تجاوز إلى المحتوى

ألا هبي بصحنك فاصبحينا

عمرو بن كلثومالوافرالعصر الجاهلي

اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه

سند النص: قوبِل هذا النصّ كاملًا على نسخةٍ أخرى · آخر مراجعة ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦

عن القصيدة

«ألا هبي بصحنك فاصبحينا» من شعر عمرو بن كلثوم، من العصر الجاهلي، وتقع في ١٢٥ بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف النون، وهي من المعلقات.

بحر الوافر: مفاعلتن مفاعلتن فعولن · قصائد أخرى رويّها النون

معلقة عمرو بن كلثوم سيد تغلب، في الفخر بقومه، قالها في خصومة تغلب وبكر التي قال فيها الحارث بن حلزة معلقته أيضًا. وهي تبدأ بالخمر لا بالأطلال، وعلى بحر الوافر ورويّها النون.

اقرأ: ما هي المعلقات؟

من هذه القصيدة في كتب التراث

معنى قول عمرو بن كلثوم

أَلا هُبّي بِصَحنِكِ فَاِصبَحينا

وَلا تُبقي خُمورَ الأَندَرينا

قال الزوزني في «شرح المعلقات السبع»: يقول: ألا استيقظي من نومك أيتها الساقية واسقيني الصبوح بقدحك العظيم، ولا تدخري خمر هذه القرى.

شرح القصيدة بيتًا بيتًا
  1. ١

    أَلا هُبّي بِصَحنِكِ فَاِصبَحينا

    وَلا تُبقي خُمورَ الأَندَرينا

    ابن الأنباري: قوله (هبي) معناه قومي. قال الشاعر: ألا أيّها النوام ويحكمُ هُبُّوا ... أسائلْكمُ هل يقتلُ الرجلَ الحبُّ و (الصحن): القدح الضخم الواسع، والتبن: أكبر الأقداح، والرفد: القدح الضخم. قال الأعشى يمدح الأسود بن المنذر أخا النعمان بن المنذر: رُبَّ رِفدٍ هرقته ذلك اليوْ ... مَ وأسَرى من مَعشرٍ أقتالِ وقال أبو عمرو: الكتن: القدح الصغير. وقال أبو زيد: يقال للقدح الصغير الغمر، ثم العس أكبر منه. وقال غيره: القرو: قدح صغير. وأنشد: وأنت بين القَرْو والعاصرِ والقعب: قدح صغير يروى الرجل الواحد. وقوله (فاصبحينا) معناه فاسقينا صبوحا، وهو شرب الغداة. والأندرين: قرية بالشام كثيرة الخمر. و (ألا) افتتاح للكلام، وهبي مجزوم على الأمر علامة الجزم سقوط النون، والفاء جواب الجزاء المقدر، وتبقى جزم بلا على النهى، واصبحينا مجزوم على الأمر علامة الجزم فيه وفي تبقى سقوط النون، وموضع الأندرين خفض بالإضافة، وفتحت النون لأنها مشبهة بنون الجمع، والألف صلة لفتحة النون. ويقال في رفعها الأندرون.

    الزوزني: هبّ من نومه هبًّا: إذا استيقظ. الصحن: القدح العظيم ، والجمع الصحون. الصبح: سقي الصبوح، والفعل صبح يصبح. أبقيت الشيء وبقيته بمعنى. الأندرون: قرى بالشام. يقول: ألا استيقظي من نومك أيتها الساقية واسقيني الصبوح بقدحك العظيم، ولا تدخري خمر هذه القرى.

    الخطيب التبريزي: ألا: تنبيه، وهو افتتاح الكلام وهُي: معناه قومي من نومك، يقال: هب من نومه هبَّا، إذا انتبه وقام من موضعه، والصحن: القدح الواسع الضخم، والصبوح: شرب الغداة، والأندرين: قرية بالشام كثيرة الخمر، ويقال: إنما أراد أندر، ثم جمعه بما حواليه، ويقال: أن اسم الموضع أندرون، وفيه لغتان: منهم من يجعله بالواو في موضع الرفع وبالياء في موضع النصب والجر ويفتح النون في كل ذلك، ومنهم من يجعل الإعراب في النون، ولا يجيز أن يأتي بالواو، وقال أبو إسحاق: يجوز أن يأتي بالواو ويجعل الإعراب في النون، ويكون مثل زيتون يُجرى إعرابه في آخر حرف منه، قال أبو إسحاق: خبرنا بهذا أبو العباس، ولا أعلم أحدا سبقنا إلى هذا.

  2. ٢

    مُشَعشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فيها

    إِذا ما الماءُ خالَطَها سَخينا

    ابن الأنباري: (المشعشعة): الخمر التي أرق مزجها، وما مزج فأرق مزجه فقد شعشع، ومنه قيل رجل شعشاع، إذا كان طويلا خفيف اللحم. و (الحص): الورس. و (فيها) معناه في الخمر. وقوله (إذا ما الماء خالطها سخينا) قال أبو عمرو: معناه إذا خالها الماء وشربناها كنا أسخياء، أي ازداد سخاؤنا على ما كان عليه قبل شربناها. وقال غيره: إذا ما الماء خالطها سخينا معناه إنها تمزج بالماء الحار. يقال ماء سخين، إذا كان مسخنا. ويروى: (إذا ما الماء خالطها شخينا) بالشين معجمة وبالحاء غير معجمة. ومشعشعة نصب بقوله فاصبحينا. وإذا وقت، والماء رفع بما عاد من خالط، وما صلة وسخينا فعل ماض من السخاء جواب لإذا. ومن قال سخينا حارا نصبه على الحال من الماء. ومن رواه شحينا بالشين نصبه على الحال من الهاء، وأراد خالطها مشحونة أي مملوة؛ من قول الله تبارك وتعالى: (في الفلك المشحون) فصرف من مفعول إلى فعيل، فلم تدخلها الهاء، وكان بمنزلة قولهم: كف خضيب، وعين كحيل، ولحية دهين؛ يراد به: مخضوبة، ومكحولة، ومدهونة.

    الزوزني: شعشعت الشراب: مزجته بالماء. الحص: الورس نبت له نوّار أحمر يشبه الزعفران. ومنهم من جعل سخينًا صفة ومعناه الحار، من سخن يسخُن سخونة، ومنهم من جعله فعلاً من سخي يسخى سخاءً، وفيه ثلاث لغات: إحداهن ما ذكرنا، والثانية سَخُوَ يسخو، والثالثة سخا يسخو سخاوة. يقول: اسقينيها ممزوجة بالماء كأنها من شدة حمرتها بعد امتزاجها بالماء ألقي فيها نـَوْر هذا النبت الأحمر، وإذا خالطها الماء وشربناها وسكرنا جُدنا بعقائل أموالنا وسمحنا بذخائر أعلاقنا، هذا إذا جعلنا سخينًا فعلاً، وإذا جعلناه صفة كان المعنى: كأنها حال امتزاجها بالماء وكون الماء حارًّا، نور هذا النبت. ويروى شحينًا، بالشين المعجمة، أي إذا خالطها الماء مملوءة به. والشحن: الملء، والفعل شحن. . يشحَن، والشحين، بمعنى المشحون كالقتيل بمعنى المقتول، يريد أنها حال امتزاجها بالماء وكون الماء كثيرًا تشبه هذا النَّور.

    الخطيب التبريزي: المشعشعة: الرقيقة من العصر أو من المزج، والحص: الورس، و (فيها) أي في الخمر، ويقال في الحص: إنه الزعفران، شبه صفرتها بصفرته، وقوله: (سخينا) قال أبو عمرو الشيباني: كانوا يُسخنون لها الماء في الشتاء، ثم يمزجونها به، وهو على هذا منصوب على الحال، أي إذا خالطها في هذه الحال، وقيل: هو نعت لمحذوف، والمعنى فاصبحينا شرابا سخينا، ثم أقام الصفة مُقام الموصوف، وقيل: سخينا فعل، أي إذا شربناها سخينا كما قال: وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكاً ... وَأُسْدَا مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ فأما قوله (مشعشعة) فانه منصوب على الحال، وان شئت على البدل من قوله (خمور الأندرينا) وإن شئت رفعت بمعنى هي مشعشعة، وقد قيل: أن مشعشعة منصوبة بقوله: فاصبحينا.

  3. ٣

    تَجورُ بِذي اللُبانَةِ عَن هَواهُ

    إِذا ما ذاقَها حَتّى يَلينا

    ابن الأنباري: (اللبانة): الحاجة، يقال: لي إليه حاجة، ولبانة، وأشكلة، وشهلاء. أنشد أبو عمرو: لم أقضِ حين ارتحلوا شهلائي ... من الكَعَاب الطَّفْلة الحسناء ويقال: لي إليه مأربة، أي حاجة؛ وجمعها مآرب. قال الله تبارك وتعالى: (وليَ فيها مآرب أخرى)، أي حوائج. ويقال: لي في هذا الشيء أرب وإربة، أي حاجة. قد أربت إلى الشيء آرب أربا، إذا احتجت إليه. ومنه قولهم: ما أربك إلى كذا وكذا. ويقال: ما بقيت في صدري حوجاء ولا لوجاء الا قضيتها. ويقال: قضيت من الشيء وطرا، إذا قضيت حاجتي منه. قال الله تبارك وتعالى: (فلمَّا قَضَى زيدٌ منها وطراً). ومعنى البيت أن الخمر تميل بشاربها عن حاجته. وفاعل تجور مضمر فيه من ذكر الخمر، وما صلة، وإذا نصب بتجور، ويلينا نصب بحتَّى، والألف صلة لفتحة النون.

    الزوزني: يمدح الخمر ويقول: تميل صاحب الحاجة عن حاجته وهواه إذا ذاقها حتى يلين، أي هي تنسي الهموم والحوائج أصحابها، فإذا شربوها لانوا ونسوا أحزانهم وحوائجهم.

    الخطيب التبريزي: تجور: تعدل، واللبانة: الحاجة، أي تعدل بصاحب الحاجة عن هواه حتى يلين لأصحابه ويجلس معهم ويترك حاجته، وقيل: حتى يلين عن هواه فيسكر عنه.

