهم، لأن سبب إخلإلى بهم إنما هو سبب إخلالهم بي. وإذ لو شاءوا ألا أرحل عنهم لم أرحل.
) وقد قدرُوا (: جملة في موضع الحال. وجاز أن يكون حالاً من قوم، وإن كانوا نكرة، لأن فيه معنى العموم، ولولا هذه الواو، لكان أولى من ذلك أن تكون الجملة في موضع الصفة للنكره. فأما مع الواو فلا يكون، لأن الصفة والموصوف كالشيء الواحد. فإذا عطفت الصفة على الموصوف، فكأنك عطفت بعض الاسم على بعض، وذها مالا يسوغ. وأما الحال فمفصوله من ذي الحال، فجاز الفصل بينهما لذلك.
وَشرُّ ما قيصتهُ راحتي قنصٌشُهبُ البُزاة سواء فيه والرخمُ
اي: أنا في الشعراء كالبازي في أنواع الطير، والشعراء غيري كالرخم، وبين البازي والرخمة من الفضل ما قد عُلم. فيقول: إذا تساويتُ أنا ومن لا تُدركه في أقدار عطاياك، فكان له منها مإلى، فأي فضل لي عليه، وإن كنت فاضلاً له؟ يقول: إما أن تُميزني على غيري من الشعراء، وتُبقي عطاياك لهم كما هي، وإما أن تُبقي عطاءك لي كماهو، وتُنزلهم عنه، ليكونوا دُوني في النوال، كما هُم دُني في المقال.
وخص شُهب البزاة لأنها أفرهُهُن وأقنصُهُن. وقد قيل إن البُزاة كُلها شُهب. فليس إذن على طريق التخصيص، وإنما على حسب الصفة التي البزاة بها.
وَمُهجةٍ مُهجتي من هم صاحبهاأدركتُها بجوادٍ ظهرُهُ حَرَمُ
اي: وُرب ذي مهجةٍ طلب مني ما طلبت منه فلم ينلى ونلُته أنا بجواد ظهره حرمَ: اي من ركبه ولاذ به لم يُنل، ولا قتِل، كما لا يُقتل اللائذُ بالحرم.
رجلاَهُ في الركضِ رجلٌ واليدان يَدٌوفِعلُه ما تُريدث الكفُّ والقدَمُ
اي: أنه يطفرِ، فَتَقَعُ رجلاه معاً كأنمكا هما رجل واحدة. وكذلك تقع يداه، فكأنهما يد واحدة. و) فعله ما تريد الكفُّ (إذا ضربتْه، والقدم إذا ركضته.
يقول: فهو يُغنى فارسه أن يضربه بسوط، أو يركضه بعقبيه؛ ليستدر بذلك جرْيته، ويستمري مشيته.
وله ايضا:
أشكُو النوى ولهُمْ من عبرتي عجبٌكذاك كُنتُ وما أشكُو سوى الكلل
اي: عجُبوا من بكائي وقد غيبها البُعد، وكذا كان دمعي وهي حينئذ قريبة لا تغيبها عني إلا الكلل. فكيف يعجبون من بكائي الآن. ... فقوله:) وما أشكو سوى الكلل (: جملة في موضع الحال. كأنه قال: كذلك كانت عبرتي وهذه المحبوبة قريبة. وجعل) سوى (ها هنا، اسما، فموضعها نُصب بأشكو. وهو في قوة قوله: وما أشكو شيئاً سوى الكلل. وحَسن ذلك أنه في معنى: وما أشكو إلا الكلل.
مابالُ كُل فُؤاد في عشيرتهابه الذي بي وما بي غيرُ مُنتقلِ
اي به من الحب لها مثل ما بي. والذي بي مع ذلك منتقل وكان القياس، إذ كان بهم مثلُ ما بي، أن ينتقل عني حبُّها.