  4. ٤

    تَرى اللَّحِزَ الشَّحيحَ إِذا أُمِرَّت

    عَلَيهِ لِمالِهِ فيها مُهينا

    ابن الأنباري: (اللحز): الضيق البخيل؛ والعقص مثله. والحصر: الممسك. والحصر أيضا: الذي يكتم السر ولا يبذله وهو مدح. قال جرير: ولقد تسقَّطني الوشاةُ فصادفوا ... حصِراً بسرك يا أميم ضنينا وقال أبو عمرو: اللحز: السيئ الخلق اللئيم. وقال غيره: يقال للسيئ الخلق: الشرس، والشكس، واليلندد. والقاذورة: الفاحش السيئ الخلق. قال متمم بن نويرة اليربوعي: وإنْ تَلقَه في الشَّرْب لا تَلَقَ فاحشاً ... على الكأس ذا قاذورة متزبعا قاذورة: متباعد من الناس. ومتزبع: متكبر؛ ويقال: هو المعربد يلقى الشر بين القوم. ومعنى البيت: أن الكأس إذا أديرت على القوم وشرب البخيل السيئ الخلق حسن خلقه وأهان ماله. واللحز منصوب بترى، ومهينا خبر ترى، واللام وفي صلتان لمهين.

    الزوزني: اللحز: الضيق الصدر. الشحيح: البخيل الحريص، والجمع الأشحة والأشحاء، والشحاح أيضًا مثل الشحيح، والفعل شح يَشح، والمصدر الشح وهو البخل معه حرص. يقول: ترى الإنسان الضيق الصدر البخيل الحريص مهينا لماله، فيها أي في شربها إذا أمرت الخمر عليه، أي إذا أديرت عليه

    الخطيب التبريزي: اللحز: الضيق البخيل، وقيل: هو السيئ الخلق اللئيم، ويقال: هي من الأشياء التي تجمع كثيرا من الشرور مثل الهلباجة، وروى بعض أهل اللغة إنه قيل لأعرابي: ما الهلباجة؟ فقال: السيئ الخلق، ثم قال: والأحمق، ثم قال: والطياش، ثم قال بيديه: احمل عليه من الشر ما شئت والشحيح: البخيل وقوله: (إذا أمرت عليه) أي إذا أديرت. والمعنى: أن الخمر إذا كثر دورانها عليه أهان ماله. يقال: (فلان مهين لماله) إذا كان سخيا، و (فلان معز لماله) إذا كان بخيلا.

  5. ٥

    صَبَنْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو

    وَكانَ الكَأْسُ مَجراها اليَمِينَا

    الزوزني: الصبن: الصرف، والفعل صبن يصبن. يقول: صرفت الكأس عنا يا أم عمرو، وكان مجرى الكأس على اليمين فأجريتها على اليسار.

  6. ٦

    وَما شَرُّ الثَلاثَةِ أُمَّ عَمرٍو

    بِصاحِبِكِ الَّذي لا تَصبَحينا

    الزوزني: يقول: ليس بصاحبك الذي لا تسقينه الصبوح شر هؤلاء الثلاثة الذين تسقينهم، أي لستُ شرَّ أصحابي، فكيف أخرتني وتركت سقيي الصبوح؟

    الخطيب التبريزي: بعضهم يروي هذين البيتين لعمرو أخت جذيمة الأبرش، وذلك لما وجده مالك وعقيل في البرية، وكانا يشربان، وأُمُّ عمرو هذه المذكورة تصد عنه الكأس، فلما قال هذا الشعر سقياه وحملاه إلى خاله جذيمة، ولهما حديث.

  7. ٧

    وَكَأسٍ قَد شَرِبتُ بِبَعلَبَكٍّ

    وَأُخرى في دِمَشقَ وَقاصِرينا

    الزوزني: يقول: ورب كأس شربتها بهذه البلدة، ورب كأس شربتها بتينك البلدتين.

  8. ٨

    وَإِنَّا سَوْفَ تُدْرِكُنَا المَنَايَا

    مُقَدَّرَةً لَنَا وَمُقَدَّرِينَا

    ابن الأنباري: (المنايا): جمع منية، وهي الموت. ويقال: المنايا: الأقدار، من قول الله عز وجل: (مِنْ نُطفة إذا تُمْنَى)، معناه إذا تقدَّر. ويقال: مناه الله تعالى بما يسره، أي قدر الله له ما يسره. قال الشاعر: لعمرُ أبي ليلى لقد ساقه المَنَى ... إلى جدث يُوزَى له بالأهاضب وقال الآخر: مَنَتْ لك أن تلاقيني المنايا ... أحَادَ أحادَ في الشَّهر الحلالِ أراد: قدرت، وقال الآخر: ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعلُه ... حتَّى تَبيَّنَ ما يَمنِى لك الماني أي ما يقدر لك القادر. وقال الآخر: وعلمت أن النَّفسَ تلقى حتْفَها ... ما كان خالقُها المليكُ مَنَى لها أي قدر لها. وقوله (مقدرة لنا ومقدرينا)، معناه قدرت علينا وقدرنا لها. ونصب مقدرة على الحال من المنايا، ونصب مقدرين على الحال من النون والألف في تدركنا، ونسق مقدرين على مقدرة، وأضمر بعد مقدرين نحن، أي ومقدرين لها نحن.

    الزوزني: يقول: سوف تدركنا مقادير موتنا، وقد قدّرت تلك المقادير لنا وقدرنا لها. المنايا: جمع المنية وهي تقدير الموت.

    الخطيب التبريزي: المنايا: جمع منية، ويقال: المنايا الأقدار من قول الله عز وجل: (مِنْ نُطْفَةٍ إذا تُمْنَى) معناه إذا تُقدر، وقوله: (مُقَدَّرة لنا ومقدرينا) أي نحن مقدرون لأوقاتها وهي مقدرة لنا، ومقدرة: منصوبة على الحال، وكذلك مقدرينا، أي تدركنا في هذه الحال، ومعنى هذا البيت في اتصاله بما قبله إنه لما قال: (هُبِّي بصحنك) حضها على ذلك، فالمعنى: فاصبحينا قبل حضور الأجل؛ فإن الموت مُقدَّر لنا ونحن مُقدرون له.

  9. ٩

    قِفي قَبلَ التَفَرُّقِ يا ظَعينا

    نُخَبِّركِ اليَقينا وَتُخبِرينا

    ابن الأنباري: قوله (يا ظعينا) معناه يا ظعينة، فرخم فحذف الهاء ووصل فتحة النون بالألف. ونخبِّرك ينجزم لأنه جواب الجزاء المقدّر. يريد: أن تقفي نخبرك. وتخبرينا نسق على نخبرك، علامة الجزم فيه سقوط النون. وخبَّر وأخبر لغتان معناهما واحد، كما تقول: مهَّل وأمهل، ووصّى وأوصى. قال الله تعالى: (ووصّى بها إبراهيمُ بنيه). وقرأ أهل المدينة: (وأوصى) والمعنى واحد.

    الزوزني: أراد يا ظعينة فرخَّم، والظعينة: المرأة في الهودج، سميت بذلك لظعنها مع زوجها، فهي فعيلة بمعنى فاعلة، ثم كثر استعمال هذا الاسم للمرأة حتى يقال لها ظعينة وهي في بيت زوجها. يقول: قفي مطيّتك أيتها الحبيبة الظاعنة نخبرك بما قاسينابعدك، وتخبرينا بما لاقيت بعدنا.

    الخطيب التبريزي: يا ظعينا: معناه يا ظعينة، فرخم، وحذف الهاء، وأشبع الفتحة فصارت ألفا، أي قفي نُخبرك ما لا تشكين فيه من حروبنا مع أهلك، والمعنى قبل أن يفارقنا أهلك، وقيل: المعنى قبل أن يُفرِّق بيننا الموت، والأول أصح.

  10. ١٠

    قِفي نَسأَلكِ هَل أَحدَثتِ صَرماً

    لِوَشكِ البَينِ أَم خُنتِ الأَمينا

    ابن الأنباري: ويروى: (صرما). والصرم: القطيعة. و (وشك البين): سرعته. يقال منه: جعل الله ذلك فرجا عاجلا وشيكا، أي سريعا. والبين: الفراق. والبيْن: الوصال. قال الله عز ذكره: (وجعَلنْا بينَهُمْ مَوْبقاً)، معناه جعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة. وقال الشاعر: لعمرك لولا البين لانقطَعَ الهوى ... ولولا الهوى ما حَنَّ للبيْن آلفُ فالبين الأول والثاني بمعنى الوصال. واللام صلة وصل، وخنت نسق على أحدثت، معناه: أم هل خُنت الأمين. و (الأمين): الوفيُّ العهد.

    الزوزني: الصرم: القطيعة. الوشك: السرعة، والوشيك: السريع. الأمين: بمعنى المأمون. يقول: قفي مطيتك نسألك هل أحدثت قطيعة لسرعة الفراق، أم هل خنت حبيبك الذي تؤمن خيانته؟ أي هل دعتك سرعة الفراق إلى القطيعة أو إلى الخيانة في مودة من لا يخونك في مودته إياك؟

    الخطيب التبريزي: ويروى (هل أحدثت وصلا) والصرم: القطيعة، ووشك البين: سرعته، والمعنى: هل أحدثت قطيعة لقرب الفراق؟ وجعل ما تخبره به كأنه خيانة، وجعل نفسه بمنزلة الأمين الذي يحفظ السر، أي لم يُغيرني شيء من الحروب التي كانت بيني وبين أهلك، وأنا لك بمنزلة الأمين.

  11. ١١

    بِيَومِ كَريهَةٍ ضَرباً وَطَعناً

    أَقَرَّ بِهِ مَواليكِ العُيونا

    ابن الأنباري: الباء صلة نخبرك اليقين. بيوم كريهة، أي بيوم وقعة كريهة أي مكروهة. وإنما ثبتت الهاء في كريهة وهي في تأويل مفعولة لأنها جعلت اسما بمنزلة النطيحة والذبيحة و (الكريهة): اسم لشدة الناس في الحرب، قال الأشترالنخعي: خيلاً كأمثال السَّعالي ضُمَّراً ... تَعدو بفتيان الكريهة شُوسِ وقالت الخنساء: نُهين النفوسَ وهُونُ النفو ... سِ يوم الكريهة أوقَى لها و (الموالي): بنو العم في هذا الموضع. ومعنى قوله (أقربه مواليك العيونا) ظفروا فنامت عيونهم وزال سهرهم. يقال: أقر الله سبحانه وتعالى عينك، أي أنام الله عز وجل عينك. وقال الأصمعي: أقر الله عينك، معناه أبرد الله جل وعلا دمعتك. وزعم أن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة. وأقر عنده مشتق من القر والقرة، وهما البرد يقال للماء البارد القرور. وقال: أسخن الله تعالى عينه معناه حزنه الله سبحانه حتى تسخن دمعته. وأنكر أبو العباس قول الأصمعي وقال: الدمع كله حار في فرح كان أو حزن. وقال: معنى قولهم: أقر الله عينك: أعطاك الله تعالى أملك وبلغك مرادك حتى ترضي نفسك به وتقر عينك عن الاستشراف إلى غيره. ويقال لكل شيء وقع في موضعه الذي ينبغي أن يقع فيه: (صابت بقُر). أي أدرك قلبك ما كان متطلعا إليه فقرَّ. قال طرفة: سادراً أحسِبُ غَيِّي رشَداً ... فتناهيت وقد صابت بِقُرّ السادر: الذي كأن على بصره غشاوة. وقال غيره: لسادر: الراكب هواه لا يبالي ما صنع. وضربا وطعنا منصوبان على المصدر، ومواليك رفع بأقر، والعيون نصب بأقر أيضا:

    الزوزني: الكريهة: من أسماء الحرب، والجمع الكرائه، سميت لأن النفوس تكرهها، وإنما لحقتها التاء لأنها أخرجت مخرج الأسماء مثل: النطيحة والذبيحة، ولم تخرج مخرج النعوت مثل: امرأة قتيل وكف خضيب، ونصب ضربًا وطعنًا على المصدر أي يضرب فيه ضربًا ويطعن فيه طعنًا. قولهم: أقر الله عينك قال الأصمعي: معناه أبرد الله دمعك، أي سَرّك غاية السرور، وزعم أن دمع السرور بارد ودمع الحزن حار، وهو عندهم مأخوذ من القرور وهو الماء البارد، ورد عليه أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب هذا القول وقال: الدمع كلّه حار جلبه فرح أو ترح. وقال أبو عمرو الشيباني: معناه أنام الله عينك وأزال سهرها لأن استيلاء الحزن داعٍ إلى السهر، فالإقرار على قوله إفعال من قر يقر قرارًا، لأن العيون تقرّ في النوم وتطرف في السهر, وحكى ثعلب عن جماعة من الأئمة أن معناه: أعطاه الله مناك ومبتغاك حتى تقر عينك عن الطموح إلى غيره؛ وتحرير المعنى: أرضاك الله؛ لأن المترقب للشيء يطمح ببصره إليه، فإذا ظفر به قرت عينه عن الطموح إليه. يقول: نخبرك بيوم حرب كثير فيه الضرب والطعن، فأقر بنو أعمامك عيونهم في ذلك اليوم، أي فازوا ببغيتهم وظفروا بمناهم من قهر الأعداء.

    الخطيب التبريزي: (بيوم كريهة) أي بيوم وقعة كريهة، وإنما ثبتت الهاء في كريهة وهي في تأويل مفعولة لأنها جُعلت اسما مثل النطيحة والذبيحة، والكريهة: اسم لشدة البأس في الحرب، والموالي هنا: العصبة، وقيل: يريد بهم بني العم، وقوله: (طعنا وضربا) مصدران، أي نطعن طعنا ونضرب ضربا، ويجوز أن يكون مفعولا بهما ويكون الفاعل مضمرا، ويكون المعنى بيوم يُكرَه الضرب والطعن فيه، والباء في قوله (بيوم) متعلقة بقوله قفي، ويجوز أن تكون متعلقة بقوله نخبرك، فإذا كانت متعلقة بقوله قفي فالمعنى قفي بهذا اليوم الكريه الذي كان بيننا وبين أهلك فيه حرب لأنظر أغيرك ذلك أم لا، ثم بيَّن بالذي بعده، فقال:

  12. ١٢

    وَإنَّ غَداً وَإِنَّ اليَومَ رَهنٌ

    وَبَعدَ غَدٍ بِما لا تَعلَمينا

    ابن الأنباري: معناه يأتيك غد بما لا تعلمين من الحوادث وغيرها. وفي غد لغتان: غد، وغدو. قال لبيد: وما الناسُ إلا كالدّيار وأهلها ... بها يومَ حَلُّوها وغَدْواً بلاقِعُ وغدا اسم إن، واليوم نسق على غد، ورهن خبر إن، وإن الثانية لغو. وإن غداً واليوم. ويجوز أن يكون رهن خبرا لإحداهما ويكون خبر الأخرى مضمرا، يريد: وان غدا رهن وان اليوم رهن. قال الحطيئة: قالت أمامَة لا تجزَعْ فقلت لها ... إنَّ العزاء وإنَّ الصَّبَر قد غلبا أراد: أن العزاء والصبر قد غلبا، فإن الثانية لغو. ويجوز أن يكون أراد: أن العزاء قد غلب وإن الصبر قد غلب، فجمع بين الخبرين لاتفاقهما. وقال الآخر: إنّ قلبي وإنّ روحي جميعاً ... سايرَاها الغداةَ في الأظعان فالجواب فيه كالجواب في البيت الأول، وإنما يوحد الرهن إذا ألغيت أن الثانية؛ لأن مصدر رهنت رهنا، والمصدر يكون للواحد والاثنين والجميع والمؤنث بلفظ واحد، كقولك: الرجال عدلٌ والمرأة رضاً. قال زهير: متَى يَشتجِرْ قومٌ بَقْلُ سَرَواتُهمْ ... همُ بيننا فَهُمْ رضاً وهُمُ عَدلُ والباء في قوله (بما لا تعلمين) صلة ما، والهاء المضمرة تعود على ما يريد بالذي لا تعلمينه.

    الزوزني: أي بما لا تعلمين من الحوادث. يقول: فإن الأيام رهن بما لايحيط علمك به أي ملازمة له.

    الخطيب التبريزي: معناه يأتيك بما لا تعلمين من الحوادث وغيرها، أي الأيام مرتهنة بالأقدار، فهي توافينا من حيث لا نعلم، ونظير هذا قوله: وَأَعْلَمُ مَا فِي اليَوْمِ وَالأمْسِ قَبْلَهُ ... وَلكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ ومعنى هذا البيت في أثر تلك الأبيات: أني قد علَّقت قلبي بهذه المرأة، والأقدار تأتي، ولا أدري ما يكون من أمرها

  13. ١٣

    تُريكَ إِذا دَخَلتَ عَلى خَلاءٍ

    وَقَد أَمِنَت عُيونَ الكاشِحينا

    ابن الأنباري: (الكاشحون): الأعداء، واحدهم كاشح، وإنما قيل له كاشح لأنه يعرض عنك ويوليك كشحه. والكشح، والخصر، والقرب واحد، وهو ما يلي الخاصرة. قال الأعشى: ومن كاشح ظاهرٍ غِمْرُه ... إذا ما انتسبتَ له أنكرَنْ وقال آخرون: وإنما قيل للعدو كاشح لأنه يضمر العداوة في كشحه. واحتجوا بقول الكميت: لمَّا رآه الكاشحو ... ن من العيونِ على الحنادر الحنادر: نواظر العيون، واحدها حُنُدورة، وحِنْدَورة، وحِنديرة. والمعنى: رأوه كأنه على أبصارهم من بغضهم له واستثقالهم إياه. وقال الآخر: فأضمَر أضغاناً عليّ كشوحُها وقال: أأرضِى بليلى الكاشحينَ وأبتغي ... كرامةَ أعدائي بها وأهينُها وقال أصحاب هذه المقالة: إنما خص الكشح لأن الكبد فيه. فيراد أن العداوة في الكبد. ولذلك يقال عدو أسود الكبد، أي شديد العداوة قد أحرقت كبده. قال الشاعر: فما أجشِمْتُ من إتيان قوم ... همُ الأعداء والأكبادُ سُودُ ويقال: قد طوى فلان كشحه، إذا أعرض. قال الشاعر: صرمتُ ولم أصرِمكمُ وكصارِم ... أخٌ قد طَوى كشحاً وأبّ ليذهبا معنى أب تهيأ وتشمر، والاسم الإبابة. قال زهير: وكان طوَى كشحاً على مستكنَّةِ ... فلا هُوَ أبداها ولم يتقدَّمِ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح). ويقال: قد كاشح فلان فلانا، فهو مكاشح، إذا عاداه. وقال ابن هرمة: ومكاشحٍ لولاك أصبحَ جانحاً ... للسِّلْم يَرقِى حَيَّتى وضِبابي وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل للعدو كاشح لأنه أدبر بوده عنك. وقالوا: هو بمنزلة قولهم: قد كشح عن الماء، إذا أدبر عنه. واحتجوا بقول الشاعر: كشْحَ حمار كشَحَتْ عنه الحُمُرْ أراد: أدبرت عنه. وقال امرؤ القيس: فلم يَرَنا كالئٌ كاشح ... ولم يُفْشَ منا بدى البيت سِرّْ و (الخلاء) من الخلوة ممدود. والخلا: ما اختليته بيدك من البقل مقصور، والواو في (وقد) واو الحال.

    الزوزني: الكاشح: المضمر العداوة في كشحه، وخصت العرب الكشح بالعداوة لأنه موضع الكبد، والعداوة عندهم تكون في الكبد، وقيل: بل سمي العدوّ كاشحًا؛ لأنه يكشح عن عدوه أي يعرض عنه فيوليه كشحه، يقال: كشح عنه يكشح كشحًا. يقول: تريك هذه المرأة إذا أتيتها خالية وأمنت عيون أعدائها.

    الخطيب التبريزي: الكاشح: العدو، وإنما قيل له كاشح لأنه يُعْرِض عنك ويوليك كشحه وهو الجنب، وقيل: إنما قيل له كاشح لأنه يُضمر العداوة في كشحه، وخلاء: خلوة من الرُّقباء.

  14. ١٤

    ذِراعَي عَيطَلٍ أَدماءَ بِكرٍ

    هِجانِ اللَونِ لَم تَقرَأ جَنينا

    الزوزني: العيطل: الطويلة العنق من النوق. الأدماء: البيضاء منها. والأُدْمة البياض في الإبل، البِكْر: الناقة التي حملت بطنًا واحدًا، ويروى بَكر بفتح الباء، وهو الفتي من الإبل وبكسر الباء أعلى الروايتين؛ ويروى: تربعت الأجارع والمتونا. تربعت: رعت ربيعًا. الأجارع جمع الأجرع وهو المكان الذي فيه جرع، والجرع: جمع جرعة، وهي دعص، من الرمل غير منبت شيئًا. المتون: جمع متن وهو الظهر من الأرض. الهجان: الأبيض الخالص البياض، يستوي فيه الواحد والتثنية والجمع، وينعت به الإبل والرجال وغيرهما. لم تقرأ جنينًا أي لم تضم فيه رحمها ولدًا. يقول: تريك ذراعين ممتلئتين لَحْمًا كذراعي ناقة طويلة لم تلد بعد أو رعت أيام الربيع في مثل هذا الموضع، ذكر هذا مبالغة في سمنها، أي ناقة سمينة لم تحمل ولدًا قط، بيضاء اللون.

  15. ١٥

    وَثَدياً مِثلَ حُقِّ العاجِ رَخصاً

    حَصاناً مِن أَكُفِّ اللامِسينا

    ابن الأنباري: أراد: تريك ذراعي عيطل وتريك ثديا في بياضه ونتوه مثل حق العاج. (حصانا): عفيفة في قول أبي عمرو. وقال غيره: الحصان: التي قد تحصنت من الريب بزوج. (من أكف اللامسين)، يقول: لم تمسها أكف الناس. ويقال امرأة حصان من نسوة حصائن، أي عفائف. قال حسان: حَصان رَزَان لا تُزَنُّ بريبة ... وتُصبح غَرثَى من لُحوم الغوافل وقال أبو عبيدة: يقال امرأة حاصن للعفيفة. وأنشد للعجاج: وحاصنٌ من حاصات مُلْسِ ... من الأذى ومن قراف الوَقْسِ الوقس: الجرب، والقراف: الدنو منه. ويقال امرأة حصان بينة الحصانة والحصُن والحصْن. وقد أحصنت وحصُنت. قالت امرأة من العرب وخرجت إلى الطريق فنظرت إلى شاب فغازلها، فلما رجعت إلى أمها قالت: يا أمتَّي أبصَرَني راكبٌ ... يسير في مسحَنْفرٍ لاحبِ ما زلتُ أحثِي التُّربَ في وجههِ ... عَمداً وأحمِي حَوزةَ الغائبِ فأجابتها: الحُصْنُ أدنَى لو تريدينَه ... مِن حَثْيكِ التربَ على الراكبِ ويروى: (لو تأييته). والثدي نسق على ذراعي عيطل، ومثل ورخصا وحصانا من نعت الثدي، ومن صلة حصان. ويجوز أن ينتصب حصانا على الحال من الضمير الذي في تريك.

    الزوزني: رخصًا: لينا. حصانًا: عفيفة. يقول: وتريك ثديًا مثل حق من عاج بياضًا واستدارة، محرزة من أكف من يلمسها

    الخطيب التبريزي: أي تريك ذراعي عيطل، وتريك ثديا كحق العاج في بياضه ونتوه، والرحض: اللينة، والحصان: العفيفة، وقيل: التي تحصنت من الريب، واللامسون: أهل الريبة، وقوله: (حصانا) يجوز أن يكون من نعت الثدي، ويجوز أن يكون حالا من المضمر الذي في (تُريك).

  16. ١٦

    وَمَتنَي لَدنَةٍ سَمَقَت وَطالَت

    رَوادِفُها تَنوءُ بِما وَلينا

    ابن الأنباري: ويروى: (بما ولينا). (اللدنة): اللينة، يقال من ذلك: قناة لدنة، أي لينة. و (روادفها): أعجازها. (تنوء): تنهض. (بما يلينا)، أي بما يليهن، يعنى بما يقرب من أعجازهن. يقال نؤت بالحمل، إذا نهضت به. قال حسان: وقامت تُرائيك مغدودناً ... إذا ما تنوء به آدَها أراد: تنهض به. و (المتنان): جانبا الفقار. (طالت ولانت)، معناه هي طويلة القامة لينتها. والألف في يلينا صلة لفتحة النون، ومتنى لدنة نسق على ذراعي عيطل، والروادف مرتفعة بطالت، وفي تنوء ضمير مرفوع من اللدنة.

    الزوزني: اللدن: اللين، والجمع لُدن، أي ومتني قامة لدْنَة. السُّموق: الطول، والفعل سمق يسمق، الرادفتان والرانفتان: فرعا الأليتين، والجمع الروادف والروانف. النَّوء: النهوض في تثاقل. الوَلْيُ: القرب، والفعل ولي يلي. يقول: وتريك متني قامة طويلة لينة تثقل أرادفها مع ما يقرب منها، وصفها بطول القامة وثقل الأرداف.

    الخطيب التبريزي: ويروى (بما ولينا) اللدنة: اللينة، وروادفها: أعجازها، وتنوء: تنهض، أي تنوء بما يليهن، أي بما يقرب من اعجازهن، والمتن: جانب الصلب.

  17. ١٧

    وَمَأكَمَةً يَضيقُ البابُ عَنها

    وَكَشحاً قَد جُنِنتُ بِهِ جُنونا

    الزوزني: المأكَمة والمأكِمة: رأس الورك والجمع المآكم. يقول: وتريك وركًا يضيق الباب عنها لعظمها وضخمها وامتلائها باللحم، وكشحًا قد جننت بحسنه جنونا.

  18. ١٨

    وَساريَتَي بَلَنطٍ أَو رُخامٍ

    يَرِنُّ خُشاشُ حَليِهِما رَنينا

    الزوزني: البلنط: العاج. السارية: الأسطوانة والجمع السواري. الرنين: الصوت. يقول: وتريك ساقين كأسطوانتين من عاج أو رخام بياضًا وضخمًا يصوت حليهما، أي خلاخيلهما، تصويتًا.

  19. ١٩

    فَما وَجَدَت كَوَجدي أُمُّ سَقبٍ

    أَضَلَّتهُ فَرَجَّعَتِ الحَنينا

    ابن الأنباري: (أم سقب): ناقة. والسقب: الفصيل. قال الأصمعي: إذا وضعت الناقة فولدها ساعة تضعه سليل قبل أن يعلم أذمر هو أم أنثى، فإذا عُلم فإن كان ذكرا فهو سقب وأمه مُسقب، وإن كان أنثى فهو حائل، فإذا قوى ومشى فهو راشح وأمه مُرشح، فإذا ارتفع عن الراشح فهو جادل. وقوله (أضلته)، معناه فقدته. ويقال: أضللت البعير، إذا ضيعته. وضللت الشيء إذا خفي علي موضعه، كقولك: ضللت المسجد والدار. قال الله عز وجل: (في كتابٍ لا يَضِلُّ ربِّي ولا ينسَى)، فمعناه لا يخفي موضعه على ربي. وقال الجعدي: أنشُدُ الناسَ ولا أُنشِدهمْ ... إنَّما ينشُدُ مَن كانَ أضَلِّ معناه من كان ضيع شيئا. وقال الآخر: وجدي بها وجدُ المضلِّ قَلُوصَه ... بمكَّة لم تعطفْ عليه العواطفُ وقال الأخفش: ضللت أضل، على مثال علمت أعلم؛ وضللت أضل على مثال ضربت أضرب. قال الشاعر: ولَلصَّاحبُ المتروكُ أعظمُ حُرمةً ... على صاحبٍ من أن يضلَّ بعيرُ ويقال: وجدت في الحزن وجدا، ووجدت على الرجل موجدة، ووجدت في المال وجدا وجِدَة، ووجدت الضالة وجدانا. قال الراجز: أنْشُدُ الباغِي يحبُّ الوِجْدانْ ... قلائصاً مختلفاتِ الألوانْ منها ثلاثٌ قُلُصٌ وبُكرانْ وما جحد، والكاف في موضع نصب بوجدت، وفي أضلت ورجعت ذكر من الأم.

    الزوزني: قال القاضي أبو سعيد السيرافي: البعير بمنزلة الإنسان، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والسقب بمنزلة الصبي، والحائل بمنزلة الصبية، والحوار بمنزلة الولد، والبكر بمنزلة الفتى، والقلوص بمنزلة الجارية. الوجد: الحزن، والفعل وجد يجد. الترجيع: تر ديد الصوت. الحنين: صوت المتوجع. يقول: فما حزنت حزنًا مثل حزني ناقة أضلت ولدها فرددت صوتها مع توجعها في طلبها، يريد أن حزن الناقة دون حزنه فراق حبيبته.

    الخطيب التبريزي: أم سقب: ناقة، وسقبها: ولدها الذكر، وأضلته: ضل منها، فرجَّعت الحنين: أي رددته حزنا على ولدها.

  20. ٢٠

    وَلا شَمطاءُ لَم يَترُك شَقاها

    لَها مِن تِسعَةٍ إِلّا جَنينا

    ابن الأنباري: معناه ما وجدت كوجدي امرأة فقدت تسعة أولاد فما بقى من ولدها إلا جنين، أي أجنته الأرض. يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل، أي ستره. ومن العرب من يقول: جنه الليل. قال الشاعر: يوصِّل حبلَيْه إذا الليلُ جَنَّه ... ليرقي إلى جاراته في السَّلالِمِ ويقال: أجننت الشيء في نفسي، إذا سترته. والأصل في قوله (إلا جنينا). إلا مجنا، فصرف عم مفعل إلى فعيل، كما قال تعالى جده: (تلك آياتُ الكتابِ الحَكِيم) أراد المحكم. وقال عمرو بن معد يكرب: أمِنْ رَيحانةَ الداعي السميعُ ... يؤرِّقُني وأصحابي هجوعُ أراد المسمع، فصرف عن مفعل إلى فعيل. و (الشقاء) يمد ويقصر، قال امرؤ القيس: صَبَّتْ عليه ولم تَنَصَبَّ عن أمَمٍ ... إن الشَّقاءَ على الأشقَينَ مصبوبُ وقال الآخر في مده أيضا: فإنْ يغلبْ شقاؤكُم عليكمْ ... فإنِّي في صلاحكمُ سعيتُ والشمطاء منسوقة على أم سقب، وشقاها رفع بيترك، والجنين نصب بيترك أيضا:

    الزوزني: الشمط: بياض الشعر. الجنين: المستور في القبر هنا. يقول: ولا حزنت كحزني عجوز لم يترك شقاء جَدّها لها من تسعة بنين إلا مدفونًا في قبره، أي ماتوا كلهم ودفنوا، يريد أن حزن العجوز التي فقدت تسعة بنين دون حزنه عند فراق عشيقته.

    الخطيب التبريزي: الشمطاء: التي ليست بشابة، وهو أشد لحزنها، والشمطاء: نسق على (أم سقب) يقول: وجدي على هذه المرأة أشد من حُزن هذه الناقة التي أضلت ولدها والمرأة التي فقدت تسعة أولاد فما من ولدها إلا جنين، أي قد أجنته الأرض تحتها، وجنين بمعنى مُجن أي لم يترك شقاها لها إلا مقبورا، وحزني على هذه المرأة أشد من حزنها.

  21. ٢١

    تَذَكَّرتُ الصِبا وَاِشتَقتُ لَمّا

    رَأَيتُ حُمولَها أُصُلاً حُدينا

    ابن الأنباري: و (الحمول) الإبل التي تحمل. و (أصلا): عشيا. وفي الأصل قولان، يقال هو اسم واحد بمنزلة الحلم والعقب. قال الأعشى: يوماً بأطيبَ منها نَشْرَ رائحة ... ولا بأحسَنَ منها إذْ دنا الأصُلُ ويقال: هو جمع أصيل، كما يقال طريق وطرق. قال الله عز وجل: (بُكْرةً وأصيلا)، وقال بعض الأعراب: يحنُّ إذا الجنائبُ هيَّجَتْه ... ضُحَيّاً أو هَبَبْنَ له أصيلا ويقال في جمع الأصل آصال، كما قال تعالى: (بالغُدُوِّ والآصال). والأصائل: جمع الآصال. قال الشاعر: لعمري لأنت البيتُ أكرِمُ أهلَه ... وأقعُد في أفيائه بالأصائِلِ وأنشد الفراء: يا عَمرو أحسِنْ نَواكَ الله بالرَّشَد ... واقرأ سَلاماً على الانقاء والثَّمدَ وابكِنَّ عيشاً تولَّى بعد جِدّته ... طابت أصائلُه في ذلك البلدِ ويقال صبي بيَّن الصِّبا والصَّباء، وقد صبا إلى اللهو يصبو صبوا. (حدينا) معناه حدت الحداة الإبل. ولما نصب بتذكرت. وأصلا نصب على الوقت، والحمول نصب برأيت، وحدين معناه قد حدين، وتأويله الحال.

    الزوزني: الحمول: جمع حامل، يريد إبلها. يقول: تذكرت العشق والهوى واشتقت إلى العشيقة لما رأيت حمول إبلها سيقت عشيًّا.

    الخطيب التبريزي: ويروى (وراجعت الصبا) أي رجعت إلى ما كنت عليه من اللهو في شبيبتي، والاشتياق: رقة القلب للقاء المحبوب، والحُمُول: الإبل التي يُحمل عليها الأثقال. والأصل: جمع أصيل، و (أُصُلا) نصب على الظرف، وحدين معناه قد حدين، وتأويله الحال.

  22. ٢٢

    فَأَعرَضَتِ اليَمامَةُ وَاِشمَخَرَّت

    كَأَسيافٍ بِأَيدي مُصلِتينا

    ابن الأنباري: (أعرضت اليمامة) معناه ظهرت وبدت، أي لمع بها السراب. يقال: أعرض لط الظبي فارمه، أي أمكنك من نفسه. ويقال أعرض: أمكنك من عرضه، أي من ناحيته. وبعضهم يقول: عرض لك الشيء، والأكثر في كلامهم أعرض بالألف. ويقال: عرضت الكتاب والجند عرضا، وأعرضت عن الشيء إعراضا، وأعرض لك الشيء، إذا بدا. وعرضت الجارية على البيع عرضا، وعرض الرجل عرضا. ويقال: ما يعرضك لهذا الأمر. والعرْض: خلال الطول. والعرَضَ: طمع الدنيا وما يعرض منها، والعود معروض على الإناء، وكذلك السيف معروض على فخذيه. والعِرض: ريح الرجل الطيبة أو الخبيثة. والعرض: موضح المدح والذم من الإنسان. يقال: إنه لنقي العِرض، أي بريء من أن يُشتم أو يعاب. والعرض ناحية الوادي. وأنشد الفراء: لَعِرضٌ من الأعراض يُمسِى حمامهُ ... ويُضحى على أفنانه الغِينِ يَهتفُ و (اشمخرت) معناه ارتفعت وطالت. وقوله (كأسياف بأيدي مصلتينا) معناه بأيدي قوم مصلتين. يقال: أصلت سيفه، إذا سله من غمده وشهره. والكاف نصب بأعرضت، والباء صلة الأسياف، والألف في مصلتينا صلة لفتحة النون.

    الزوزني: أعرضت: ظهرت، وعرضت الشيء أظهرته، ومنه قوله عز وجلئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا اشمخرت: ارتفعت. أصلت السيف: سللته . يقول: فظهرت لنا قرى اليمامة وارتفعت في أعيننا كأسياف بأيدي رجال سالّين سيوفهم، شبه ظهور قراها بظهور أسياف مسلولة من أغمادها.

    الخطيب التبريزي: أَعرضت: معناه ظهرت وبدت، ويقال: أعرض وعرض إذا بدل قال ابن كيسان: أحسن ما في هذا أن يكون أعرض بمعنى بدا بعضه، كأنه بدا عرضه: أي ناحيته، وعرض إذا بدا كله، واشمخرت: طالت، والمعنى بدت مستطيلة، والكاف في قوله (كأسياف) في موضع نصب على إنها نعت لمصدر محذوف، والمُصلت: الشاهر سيفه، والمعنى أن اليمامة ظهرت فتبَّينتها كما تتبين السيوف إذا شُهرت، فاشتقت لذلك لما رأيت موضعها الذي تصير إليه، وكان ذلك أشد لو لهى.

  23. ٢٣

    أَبا هِندٍ فَلا تَعجَل عَلَينا

    وَأَنظِرنا نُخَبِّركَ اليَقينا

    ابن الأنباري: أبو هند: عمرو بن المنذر. و (أنظرنا) معناه انتظرنا. ويجوز أن يكون معناه أخرنا. قال الله تبارك وتعالى: (للذين آمنوا انظُرونا) فمعناه انتظرونا، إذا ذهبت ألفه للوصل. يقال نظرت الرجل انظره، إذا انتظرته. وقال الشاعر: فَخَرَت فانتمتْ فقلت انظُريني ... ليس جهل أتيتُه ببديعِ معناه انتظريني. وقرأ حمزة وغيره: (للذين آمنوا أنظِرونا) فمعناه أخرونا. ويجوز أن يكون معناه انتظرونا. ويروى: (أمهلنا). ونصب أبا هند على النداء، والفاء تصل ما بعدها بما قبلها، ونخبِّرك جواب الجزاء المقدر، أي أن تنظرنا نخبّرك.

    الزوزني: يقول: يا أبا هند لا تعجل علينا وانظرنا نخبرك باليقين من أمرنا وشرفنا، يريد عمرو بن هند فكناه.

    الخطيب التبريزي: أبو هند: عمرو بن المنذر وهو أبو المنذر أيضا، وأنظرنا: انتظرنا، ويجوز أن يكون معناه أخرنا.

  24. ٢٤

    بِأَنّا نورِدُ الراياتِ بيضاً

    وَنُصدِرُهُنَّ حُمراً قَد رَوينا

    ابن الأنباري: (الرايات): الأعلام. يقول: نوردهن بيضا، ونصدرهن أي نردهن حمرا قد روين من الدم فصرن حمرا. وبيضا وحمرا منصوبان على الحال. وقد روينا معناه الحال أيضا، أي حمرا رواء. والألف صلة لفتحة النون ليستوي وزن البيت.

    الزوزني: الراية: العلم، والجمع الرايات والراي. يقول: نخبرك باليقين من أمرنا بأنا نورد أعلامنا الحروب بيضًا، ونرجعها منها حمرًا قد روين من دماء الأبطال. هذا البيت تفسير اليقين من البيت الأول.

    الخطيب التبريزي: الرايات: الأعلام، وبيضا وحمرا: منصوبان على الحال، وهذا تمثيل، مثَّل الرايات بالإبل والدم بالماء، فكأن الرايات ترجع وقد رويت من الدم كما ترجع الإبل وقد رويت من الماء.

  25. ٢٥

    وَأَيّامٍ لَنا غُرٍّ طِوالٍ

    عَصَينا المَلكَ فيها أَن نَدينا

    ابن الأنباري: معناه: ورب أيام لنا بيض مشهورة. وواحدة الغر أغر. قالت الخنساء ترثي أخاها: أَغرُّ أبلجُ تأتمُّ الهُداةُ به ... كأنَّه علمٌ في رأسه نارُ وقال أبو عبيدة: إنما سمى الأيام غر طوالا لعلوهم على الملك وامتناعهم منه، لعزهم، فأيامهم غر لهم، وطوال على أعدائهم. قال أبو بكر: ربما جعلت العرب الأيام نعما. قال الله تبارك وتعالى: (وذكِّرهم بأيَّام الله)، قال مجاهد: معناه بنعم الله عز وجل. قال أبو عبيدة: هذه كلمة قلمَّا وجدنا لها شاهدا في كلامهم: أن يقال للنِّعم أيام؛ إلا أن عمرو بن كلثوم قد قال: (وأيام لنا غر طوال)؛ فقد يكون جعلها غرا طوالا لإنعامهم على الناس فيها. فهذا شاهد لمذهب مجاهد. وقوله (عصينا الملك فيها أن ندينا)، معناه عصينا الملك أن نطيعه. يقال: دنت لفلان، أي دخلت في طاعته. و (الملك) يقال ملك ومليك. روى عبدو الوارث عن أبي عمرو: (مَلْكِ يوم الدِّين) بتسكين اللام. وقال ابن الزبعري للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسولَ المليكِ أن لساني ... راتقٌ ما فتقْتُ إذْ أنا بُورُ والأيام مخفوضة بمعنى رب، ولنا صلة الأيام، وأن ندينا نصب بإسقاط الخافض. ويروى: (وأيام لنا ولهم طوال).