وقيل معناه: به مثلُ الذي بي. والذي ثابت. فالذي بهم أيضاً ثابتٌ لا ينتقل. والفؤاد هنا يجوز أن يعني به الطائفة التي هي موضع الحب، أعنى القلب. ويجوز أن يعني به كل سيد في عشرتها، لأن الفؤاد من أشرف طوائف الجسم. وهذا كما يسمى الشريف عينا لأن العين أشرف الحواس، وألطف جوهراً، فيكون كقول أبى تمام: وسنى فما يصطادُ غير الصيدِ
مُطاعةُ اللحظ في الألحاظِ مَالِكةٌلمُقلتيها عظيمُ الملُك في المُقلِ
اي إذا رأت العيون عينها، ملكت عينها العيون، فلم تقدر أن تتعداها إلى غيرها. فكأن عينها للعيون ما لكة، بمعنها إياها التصرف، والمالك مُطاعٌ. والألحاظ: جمع لحظ. على أنه سمي العين لحظاً، ثم جمعه وإلا لم يُسوغ جمعُ المصدر، إلا أن تكون العرب قد صرحت بجمعه.
ونظير الألحاظ قولهم) الاسماع (إنما سمي موضع السمع بالمصدر، ثم كُسر. ولو قيل إنه اعتمد اللحظ الذي هو المصدر مختلف الأنواع ثم كسره، كما كسرت الحلوم والأشغال، لكان وجها، إن كان ثبت عنده له سماع، يثبت أن المصدر الذي هو) اللحظ (يُجمع.
ولو قال) عظيم الملك (بالكسر، لكان أشبه بمالك، كما أنه لو قال) ملكهُ (لا تزن ذلك؛ فكان ضم الميم في) المٌلك (أشبه بملك، لأن المعروف مالكٌ بين الملك، ومَلِكٌ بين الملك. ولكنه لما قال عظيم وكان) المُلك (أخم من) المِلك اختار المُلك (. وحسُن ذلك، لأن البيت يشتمل بذلك على الملك الذي هو أعم من المُلك بقوله:) مالكةٌ، وعلى المُلك الذي هو أشرف من الملك (.
تشبه الخفراتُ الآنساتُ بِهافي مشيها فينلن الحسن بالحيلِ
الخفرةُ: الحييةُ. والآنسة: المتحببة. اي كل امراة حَسنة مقصرة عن حُسنها، تشبهُ بها في مشيتها، فيغيبُ حسنُ المشي حسنها. فتنال الحُسن بالتحيل. وحَسُن التشبه بها في المشي، لأن غير ذلك من أنواع حسنها لا يُقدر على محاكاته.
وقد أراني الشبابُ الرُّوح في بدنيوقد أراني المشيبُ الروح في بَدَليِ
اي قد كنت فتى يُريني شبابي رُوحي في بَدَني لا أوذن بثُقلته، ولا استشعر قرب رحلته، فلما شبثُ أيقنت إلى الموت وإإلى فراق اللدنيا، ليعمرُها بَدَلي؛ اي غيري. فكأن) روحه (قد فارقه حين تيقن بإنذار المشيب أنه مُفارقٌ. وقد قال هو في هذا المعنى يصف الدنيا:
تملكها الآتي تَمَلُكَ سالبٍوفارقها الماضي فِراقَ سَليبٍ
اي كأن الآتي سَلَبَ الفاني روُحه.
وذُكر أن الحسن البصري مر بمكتب، فبكى فقيل له ما يُبيكيك فقال: اعتباري من هؤلاء الصبيان، كأنهم يقولون: انصرفوا قد بُعثنا أبدالكُم. إلا أن المتنبي تصور روحه في غيره والحَسَن لم يفعل ذلك.