    الزوزني: يقول: نخبرك بوقائع لنا مشاهير كالغر من الخيل عصينا الملك فيها كراهية أن نطيعه ونتذلل له. الأيام الوقائع هنا. الغُرّ بمعنى المشاهير كالخيل الغرّ لاشتهارها فيما بين الخيل. قوله: أن ندين، أي كراهية أن ندين، فحذف المضاف، هذا على قول البصريين، وقال الكوفيون: تقديره أن لا ندين، أي لئلا ندين، فحذف

    الخطيب التبريزي: ويروى (وأيام لنا ولهم طوال) يقول: وأيام لنا بيض مشهورة، وواحد الغر أغر، وقال أبو عبيدة: إنما سمي الأيام غرا طوالا لعلوهم على الملك وامتناعهم منه لعزهم، فأيامهم غر لهم طوال على أعدائهم، وقوله: (وأيام) معطوف على قوله: (بأنا) والمعنى بأيام، ويجوز أن تجعل الواو بدلا من رُبَّ، ومن روى (لنا ولهم) أراد القبائل، ولم يجر لها ذكر، إلا إنه لما ذكر الرايات وإصدارها عُلم أن ثم مُقاتلين، فحمل الضمير على المعنى، وقوله: (أن ندينا) أي أن نُطيع، والدين: الطاعة، وأن في موضع نصب، أي في أن ندينا، ثم حذف (في) فتعدى الفعل، وهذا مُطَّرد، أن تحذف حروف الجر مع أن لطول الاسم، وقال بعض النحويين: أن في موضع خفض على حذف الخافض.

  26. ٢٦

    وَسَيِّدِ مَعشَرٍ قَد تَوَّجوهُ

    بِتاجِ المُلكِ يَحمي المُحجَرينا

    ابن الأنباري: ويروى: (قد عصبوه بتاج الملك). و (يحمى) معناه يمنع. و (المحجرين) معناه الذين ألجئوا إلى الضيق. والسيد مخفوض بإضمار رب، وقد توجوه صلة سيد، ويحمى موضعه خفض في التأويل على النعت للسيد، أي حامي المحجرين.

    الزوزني: يقول: ورب سيد قوم متوج بتاج الملك حام للملجئين قهرناه. أحجرته: ألجأته.

    الخطيب التبريزي: ويروى (قد عَصَّبُوه بتاج الملك) ويحمي: معناه يمنع، والمُحجرون: الذين قد أُلجئوا إلى المضيق، و (يحمي المحجرينا) صفة لسيد.

  27. ٢٧

    تَرَكنا الخَيلَ عاكِفَةً عَلَيهِ

    مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَها صُفونا

    ابن الأنباري: تركنا الخيل عاكفة عليه، معناه واقفة مقيمة عليه. وواحدة الصفون صافن، قال الله عز وجل: (الذي ظَلْتَ عليه عاكفاً) فمعناه مقيما. قال الشاعر: باتت تَبيَّا حَوضَها عُكوفا ... مِثلَ الصُّفوف لاقت الصُّفوفا وقال الفراء: الصافن القائم على ثلاث. قرأ ابن عباس رضي الله سبحانه عنه: (فاذكروا اسمَ الله عليها صَوَافِنَ) أي قائمة على ثلاث. قال الشاعر: ألِفَ الصُّفونَ فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثَّلاث كسيرا وقال الأعشى: وكلّ كميتٍ كجذع السَّحوقِ ... يَزِين الفِناءَ إذا ما صَفَنْ وعاكفة نصب بتركنا، ومقلدة تابع لعاكفة، وكذلك صفونا.

    الزوزني: العكوف: الإقامة، والفعل عكف يعكف. الصُّفون: جمع صافن، وقد صفن الفرس يصفن صفونًا إذا قام على ثلاث قوائم وثـَنَّى سنبكه الرابع. يقول: قتلناه وحبسنا خيلنا عليه وقد قلّدناها أعنتها في حال صفونها عنده.

    الخطيب التبريزي: ويروى (عاطفة عليه) وعاكفة: مُقيمة، وواحد الصفون: صافن، وهو القائم، وقيل: هو الذي رفع إحدى قوائمه للتعب، و (تركنا الخيل) يحتمل معنيين، أحدهما أن يريد خيله وخيل أصحابه، يقول: أحطنا به لأخذ سلبه، فقد نزل الرجال عن الخيل فقلّدوها الأعنة يأخذون السلب، وإذا أراد معشره فالمعنى أن أصحابه لم يُغنوا عنه شيئا وهم حواليه لا يردون عنه.

  28. ٢٨

    وَأَنزَلنا البُيوتَ بِذي طُلوحٍ

    إِلى الشاماتِ تَنفي الموعِدينا

    الزوزني: يقول: وأنزلنا بيوتنا بمكان يعرف بذي طلوح إلى الشامات ننفي من هذه الأماكن أعداءنا الذين كانوا يوعدوننا.

  29. ٢٩

    وَقَد هَرَّت كِلابُ الحَيِّ مِنّا

    وَشذَّبنا قَتادَةَ مَن يَلينا

    ابن الأنباري: وقد هرت كلاب الحي منا، معناه كرهتنا كلاب الحي. وكلابهم: الذين يهرون من سوء أخلاقهم. وقوله (شذبنا قتادة من يلينا)، هذا مثل، وأراد: وكسرنا حد من يلينا ممن يفاخرنا. وشذبنا: فرقنا. والقتادة: شجرة لها شوك لا تمس إذا هاجت لشدة شوكها. من ذلك قولهم: (دون ما تروم خرط القتاد). وهي خفض بإضافة القتادة إليها، ويلينا صلة من، وما فيه يعود على من، وشذبنا نسق على هرَّت.

    الزوزني: القتاد: شجر ذو شوك، والواحدة منها قتادة. التشذيب: نفي الشوك والأغصان الزائدة والليف عن الشجر. يلينا، أي: يقرب منا. يقول: و قد لبسنا الأسلحة حتى أنكرتنا الكلاب وهرّت لإنكارها إيانا، وقد كسرنا شوكة من يقرب منا من أعدائنا، استعار لفَل الغرب وكسر الشوكة تشذيب القتادة

    الخطيب التبريزي: ويروى (وقد هرت كلاب الجن منا) والمعنى: إنا قد غلبنا كل أحد حتى قد كرهنا كلاب الحي وكلاب الجن، شبه من كان شديد البأس بالجن، أي من كان شديد البأس قد أخذناه فكيف بغيره؟ وشذّا: فرَّقنا، والقتادة: شجرة لها شوك، والتشذيب: قطع الأغصان وشوكها، ومعناه إنا فرَّقنا جموعهم وأذهبنا شوكتهم؛ فصاروا بمنزلة هذه الشجرة التي قُطعت أغصانها، وقوله (من يلينا) أي من ولي حربنا، ويجوز أن يكون معناه من يقرُب منا من أعدائنا.

  30. ٣٠

    مَتى نَنقُل إِلى قَومٍ رَحانا

    يَكونوا في اللِقاءِ لَها طَحينا

    ابن الأنباري: قوله: متى ننقل إلى قوم رحانا يكونوا كالطحين للرحى، أي كالحنطة. وهذا مثل، معناه متى حاربنا قوم كانوا كذلك. قال مهلهل بن ربيعة: كأنَّا غُدوةً وبنى أبينا ... بجنْبِ عُنيزة رحَيا مُديِرِ وننقل جزم بمتى، ويكونوا جواب الجزاء، وطحينا خبر الكون وأصله مطحونا، فصرف عن مفعول إلى فعيل:

    الزوزني: أراد بالرحى: رحى الحرب وهي معظمها. يقول: متى حاربنا قومًا قتلناهم، لما استعار للحرب اسم الرحى استعار لقتلاها اسم الطحين.

    الخطيب التبريزي: أي متى حاربنا قوم كانوا لنا كالطحين للرحا أي كالحنطة، والمعنى إنا نقتلهم ونأخذ أموالهم، فيكونون بمنزلة ما دارت عليه الرحا في الهلاك، أي ننال منهم ما نريد.

  31. ٣١

    يَكونُ ثِفالُها شَرقِيَّ نَجدٍ

    وَلُهوَتُها قُضاعَةَ أَجمَعينا

    ابن الأنباري: (الثفال): جلدة أو خرقة تجعل تحت الرحى، ليكون ما سقط من الطحين في الثفال. وهذا مثل ضربه، أراد أن شرقي سلمى للحرب بمنزلة الثفال للرحى. قال زهير: فتعرككمُ عركَ الرَّحى بثفِالها ... وتَلقَح كِشافاً ثم تُنْتَجْ فتُتْئمِ و (اللهوة): القبضة من الطعام تلقيها في الرحى، وجمعها لهى. وهو مثل أيضا. أراد أن قضاعة تطحنهم الحرب كما تطحن الرحى ما يلقى فيها من الطعام. ويروى: (يكون ثفالها شرقي نجد). والثفال اسم يكون، وشرقي سلمى الخبر، واللهوة رفع بإضمار يكون، وقضاعة خبر الكون المضمر.

    الزوزني: الثِّفال: خرقة أو جلدة تبسط تحت الرحى ليقع عليها الدقيق. اللُّهوة القبضة من الحب تلقى في فم الرحى، وقد ألهيت الرحى ألقيت فيها لُهْوَة. يقول: تكون معركتنا الجانب الشرقي في نجد، وتكون قبضتنا قضاعة أجمعين، فاستعار للمعركة اسم الثفال وللقتلى اسم اللهوة ليشاكل الرحى والطحين.

    الخطيب التبريزي: ويروى (شرقي سلمى) الثفال: جلدة أو خرقة تجعل تحت الرحا يسقط عليه الطحين أراد أن شرقي سلمى للحرب بمنزلة الثفال للرحا، واللهوة: قبضة تُلقى في الرحا والمعنى: أن كيدنا وحربنا تُشبه الرحا، وهذه الرحا تستوعب هذا الموضع العظيم، وتهلك هذا الحي الكبير، فيكون بمنزلة هذه القبضة التي تُلقى في الرحا في هلاكهم.

  32. ٣٢

    نَزَلتُم مَنزِلَ الأَضيافِ مِنّا

    فَأَعجَلنا القِرى أَن تَشتُمونا

    ابن الأنباري: قوله (نزلتم منزل الأضيافِ مِنَّا) معناه نزلتم بحيث نزل الأضياف فعجلنا القرى. وإنما هذا مثل. أراد: عاجلناكم بالحرب ولم ننتظركم أن تشتمونا. ويقال: معناه عاجلناكم بالقتال قبل أن توقعوا بنا فتكونوا سبباً لشتم الناس إيانا. وقال أبو جعفر: معناه نحن مستعدون، فلا يُطمع فينا، ولا يفجؤنا بغارة أحد. وموضع أن نصب على معنى لأن لا تشتمونا، فحذف الخافض واكتفى بأن من لا فأسقطها. قال الله عز وجل: (رَواسِيَ أن تَمِيدَ بكم)، معناه لأن لا تميد. قال الشاعر: رأينا ما يرى البُصَراءُ فيها ... فآلينا عليها أن تُباعا معناه: أن لا تباع. وقال الراعي: أيَّامَ قومي والجماعةَ كالذي ... لزِمَ الرِّحالةَ أن تَميل مَمِيلا معناه: أن لا تميل. وربما حذفوا أن واكتفوا منها بلا، كقول الشاعر: واحفظْ لسانَك لا تقول فتُبتَلى ... إنّ البلاءَ موكَّل بالمنطقِ معناه: لأن لا تقول. وربما حذوا أن ولا جميعا. قال أبو النجم: أوصيكِ أن يحمدك الأقاربُ ... ويرجعَ المسكينُ وهو خائبٌ أراد: أن لا يرجع المسكين وهو خائب. وقال بعض النحويين: أراد كراهة أن تشتمونا، فحذف الكراهة وأقام أن مقامها، كما تقول: الشعر زهير، تريد الشعر شعر زهير.

    الزوزني: يقول: نزلتم منزلة الأضياف فجعلنا قِراكم كراهية أن تشتمونا ولكي لا تشتمونا، والمعنى: تعرضتم لمعاداتنا كما يتعرض الضيف للقِرى فقتلناكم عجالاً كما يحمد تعجيل قِرى الضيف، ثم قال تهكمًا بهم واستهزاء: أن تشتمونا، أي قريناكم على عجلة كراهية شتمكم إيانا إن أخّرنا قراكم.

    الخطيب التبريزي: أي نزلتم حيث ينزل الأضياف، أي جئتم للقتال، فعاجلناكم بالحرب، ولم ننتظركم أن تشتمونا، ويقال: معناه عاجلناكم بالقتال قبل أن توقعوا بنا فتكونوا سببا لشتم الناس إيانا، ومعنى (أن تشتمونا) على مذهب الكوفيين لأن لا تشتمونا، ثم حذف لا، ولا يجوز عند البصريين حذف لا، لأن المعنى ينقلب، والتقدير على مذهبهم فعجَّلنا الحرب مخافة أن تشتمونا، وحذف (مخافة) وأقام تشتمونا مقامها.

  33. ٣٣

    قَرَيناكُم فَعَجَّلنا قِراكُم

    قُبَيلَ الصُبحِ مِرداةً طَحونا

    ابن الأنباري: (مرداة): صخرة. شبه الكتيبة بها فقال: جعلنا قراكم إذ نزلتم بنا الحرب، ولقيناكم بكتيبة تطحنكم طحن الرحى، والمرداة نصب بقرينا. والقرى يمد ويقصر. وروى بعض الرواة متصلا بهذا البيت:

    الزوزني: المرداة: الصخرة التي يكسر بها الصخور، والمرداة أيضًا الصخرة التي يرمى بها، والردي الرمي والفعل ردى يردي، فاستعار المرداة للحرب. الطَّحون: فعول من الطحن. مرداة طحونًا أي حربًا أهلكتهم أشد إهلاك.

    الخطيب التبريزي: مرداة: صخرة، شبه الكتيبة بها، فقال: جعلنا قراكم الحرب لما نزلتم بنا، ولقيناكم بكتيبة تطحنكم طحن الرحا.

  34. ٣٤

    نَعُمُّ أُناسَنا وَنَعِفُّ عَنهُم

    وَنَحمِلُ عَنهُمُ ما حَمَّلونا

    ابن الأنباري: (نُدافعُ عَنهمُ الأَعداءَ قِدْماً ... ونحمل عَنهمْ ما حمَّلونا) ويروى: نعمُّ أناسَنا ونَعِفّ عنهم ... ونَحمِلُ عنهمُ ما حمَّلونا معناه نعمهم بالخير ونعف لا نسألهم شيئا. ومن روى: (ندافع) أراد ندافع عن من يلينا ونحمل ما حمَّلونا من ديات أو دماء. وقدما نصب بندافع، وما نصب بنحمل، وحملونا صلة ما، والهاء المضمرة تعود على ما.

    الزوزني: يقول: نـَعُمّ عشائرنا بنوالنا وسيبنا، ونعفّ عن أموالهم ونحمل عنهم ما حملونا من أثقال حقوقهم ومؤنتهم، والله أعلم.

    الخطيب التبريزي: (نُدَافِعُ عَنْهُمُ الأعْدَاَء قِدْماً ... وَنَحْمِلُ عَنْهُمُ مَا حَمَّلُونَا) قِدما: أي قديما، وقُدْما: أي تقدما، و (حملونا) أي ما جنوا علينا من حمالة أو غيرها.

  35. ٣٥

    نُطاعِنُ ما تَراخى الناسُ عَنّا

    وَنَضرِبُ بِالسُيوفِ إِذا غُشينا

    ابن الأنباري: ويروى: (ما تراخى الصف عنا). وقوله (تراخى) معناه تباعد. يقال: تراخت داره، إذا بعدت. ويقال: ما بيني وبينك متراخ، أي متباعد. وقوله (ونضرب بالسيوف إذا غشينا) معناه إذا دنا بعضنا من بعض ونطعن إذا تباعدوا. وقال أبو جعفر: هذا مثل قول زهير: يَطعنُهمْ ما ارتمَوْا إذا اطَّعَنُوا ... ضربَ حتَّى إذا ما ضاربوا اعتَنَقَا أي يكون قريبا منهم، فإذا رموا طاعن، فإذا طاعنوا ضارب، وإذا ضاربوا اعتنق. وما نصب بنطاعن، وتراخى الناس عنا صلة ما ولا عائد لما؛ لأنها في مذهب المصدر وأصلها الجزاء.

    الزوزني: التراخي: البعد. الغشيان: الإتيان. يقول: نطاعن الأبطال ما تباعدوا عنا، أي وقت تباعدهم عنا، ونضربهم بالسيوف إذا أُتينا، أي أتونا، فقربوا منا، يريد أن شأننا طعن من لا تناله سيوفنا.

    الخطيب التبريزي: ويروى (ما تراخى الصف عنا) أي تباعد، يقال: (تراخت داره) إذا بعدت، وغُشينا: أي دنا بعضُنا من بعض.

  36. ٣٦

    بِسُمرٍ مِن قَنا الخَطِّيِّ لُدنٍ

    ذَوابِلَ أَو بِبيضٍ يَختَلينا

    ابن الأنباري: أراد: نطاعن بسمر من قنا الخطى. و (الخطى) منسوب إلى الخط، والخط مرفأ البحرين. قال زهير: وهل ينُبِتُ الخطِّىَّ إلاّ وشيجُه ... وتُغَرس إلاّ في منابتها النخلُ يقول: لا ينبت القناة إلا القناة. و (الوشيج): القنا، واحدها وشيجة. والوشوج: دخول الشيء بعضه في بعض. و (لدن): لينة. و (ذوابل): فيها بعض اليبس. يقول: لم تجف كل الجفوف فتنشق إذا طُعن بها وتندق. قال الشاعر: سائلْ بنا حُجر بن أمِّ قَطَامِ إذْ ... ظلَّت به السُّمْر الذوابلُ تلعبُ أراد: تسرع فيه وتهلكه. والباء صلة نطاعن، ولدن وذوابل نعتان للقنا، والبيض نسق على السمر، ويعتلينا صلة البيض. ومعناه يعلون. والألف صلة الفتحة.

    الزوزني: اللَّدْن: اللين، والجمع لُدن. يقول: نطاعنهم برماح سمر لينة من رماح الرجل الخطيِّ، يريد سمهرًا، أو نضاربهم بسيوف بيض يقطعن ما ضرب بها، توصف الرماح بالسمرة؛ لأن سمرتها دالة على نضجها في منابتها.

    الخطيب التبريزي: الباء في قوله (بسُمْرٍ) متعلقة بقوله نُطاعن، والسُّمر من الرماح أجودها، ولُدن: لينة، وذوابل: فيها بعض اليُبس، يقول: لم تجف كل الجفوف فتنشق إذا طعن بها وتندق، ويعتلين: أي يعلون رؤوسهم.

  37. ٣٧

    كَأَنَّ جَماجِمَ الأَبطالِ فيها

    وُسوقٌ بِالأَماعِزِ يَرتَمينا

    ابن الأنباري: (تَخالُ جماجِمَ الأَبطالِ فيها ... وسُوقاً بالأَماعِز يرتَمِينَا) (الأبطال): الأشداء، يقال بطل الرجل يبطل بطولة، إذا كان بطلا. و (الأماعز): جمع أمعز، والأمعز: مكان فيه حصى؛ وكذلك المعزاء. قال الشاعر: خُدوداً جَفَت في السَّير حتَّى كأنما ... يُباشِرْن بالمَعْزاءِ مَسَّ الأرائكِ ويرتمين معناه يسقطن. والجماجم اسم تخال. وقوله (وسوقا) خبر تخال. والوسوق: جمع وسق؛ والوسق: الحمل. والباء صلة وسوق.

    الزوزني: الأبطال: جمع بطل وهو الشجاع الذي يبطل دماء أقرانه. الوسوق: جمع و سق وهو حمل بعير. الأماعز: جمع الأمعز وهو المكان الذي تكثر حجارته. يقول: كأن جماجم الشجعان منهم أحمال إبل تسقط في الأماكن الكثيرة الحجارة، شبه رءوسهم في عظمها بأحمال الإبل، والارتماء لازم ومتعد، وهو في البيت لازم.

    الخطيب التبريزي: (تَخَالُ جَمَاجِمَ الأبْطَالِ فِيهَا ... وُسُوقاً بِالأمَاعِزِ يَرْتَمِينَا) الأماعز: جمع أمعز وهي الأرض الصلبة الكثيرة الحصى والوسوق: جمع وسق، وهو الحمل، ويروى (وسوقا) جمع ساق، وأصله سووق إلا أن الواو إذا انضم ما قبلها لم تكسر ولم تضم؛ لأن ذلك يستثقل فيها، فوجب أن تسكن، ولا يجتمع ساكنان، فحذفت إحدى الواوين؛ فعلى قياس سيبويه أن المحذوفة الثانية؛ لأنها زائدة فهي أولى بالحذف، وعلى قياس قول الأخفض أن المحذوفة الأولى؛ لأن القانية علامة فلا يجوز حذفها

  38. ٣٨

    نَشُقُّ بِها رُؤوسَ القَومِ شَقّاً

    وَنُخليها الرِقابَ فَتَختَلينا

    ابن الأنباري: نشق بها، معناه بالسيوف. و (نخليها الرقاب) معناه نجعل الرقاب لها كالخلي والخلى: الحشيش، مقصور يكتب بالياء. قال الشاعر: وبعضُ بيوت الشِّعر حُمْمٌ وبعضُها ... خَلىً لفّه في ظلمةِ الليل حاطبُه (فيختلين) معناه يقطعن. يقال: اختليت الحشيش، أي قطعته. وقال أبو جعفر: معناه أن هذه السيوف تقطع كل شيء تمر به. والهاء والألف نصب بنخلي، والرقاب مفعول ثان، ويروى: (ويخلين الرقاب فيختلينا) فاسم ما لم يسم فاعله مضمر في يخلين، والرقاب نصب بيخلين، ويقال هو خبر ما لم يسم فاعله.

    الزوزني: الاختلاب: قطع الشيء بالمخلب وهو المنجل الذي لا أسنان له. الاختلاء: قطع الخلا وهو رطب الحشيش. يقول: نشق بها رءوس الأعداء شقًّا ونقطع بها رقابهم فيقطعن.

    الخطيب التبريزي: (بها) أي بالسيوف، و (نخليها الرقاب) أي نجعل الرقاب لها كالخلا وهو الحشيش، يصف حدة السيوف وسُرعة قطعها، فكأنهم يقطعون بها حشيشا.

  39. ٣٩

    وَإِنَّ الضِغنَ بَعدَ الضِغنِ يَبدو

    عَلَيكَ وَيَخرِجُ الداءَ الدَفينا

    ابن الأنباري: (الضغن): الحقد. يقال: في قلبي عليه ضغن، وحقد، وتبل، وترة، ووغر، ووغم، وغمر، وحزاز، وحزازة، ودمنة، وحسيفة، وحسيكة، وكتيفة، وذحل. قال ذو الرمة: إذا ما امرؤ حاولْن أن يقتتلنه ... بلا إحنةٍ بينَ النُّفوسِ ولا ذَحْلِ وقال الآخر: فتىً لا يبيت على دمنةٍ ... ولا يشرب الماءَ إلا بدمْ وأنشدنا أبو العباس: أخوك الذي لا تملك الحسَّ نفسُه ... وترفضُّ عند المُحْفِظات الكتائفُ وأنشدنا أبو العباس أيضا: إذا كانَ أولادُ الرِّجال حزازةً ... فأنت الحلالُ الحُلْو والباردُ العذْبُ قوله (ويخرج الداء الدفين) معناه المستتر في القلب، والأصل في الدفين المدفون، فصرف عن مفعول إلى فعيل. والضغن اسم إن، ويبدو الخبر، ويروى: (يفشو).

    الزوزني: يقول: وإن الضغن بعض الضغن تفشو آثاره ويخرج الداء المدفون من الأفئدة أي يبعث على الانتقام.

    الخطيب التبريزي: ويروى (يبدو) والضغن: الحقد الذي يخفى ولا يظهر إلا بالدلائل، والداء: يعني به الحقد، وأراد بالدفين المستتر في القلب.

  40. ٤٠

    وَرِثنا المَجدَ قَد عَلِمَت مَعَدٌّ

    نُطاعِنُ دونَهُ حَتّى يَبينا

    ابن الأنباري: (المجد): الشرف والرفعة. وقوله (حتى يبينا) معناه حتى يظهر ويستبين. ورواه بعض الناس: (حتى يُبينا) بضم الياء، وقال: يقال أبان الشيء، إذا ظهر وتبين. ويروى: (حتى نُبينا) بضم النون، أي حتى نبين مجدنا وفضلنا. ويروى: (حتى يلينا): حتى ينقاد لنا. ونطاعن موضعه نصب في التأويل على الحال. تقديره: ورثنا المجد مطاعنين دونه نحن. ويجوز أن يكون خبرا مستأنفا والعلم معترض لا اسم له ولا خبر. وقال أبو جعفر أحمد بن عبيد: الرواية (حتى يَبينا) بفتح الياء، أي ينقطع منهم ويصير إلينا.

    الزوزني: يقول: ورثنا شرف آبائنا قد علمت ذلك معد، نطاعن الأعداء دون شرفنا حتى يظهر الشرف لنا.

    الخطيب التبريزي: المجد: الشرف والرفعة، وقوله (حتى يبينا) معناه حتى يظهر، ويروى (حتى نُبينا) - بضم النون - أي حتى نُبين مجدنا وفضلنا، ويروى (حتى يلينا) أي حتى ينقاد لنا، وقال أبو جعفر احمد بن عبيد: الرواية (حتى يَبينا) - بفتح الياء - أي حتى ينقطع منهم، ويصير إلينا، يقول: أن لآبائنا فعالا صالحا فنحن نرثه لأنه ينسب إلينا ولا يستتر.

  41. ٤١

    وَنَحنُ إِذا عَمادُ الحَيّ خَرَّت

    عَنِ الأَحفاضِ نَمنَعُ مَن يَلينا

    ابن الأنباري: ويروى: (عن الأحفاض). قوله (عماد الحي)، معناه الخشب الذي تقوم به أخبيتهم ويوضع عليها المتاع. و (الأحفاض): الإبل التي تحمل المتاع، واحدها حفض. والأحفاض هاهنا: المتاع بعينه. ويقال عماد الحي العمد. يقول: إذا فزع كل قوم فتساقطت أخبيتهم وهموا بالهرب نمنع نحن من يلينا. ويروى: (ما يلينا). وقال أبو جعفر: من روى (على الأحفاض) أراد: من عجلتهم قوضوا بيوتهم على متاعهم ونزعوا أعمدة البيوت من الفزع. ومن روى: (عن الأحفاض) أراد بالأحفاض الإبل التي تحمل المتاع. يقول: إذا أدركتهم الغارة فظفروا ألقوا المتاع عن الإبل. وقال أبو جعفر في قوله: (نمنع من يلينا): معناه لا ندعهم يرحلون، بل نقاتل عنهم. قال: وهذا مثل قول جرير: وإنْ شُلَّ رَيعانُ الجميع مخافة ... نقول جهاراً ويْحَكم لا تنفِّروا على رِسلكم إنكا سنعدى وراءكم ... فتمنعكم أرماحُنا أو سنعذر وإن شُلَّ، الشَّلّ: الطرد. والريعان، ريعان كل شيء: أوله. لا تنفروا إبلكم فأنا سنعدي خيلنا، أي نستحضرها في آثار العدو، أو سنعذر نصنع ما نعذر عليه. ومثله قول الأخطل: قوم إذا رِيعوا كأنَّ سَوامَهم ... على رُبَع وسط الدِّيار تعطَّفُ الربع: الحوار الذي ينتج في النتاج الربعي، وهو أول النتاج. يقول: فإبلهم لا تطرد ولا تبرح، كأنها قد عطفت على ولد فهي لا تبرحه. ومثله للأعشى: نَعَمٌ تكون حِجارَه أرماحنا ... وإذا يُراعُ فإنه لن يُطردا حجاره، حجار النعم وحجارُه: الذي يحجره ويمنعه. يقول: لأرماحنا تمنع إبلنا. يراع: يفزع. ونحن رفع بما عاد من نمنع، وإذا وقت منصوب بنمنع.

    الزوزني: الحفض: متاع البيت، والجمع أحفاض، والحفض البعير الذي يحمل خرثي البيت، والجمع أحفاض. من روى في البيت: على الأحفاض، أراد بها الأمتعة، ومن روى: عن الأحفاض، أراد بها الإبل. يقول: ونحن إذا قـُوِّضت الخيام فخرَّت على أمتعتها، نمنع ونحمي من يقرب منا من جيراننا، أو ونحن إذا سقطت الخيام عن الإبل للإسراع في الهرب نمنع ونحمي جيراننا إذا هرب غيرنا حمينا غيرنا.

    الخطيب التبريزي: ويروى (عن الأحفاض) والعماد: جمع عمود، والأحفاض، واحدها حفض. وهو متاع البيت، ويسمى البعير الذي يحمل المتاع حفضا، فمن روى (عن الأحفاض) أراد عن الإبل، ومن روى (على الأحفاض) أراد على المتاع وقوله (نمنع من يلينا) يريد من جاورنا، ويجوز أن يكون معناه من والانا، أي من كان حليفا لنا. ومعنى البيت: إنه لا يُطمع فيهم في إقامة ولا ظعن؛ لأن الأساطين إنما تسقط على المتاع وقت رحيلهم. وكانوا يرحلون إما لخوف وإما لنُجعة، فأخبر إنه لا يطمع فيهم، ويمنعون من يجاورهم، وبين ذلك فقال:

هذه القصيدة بشرح ابن الأنباري، والزوزني، والخطيب التبريزي

أبيات مشهورة منها(٦)
من شروح القرّاء(١)

أي لا يسفهن أحد علينا فنسفه عليهم فوق سفههم، أي نجازيهم بسفههم جزاء يُرْبِي عليه، فسمِّيَ جزاء الجهل جهلًا لازدواج الكلام وحسن تجانس اللفظ، كما قال الله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم} [البقرة: ١٥] وقال الله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: ٤٠] وقال جل ذكره: {وَمَكَرُوا …

التعليقات(٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

نسخ أخرى من هذه القصيدة

القصيدة نفسها من مصدر آخر، وقد تختلف في عدد الأبيات أو في بعض الروايات.