وَقَْ طرقْتُ فَتَاَة الحي مُرتدياًبصاحِبٍ غيرَ عَزْهَاةٍ ولا غَزِلِ
الفتاة: أنثى الفتى، كقولهم: غلامٌ وغُلامة، ورجل وَرَجلة. الطُّرُوق: الإتيان ليلاٌ. وأضاف الفتاة إلى الحي، تفخيماً لشأنها، وإشادة بمكانها، كقوله:
ولكن قلبِي يابْنَةَ القومِ قُلبُ
وأراد بالصاحب: السيف لأن الصعلوك لا يفارق سيفه، فأشعر أنه مُتصعلكٌ بقوله: إن السيف صاحب له. والعزهاةُ: الماقت لحديث لنساء ومجالستهن. والغزلُ: ضدُّه. يقول: طرقت هذه الفتاة مُرتدياً لسيفي. وجعله لا عِزْهاةً ولا غَزِلا، لأن الغزل في طريق القسمة. والعزاهةُ في طريق العدم. فيقول: سيفي صاحب لا يوصف بعزاهة ولا بغزلٍ. والجمادُ لا يقبل قسمة ولا عدَماً. فتفهمه فإنه معنى لطيف، وهو باب من المنطق حسن. ولولا أنه ليس من غرض هذا الكتاب لزدته بياناً. وقد يجب أن أعذر في قولي) الَزَاهةَ (، لانه إنما قلته لمكان الغزل، وإن لم تستعمل العربُ) العَزَاهةَ (. وأقل من هذا العُذر يغنيني مع من عَلَمَ طريقة المنطق.
والمدحُ لابن أبى الهيجاء تُنْجِدُهُبالجاهليةِ عينُ العي والخَطَلِ
كان بعض الشعراء يمدح سيف الدولة، بذكر أسلافه من أهل الجاهلية، فعابه اوب الطيب بذلك، وقال: إن فيما يشاهدون من أفعاله وفضائله ما يغني عن ذكر قدمائه من جدوده وآبائه.
وإعراب البيت يتوجه عندي على وجهين: أوضحُهما أن يكون) المدحُ (مرتفعاً بالابتداء، و) عين العي والخَطَل (: خبره، اي: مدحه إذا أنجده بذكر الجاهلية عيٌّ وخَطَل. وبالجاهلية، متعلق) بتنجدهُ (اي تُقويه بها، ولا يجوز أن يكون متعلقاً بالمدح، لانه إذا كان كذلك صار في صلة المصدر وقد حُلت بينهما بتنجده، فلذلك لا يتعلق به.
ويجوز أن يكون المدح مرتفعاً بالابتداء كما قدمنا، والخبر تنجده. وعين فاعلة بتنجده. اي مدح هذا الملك بأخبار الجاهلية إنما يَمدح المادحُ بها للعيه وخَطله.
والعُربُ منه مع الكُدري طائرهٌوالُّرومُ طائرةٌ منهُ معَ الحجَلِ
والعُربْ: لغة في العرب. ونظيرة، العًجم والعَجَم. والقطا: نوعان كُدري وجوني، فالكُدري اسم عمهما، وحَجَلُ: القبيح، واحدتها حَجَلة، وقد يكون واحدتُها) حجلي (فيكون الحَجل، اسم الجمع كما ذهب إليه سيبويه في قولهم: خادم وخدم، وعازب وَعَزب. فالقطا من طيور ديار العرب الوَحشية. والحَجَلُ من طير الجبال، وهي من مساكن الروم. فيقول: اضطر أعداءه من الفريقين إلى العرب منه والنوحُّش. فلحق كل واحد منهما بالوحشي من طير أرضه، وصار في جملته، حتى كأن لم يكن إنساناً، بكونه مخالفاً للطير. ولذلك قال:) طائره (.
وقد يجوز أن يكنى بالطيران عن شدة العَرَب، وإلا فالعرب والروم وسائر الأجيال لا يتحولون طيراً.
وخَصَّ حُوشية الطير دون سائر الوحش، لانها أسرع في الهَرَب. وقوله:) منه (: اي من أجله.
وما الفرارُ إلى الأجبال من أسدٍتمشي النعامُ به في معقل الوعلِ
اي النعام سُهلية لا قوة لخفافها على خشونة الجبل، ولو ركب سيف الدولة النعام، سهل عليها من ذلك ما صعُب من سعده، ويمُن نقيبتهمشت به في معاقل الأوعال، وهي ذُرا الجبال لأن كل صعب سهلٌ عليه.
وإن شئت قلت: إنه عنى بالنعام خيله، يقول: يركب أوعر الأوعار؛ فكيف يطمع العدو المعتصم بالجبل أن يُعيذه منه. ومما يُحسن أنه يعنى بالنعام هنا الخيل؛ وأنه ليس بحقيقة النعام، وقولُه:) وما الفرارُ إلى الأجيال من أسدٍ (، يعني بالأسد سيف الدولة، ولا نوع الأسد الذي هو السبُع.
فمن ظريف الصنعة أن يوفق بين آخر البيت وأوله، فلا يعني بالنعام، النوع الذي يُقال له النعام، كما لم يعنِ بالأسد الشخص الذي يسمى أسداً على الحقيقة.
وردَّ بعضُ القنَابعضا مُقارعةًكأنه من نُفوس القموِ في جَدَلِ
اي ضاق المعترك، وتحير الملتقى، حتى ردً بعض القنا بعضاً وتقارعت، فكان رد بعضها لبعض تقارعاً، وإذا كان قراعٌ، كان صوت، فكأن ذلك الصوت الذي حدث عن التقارع تخاذلُ. وذلك القراع والجدال كأنهما منافسة في النفوس، كما يتنافس المتجادلون في الظفر، فيرد بعضهم قول بعض. وأراد كأنهما ممن يحاول الظفر بالإنفس، فحذف، لانه قد علم ما يغني.
وله ايضا:
وأشنبَ مَعْسُولِ الثنياتِ وَاضحٍسَتَرْتُ فمي عنهُ فقبل مفر قى
يذهب إلى إثيار الجلالة على اللذاذة، ويدعى ذلك لتسميته، حتى إنه يصحبه خلوته، وحين الظفر بمحبوبته. والصبر عند ذلك أدل على مِلْكِهِ لإْبه.
قال: فرب حبيب حُسناً ودلاََّ زارني، فحاول تقبيل فمي، فسترت فمي عنه، لانه موضع اللذاذة، واللَّذاذة لا أوثرها، وبذلت له تقبيل مفْرِقي، لانه موضع الجلالة التي أوثرها.
وهذا كقول الآخر؛ إلا انه بعكس، ومنعه محبوبه من نفسه، ما منع المتنبي من نفسه حبيبه:
حاولت منها قُبلةً فتعمدتْبعقارب الأصداغ قطع طريقها
وَمَا كُل من يهوى يعفُّ إذا خَلاَعفافي ويُرضى الحب والخيل تُلتقي
ويروى) ويرعى الحب (. فمن رواه) يُرضي (فإن من شأن نساء العرب أن يُحببن من مُحبيهن الشجاعة والإقدام، كقول عمرو بن كُلثوم:
يَقُتن جيادنا ويقُلنْ لستمُبعُوُلتنا إذا لم تمنعُونا
فيقول: أنا أعف كرماً، وأرضى محبوبى في الحرب، بمشاهدته مني، ما يهواه مني، أو بإخباره ذلك عنى. وليس كل أحد من العشاق يجمع عقة وشجاعة، إذ العشق والعفة والفتك غريزة الاجتماع.
ومن رواه) ويرعى الحب (فهو يقول: أنا أعف كرماً لا توراً في هواى، بل أنا مُراعٍ المحبوب، حتى إني اذكُره في الحرب، وأراعيه أوان الشدة فكيف في حال السكون والهدوء.
وفي)) عى الهوى (هنالك مَزيتاَن: إحدهما رباطة الجأش، حتى لا يُشغل الخاطر عن ذكر الهوى. والآخر لشدة محافظته على الوقاء، حتى لا يشَغْله عتد شدةُ الهيجاء كقول زياد الأعجم:
ذكرتك والخَطى يخطر بينناوقد نَهَلَتْ منا المثقفة السَُمْرُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع