تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار بشار بن برد ونسبه

ديوان بشار بن بردفيه ٦٥٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو، فيما ذكره الحسن بن عليّ عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن غيلان الشّعوبيّ، بشّار بن برد بن يرجوخ بن أزدكرد بن شروستان بن بهمن بن دارا بن فيروز بن كرديه بن ماهفيدان بن دادان بن بهمن بن أزدكرد بن حسيس بن مهران بن خسروان بن أخشين بن شهر داد بن نبوذ بن ماخرشيدا نماذ بن شهريار بن بنداد سيحان بن مكرر بن أدريوس بن يستاسب بن لهراسف. قال: وكان يرجوخ من طخارستان من سبى المهلّب بن أبي صفرة. ويكنى بشّار أبا معاذ. ومحلّه في الشعر وتقدّمه طبقات المحدثين فيه بإجماع الرّواة ورياسته عليهم من غير اختلاف في ذلك يغني عن وصفه وإطالة ذكر محله. وهو من مخضرمي شعراء الدولتين العبّاسية والأموية، قد شهر فيهما ومدح وهجا وأخذ سنيّ الجوائز مع الشعراء.

أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم قال قال حميد بن سعيد.

كان بشّار من شعب أدريوس بن يستاسب الملك بن لهراسف الملك. قال: وهو بشّار بن برد بن بهمن بن أزدكرد بن شروستان بن بهمن بن دارا بن فيروز. قال: وكان يكنى أبا معاذ.

وأخبرني يحيى بن عليّ ومحمد بن عمران الصّيرفيّ وغيرهما عن الحسن بن عليل العنزيّ عن خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه قال: كان بشار بن برد بن يرجوخ وأبوه برد من قنّ خيرة القشيريّة امرأة المهلّب بن أبي صفرة، وكان مقيما لها في ضيعتها بالبصرة المعروفة «بخيرتان» مع عبيد لها وإماء، فوهبت بردا بعد أن زوجته لامرأة من بني عقيل كانت متّصلة بها، فولدت له امرأته وهو في ملكها بشارا فأعتقته العقيليّة.

وأخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: كان برد أبو بشار مولى أمّ الظّباء العقيليّة السّدوسية، فادّعى بشار أنه مولى بني عقيل لنزوله فيهم.

وأخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني رجل من ولد بشار يقال له حمدان كان قصّارا بالبصرة، قال: ولاؤنا لبني عقيل؛ فقلت: لأيّهم؟ فقال: لبني ربيعة بن عقيل.

وأخبرني وكيع قال حدّثني سليمان المدنيّ قال قال أحمد بن معاوية الباهليّ: كان بشار وأمّه لرجل من الأزد، فتزوّج امرأة من بني عقيل، فساق إليها بشارا وأمّه في صداقها، وكان بشّار ولد مكفوفا فأعتقته العقيليّة.

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثني الحسن بن عليل العنزي قال حدّثنا قعنب بن المحرز الباهليّ قال حدّثني محمد بن الحجّاج قال: باعت أمّ بشّار بشّارا على أمّ الظّباء السّدوسيّة بدينارين فأعتقته. وأمّ الظباء امرأة أوس بن ثعلبة أحد بن تيم اللّات بن ثعلبة، وهو صاحب قصر أوس بالبصرة؛ وكان أوس أحد فرسان بكر بن وائل بخراسان.

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا محمد بن زيد العجليّ قال أخبرني بدر بن مزاحم: أنّ بردا أبا بشّار كان طيّانا يضرب اللّبن، وأراني أبي بيتين لنا فقال لي: لبن هذين البيتين من ضرب برد أبي بشّار. فسمع هذه الحكاية حمّاد عجرد فهجاه فقال:

يا بن برد إخسأ إليك فمثل الكلب في الناس أنت لا الإنسان
بل لعمري لأنت شرّ من الكلب وأولى منه بكلّ هوان
ولريح الخنزير أهون من ريحك يابن الطيّان ذي التّبّان

أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ عن أبي الصّلت البصريّ عن أبي عدنان قال حدّثني يحيى بن الجون العبديّ راوية بشّار قال: قال: لما دخلت على المهديّ قال لي: فيمن تعتدّ يا بشّار؟ فقلت: أمّا اللّسان والزّيّ فعربيّان، وأمّا الأصل فعجميّ، كما قلت في شعري يا أمير المؤمنين:

ونبّئت قوما بهم جنّةيقولون من ذا وكنت العلم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»
ألا أيّها السائلي جاهداليعرفني أنا أنف الكرم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»
نمت في الكرام بني عامرفروعي وأصلي قريش العجم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»
فإني لأغني مقام الفتىوأصبي الفتاة فما تعتصم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»

قال: وكان أبو دلامة حاضرا فقال: كلّا! لوجهك أقبح من ذلك ووجهي مع وجهك؛ فقلت: كلّا! واللّه ما رأيت رجلا أصدق على نفسه وأكذب على جليسه منك، واللّه إني لطويل القامة عظيم الهامة تامّ الألواح أسجح الخدّين، ولربّ مسترخي المذروين للعين فيه مراد قد جلس من الفتاة حجرة وجلست منها حيث أريد، فأنت مثلي يا مرضعان! قال: فسكت عنّي، ثم قال لي المهديّ: فمن أيّ العجم أصلك؟ فقلت: من أكثرها في الفرسان، وأشدّها على الأقران، أهل طخارستان؛ فقال بعض القوم: أولئك الصّغد؛ فقلت: لا، الصّغد تجار؛ فلم يردد ذلك المهديّ.

وكان بشّار كثير التلوّن في ولائه، شديد الشّغب والتعصّب للعجم، مرّة يقول يفتخر بولائه في قيس:

أمنت مضرّة الفحشاء أنىأرى قيسا تضرّ ولا تضار
كأن الناس حين تغيب عنهمنبات الأرض أخطأه القطار
وقد كانت بتدمر خيل قيسفكان لتدمر فيها دمار
بحيّ من بني عيلان شوسيسير الموت حيث يقال ساروا
وما نلقاهم إلا صدرنابريّ منهم وهم حرار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أأحزنك الألى ظعنوا فساروا»

ومرّة يتبرّأ من ولاء العرب فيقول:

أصبحت مولى ذي الجلال وبعضهممولى العريب فخذ بفضلك فافخر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أصبحت مولى ذي الجلال وبعضهم»
مولاك أكرم من تميم كلّهاأهل الفعال ومن قريش المشعر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أصبحت مولى ذي الجلال وبعضهم»
فارجع إلى مولاك غير مدافعسبحان مولاك الأجلّ الأكبر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أصبحت مولى ذي الجلال وبعضهم»

وقال يفتخر بولاء بني عقيل:

إنّني من بني عقيل بن كعبموضع السّيف من طلى الأعناق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عبد إني إليك بالأشواق»

ويكنى بشّار أبا معاذ، ويلقّب بالمرعّث.

أخبرني عمّي ويحيى بن عليّ قالا حدّثنا أبو أيوب المدينيّ قال حدّثني محمد بن سلّام قال: بشّار المرعّث هو بشار بن برد، وإنما سمّي المرعّث بقوله:

قال ريم مرعّثساحر الطّرف والنّظر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قال ريم مرعث»
لست واللّه نائليقلت أو يغلب القدر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قال ريم مرعث»
أنت إن رمت وصلنافانج، هل تدرك القمر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قال ريم مرعث»

قال أبو أيّوب: وقال لنا ابن سلّام مرّة أخرى: إنّما سمّي بشّار المرعّث، لأنه كان لقميصه جيبان: جيب عن يمينه وجيب عن شماله، فإذا أراد لبسه ضمّه عليه من غير أن يدخل رأسه فيه، وإذا أراد نزعه حلّ أزراره وخرج منه، فشبّهت تلك الجيوب بالرّعاث لاسترسالها وتدلّيها، وسمّي من أجلها المرعّث.

أخبرنا يحيى بن عليّ قال حدّثنا عليّ بن مهديّ قال حدّثني أبو حاتم قال قال لي أبو عبيدة: لقّب بشّار بالمرعّث لأنه كان في أذنه وهو صغير رعاث. والرّعاث: القرطة، واحدتها رعثة وجمعها رعاث، ورعثات. ورعثاث الديك: اللحم المتدلّي تحت حنكه؛ قال الشاعر:

سقيت أبا المصرّع إذ أتانيوذو الرّعثات منتصب يصيح
شرابا يهرب الذّبّان منهويلثغ حين يشربه الفصيح

قال: والرّعث: الاسترسال والتساقط. فكأنّ اسم القرطة اشتقّ منه.

أخبرني محمد بن عمران قال حدّثني العنزيّ قال حدّثنا محمد بن بدر العجليّ قال: سمعت الأصمعيّ يذكر أن بشّارا كان من أشدّ الناس تبرّما بالناس، وكان يقول: الحمد للّه الذي ذهب ببصري؛ فقيل له: ولم يا أبا معاذ؟

قال: لئلّا أرى من أبغض. وكان يلبس قميصا له لبنتان، فإذا أراد أن ينزعه نزعه من أسفله، فبذلك سمّي المرعّث.

أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعيّ قال حدّثنا قعنب بن محرز عن الأصمعيّ قال: كان بشّار ضخما، عظيم الخلق والوجه، مجدورا، طويلا، جاحظ المقلتين قد تغشّاهما لحم أحمر، فكان أقبح الناس عمى وأفظعه منظرا، وكان إذا أراد أن ينشد صفّق بيديه وتنحنح وبصق عن يمينه وشماله ثم ينشد فيأتي بالعجب.

أخبرنا يحيى بن عليّ عن أبي المدينيّ عن محمد بن سلّام قال: ولد بشّار أعمى، وهو الأكمه. وقال في تصداق ذلك أبو هشام الباهليّ يهجوه:

وعبدي فقا عينيك في الرّحم أيرهفجئت ولم تعلم لعينيك فاقيا
أأمّك يا بشّار كانت عفيفة؟عليّ إذا مشي إلى البيت حافيا

قال: ولم يزل بشّار منذ قال فيه هذين البيتين منكسرا.

أخبرنا هاشم بن محمد قال حدّثنا الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال: ولد بشّار أعمى فما نظر إلى الدنيا قطّ، وكان يشبّه الأشياء بعضها ببعض في شعره فيأتي بما لا يقدر البصراء أن يأتوا بمثله؛ فقيل له يوما وقد أنشد قوله:

كأنّ مثار النقع فوق رؤوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

ما قال أحد أحسن من هذا التشبيه، فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قطّ ولا شيئا فيها؟ فقال: إن عدم النظر يقوّي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء فيتوفّر حسّه وتذكو قريحته؛ ثم أنشدهم قوله:

عميت جنينا والذكاء من العمىفجئت عجيب الظنّ للعلم موئلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إذا ولد المولود أعمى وجدته»
وغاض ضياء العين للعلم رافدالقلب إذا ما ضيّع الناس حصّلا
وشعر كنور الروض لاءمت بينهبقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إذا ولد المولود أعمى وجدته»

أخبرنا هاشم قال حدّثنا العنزيّ عن قعنب بن محرز عن أبي عبد اللّه الشرادنيّ قال: كان بشّار أعمى طويلا ضخما آدم مجدورا.

وأخبرني يحيى بن عليّ عن أبيّ أيوب المدينيّ قال قال الحمرانيّ قالت لي عمّتي: زرت قرابة لي في بني عقيل فإذا أنا بشيخ أعمى ضخم ينشد:

من المفتون بشّار بن بردإلى شيبان كهلهم ومرد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «من المفتون بشار بن برد»
بأن فتاتكم سلبت فؤاديفنصف عندها والنصف عندي

فسألت عنه فقيل لي: هذا بشّار.

أخبرني محمد بن يحيى الصّيرفي قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا أبو زيد قال سمعت أبا محمد التّوزيّ يقول: قال بشّار: أزري بشعري الأذان. يقول: إنه إسلاميّ.

وأخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال قال أبو عبيدة: قال بشّار الشعر ولم يبلغ عشر سنين، ثم بلغ الحلم وهو مخشيّ معرّة لسانه.

قال: وكان بشّار يقول: هجوت جريرا فأعرض عنّي واستصغرني، ولو أجابني لكنت أشعر الناس.

وأخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال: كان الأصمعيّ يقول: بشّار خاتمة الشعراء، واللّه لو لا أنّ أيّامه تأخّرت لفضّلته على كثير منهم.

قال أبو زيد: كان راجزا مقصّدا.

أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا محمد بن صالح بن النّطّاح قال حدّثني أبو عبيدة: قال سمعت بشّارا يقول وقد أنشد في شعر الأعشى:

وأنكرتني وما كان الذي نكرتمن الحوادث إلا الشّيب والصّلعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

فأنكره، وقال: هذا بيت مصنوع ما يشبه كلام الأعشى؛ فعجبت لذلك. فلمّا كان بعد هذا بعشر سنين كنت جالسا عند يونس، فقال: حدّثني أبو عمرو بن العلاء أنه صنع هذا البيت وأدخله في شعر الأعشى:

وأنكرتني وما كان الذي نكرتمن الحوادث إلا الشيب والصلعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

فجعلت حينئذ أزداد عجبا من فطنة بشّار وصحّة قريحته وجودة نقده للشعر.

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثني أبو حاتم عن أبي عبيدة قال:

قال بشار: لي اثنا عشر ألف بيت عين؛ فقيل له: هذا ما لم يكن يدّعيه أحد قطّ سواك؛ فقال: لي اثنتا عشرة ألف قصيدة، لعنها اللّه ولعن قائلها إن لم يكن في كل واحدة منها بيت عين.

وأخبرنا يحيى بن عليّ قال حدّثنا عليّ بن مهديّ عن أبي حاتم قال:

قلت لأبي عبيدة: أمروان عندك أشعر أم بشّار؟ فقال: حكم بشّار لنفسه بالاستظهار أنه قال ثلاثة عشر ألف بيت جيّد، ولا يكون عدد الجيّد من شعر شعراء الجاهليّة والإسلام هذا العدد، وما أحسبهم برّزوا في مثلها، ومروان أمدح للملوك.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا الأصمعيّ قال: قال بشّار الشعر وله عشر سنين، فما بلغ الحلم إلّا وهو مخشيّ معرّة اللسان بالبصرة. قال: وكان يقول: هجوت جريرا فاستصغرني وأعرض عنّي، ولو أجابني لكنت أشعر أهل زماني.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا أبو العواذل زكريّا بن هارون قال: قال بشّار: لي اثنا عشر ألف بيت جيّدة؛ فقيل له: كيف؟ قال: لي اثنتا عشرة ألف قصيدة، أما في كلّ قصيدة منها بيت جيّد!.

وقال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين وقد ذكره: كان بشّار شاعرا خطيبا صاحب منثور ومزدوج وسجع ورسائل، وهو من المطبوعين أصحاب الإبداع والاختراع المفتنّين في الشعر القائلين في أكثر أجناسه وضروبه؛ قال الشعر في حياة جرير وتعرّض له، وحكي عنه أنه قال: هجوت جريرا فأعرض عنّي، ولو هاجاني لكنت أشعر الناس.

قال الجاحظ: وكان بشّار يدين بالرّجعة، ويكفّر جميع الأمّة، ويصوّب رأي إبليس في تقديم النار على الطّين، وذكر ذلك في شعره فقال:

الأرض مظلمة والنار مشرقةوالنار معبودة مذ كانت النار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «الأرض مظلمة والنار مشرقة»

قال: وبلغه عن أبي حذيفة واصل بن عطاء إنكار لقوله وهتف به، فقال يهجوه:

ما لي أشايع غزّالا له عنقكنقنق الدّوّ إن ولّى وإن مثلا
عنق الزّرافة ما بالي وبالكمتكفّرون رجالا كفّروا رجلا!
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ماذا منيت بغزال له عنق»

قال: فلما تتابع على واصل منه ما يشهد على إلحاده خطب به واصل، وكان ألثغ على الراء فكان يجتنبها في كلامه، فقال: أما لهذا الأعمى الملحد، أما لهذا المشنّف المكنيّ بأبي معاذ من يقتله؟ أما واللّه لو لا أن الغيلة سجيّة من سجايا الغالية لدسست إليه من يبعج بطنه في جوف منزله أو في حفله، ثم كان لا يتولّى ذلك إلا عقيليّ أو سدوسيّ! فقال أبا معاذ ولم يقل بشّارا، وقال المشنّف ولم يقل المرعّث، وقال: من سجايا الغالية ولم يقل الرافضة، وقال: في منزله ولم يقل في داره، وقال: يبعج بطنه ولم يقل يبقر، للّثغة التي كانت به في الرّاء.

قال: وكان واصل قد بلغ من اقتداره على الكلام وتمكّنه من العبارة أن حذف الراء من جميع كلامه وخطبه وجعل مكانها ما يقوم مقامها.

أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني أبي عن عافية بن شبيب قال حدّثني أبو سهيل قال حدّثني سعيد بن سلّام قال: كان بالبصرة ستّة من أصحاب الكلام: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وبشّار الأعمى، وصالح بن عبد القدّوس، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، ورجل من الأزد - قال أبو أحمد: يعني جرير بن حازم - فكانوا يجتمعون في منزل الأزديّ ويختصمون عنده. فأمّا عمرو وواصل فصارا إلى الاعتزال. وأمّا عبد الكريم وصالح فصحّحا التوبة. وأمّا بشّار فبقي متحيّرا مخلّطا. وأمّا الأزديّ فمال إلى قول السّمنيّة، وهو مذهب من مذاهب الهند، وبقي ظاهره على ما كان عليه. قال: فكان عبد الكريم يفسد الأحداث؛ فقال له عمرو بن عبيد: قد بلغني أنّك تخلو بالحدث من أحداثنا فتفسده وتستزلّه وتدخله في دينك، فإن خرجت من مصرنا وإلّا قمت فيك مقاما آتي فيه على نفسك؛ فلحق بالكوفة، فدلّ عليه محمد بن سليمان فقتله وصلبه بها. وله يقول بشّار:

قل لعبد الكريم يابن أبي العوجاء بعت الإسلام بالكفر موقا
لا تصلّي ولا تصوم فإن صمت فبعض النّهار صوما رقيقا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قل لعبد الكريم يا ابن أبي العو»
لا تبالي إذا أصبت من الخمر عتيقا ألّا تكون عتيقا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قل لعبد الكريم يا ابن أبي العو»
ليت شعري غداة حلّيت في الجيد حنيفا حلّيت أم زنديقا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قل لعبد الكريم يا ابن أبي العو»
أنت ممّن يدور في لعنة الله صديق لمن ينيك الصديقا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قل لعبد الكريم يا ابن أبي العو»

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثني الرّياشيّ قال: سئل الأصمعيّ عن بشّار ومروان أيّهما أشعر؟ فقال: بشّار؛ فسئل عن السبب في ذلك، فقال: لأنّ مروان سلك طريقا كثر من يسلكه فلم يلحق من تقدّمه، وشركه فيه من كان في عصره، وبشّار سلك طريقا لم يسلك وأحسن فيه وتفرّد به، وهو أكثر تصرّفا وفنون شعر وأغزر وأوسع بديعا، ومروان لم يتجاوز مذاهب الأوائل.

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثني العنزيّ عن أبي حاتم قال سمعت الأصمعيّ وقد عاد إلى البصرة من بغداد فسأله رجل عن مروان بن أبي حفصة، فقال: وجد أهل بغداد قد ختموا به الشّعراء وبشّار أحقّ بأن يختموهم به من مروان؛ فقيل له: ولم؟ فقال: وكيف لا يكون كذلك وما كان مروان في حياة بشّار يقول شعرا حتّى يصلحه له بشّار ويقوّمه! وهذا سلّم الخاسر من طبقة مروان يزاحمه بين أيدي الخلفاء بالشعر ويساويه في الجوائز، وسلّم معترف بأنه تبع لبشّار.

أخبرني جحظة قال سمعت عليّ بن يحيى المنجّم يقول: سمعت من لا أحصي من الرّواة يقولون: أحسن الناس ابتداء في الجاهليّة امرؤ القيس حيث يقول:

ألا انعم صباحا أيّها الطّلل البالي

وحيث يقول:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

وفي الإسلام القطاميّ حيث يقول:

إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّلل

ومن المحدّثين بشّار حيث يقول:

صوت

أبى طلل بالجزع أن يتكلّماوماذا عليه لو أجاب متيّما
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يطوف العفاة بأبوابه»
وبالفرع آثار بقين وباللّوىملاعب لا يعرفن إلا توهّما
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يطوف العفاة بأبوابه»

وفي هذين البيتين لابن المكّي ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى من كتابه. وفيهما لابن جؤذر رمل.

أخبرني عمّي عن الكرانيّ عن أبي حاتم قال: كان الأصمعيّ يعجب بشعر بشّار لكثرة فنونه وسعة تصرّفه، ويقول: كان مطبوعا لا يكلّف طبعه شيئا متعذّرا لا كمن يقول البيت ويحكّكه أياما. وكان يشبّه بشّارا بالأعشى والنّابغة الذّبيانيّ، ويشبّه مروان بزهير والحطيئة، ويقول: هو متكلّف.

قال الكرانيّ: قال أبو حاتم: وقلت لأبي زيد: أيّما أشعر بشّار أم مروان؟ فقال: بشّار أشعر، ومروان أكفر.

قال أبو حاتم: وسألت أبا زيد مرّة أخرى عنهما فقال: مروان أجدّ وبشّار أهزل؛ فحدّثت الأصمعيّ بذلك؛ فقال: بشار يصلح للجدّ والهزل، ومروان لا يصلح إلّا لأحدهما.

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى قال حدّثنا عليّ بن مهديّ قال حدّثنا نجم بن النّطّاح قال: عهدي بالبصرة وليس فيها غزل ولا غزلة إلّا يروي من شعر بشّار، ولا نائحة ولا مغنّية إلّا لتكسّب به، ولا ذو شرف إلّا وهو يهابه ويخاف معرّة لسانه.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أحمد بن المبارك قال حدّثني أبي قال: قلت لبشّار: ليس لأحد من شعراء العرب شعر إلّا وقد قال فيه شيئا استنكرته العرب من ألفاظهم وشكّ فيه، وإنه ليس في شعرك ما يشكّ فيه؛ قال: ومن أين يأتيني الخطأ! ولدت هاهنا ونشأت في حجور ثمانين شيخا من فصحاء بني عقيل ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ، وإن دخلت إلى نسائهم فنساؤهم أفصح منهم، وأيفعت فأبديت إلى أن أدركت، فمن أين يأتيني الخطأ!.

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ وأحمد بن عبد العزيز ويحيى بن عليّ قالوا حدّثنا عمر بن شبّة قال: كان الأصمعيّ يقول: إنّ بشّارا خاتمة الشعراء، واللّه لو لا أنّ أيّامه تأخّرت لفضّلته على كثير منهم.

أخبرنا يحيى بن عليّ قال حدّثني أبو الفضل المروزيّ قال حدّثني قعنب بن المحرز الباهليّ قال قال الأصمعيّ: لقي أبو عمرو بن العلاء بعض الرّواة فقال له: يا أبا عمرو، من أبدع الناس بيتا؟ قال: الذي يقول:

لم يطل ليلي ولكن لم أنمونفى عنّي الكرى طيف ألمّ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لم يطل ليلي ولكن لم أنم»
روّحي عنّي قليلا واعلميأنّني يا عبد من لحم ودم
للشاعر عبد الحميد الرافعي، اقرأ القصيدة

قال: فمن أمدح الناس؟ قال: الذي يقول:

لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنىولم أدر أنّ الجود من كفّه يعدي
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لمست بكفي كفه أبتغي الغنى»
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنىأفدت وأعداني فأتلفت ما عندي
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لمست بكفي كفه أبتغي الغنى»

قال: فمن أهجى الناس؟ قال: الذي يقول:

رأيت السّهيلين استوى الجود فيهماعلى بعد ذا من ذاك في حكم حاكم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «رأيت السهيلين استوى الجود فيهما»
سهيل بن عثمان يجود بمالهكما جاد بالوجعا سهيل بن سالم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «رأيت السهيلين استوى الجود فيهما»

قال: وهذه الأبيات كلّها لبشّار.

نسبة ما في هذا الخبر من الأشعار التي يغنّى فيها صوت

لم يطل ليلي ولكن لم أنمونفى عنّي الكرى طيف ألمّ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لم يطل ليلي ولكن لم أنم»
وإذا قلت لها جودي لناخرجت بالصّمت عن لا ونعم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لم يطل ليلي ولكن لم أنم»
نفّسي يا عبد عنّي واعلميأنّني يا عبد من لحم ودم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لم يطل ليلي ولكن لم أنم»
إنّ في برديّ جسما ناحلالو توكّأت عليه لانهدم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لم يطل ليلي ولكن لم أنم»
حتم الحبّ لها في عنقيموضع الخاتم من أهل الذّمم

غناه إبراهيم هزجا بالسّبابة في مجرى الوسطى عن ابن المكيّ والهشاميّ. وفيه لقعنب الأسود خفيف ثقيل.

فأما الأبيات التي ذكر أبو عمرو أنّه فيها أمدح الناس وأوّلها:

لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنى

فإنه ذكر أنها لبشّار. وذكر الزّبير بن بكّار أنها لابن الخيّاط في المهديّ، وذكر له فيها معه خبرا طويلا قد ذكرته في أخبار ابن الخيّاط في هذا الكتاب.

أخبرنا يحيى بن عليّ قال حدّثنا عليّ بن مهديّ الكسرويّ قال حدّثنا أبو حاتم قال: كان بشار كثير الولوع بديسم العنزيّ وكان صديقا له وهو مع ذلك يكثر هجاءه، وكان ديسم لا يزال يحفظ شيئا من شعر حمّاد وأبي هشام الباهليّ في بشّار؛ فبلغه ذلك فقال فيه:

أديسم يابن الذئب من نحل زارعأتروي هجائي سادرا غير مقصر

قال أبو حاتم: فأنشدت أبا زيد هذا البيت وسألته ما يقول فيه، فقال: لمن هذا الشعر؟ فقلت: لبشار يقوله في ديسم العنزيّ؛ فقال: قاتله اللّه ما أعلمه بكلام العرب! ثم قال: الدّيسم: ولد الذئب من الكلبة، ويقال للكلاب: أولاد زارع. والعسبار: ولد الضّبع من الذئب. والسّمع: ولد الذئب من الضّبع. وتزعم العرب أن السّمع لا يموت حتف أنفه، وأنه أسرع من الريح وإنما هلاكه بعرض من أعراض الدنيا.

أخبرنا حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: كان بالبصرة رجل يقال له: حمدان الخرّاط، فآتخذ جاما لإنسان كان بشّار عنده، فسأله بشار أن يتخذ له جاما فيه صور طير تطير، فاتخذه له وجاءه به، فقال له: ما في هذا الجام؟ فقال: صور طير تطير؛ فقال له: قد كان ينبغي أن تتخذ فوق هذه الطير طائرا من الجوارح كأنه يريد صيدها، فإنه كان أحسن؛ قال: لم أعلم؛ قال: بلى قد علمت، ولكن علمت أني أعمى لا أبصر شيئا! وتهدّده بالهجاء، فقال له حمدان: لا تفعل فإنك تندم؛ قال: أو تهدّدني أيضا! قال: نعم؛ قال: فأيّ شيء تستطيع أن تصنع بي إن هجوتك! قال: أصوّرك على باب داري بصورتك هذه وأجعل من خلفك قردا ينكحك حتى يراك الصّادر والوارد؛ قال بشار: اللّهمّ أخزه، أنا أمازحه وهو يأبى إلا الجدّ!.

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى والحسن بن عليّ ومحمد بن عمران الصّيرفيّ قالوا: حدّثنا العنزيّ قال حدّثني جعفر بن محمد بن سلّام قال حدّثني مخلد أبو سفيان قال: كان جرير بن المنذر السّدوسيّ يفاخر بشّارا؛ فقال فيه بشّار:

أمثل بني مضر وائلفقدتك من فاخر ما أجنّ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أمثل بني مضر وائل»
أفي النوم هذا أبا منذرفخيرا رأيت وخيرا يكن
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أمثل بني مضر وائل»
رأيتك والفخر في مثلهاكعاجنة غير ما تطّحن
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أمثل بني مضر وائل»

وقال يحيى في خبره: فحدّثني محمد بن القاسم قال حدّثني عاصم بن وهب أبو شبل الشاعر البرجميّ قال حدّثني محمد بن الحجّاج السرادانيّ قال: كنّا عند بشّار وعنده رجل ينازعه في اليمانية والمضريّة إذ أذّن المؤذّن، فقال له بشار: رويدا، تفهّم هذا الكلام؛ فلما قال: أشهد أنّ محمدا رسول اللّه، قال له بشّار: أهذا الذي نودي باسمه مع اسم اللّه عزّوجلّ من مضرّ هو أم من صداء وعكّ وحمير؟ فسكت الرجل.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال أنشد بشار قول الشاعر:

وقد جعل الأعداء ينتقصونناوتطمع فينا ألسن وعيون
ألا إنما ليلى عصا خيزرانةإذا غمزوها بالأكفّ تلين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا يا حمامات الحمى عدن عودة»

فقال: واللّه لو زعم أنها عصا مخّ أو عصا زبد، لقد كان جعلها جافية خشنة بعد أن جعلها عصا! ألا قال كما قلت:

ودعجاء المحاجر من معدّكأن حديثها ثمر الجنان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ودعجاء المحاجر من معد»
إذا قامت لمشيتها تثنّتكأن عظامها من خيزران
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ودعجاء المحاجر من معد»

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال أخبرني محمد بن صالح بن الحجاج قال: قلت لبشار: إنّي أنشدت فلانا قولك:

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذىظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»

فقال لي: ما كنت أظنه إلا لرجل كبير؛ فقال لي بشار: ويلك! أفلا قلت له: هو واللّه لأكبر الجنّ والإنس!.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أبو الشّبل عن محمد بن الحجاج قال: كان بشّار يهوى امرأة من أهل البصرة فراسلها يسألها زيارته، فوعدته بذلك ثم أخلفته، وجعل ينتظرها ليلته حتى أصبح، فلما لم تأته أرسل إليها يعاتبها فاعتذرت بمرض أصابها؛ فكتب إليها بهذه الأبيات:

يا ليلتي تزداد نكرامن حبّ من أحببت بكرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»
حوراء إن نظرت إليك سقتك بالعينين خمرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»
وكأن رجع حديثهاقطع الرياض كسين زهرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»
وكأن تحت لسانهاهاروت ينفث فيه سحرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»
وتخال ما جمعت عليه ثيابها ذهبا وعطرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»
وكأنها برد الشراب صفا ووافق منك فطرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»
جنّيّة إنسيّةأو بين ذاك أجلّ أمرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»
وكفاك أنّي لم أحطبشكاة من أحببت خبرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»
إلا مقالة زائرنثرت لي الأحزان نثرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»
متخشّعا تحت الهوىعشرا وتحت الموت عشرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»

حدّثني جحظة قال حدّثني عليّ بن يحيى قال: كان إسحاق الموصليّ لا يعتدّ ببشار ويقول: هو كثير التخليط في شعره، وأشعاره مختلفة، لا يشبه بعضها بعضا؛ أليس هو القائل:

إنما عظم سليمى حبّتيقصب السّكّر لا عظم الجمل
وإذا أدنيت منها بصلاغلب المسك على ريح البصل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن سلمى خلقت من قصب»

لو قال كلّ شيء جيّد ثم أضيف إلى هذا لزيّفه. قال: وكان يقدّم عليه مروان ويقول: هذا هو أشدّ استواء شعر منه، وكلامه ومذهبه أشبه بكلام العرب ومذاهبها، وكان لا يعدّ أبا نواس البتة ولا يرى فيه خيرا.

حدّثنا محمد بن عليّ بن يحيى قال حدّثنا محمد بن زكريّا قال حدّثنا محمد بن عبد الرحمن التّيميّ قال: دخل بشّار إلى إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن، فأنشده قصيدة يهجو فيها المنصور ويشير عليه برأي يستعمله في أمره، فلما قتل إبراهيم خاف بشار، فقلب الكنية، وأظهر أنه كان قالها في أبي مسلم وحذف منها أبياتا وأوّلها:

أبا جعفر ما طول عيش بدائمولا سالم عمّا قليل بسالم

قلب هذا البيت فقال: «أبا مسلم».

على الملك الجبّار يقتحم الردىويصرعه في المأزق المتلاحم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
كأنك لم تسمع بقتل متوّجعظيم ولم تسمع بفتك الأعاجم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
تقسّم كسرى رهطه بسيوفهموأمسى أبو العباس أحلام نائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»

يعني الوليد بن يزيد.

وقد كان لا يخشى انقلاب مكيدةعليه ولا جري النّحوس الأشائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
مقيما على اللّذات حتى بدت لهوجوه المنايا حاسرات العمائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
وقد ترد الأيام غرّا وربّماوردن كلوحا باديات الشّكائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
ومروان قد دارت على رأسه الرحىوكان لما أجرمت نزر الجرائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
فأصبحت تجري سادرا في طريقهمولا تتّقي أشباه تلك النقائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
تجرّدت للإسلام تعفو سبيلهوتعري مطاه للّيوث الضّراغم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
فما زلت حتى استنصر الدين أهلهعليك فعاذوا بالسّيوف الصوارم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
فرم وزرا ينجيك يابن سلامةفلست بناج من مضيم وضائم

جعل موضع «يآبن سلامة» «يآبن وشيكة» وهي أمّ أبي مسلم.

لحا اللّه قوما رأسوك عليهموما زلت مرؤوسا خبيث المطاعم
أقول لبسّام عليه جلالةغدا أريحيّا عاشقا للمكارم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
من الفاطميّين الدّعاة إلى الهدىجهارا ومن يهديك مثل ابن فاطم

هذا البيت الذي خافه وحذفه بشار من الأبيات.

سراج لعين المستضيء وتارةيكون ظلاما للعدوّ المزاحم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعنبرأي نصيح أو نصيحة حازم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
ولا تجعل الشّورى عليك غضاضةفإنّ الخوافي قوّة للقوادم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختهاوما خير سيف لم يؤيّد بقائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
وخلّ الهوينا للضّعيف ولا تكننؤوما فإن الحزم ليس بنائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
وحارب إذا لم تعط إلا ظلامةشبا الحرب خير من قبول المظالم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»

قال محمد بن يحيى: فحدّثني الفضل بن الحباب قال سمعت أبا عثمان المازنيّ يقول سمعت أبا عبيدة يقول: ميميّة بشار هذه أحب إليّ من ميميّتي جرير والفرزدق.

قال محمد: وحدّثني ابن الرّياشيّ قال حدّثني أبي قال:

قال الأصمعيّ قلت لبشّار: يا أبا معاذ، إن الناس يعجبون من أبياتك في المشورة؛ فقال لي: يا أبا سعيد، إن المشاور بين صواب يفوز بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه؛ فقلت له: أنت واللّه في قولك هذا أشعر منك في شعرك.

حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الفضل بن محمد اليزيديّ عن إسحاق وحدّثني به محمد بن مزيد بن أبي الأزهر عن حمّاد عن أبيه قال: كان بشّار جالسا في دار المهديّ والناس ينتظرون الإذن، فقال بعض موالي المهديّ لمن حضر: ما عندكم في قول اللّه عزّوجلّ: (وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ)

فقال له بشار: النّحل التي يعرفها الناس؛ قال هيهات يا أبا معاذ، النحل: بنو هاشم، وقوله: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ)

يعني العلم؛ فقال له بشّار: أراني اللّه طعامك وشرابك وشفاءك فيما يخرج من بطون بني هاشم، فقد أوسعتنا غثاثة؛ فغضب وشتم بشّارا؛ وبلغ المهديّ الخبر فدعا بهما فسألهما عن القصة، فحدّثه بشّار بها؛ فضحك حتى أمسك على بطنه، ثم قال للرجل: أجل! فجعل اللّه طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم، فإنك بارد غثّ. وقال محمد بن مزيد في خبره: إنّ الذي خاطب بشّارا بهذه الحكاية وأجابه عنها من موالي المهديّ المعلّى بن طريف.

أخبرنا الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: دخل يزيد بن منصور الحميريّ على المهديّ وبشّار بين يديه ينشده قصيدة امتدحه بها، فلما فرغ منها أقبل عليه يزيد بن منصور الحميريّ، وكانت فيه غفلة، فقال له: يا شيخ، ما صناعتك؟ فقال: أثقب اللؤلؤ؛ فضحك المهديّ ثم قال لبشّار: أعزب ويلك؛ أتتنادر على خالي! فقال له: وما أصنع به! يرى شيخا أعمى ينشد الخليفة شعرا ويسأله عن صناعته!.

أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه قال: وقف على بشّار بعض المجّان وهو ينشد شعرا؛ فقال له: استر شعرك هذا كما تستر عورتك؛ فصفّق بشّار بيديه وغضب وقال له: من أنت ويلك؟ قال: أنا أعزّك اللّه رجل من باهلة، وأخوالي من سلول، وأصهاري عكل، واسمي كلب، ومولدي بأضاخ، ومنزلي بنهر بلال؛ فضحك بشّار ثم قال: اذهب ويلك! فأنت عتيق لؤمك، قد علم اللّه أنك استترت منّي بحصون من حديد.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني الفضل بن سعيد قال حدّثني أبي قال: مرّ بشار بقاصّ بالبصرة فسمعه يقول في قصصه: من صام رجبا وشعبان ورمضان بنى اللّه له قصرا في الجنّة صحنه ألف فرسخ في مثلها وعلوه ألف فرسخ وكلّ باب من أبواب بيوته ومقاصره عشرة فراسخ في مثلها، قال: فالتفت بشار إلى قائده. فقال: بئست واللّه الدار هذه في كانون الثاني.

قال الفضل بن سعيد وحدّثني رجل من أهل البصرة ممن كان يتزوّج بالنّهاريّات قال: تزوّجت امرأة منهن فاجتمعت معها في علو بيت وبشّار تحتنا، أو كنا في أسفل البيت وبشار في علوه مع امرأة، فنهق حمار في الطريق فأجابه حمار في الجيران وحمار في الدار فارتجّت الناحية بنهيقها، وضرب الحمار الذي في الدار الأرض برجله وجعل يدقّها بها دقّا شديدا فسمعت بشّارا يقول للمرأة: نفخ - يعلم اللّه - في الصّور وقامت القيامة أما تسمعين كيف يدقّ على أهل القبور حتى يخرجوا منها! قال: ولم يلبث أن فزعت شاة كانت في السطح فقطعت حبلها وعدت فألقت طبقا وغضارة الى الدار فانكسرا، وتطاير حمام ودجاج كنّ في الدار لصوت الغضارة وبكى صبيّ في الدار؛ فقال بشّار: صحّ واللّه الخبر ونشر أهل القبور من قبورهم أزفت - يشهد اللّه - الآزفة وزلزلت الأرض زلزالها؛ فعجبت من كلامه وغاظني ذلك؛ فسألت من المتكلم؟ فقيل لي: بشار، فقلت: قد علمت أنه لا يتكلّم بمثل هذا غير بشّار.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن محمد جدار قال حدّثني قدامة بن نوح قال: مرّ بشار برجل قد رمحته بغلة وهو يقول: الحمد للّه شكرا، فقال له بشّار: استزده يزدك. قال: ومرّ به قوم يحملون جنازة وهم يسرعون المشي بها، فقال: ما لهم مسرعين! أتراهم سرقوه فهم يخافون أن يلحقوا فيؤخذ منهم!.

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى عن أبيه عن عافية بن شبيب، وأخبرني به وكيع عن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الملك عن الحسن بن جمهور، قالا: توفّى ابن لبشار فجزع عليه؛ فقيل له: أجر قدّمته، وفرط افترطته، وذخر أحرزته، فقال: ولد دفنته، وثكل تعجّلته، وغيب وعدته فانتظرته؛ واللّه لئن لم أجزع للنقص لا أفرح للزيادة. وقال يرثيه:

أجارتنا لا تجزعي وأنيبيأتاني من الموت المطلّ نصيبي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أجارتنا لا تجزعي وأنيبي»
بنيّ على رغمي وسخطي رزئتهوبدّل أحجارا وجال قليب
وكان كريحان الغصون تخالهذوي بعد إشراق يسرّ وطيب
أصيب بنيّ حين أورق غصنهوألقى عليّ الهمّ كلّ قريب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أصيبَ بني حين أورق غصنهُ»
عجبت لإسراع المنيّة نحوهوما كان لو ملّيته بعجيب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أجارتنا لا تجزعي وأنيبي»

أخبرني يحيى بن عليّ قال ذكر عافية بن شبيب عن أبي عثمان اللّيثيّ، وحدّثني به الحسن بن عليّ عن ابن مهرويه عن أبي مسلم، قالا: رفع غلام بشّار إليه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم، فصاح به بشّار وقال: واللّه ما في الدنيا أعجب من جلاء مرآة أعمى بعشرة دراهم، واللّه لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم.

أخبرنا محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني المغيرة بن محمد المهلّبيّ قال حدّثنا أبو معاذ النّميريّ قال: قلت لبشّار: لم مدحت يزيد بن حاتم ثم هجوته؟ قال: سألني أن أنيكه فلم أفعل؛ فضحكت ثم قلت: فهو كان ينبغي له أن يغضب، فما موضع الهجاء! فقال: أظنّك تحبّ أن تكون شريكه؛ فقلت: أعوذ باللّه من ذلك ويلك!

حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا أحمد بن خلّاد، وأخبرنا يحيى بن عليّ ومحمد بن عمران الصّيرفيّ، قالا حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا أحمد بن خلّاد قال حدّثني أبي قال قلت لبشّار: إنك لتجيء بالشي الهجين المتفاوت، قال: وما ذاك؟ قال قلت: بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع به القلوب، مثل قولك:

إذا ما غضبنا غضبة مضريّةهتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدما
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يطوف العفاة بأبوابه»
إذا ما أعرنا سيّدا من قبيلةذرى منبر صلّى علينا وسلّما
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يطوف العفاة بأبوابه»

تقول:

ربابة ربّة البيتتصبّ الخلّ في الزّيت
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ربابة ربة البيت»
لها عشر دجاجاتوديك حسن الصّوت
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ربابة ربة البيت»

فقال: لكلّ وجه وموضع، فالقول الأوّل جدّ، وهذا قلته في ربابة جاريتي، وأنا لا آكل البيض من السّوق، وربابة هذه لها عشر دجاجات وديك فهي تجمع لي البيض وتحفظه عندها، فهذا عندها من قولي أحسن من:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

عندك.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني أحمد بن محمد جدار قال حدّثني قدامة بن نوح قال: كان بشّار يحشو شعره إذا أعوزته القافية والمعنى بالأشياء التي لا حقيقة لها، فمن ذلك أنه أنشد يوما شعرا له فقال فيه:

غنّني للغريض يا بن قنان

فقيل له: من ابن قنان هذا، لسنا نعرفه من مغنّي البصرة؟ قال: وما عليكم منه! ألكم قبله دين فتطالبوه به، أو ثأر تريدون أن تدركوه، أو كفلت لكم به فإذا غاب طالبتموني بإحضاره؟ قالوا: ليس بيننا وبينه شيء من هذا، وإنما أردنا أن نعرفه، فقال: هو رجل يغنّي لي ولا يخرج من بيتي؛ فقالوا له: إلى متى؟ قال: مذ يوم ولد وإلى يوم يموت. قال: وأنشدنا أيضا في هذه القصيدة:

… ووافاني هلال السماء في البردان

فقلنا: يا أبا معاذ. أين البردان هذا؟ لسنا نعرفه بالبصرة، فقال: هو بيت في بيتي سميّته البردان، أفعليكم من تسميتي داري وبيوتها شيء فتسألوني عنه!.

حدّثني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثني أبو غسّان دماذ - واسمه رفيع بن سلمة - قال حدّثني يحيى بن الجون العبديّ راوية بشّار قال: كنا عند بشّار يوما فأنشدنا قوله:

وجارية خلقت وحدهاكأن النساء لديها خدم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»
دوار العذارى إذا زرنهاأطفن بحوراء مثل الصّنم.
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»
ظمئت إليها فلم تسقنيبريّ ولم تشفني من سقم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»
وقالت هويت فمت راشداكما مات عروة غمّا بغمّ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»
فلما رأيت الهوى قاتليولست بجار ولا بابن عمّ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»
دسست إليها أبا مجلزوأيّ فتى إن أصاب اعتزم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»
فما زال حتى أنابت لهفراح وحلّ لنا ما حرم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ونبئت قوما بهم جنة»

فقال له رجل: ومن أبو مجلز هذا يا أبا معاذ؟ قال: وما حاجتك إليه! لك عليه دين أو تطالبه بطائلة! هو رجل يتردّد بيني وبين معارفي في رسائل. قال: وكان كثيرا ما يحشو شعره بمثل هذا.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: كانت بالبصرة قينة لبعض ولد سليمان بن عليّ وكانت محسنة بارعة الظّرف، وكان بشّار صديقا لسيّدها ومدّاحا له، فحضر مجلسه يوما والجارية تغنّي؛ فسرّ بحضوره وشرب حتى سكر ونام، ونهض بشّار؛ فقالت: يا أبا معاذ، أحبّ أن تذكر يومنا هذا في قصيدة ولا تذكر فيها اسمي ولا اسم سيّدي وتكتب بها إليه؛ فانصرف وكتب إليه:

وذات دلّ كأن البدر صورتهاباتت تغنّي عميد القلب سكرانا:
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»
(إنّ العيون التي في طرفها حورقتلننا ثم لم يحيين قتلانا)
للشاعر خلفان بن مصبح، من قصيدة «هذا الربيع بنور الحسن وافانا»
فقلت أحسنت يا سؤلي ويا أمليفأسمعيني جزاك اللّه إحسانا:
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»
(يا حبّذا جبل الرّيان من جبلوحبّذا ساكن الريّان من كانا)
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط ولو طوعت ما بانا»
قالت فهلا، فدتك النفس، أحسن منهذا لمن كان صبّ القلب حيرانا:
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»
(يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقةوالأذن تعشق قبل العين أحيانا)
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة»
فقلت أحسنت أنت الشمس طالعةأضرمت في القلب والأحشاء نيرانا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»
فأسمعيني صوتا مطربا هزجايزيد صبّا محبّا فيك أشجانا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»
يا ليتني كنت تفّاحا مفلّجةأو كنت من قضب الريحان ريحانا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»
حتى إذا وجدت ريحي فأعجبهاونحن في خلوة مثّلث إنسانا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»
فحرّكت عودها ثم انثنت طرباتشدو به ثم لا تخفيه كتمانا:
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»
(أصبحت أطوع خلق اللّه كلّهملأكثر الخلق لي في الحبّ عصيانا)
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»
فقلت أطربتنا يا زين مجلسنافهات إنك بالإحسان أولانا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»
لو كنت أعلم أنّ الحبّ يقتلنيأعددت لي قبل أن ألقاك أكفانا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»
فغنّت الشّرب صوتا مؤنقا رملايذكي السّرور ويبكي العين ألوانا:
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»
(لا يقتل اللّه من دامت مودّتهواللّه يقتل أهل الغدر أحيانا)
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وذات دل كأن البدر صورتها»

ووجّه بالأبيات إليها، فبعث إليه سيّدها بألفي دينار وسرّ بها سرورا شديدا.

أخبرني أحمد بن العباس العسكريّ قال حدثني الحسن بن عليل قال حدثني عليّ بن منصور أبو الحسن الباهليّ قال حدّثني أبو عبد اللّه المقرىء الجحدريّ الذي كان يقرأ في المسجد الجامع بالبصرة، قال: دخل أعرابيّ على مجزأة بن ثور السّدوسيّ وبشّار عنده وعليه بزّة الشعراء، فقال الأعرابيّ: من الرجل؟

فقالوا: رجل شاعر؛ فقال: أمولى هو أم عربيّ؟ قالوا: بل مولى؛ فقال الأعرابيّ: وما للموالي وللشعر! فغضب بشّار وسكت هنيهة، ثم قال: أتأذن لي يا أبا ثور؟ قال: قل ما شئت يا أبا معاذ؛ فأنشأ بشّار يقول:

خليلي لا أنام على اقتسارولا آبى على مولى وجار
سأخبر فاخر الأعراب عنّيوعنه حين تأذن بالفخار
أحين كسيت بعد العري خزّاونادمت الكرام على العقار
تفاخر يا ابن راعية وراعبني الأحرار حسبك من خسار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أعاذل لا أنام على اقتسار»
وكنت إذا طمئت إلى قراحشركت الكلب في ولغ الإطار
تريغ بخطبة كسر الموانيوينسيك المكارم صيد فار
وتغدو للقنافذ تدّريهاولم تعقل بدرّاج الدّيار
وتتّشح الشّمال للابسيهاوترعى الضأن بالبلد القفار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وتتشح الشمال للابسيها»
مقامك بيننا دنس علينافليتك غائب في حرّ نار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أعاذل لا أنام على اقتسار»
وفخرك بين خنزير وكلبعلى مثلي من الحدث الكبار

فقال مجزأة للأعرابيّ: قبحك اللّه! فأنت كسبت هذا الشرّ لنفسك ولأمثالك!.

أخبرني أحمد بن العباس العسكريّ قال حدّثني العنزيّ عن الرّياشيّ قال: حضر بشّار باب محمد بن سليمان، فقال له الحاجب: اصبر؛ فقال: إنّ الصبر لا يكون إلا على بليّة؛ فقال له الحاجب: إنّي أظنّ أنّ وراء قولك هذا شرّا ولن أتعرّض له، فقم فادخل.

أخبرني وكيع قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ عن محمد بن سلّام قال: قال هلال الرأي - وهو هلال بن عطية - لبشّار وكان له صديقا يمازحه: إنّ اللّه لم يذهب بصر أحد إلا عوّضه بشيء، فما عوّضك؟ قال: الطويل العريض؛ قال: وما هذا؟ قال: ألّا أراك ولا أمثالك من الثقلاء. ثم قال له: يا هلال أتطيعني في نصيحة أخصّك بها؟ قال نعم؛ قال: إنك كنت تسرق الحمير زمانا ثم تبت وصرت رافضيّا، فعد إلى سرقة الحمير، فهي واللّه خير لك من الرّفض.

قال محمد بن سلّام: وكان هلال يستثقل، وفيه يقول بشّار:

وكيف يخفّ لي بصري وسمعيوحولي عسكران من الثّقال
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وكيف يخف لي بصري وسمعي»
قعودا حول دسكرتي وعنديكأنّ لهم عليّ فضول مال
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وكيف يخف لي بصري وسمعي»
إذا ما شئت صبّحني هلالوأيّ الناس أثقل من هلال
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وكيف يخف لي بصري وسمعي»

وأخبرني أبو دلف الخزاعيّ بهذا الخبر عن عيسى بن إسماعيل عن ابن عائشة، فذكر أنّ الذي خاطب بشّارا بهذه المخاطبة ابن سيّابة، فلما أجابه بشّار بالجواب المذكور، قال له: من أنت؟ قال: ابن سيّابة؛ فقال له: يا ابن سيّابة، لو نكح الأسد ما افترس؛ قال: وكان يتّهم بالأبنة.

قال أيوب وحدّثني محمد بن سلّام وغيره قالوا: مرّ ابن أخي بشّار به ومعه قوم؛ فقال لرجل معه: من هذا؟

فقال: ابن أخيك؛ قال: أشهد أن أصحابه أنذال؛ قال: وكيف علمت؟ قال: ليست لهم نعال.

أخبرنا محمد بن عليّ قال حدّثني أبي قال حدّثني عافية بن شبيب عن أبي دهمان الغلابيّ، قال: مررت ببشّار يوما وهو جالس على بابه وحده وليس معه خلق وبيده مخصرة يلعب بها وقدّامه طبق فيه تفّاح وأترجّ، فلما رأيته وليس عنده أحد تاقت نفسي إلى أن أسرق ما بين يديه، فجئت قليلا قليلا وهو كافّ يده حتى مددت يدي لأتناول منه، فرفع القضيب وضرب به يدي ضربة كاد يكسرها، فقلت له: قطع اللّه يدك يابن الفاعلة، أنت الآن أعمى! فقال: يا أحمق، فأين الحسّ!.

أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني العنزيّ قال حدّثني خالد بن يزيد بن وهب بن جرير عن أبيه قال: كان لبشّار في داره مجلسان: مجلس يجلس فيه بالغداة يسمّيه «البردان» ومجلس يجلس فيه بالعشيّ اسمه «الرّقيق»، فأصبح ذات يوم فاحتجم وقال لغلامه: أمسك عليّ بابي واطبخ لي من طيّب طعامي وصفّ نبيذي؛ قال: فإنه لكذلك إذ قرع الباب قرعا عنيفا؛ فقال: ويحك يا غلام! انظر من يدقّ الباب دقّ الشّرط؛ قال: فنظر الغلام، فقال له: نسوة خمس بالباب يسألن أن تقول لهنّ شعرا ينحن به؛ فقال: أدخلهنّ، فلمّا دخلن نظرن إلى النبيذ مصفّى في قنانيّه في جانب بيته؛ قال: فقالت واحدة منهنّ: هو خمر، وقالت الأخرى: هو زبيب وعسل، وقالت الثالثة: نقيع زبيب؛ فقال: لست بقائل لكنّ حرفا أو تطعمن من طعامي وتشربن من شرابي؛ قال: فتماسكن ساعة، ثم قالت واحدة منهنّ: ما عليكنّ! هو أعمى فكلن من طعامه واشربن من شرابه وخذن شعره؛ فبلغ ذلك الحسن البصريّ فعابه وهتف ببشّار؛ فبلغه ذلك - وكان بشّار يسمّي الحسن البصريّ القسّ - فقال:

لما طلعن من الرّقيق عليّ بالبردان خمسا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لما طلعن من الرقي»
وكأنهنّ أهلّةتحت الثياب زففن شمسا
باكرن عطر لطيمةوغمسن في الجاديّ غمسا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لما طلعن من الرقي»

صوت

لمّا طلعن حففنهاوأصخن ما يهمسن همسا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لما طلعن من الرقي»
فسألنني من في البيوت فقلت ما يؤوين إنسا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لما طلعن من الرقي»
ليت العيون الطارفات طمسن عنّا اليوم طمسا
فأصبن من طرف الحديث لذاذة وخرجن ملسا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لما طلعن من الرقي»
لولا تعرّضهنّ لييا قسّ كنت كأنت قسّا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لما طلعن من الرقي»

غنّى في هذه الأبيات يحيى المكّي، ولحنه رمل بالبنصر عن عمرو.

أخبرنا يحيى قال حدّثني العنزيّ قال حدّثنا عليّ بن محمد قال حدّثني جعفر بن محمد النوفليّ - وكان يروي شعر بشّار بن برد - قال: جئت بشّارا ذات يوم فحدّثني، قال: ما شعرت منذ أيّام إلا بقارع يقرع بابي مع الصّبح، فقلت: يا جارية انظري من هذا، فرجعت إليّ وقالت: هذا مالك بن دينار؛ فقلت: ما هو من أشكالي ولا أضرابي، ثمّ قلت: ائذني له، فدخل فقال: يا أبا معاذ، أتشتم أعراض الناس وتشبّب بنسائهم! فلم يكن عندي إلّا أن دفعت عن نفسي وقلت: لا أعود، فخرج عنّي، وقلت في أثره:

غدا مالك بملاماتهعليّ وما بات من باليه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غدا مالك بملاماته»
تناول خودا هضيم الحشيمن الحور محظوظة عاليه
فقلت دع اللّوم في حبّهافقبلك أعييت عذّاليه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غدا مالك بملاماته»
وإنّي لأكتمهم سرّهاغداة تقول لها الجاليه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غدا مالك بملاماته»
عبيدة مالك مسلوبةوكنت معطّرة حاليه
فقالت على رقبة: إنّنيرهنت المرعّث خلخاليه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غدا مالك بملاماته»
بمجلس يوم سأوفي بهولو أجلب الناس أحواليه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غدا مالك بملاماته»

أخبرنا يحيى بن عليّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني السّميدع بن محمّد الأزديّ قال حدّثني عبد الرحمن بن الجهم عن هشام بن الكلبيّ قال: كان أوّل بدء بشّار أنّه عشق جارية يقال لها فاطمة، وكان قد كفّ وذهب بصره، فسمعها تغنّي فهويها وأنشأ يقول:

درّة بحريّة مكنونةمازها التّاجر من بين الدّرر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عجبت فطمة من نعتي لها»
عجبت فطمة من نعتي لهاهل يجيد النّعت مكفوف البصر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عجبت فطمة من نعتي لها»
أمتا بدّد هذا لعبيووشاحي حلّه حتّى انتثر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عجبت فطمة من نعتي لها»
فدعيني معه يا أمتاعلّنا في خلوة نقضي الوطر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عجبت فطمة من نعتي لها»
أقبلت مغضبة تضربهاواعتراها كجنون مستعر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عجبت فطمة من نعتي لها»
بأبي واللّه ما أحسنهدمع عين يغسل الكحل قطر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عجبت فطمة من نعتي لها»
أيّها النّوّام هبّوا ويحكمواسألوني اليوم ما طعم السّهر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عجبت فطمة من نعتي لها»

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني خالد بن يزيد بن وهب بن جرير قال حدّثني أبي عن الحكم بن مخلد بن حازم قال: مررت أنا ورجل من عكل من أبناء سوّار بن عبد اللّه بقصر أوس، فإذا نحن ببشّار في ظلّ القصر وحده، فقال لي العكليّ: لا بدّ لي من أن أعبث ببشّار؛ فقلت: ويحك، مه لا تعرّض بنفسك وعرضك له؛ فقال: إنّي لا أجده في وقت أخلى منه في هذا الوقت؛ قال فوقفت ناحية ودنا منه فقال: يا بشّار؛ فقال: من هذا الذي لا يكنيني ويدعوني باسمي؟ قال: سأخبرك من أنا، فأخبرني أنت عن أمّك: أولدتك أعمى أم عميت بعد ما ولدتك؟ قال: وما تريد إلى ذلك؟ قال: وددت أنّه فسح لك في بصرك ساعة لتنظر إلى وجهك في المرآة، فعسى أن تمسك عن هجاء الناس وتعرف قدرك؛ فقال: ويحكم! من هذا؟ أما أحد يخبرني من هذا؟ فقال له: على رسلك، أنا رجل من عكل وخالي يبيع الفحم بالعبلاء فما تقدر أن تقول لي؟ قال: لا شيء، اذهب، بأبي أنت، في حفظ اللّه.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني هارون بن عليّ بن يحيى المنجّم قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني العبّاس بن خالد البرمكيّ قال: كان الزّوّار يسمّون في قديم الدّهر إلى أيّام خالد بن برمك السّؤّال؛ فقال خالد: هذا واللّه أستثقله لطلّاب الخير، وأرفع قدر الكريم عن أن يسمّي به أمثال هؤلاء المؤمّلين، لأنّ فيهم الأشراف والأحرار وأبناء النّعيم ومن لعلّه خير ممن يقصد وأفضل أدبا، ولكنّا نسمّيهم الزّوّار؛ فقال بشّار يمدحه بذلك:

حذا خالد في فعله حذو برمكفمجد له مستطرف وأصيل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حذا خالد في فعله حذو برمك»
وكان ذوو الآمال يدعون قبلهبلفظ على الإعدام فيه دليل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حذا خالد في فعله حذو برمك»
يسمّون بالسّؤّال في كلّ موطنوإن كان فيهم نابه وجليل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حذا خالد في فعله حذو برمك»
فسمّاهم الزّوّار سترا عليهمفأستاره في المجتدين سدول
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حذا خالد في فعله حذو برمك»

قال: وقال بشّار هذا الشعر في مجلس خالد في الساعة التي تكلّم خالد بهذا الكلام في أمر الزوّار، فأعطاه لكلّ بيت ألف درهم.

أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أبو شبل عاصم بن وهب قال: نهق حمار ذات يوم بقرب بشّار، فخطر بباله بيت فقال:

ما قام أير حمار فامتلا شبقاإلا تحرّك عرق في است تسنيم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ما قَام أَيْرُ حمار فامْتَلاَ شَبقاً»

قال: ولم يرد تسنيما بالهجاء؛ ولكنه لمّا بلغ إلى قوله: «إلا تحرّك عرق» قال: في است من؟ ومرّ به تسنيم بن الحواري وكان صديقه، فسلّم عليه وضحك، فقال: في است تسنيم علم اللّه؛ فقال له: أيش ويحك!؟ فأنشده البيت؛ فقال له: عليك لعنة اللّه! فما عندك فرق بين صديقك وعدوّك، أيّ شيء حملك على هذا! ألا قلت: «في است حمّاد» الذي هجاك وفضحك وأعياك، وليست قافيتك على الميم فأعذرك! قال: صدقت واللّه في هذا كلّه، ولكن ما زلت أقول: في است من؟ في است من؟ ولا يخطر ببالي أحد حتّى مررت وسلّمت فرزقته؛ فقال له تسنيم: إذا كان هذا جواب السّلام عليك فلا سلّم اللّه عليك ولا عليّ حين سلّمت عليك؛ وجعل بشّار يضحك ويصفّق بيديه وتسنيم يشتمه.

أخبرنا عيسى بن الحسين قال حدّثنا عليّ بن محمّد النّوفليّ عن عمّه قال: قالت امرأة لبشّار: ما أدري لم يهابك الناس مع قبح وجهك! فقال لها بشّار: ليس من حسنه يهاب الأسد.

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا محمد بن الحجّاج قال: دخل بشار على عقبة بن سلّم، فأنشده بعض مدائحه فيه وعنده عقبة بن رؤبة ينشده رجزا يمدحه به، فسمعه بشّار وجعل يستحسن ما قاله إلى أن فرغ؛ ثم أقبل على بشّار فقال: هذا طراز لا تحسنه أنت يا أبا معاذ؛ فقال له بشّار: ألي يقال هذا! أنا واللّه أرجز منك ومن أبيك وجدّك؛ فقال له عقبة: أنا واللّه وأبي فتحنا للناس باب الغريب وباب الرّجز، وو اللّه إني لخليق أن أسدّه عليهم؛ فقال بشّار: ارحمهم رحمك اللّه! فقال عقبة: أتستخفّ بي يا أبا معاذ وأنا شاعر ابن شاعر! فقال له بشّار: فأنت إذا من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا؛ ثمّ خرج من عنده عقبة مغضبا. فلما كان من غد غدا على عقبة بن سلّم وعنده عقبة بن رؤبة، فأنشده أرجوزته التي مدحه فيها:

يا طلل الحيّ بذات الصّمدباللّه خبّر كيف كنت بعدي
أوحشت من دعد وترب دعدسقيا لأسماء ابنة الأشدّ
قامت تراءى إذ رأتني وحديكالشّمس تحت الزّبرج المنقدّ
صدّت بخدّ وجلت عن خدّثم انثنت كالنّفس المرتدّ
عهدي بها سقيا له من عهدتخلف وعدا وتفي بوعد
فنحن من جهد الهوى في جهدوزاهر من سبط وجعد
أهدى له الدّهر ولم يستهدأفواف نور الحبر المجدّ
يلقى الضّحى ريحانه بسجدبدّلت من ذاك بكى لا يجدي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا طلل الحي بذات الصمد»
وافق حظّا من سعى بجدّما ضرّ أهل النّوك ضعف الجدّ
الحرّ يلحى والعصا للعبدوليس للملحف مثل الردّ
والنّصف يكفيك من التعدّيوصاحب كالدّمّل الممدّ
حملته في رقعة من جلديأرقب منه مثل يوم الورد
حتى مضى غير فقيد الفقدوما درى ما رغبتي من زهدي
اسلم وحيّيت أبا الملدّمفتاح باب الحدث المنسدّ
مشترك النّيل وريّ الزّندأغرّ لبّاس ثياب الحمد
ما كان منّي لك غير الودّثم ثناء مثل ريح الورد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا طلل الحي بذات الصمد»
نسجته في محكمات النّدّفالبس طرازي غير مستردّ
للّه أيامك في معدّوفي بني قحطان غير عدّ
يوما بذي طخفة عند الحدّومثله أودعت أرض الهند
بالمرهفات والحديد السّردوالمقربات المبعدات الجرد
إذا الحيا أكدى بها لا تكديتلحم أمرا وأمورا تسدي
وابن حكيم إن أتاك يرديأصمّ لا يسمع صوت الرعد
حيّيته بتحفة المعدّفانهدّ مثل الجبل المنهدّ
كلّ امرىء رهن بما يؤدّيوربّ ذي تاج كريم الجدّ
كآل كسرى وكآل بردأنكب جاف عن سبيل القصد
فصلته عن ماله والولد

فطرب عقبة بن سلّم وأجزل صلته، وقام عقبة بن رؤبة فخرج عن المجلس بخزي، وهرب من تحت ليلته فلم يعد إليه.

وذكر لي أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعيّ هذا الخبر عن الجاحظ، وزاد فيه الجاحظ قال: فانظر إلى سوء أدب عقبة بن رؤبة وقد أجمل بشّار محضره وعشرته، فقابله بهذه المقابلة القبيحة، وكان أبوه أعلم خلق اللّه به، لأنه قال له وقد فاخره بشعره: أنت يا بنيّ ذهبان الشّعر إذا متّ مات شعرك معك، فلم يوجد من يرويه بعدك؛ فكان كما قال له، ما يعرف له بيت واحد ولا خبر غير هذا الخبر القبيح الإخبار عنه الدالّ على سخفه وسقوطه وسوء أدبه.

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا أبو غسّان دماذ قال حدّثنا أبو عبيدة قال: كان بشّار يهوى امرأة من أهل البصرة يقال لها عبيدة، فخرجت عن البصرة إلى عمان مع زوجها، فقال بشار فيها:

صوت

هوى صاحبي ريح الشّمال إذا جرتوأشفى لقلبي أن تهبّ جنوب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لقد زادني ما تعلمين صبابة»
وما ذاك إلا أنها حين تنتهيتناهى وفيها من عبيدة طيب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لقد زادني ما تعلمين صبابة»
عذيري من العذّال إذ يعذلوننيسفاها وما في العاذلين لبيب

صوت

يقولون لو عزّيت قلبك لارعوىفقلت وهل للعاشقين قلوب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «طربت إلى حوضى وأنت طروب»
إذا نطق القوم الجلوس فإنّنيمكبّ كأني في الجميع غريب

أخبرني هاشم قال حدّثني دماذ قال حدّثني رجل من الأنصار قال: جاء أبو الشّمقمق إلى بشّار يشكو إليه الضّيقة ويحلف له أنه ما عنده شي ء؛ فقال له بشّار: واللّه ما عندي شيء يغنيك ولكن قم معي إلى عقبة بن سلّم، فقام معه فذكر له أبا الشمقمق وقال: هو شاعر وله شكر وثناء، فأمر له بخمسمائة درهم؛ فقال له بشّار:

يا واحد العرب الذيأمسى وليس له نظير
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا واحد العرب الذي»
لو كان مثلك آخرما كان في الدنيا فقير
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا واحد العرب الذي»

فأمر لبشّار بألفي درهم؛ فقال له أبو الشمقمق: نفعتنا ونفعناك يا أبا معاذ؛ فجعل بشّار يضحك.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا زكريّا بن يحيى أبو السّكين الطائيّ قال حدّثني زحر بن حصن قال: حجّ المنصور فاستقبلناه بالرّضم الذي بين زبالة والشّقوق، فلما رحل من الشّقوق رحل في وقت الهاجرة فلم يركب القبّة وركب نجيبا فسار بيننا، فجعلت الشمس تضحك بين عينيه، فقال: إني قائل بيتا فمن أجازه وهبت له جبّتي هذه؛ فقلنا: يقول أمير المؤمنين، فقال:

وهاجرة نصبت لها جبينييقطّع ظهرها ظهر العظايه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهاجرة نصبت لها جبيني»

فبدر بشار الأعمى فقال:

وقفت بها القلوص ففاض دمعيعلى خدّي وأقصر واعظايه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وقفت بها القلوص ففاض دمعي»

فنزع الجبّة وهو راكب فدفعها إليه. فقلت لبشّار بعد ذلك: ما فعلت بالجبّة؟ فقال بشّار: بعتها واللّه بأربعمائة دينار.

أخبرني أحمد بن العباس العسكريّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني عبد الرحمن بن العباس بن الفضل بن عبد الرحمن بن عيّاش بن أبي ربيعة عن أبيه قال: كان بشّار منقطعا إليّ وإلى إخوتي فكان يغشانا كثيرا، ثم خرج إبراهيم بن عبد اللّه فخرج معه عدّة منّا، فلما قتل إبراهيم توارينا، وحبس المنصور منّا عدّة من إخوتي، فلما ولي المهديّ أمّن الناس جميعا وأطلق المحبوسين، فقدمت بغداد أنا وإخوتي نلتمس أمانا من المهديّ، وكان الشعراء يجلسون بالليل في مسجد الرّصافة ينشدون ويتحدّثون، فلم أطلع بشّارا على نفسي إلا بعد أن أظهر لنا المهديّ الأمان، وكتب أخي إلى خليفته بالليل، فصحت به: يا أبا معاذ من الذي يقول:

أحبّ الخاتم الأحمر من حبّ مواليه
للشاعر بشار بن برد، اقرأ القصيدة

فأعرض عنّي وأخذ في بعض إنشاده شعره، ثم صحت: يا أبا معاذ من الذي يقول:

إنّ سلمى خلقت من قصبقصب السكّر لا عظيم الجمل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن سلمى خلقت من قصب»
وإذا أدنيت منها بصلاغلب المسك على ريح البصل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن سلمى خلقت من قصب»

فغضب وصاح: من الذي يقرّعنا بأشياء كنا نعبث بها في الحداثة فهو يعيّرنا بها! فتركته ساعة ثم صحت به: يا أبا معاذ من الذي يقول:

أخشّاب حقّا أنّ دارك تزعجوأنّ الذي بيني وبينك ينهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أخشاب حقا أن دارك تزعج»

فقال: ويحك! عن مثل هذا فسل، ثم أنشدها حتى أتى على آخرها، وهي من جيّد شعره، وفيه غناء:

صوت

فواكبدا قد أنضج الشوق نصفهاونصف على نار الصّبابة ينضج
وواحزنا منهنّ يحففن هودجاوفي الهودج المحفوف بدر متوّج
فإن جئتها بين النساء فقل لهاعليك سلام مات من يتزوّج
بكيت وما في الدمع منك خليفةولكنّ أحزاني عليك توهّج

الغناء لسليم بن سلّام رمل بالوسطى. ووجدت هذا الخبر بخط ابن مهرويه فذكر أنه قال هذه القصيدة في امرأة كانت تغشى مجلسه وكان إليها مائلا يقال لها خشّابة، فارسيّة، فزوّجت وأخرجت عن البصرة.

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثني أبو حاتم: قال أبو النّضير الشاعر: أنشدت بشّارا قصيدة لي، فقال لي: أيجيئك شعرك هذا كلّما شئت أم هذا شيء يجيئك في الفينة بعد الفينة إذا تعمّلت له؟ فقلت: بل هذا شعر يجيئني كلما أردته؛ فقال لي: قل فإنك شاعر؛ فقلت له: لعلّك حابيتني أبا معاذ وتحمّلت لي؛ فقال: أنت أبقاك اللّه أهون عليّ من ذلك.

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ عن العمريّ عن عبّاس بن عبّاس الزّناديّ عن رجل من باهلة، قال: كنت عند بشّار الأعمى فأتاه رجل فسلّم عليه، فسأله عن خبر جارية عنده وقال: كيف ابنتي؟ قال: في عافية، تدعوك اليوم؛ فقال بشّار: يا باهليّ انهض بنا، فجئنا إلى منزل نظيف وفرش سريّ، فأكلنا، ثم جيء بالنبيذ فشربنا مع الجارية، فلمّا أراد الانصراف قامت فأخذت بيد بشّار، فلما صار في الصحن أومأ إليها ليقبّلها، فأرسلت يدها من يده، فجعل يجول في العرصة؛ وخرج المولى فقال: مالك يا أبا معاذ؟ فقال: أذنبت ذنبا ولا أبرح أو أقول شعرا، فقال:

أتوب إليك من السيئاتوأستغفر اللّه من فعلتي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أتوب إليك من السيئات»
تناولت ما لم أرد نيلهعلى جهل أمري وفي سكرتي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أتوب إليك من السيئات»
وواللّه واللّه ما جئتهلعمد ولا كان من همّتي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أتوب إليك من السيئات»
وإلا فمتّ إذا ضائعاوعذّبني اللّه في ميتتي
فمن نال خيرا على قبلةفلا بارك اللّه في قبلتي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أتوب إليك من السيئات»

أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال: لما أنشد بشّار أرجوزته:

يا طلل الحيّ بذات الصّمد

أبا الملدّ عقبة بن سلّم أمر له بخمسين ألف درهم، فأخّرها عنه وكيله ثلاثة أيام، فأمر غلامه بشّار أن يكتب على باب عقبة عن يمين الباب:

ما زال ما منّيتني من همّيوالوعد غمّ فأزح من غمّي
إن لم ترد حمدي فراقب ذمّي

فلما خرج عقبة رأى ذلك، فقال: هذه من فعلات بشّار، ثم دعا بالقهرمان، فقال: هل حملت إلى بشّار ما أمرت له به؟ فقال: أيها الأمير نحن مضيقون وغدا أحملها إليه؛ فقال: زد فيها عشرة آلاف درهم واحملها إليه الساعة؛ فحملها من وقته.

أخبرني هاشم قال حدّثنا أبو غسّان دماذ قال: سألت أبا عبيدة عن السبب الذي من أجله نهى المهديّ بشّارا عن ذكر النساء قال: كان أوّل ذلك استهتار نساء البصرة وشبّانها بشعره، حتى قال سوّار بن عبد اللّه الأكبر ومالك بن دينار؛ ما شيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى؛ وما زالا يعظانه؛ وكان واصل بن عطاء يقول: إنّ من أخدع حبائل الشيطان وأغواها لكلمات هذا الأعمى الملحد. فلما كثر ذلك وانتهى خبره من وجوه كثيرة إلى المهديّ، وأنشد المهديّ ما مدحه به، نهاه عن ذكر النساء وقول التشبيب، وكان المهديّ من أشدّ الناس غيرة؛ قال: فقلت له: ما أحسب شعر هذا أبلغ في هذه المعاني من شعر كثيّر وجميل وعروة بن حزام وقيس بن ذريح وتلك الطبقة؛ فقال: ليس كلّ من يسمع تلك الأشعار يعرف المراد منها، وبشّار يقارب النساء حتى لا يخفى عليهنّ ما يقول وما يريد، وأيّ حرّة حصان تسمع قول بشّار فلا يؤثّر في قلبها، فكيف بالمرأة الغزلة والفتاة التي لا همّ لها إلا الرجال! ثم أنشد قوله:

قد لامني في خليلتي عمرواللّوم في غير كنهه ضجر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد لامني في خليلتي عمر»
قال أفق قلت لا فقال بلىقد شاع في الناس منكما الخبر
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة
قلت وإذ شاع ما اعتذاركممّا ليس لي فيه عندهم عذر
ماذا عليهم وما لهم خرسوالو أنّهم في عيوبهم نظروا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ماذا عليهم وما لهم خرسوا»
أعشق وحدي ويؤخذون بهكالتّرك تغزو فتؤخذ الحزر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ماذا عليهم وما لهم خرسوا»
يا عجبا للخلاف يا عجبابفي الذي لام في الهوى الحجر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد لامني في خليلتي عمر»
حسبيّ وحسب الذي كلفت بهمنّي ومنه الحديث والنّظر
أو قبلة في خلال ذاك ومابأس إذا لم تحلّ لي الأزر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد لامني في خليلتي عمر»
أو عضّة في ذراعها ولهافوق ذراعي من عضّها أثر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أو عضة في ذراعها ولها»
أو لمسة دون مرطها بيديوالباب قد حال دونه السّتر
والساق برّاقة مخلخلهاأو مصّ ريق وقد علا البهر
واسترخت الكفّ للعراك وقالت إيه عنّي والدّمع منحدر
انهض فما أنت كالذي زعمواأنت وربّي مغازل أشر
قد غابت اليوم عنك حاضنتيواللّه لي منك فيك ينتصر
يا ربّ خذ لي فقد ترى ضرعيمن فاسق جاء ما به سكر
أهوى إلى معضدي فرضّضهذو قوّة ما يطاق مقتدر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد لامني في خليلتي عمر»
ألصق بي لحية له خشنتذات سواد كأنها الإبر
حتّى علاني وأسرتي غيبويلي عليهم لو أنّهم حضروا
أقسم باللّه لا نجوت بهافاذهب فأنت المساور الظّفر
كيف بأمّي إذا رأت شفتيأم كيف إن شاع منك ذا الخبر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد لامني في خليلتي عمر»
قد كنت أخشى الذي ابتليت بهمنك فماذا أقول يا عبر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد كنت أخشى الذي ابتليت به»
قلت لها عند ذاك يا سكنيلا بأس إني مجرّب خبر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد لامني في خليلتي عمر»
قولي لها بقّة لها ظفرإن كان في البقّ ما له ظفر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد لامني في خليلتي عمر»

ثم قال له: بمثل هذا الشعر تميل القلوب ويلين الصّعب.

قال دماذ قال لي أبو عبيدة: قال رجل يوما لبشّار في المسجد الجامع يعابثه: يا أبا معاذ، أيعجبك الغلام الجادل؟ فقال غير محتشم ولا مكترث: لا، ولكن تعجبني أمّه.

أخبرني عمّي قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني محمد بن سهل عن محمد بن الحجّاج قال: ورد بشّار على خالد بن برمك وهو بفارس فامتدحه؛ فوعده ومطله؛ فوقف على طريقه وهو يريد المسجد، فأخذ بلجام بغلته وأنشده:

أظلّت علينا منك يوما سحابةأضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أَظَلَّتْ علينا منك يوماً سحابَة»
فلا غيمها يجلي فييأس طامعولا غيثها يأتي فيروى عطاشها
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أظلت علينا منك يوما سحابة»

فحبس بغلته وأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال: لن تنصرف السحابة حتى تبلّك إن شاء اللّه.

أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثنا الحسن بن عليل قال حدّثني عليّ بن حرب الطائيّ قال حدّثني إسماعيل بن زياد الطائيّ قال: كان رجل منا يقال له سعد بن القعقاع يتندّم بشّارا في المجانة، فقال لبشّار وهو ينادمه: ويحك يا أبا معاذ! قد نسبنا الناس إلى الزنّدقة، فهل لك أن تحجّ بنا حجّة تنفي ذلك عنا؟ قال: نعم ما رأيت! فاشتريا بعيرا ومحملا وركبا، فلما مرّا بزرارة قال له: ويحك يا أبا معاذ! ثلاثمائة فرسخ متى نقطعها! مل بنا إلى زرارة نتنعّم فيها، فإذا قفل الحاجّ عارضناهم بالقادسيّة وجززنا رؤوسنا فلم يشكّ الناس أنّا جئنا من الحجّ؛ فقال له بشّار: نعم ما رأيت لو لا خبث لسانك، وإني أخاف أن تفضحنا. قال: لا تخف. فمالا إلى زرارة فما زالا يشربان الخمر ويفسقان، فلما نزل الحاجّ بالقادسية راجعين، أخذا بعيرا ومحملا وجزّا رؤوسهما وأقبلا وتلقّاهما الناس يهنّئونهما؛ فقال سعد بن القعقاع:

ألم ترني وبشّارا حججناوكان الحجّ من خير التّجاره
خرجنا طالبي سفر بعيدفمال بنا الطريق إلى زراره
فآب الناس قد حجّوا وبرّواوأبنا موقرين من الخساره

أخبرنا يحيى بن عليّ قال حدّثني محمد بن القاسم الدّينوريّ قال حدّثني محمد بن عمران بن مطر الشاميّ قال حدّثني محمد بن الحسّان الضّبّيّ قال حدّثني محمود الورّاق قال حدّثني داود بن رزين قال: أتينا بشّارا فأذن لنا والمائدة موضوعة بين يديه فلم يدعنا إلى طعامه، فلما أكل دعا بطست فكشف عن سوءته فبال؛ ثم حضرت الظهر والعصر فلم يصلّ، فدنونا منه فقلنا: أنت أستاذنا وقد رأينا منك أشياء أنكرناها؛ قال: وما هي؟ قلنا: دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا إليه؛ فقال: إنما أذنت لكم أن تأكلوا ولو لم أرد أن تأكلوا لما أذنت لكم؛ قال: ثم ماذا؟ قلنا: ودعوت بطست ونحن حضور فبلت ونحن نراك؛ فقال: أنا مكفوف وأنتم بصراء وأنتم المأمورون بغضّ الأبصار، ثم قال: ومه؛ قلنا: حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم تصلّ؛ فقال: إن الذي يقبلها تفاريق يقبلها جملة.

أخبرنا يحيى قال حدّثني أبو أيّوب المدينيّ عن بعض أصحاب بشّار قال: كنا إذا حضرت الصلاة نقوم ويقعد بشّار فنجعل حول ثيابه ترابا لننظر هل يصلّي، فنعود والتراب بحاله.

أخبرنا يحيى قال أخبرنا أبو أيّوب عن الحرمازيّ قال: قعد إلى بشّار رجل فاستثقله فضرط عليه ضرطة، فظنّ الرجل أنّها أفلتت منه، ثم ضرط أخرى، فقال: أفلتت، ثم ضرط ثالثة، فقال: يا أبا معاذ، ما هذا؟ قال: مه! أرأيت أم سمعت؟ قال: بل سمعت صوتا قبيحا، فقال: فلا تصدّق حتى ترى.

قال: وأنشد أبو أيّوب لبشّار في رجل استثقله:

ربّما يثقل الجليس وإن كان خفيفا في كفّة الميزان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ربما يثقل الجليس وإن كان»
كيف لا تحمل الأمانة أرضحملت فوقها أبا سفيان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ربما يثقل الجليس وإن كان»

وقال فيه أيضا:

هل لك في مالي وعرضي معاوكلّ ما يملك جيرانيه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «هل لك في مالي وعرضي معاً»
واذهب إلى أبعد ما ينتوىلا ردّك اللّه ولا ماليه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «هل لك في مالي وعرضي معاً»

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثني محمد بن إبراهيم الجيليّ قال حدّثني محمد بن عمران الضّبّيّ قال أنشدنا الوليد بن يزيد قول بشّار الأعمى:

أيّها الساقيان صبّا شرابيواسقياني من ريق بيضاء رود
إن دائي الظّما وإن دوائيشربة من رضاب ثغر برود
ولها مضحك كغرّ الأقاحيوحديث كالوشي وشي البرود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «اشفعي لي صريم عند الكنود»
نزلت في السّواد من حبّة القلب ونالت زيادة المستزيد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نزلت في السواد من حبة القلب»
ثم قالت نلقاك بعد ليالوالليالي يبلين كلّ جديد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «اشفعي لي صريم عند الكنود»
عندها الصبر عن لقائي وعنديزفرات يأكلن قلب الحديد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «اشفعي لي صريم عند الكنود»

قال: فطرب الوليد وقال: من لي بمزاج كاسي هذه من ريق سلمى فيروى ظمئي وتطفأ غلّتي! ثم بكى حتى مزج كأسه بدمعه، وقال: إن فاتنا ذاك فهذا.

أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن محمد بن سليمان الطّفاويّ قال حدّثني عبد اللّه بن أبي بكر - وكان جليسا لبشّار - قال: كان لنا جار يكنى أبا زيد وكان صديقا لبشّار، فبعث إليه يوما يطلب منه ثيابا بنسيئة فلم يصادفها عنده، فقال يهجوه:

ألا إنّ أبا زيدزنى في ليلة القدر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ألا إن أبا زيد»
ولم يرع، تعالى اللّه ربّي، حرمة الشّهر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ألا إن أبا زيد»
ألا إن أبا زيدله في ذلكم عذر
أتته أمّ بشّاروقد ضاق بها الأمر
فواثبها فجامعهاوما ساعده الصّبر

قال: فلما قرئت على بشّار غضب وندم على تعرّضه لرجل لا نباهة له، فجعل ينطح الحائط برأسه غيظا، ثم قال: لا تعرّضت لهجاء سفلة مثل هذا أبدا.

أخبرني عمّي قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني بعض ولد أبي عبيد اللّه وزير المهديّ، قال: دخل بشّار على المهديّ وقد عرضت عليه جارية مغنّية فسمع غناءها فأطربه وقال لبشّار: قل في صفتها شعرا؛ فقال: ورائحة

للعين فيها محيلةإذا برقت لم تسق بطن صعيد
من المستهلّات السّرور على الفتىخفا برقها في عبقر وعقود
كأن لسانا ساحرا في كلامهاأعين بصوت للقلوب صيود
تميت به ألبابنا وقلوبنامرارا وتحييهنّ بعد همود

أخبرني عمّي قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ قال قال أبو عدنان حدّثني يحيى بن الجون قال: دخل بشّار يوما على عقبة بن سلّم فأنشده قوله فيه:

صوت

إنّما لذّة الجواد ابن سلّمفي عطاء ومركب للّقاء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حييا صاحبي أم العلاء»
ليس يعطيك للرجاء ولا الخوف ولكن يلذّ طعم العطاء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حييا صاحبي أم العلاء»
يسقط الطير حيث ينتثر الحبّ وتغشى منازل الكرماء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حيِّيَا صاحِبيَّ أُمَّ الْعلاَء»
لا أبالي صفح اللئيم ولا تجري دموعي على الحرون الصّفاء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حييا صاحبي أم العلاء»
فعلى عقبة السلام مقيماوإذا سار تحت ظلّ اللواء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حييا صاحبي أم العلاء»

فوصله بعشرة آلاف درهم. وفي هذه الأبيات خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر لرذاذ، وهو من مختار صنعته وصدورها ومما تشبّه فيه بالقدماء ومذاهبهم.

أخبرني أحمد بن العباس العسكريّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا أحمد بن خلّاد عن الأصمعيّ، وأخبرني به الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أحمد بن خلّاد عن الأصمعيّ قال: كنت أشهد خلف بن أبي عمرو بن العلاء وخلفا الأحمر يأتيان بشّارا ويسلّمان عليه بغاية التعظيم ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الظهر ثم ينصرفان عنه، فأتياه يوما فقالا له: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلّم بن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكما؛ قالا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب؛ فقال: نعم، بلغني أنّ سلما يتباصر بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرفه؛ قالا: فأنشدناها، فأنشدهما:

بكّرا صاحبيّ قبل الهجيرإنّ ذاك النجاح في التّبكير
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «بكرا صاحبي قبل الهجير»

حتى فرغ منها؛ فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان «إن ذاك النجاح»:

بكّرا فالنجاح في التبكير

كان أحسن؛ فقال بشّار: بنيتها أعرابيّة وحشيّة، فقلت: «إنّ ذاك النجاح» كما يقول الأعراب البدويّون، ولو قلت: «بكّرا فالنجاح» كان هذا من كلام المولّدين ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة؛ فقام خلف فقبّل بين عينيه؛ وقال له خلف بن أبي عمرو يمازحه: لو كان علاثة ولدك يا أبا معاذ لفعلت كما فعل أخي، ولكنّك مولى، فمدّ بشار يده فضرب بها فخذ خلف وقال:

أرفق بعمرو إذا حرّكت نسبتهفإنه عربيّ من قوارير
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ارفق بعمرو إذا حركت نسبته»

فقال له: أفعلتها يا أبا معاذ! قال: وكان أبو عمرو يغمز في نسبه.

وأخبرني ببعض هذا الخبر حبيب بن نصر عن عمر بن شبّة عن أبي عبيدة، فذكر نحوه وقال فيه: إنّ سلما يعجبه الغريب.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال قال حدّثنا محمد بن سلّام قال قال لي خلف: كنت أسمع ببشّار قبل أن أراه، فذكروه لي يوما وذكروا بيانه وسرعة جوابه وجودة شعره، فاستنشدتهم شيئا من شعره، فأنشدوني شيئا لم يكن بالمحمود عندي، فقلت: واللّه لآتينّه ولأطأطئنّ منه، فأتيته وهو جالس على بابه، فرأيته أعمى قبيح المنظر عظيم الجثة، فقلت: لعن اللّه من يبالي بهذا، فوقفت أتأمّله طويلا، فبينما أنا كذلك إذ جاءه رجل فقال: إنّ فلانا سبّك عند الأمير محمد بن سليمان ووضع منك؛ فقال: أو قد فعل؟ قال: نعم؛ فأطرق، وجلس الرجل عنده وجلست، وجاء قوم فسلّموا عليه فلم يردد عليهم، فجعلوا ينظرون إليه وقد درّت أوداجه، فلم يلبث إلا ساعة حتى أنشدنا بأعلى صوته وأفخمه:

نبّئت نائك أمّه يغتابنيعند الأمير وهل عليّ أمير
ناري محرّقة وبيتي واسعللمعتفين ومجلسي معمور
ولي المهابة في الأحبّة والعداوكأنني أسد له تامور
غرثت حليلته وأخطأ صيدهفله على لقم الطريق زئير

قال: فارتعدت واللّه فرائصي واقشعرّ جلدي وعظم في عيني جدّا، حتى قلت في نفسي: الحمد للّه الذي أبعدني من شرّك.

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثنا العباس بن خالد قال: مدح بشّار خالد بن برمك فقال فيه:

لعمري لقد أجدى عليّ ابن برمكوما كلّ من كان الغنى عنده يجدي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لعمري لقد أجدى علي ابن برمك»
حلبت بشعري راحتيه فدرّتاسماحا كما درّ السّحاب مع الرّعد
إذا جئته للحمد أشرق وجههإليك وأعطاك الكرامة بالحمد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إذا جئته للحمد أشرق وجهه»
له نعم في القوم لا يستثيبهاجزاء وكيل التاجر المدّ بالمدّ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إذا جئته للحمد أشرق وجهه»
مفيد ومتلاف، سبيل تراثهإذا ما غدا أو راح كالجزر والمدّ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لعمري لقد أجدى علي ابن برمك»
أخالد إنّ الحمد يبقى لأهلهجمالا ولا تبقى الكنوز على الكدّ
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «أخالد إن الحمد يبقي لأهله»
فأطعم وكل من عارة مستردّةولا تبقها، إن العواري للرّدّ
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «أخالد إن الحمد يبقي لأهله»

فأعطاه خالد ثلاثين ألف درهم، وكان قبل ذلك يعطيه في كلّ وفادة خمسة آلاف درهم، وأمر خالد أن يكتب هذان البيتان في صدر مجلسه الذي كان يجلس فيه. وقال ابنه يحيى بن خالد: آخر ما أوصاني به أبي العمل بهذين البيتين.

أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن عمر بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن عثمان قال: كان أبو الوزير مولى عبد القيس من عمّال الخراج، وكان عفيفا بخيلا، فسأل عمر بن العلاء، وكان جوادا شجاعا، في رجل فوهب له مائة ألف درهم؛ فدخل أبو الوزير على المهديّ فقال له: يا أمير المؤمنين، إن عمر بن العلاء خائن؛ قال: ومن أين علمت ذلك؟ قال: كلّم في رجل كان أقصى أمله ألف درهم فوهب له مائة ألف درهم؛ فضحك المهديّ ثم قال: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ)

، أما سمعت قول بشّار في عمر:

إذا دهمتك عظام الأمورفنبّه لها عمرا ثم نم
فتى لا ينام على دمنةولا يشرب الماء إلا بدم

أو ما سمعت قول أبي العتاهيّة فيه:

صوت

إنّ المطايا تشتكيك لأنهاقطعت إليك سباسبا ورمالا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا صاح قد عظم البلاء وطالا»
فإذا وردن بنا وردن مخفّةوإذا رجعن بنا رجعن ثقالا

- الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة - أو ليس الذي يقول فيه أبو العتاهية:

يابن العلاء ويابن القرم مرداسإني لأطريك في صحبي وجلّاسي
حتى إذا قيل ما أعطاك من نشبألفيت من عظم ما أسديت كالناسي

ثم قال: من اجتمعت ألسن الناس على مدحه كان حقيقا أن يصدّقها بفعله.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أبو بكر الرّبعيّ قال: كانت لبشّار جارية سوداء وكان يقع عليها، وفيها يقول:

وغادة سوداء برّاقةكالماء في طيب وفي لين
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وغادة سوداء براقة»
كأنها صيغت لمن نالهامن عنبر بالمسك معجون
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وغادة سوداء براقة»

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني أبو الشّبل البرجميّ قال: قال رجل لبشّار: إنّ مدائحك عقبة بن سلّم فوق مدائحك كلّ أحد؛ فقال بشّار: إنّ عطاياه إيّاي كانت فوق عطاء كلّ أحد، دخلت إليه يوما فأنشدته:

حرّم اللّه أن ترى كابن سلّمعقبة الخير مطعم الفقراء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حييا صاحبي أم العلاء»
ليس يعطيك للرّجاء ولا الخوف ولكن يلذّ طعم العطاء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حييا صاحبي أم العلاء»
يسقط الطير حيث ينتثر الحبّ وتغشى منازل الكرماء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «حيِّيَا صاحِبيَّ أُمَّ الْعلاَء»

فأمر لي بثلاثة آلاف دينار، وهأنا قد مدحت المهديّ وأبا عبيد اللّه وزيره - أو قال يعقوب بن داود - وأقمت بأبوابهما حولا فلم يعطياني شيئا، أفألام على مدحي هذا!.

ونسخت من كتاب هارون بن عليّ أيضا حدّثني عليّ قال حدّثني عبيد اللّه بن أبي الشّيص عن دعبل بن عليّ قال: كان بشّار يعطي أبا الشّمقمق في كلّ سنة مائتي درهم، فأتاه أبو الشمقمق في بعض تلك السنين فقال له: هلمّ الجزية يا أبا معاذ؛ فقال: ويحك! أجزية هي! قال: هو ما تسمع؛ فقال له بشّار يمازحه: أنت أفصح منّي؟ قال: لا؛ قال: فأعلم منّي بمثالب الناس؟ قال: لا؛ قال: فأشعر منّي؟ قال: لا؛ قال: فلم أعطيك؟ قال: لئلّا أهجوك؛ فقال له: إنّ هجوتني هجوتك؛ فقال له أبو الشمقمق: هكذا هو؟ قال: نعم، فقل ما بدالك؛ فقال أبو الشمقمق:

إني إذا ما شاعر هجانيهولجّ في القول له لسانيه
أدخلته في است أمّه علانيهبشّار يا بشّار…

وأراد أن يقول: «يابن الزانية»؛ فوثب بشّار فأمسك فاه، وقال: أراد واللّه أن يشتمني، ثم دفع إليه مائتي درهم ثم قال له: لا يسمعنّ هذا منك الصّبيان يا أبا الشمقمق.

أخبرني أحمد بن العباس العسكريّ قال حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني محمد بن بكر قال حدّثني الأصمعيّ قال: أمر عقبة بن سلّم الهنائيّ لبشّار بعشرة آلاف درهم، فأخبر أبو الشمقمق بذلك فوافى بشّارا فقال له: يا أبا معاذ، إني مررت بصبيان فسمعتهم ينشدون:

هلّلينه هلّلينهطعن قثّاة لتينه
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «هللينه هللينه»
إنّ بشّار بن بردتيس أعمى في سفينه
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «سبع جوزات وتينه»

فأخرج إليه بشّار مائتي درهم فقال: خذ هذه ولا تكن راوية الصبيان يا أبا الشمقمق.

أخبرني أحمد قال حدّثنا أبو محمد الصّعتريّ قال حدّثنا محمد بن عثمان البصريّ قال: استمنح بشّار بن برد العباس بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس فلم يمنحه، فقال يهجوه:

ظلّ اليسار على العباس ممدودوقلبه أبدا في البخل معقود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ظل اليسار على العباس ممدود»
إنّ الكريم ليخفي عنك عسرتهحتى تراه غنيّا وهو مجهود
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
وللبخيل على أمواله عللزرق العيون عليها أوجه سود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ظل اليسار على العباس ممدود»
إذا تكّرهت أن تعطي القليل ولمتقدر على سعة لم يظهر الجود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ظل اليسار على العباس ممدود»
أورق بخير ترجّى للنّوال فماترجى الثمار إذا لم يورق العود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ظل اليسار على العباس ممدود»
بثّ النّوال ولا تمنعك قلّتهفكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ظل اليسار على العباس ممدود»

أخبرني أحمد قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني المغيرة بن محمد المهلّبيّ قال حدّثني أبي عن عبّاد بن عبّاد قال: مررت ببشّار فقلت: السّلام عليك يا أبا معاذ؛ فقال: وعليك السلام، أعبّاد؟ فقلت: نعم؛ قال: إني لحسن الرأي فيك؛ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك منك يا أبا معاذ!.

أخبرني يحيى بن عليّ قال أخبرني محمد بن عمر الجرجانيّ عن أبي يعقوب الخريميّ الشاعر أنّ بشّارا قال: لم أزل منذ سمعت قول امرىء القيس في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت واحد حيث يقول:

كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسالدى وكرها العنّاب والحشف البالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

أعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين في بيت حتى قلت:

كأنّ مثار النّقع فوق رؤوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

قال يحيى: وقد أخذ هذا المعنى منصور النّمريّ فقال وأحسن:

ليل من النّقع لا شمس ولا قمرإلا جبينك والمذروبة الشّرع

أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني أبي قال: كان إسحاق الموصليّ يطعن على شعر بشّار ويضع منه ويذكر أنّ كلامه مختلف لا يشبه بعضه بعضا؛ فقلنا: أتقول هذا القول لمن يقول:

صوت

إذا كنت في كلّ الأمور معاتباصديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
للشاعر راجح عبد الله، من قصيدة «قد توقد لاهبه»
فعش واحدا أوصل أخاك فإنهمقارف ذنب مرّة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذىظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»

- لأبي العبيس بن حمدون في هذه الأبيات خفيف ثقيل بالبنصر - قال عليّ بن يحيى: وهذا الكلام الذي ليس فوقه كلام من الشعر ولا حشو فيه؛ فقال لي إسحاق: أخبرني أبو عبيدة معمر بن المثنّى أن شبيل بن عزرة الضّبعيّ أنشده هذه الأبيات للمتلمّس، وكان عالما بشعره لأنهما جميعا من بني ضبيعة؛ فقلت له: أفليس قد ذكر أبو عبيدة أنه قال لبشّار: إن شبيلا أخبره أنها للمتلمّس؛ فقال: كذب واللّه شبيل، هذا شعري، ولقد مدحت به ابن هبيرة فأعطاني عليه أربعين ألفا. وقد صدق بشّار، قد مدح في هذه القصيدة ابن هبيرة، وقال فيها:

رويد

تصاهل بالعراق جيادناكأنك بالضّحاك قد قام نادبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «رويدا تصاهل بالعراق جيادنا»
وسام لمروان ومن دونه الشّجاوهول كلجّ البحر جاشت غواربه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»
أحلّت به أمّ المنايا بناتهابأسيافنا، إنّا ردى من نحاربه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»
وكنّا إذا دبّ العدوّ لسخطناوراقبنا في ظاهر لا نراقبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»
ركبنا له جهرا بكلّ مثقّفوأبيض تستسقي الدّماء مضاربه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»

ثم قلت لإسحاق: أخبرني عن قول بشّار في هذه القصيدة:

فلمّا تولّى الحرّ واعتصر الثّرىلظى الصّيف من نجم توقّد لاهبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»
وطارت عصافير الشّقائق واكتسىمن الآل أمثال المجرّة ناضبه
غدت عانة تشكو بأبصارها الصّدىإلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»

- العانة: القطيع من الحمير، والجأب: ذكرها. ومعنى شكواها الصدى بأبصارها أن العطش قد تبيّن في أحداقها فغارت - قال: وهذا من أحسن ما وصف به الحمار والأتن، أفهذا للمتلمّس أيضا! قال: لا؛ فقلت: أفما هو في غاية الجودة وشبيه بسائر الشعر، فكيف قصد بشّار لسرقة تلك الأبيات خاصّة! وكيف خصه بالسرقة منه وحده من بين الشعراء وهو قبله بعصر طويل! وقد روى الرّواة شعره وعلم بشّار أنّ ذلك لا يخفى، ولم يعثر على بشّار أنه سرق شعرا قطّ جاهليّا ولا إسلاميا. وأخرى فإنّ شعر المتلمّس يعرف في بعض شعر بشّار؛ فلم يردد ذلك بشيء.

وقد أخبرني بهذا الخبر هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة أنّ بشّارا أنشده:

إذا كنت في كلّ الأمور معاتباصديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
للشاعر راجح عبد الله، من قصيدة «قد توقد لاهبه»

وذكر الأبيات. قال: وأنشدتها شبيل بن عزرة الضّبعيّ، فقال: هذا للمتلمّس؛ فأخبرت بذلك بشّارا، قال: كذب واللّه شبيل، لقد مدحت ابن هبيرة بهذه القصيدة وأعطاني عليها أربعين ألفا.

أخبرنا يحيى بن عليّ قال حدّثنا عليّ بن مهديّ قال حدّثنا عليّ بن إبراهيم المروزيّ، وكان أبوه من قوّاد طاهر، قال حدّثني أبي قال: لما خلع محمّد المأمون وندب له عليّ بن عيسى، ندب المأمون للقاء عليّ بن عيسى طاهر بن الحسين ذا اليمينين وجلس له لعرضه وعرض أصحابه، فمرّ به ذو اليمينين معترضا وهو ينشد:

رويد تصاهل بالعراق جيادناكأنك بالضحّاك قد قام نادبه

فتفاءل المأمون بذلك فاستدناه فاستعاده البيت فأعاد عليه؛ فقال ذو الرّياستين: يا أمير المؤمنين هو حجر العراق؛ قال: أجل. فلما صار ذو اليمينين إلى العراق سأل: هل بقي من ولد بشّار أحد؟ فقالوا: لا؛ فتوهّمت أنه قد كان همّ لهم بخير.

أخبرنا يحيى قال حدّثنا أبي قال أخبرني أحمد بن صالح - وكان أحد الأدباء - قال: غضب بشّار على سلّم الخاسر وكان من تلامذته ورواته، فاستشفع عليه بجماعة من إخوانه فجاؤوه في أمره؛ فقال لهم: كلّ حاجة لكم مقضيّة إلا سلما؛ قالوا ما جئناك إلا في سلّم ولا بدّ من أن ترضى عنه لنا؛ فقال: أين هو الخبيث؟ قالوا: ها هو هذا؛ فقام إليه سلّم فقبّل رأسه ومثل بين يديه وقال: يا أبا معاذ، خرّيجك وأديبك؛ فقال: يا سلّم، من الذي يقول:

من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيّبات الفاتك اللّهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»

قال: أنت يا أبا معاذ، جعلني اللّه فداءك! قال: فمن الذي يقول:

من راقب الناس مات غمّاوفاز باللّذّة الجسور
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «من راقب الناس مات غما»

قال: خرّيجك يقول ذلك (يعني نفسه)؛ قال: أفتأخذ معانيّ التي قد عنيت بها وتعبت في استنباطها، فتكسوها ألفاظا أخفّ من ألفاظي حتى يروى ما تقول ويذهب شعري! لا أرضى عنك أبدا، قال: فما زال يتضرّع إليه، ويشفع له القوم حتى رضي عنه. وفي هذه القصيدة يقول بشّار:

لو كنت تلقين ما نلقى قسمت لنايوما نعيش به منكم ونبتهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»

صوت

لا خير في العيش إن كنّا كذا أبدالا نلتقي وسبيل الملتقى نهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»
قالوا حرام تلاقينا فقلت لهمما في التّلاقي ولا في قبلة حرج
من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطّيّبات الفاتك اللّهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»
أشكو إلى اللّه هما ما يفارقنيوشرّعا في فؤادي الدّهر تعتلج

أخبرنا محمد بن عمران الصيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا أحمد بن خلّاد قال: أنشدت الأصمعيّ قول بشّار يهجو باهلة:

ودعاني معشر كلّهمحمق دام لهم ذاك الحمق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ودعاني معشر كلهم»
ليس من جرم ولكن غاظهمشرفي العارض قد سدّ الأفق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ودعاني معشر كلهم»

فاغتاظ الأصمعيّ فقال: ويلي على هذا العبد القنّ ابن القنّ!.

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى قال حدّثني عليّ بن مهدي. قال حدّثني عباس بن خالد قال سمعت غير واحد من أهل البصرة يحدّث: أنّ امرأة قالت لبشّار: أيّ رجل أنت لو كنت أسود اللحية والرأس! قال بشّار: أما علمت أن بيض البزاة أثمن من سود الغربان؛ فقالت له: أمّا قولك فحسن في السّمع، ومن لك بأن يحسن شيبك في العين كما حسن قولك في السّمع! فكان بشّار يقول: ما أفحمني قطّ غير هذه المرأة.

ونسخت من كتابه: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني إسحاق بن كلبة قال قال لي أبو عثمان المازنيّ: سئل بشار: أيّ متاع الدنيا آثر عندك؟ فقال: طعام مزّ، وشراب مرّ، وبنت عشرين بكر.

أخبرني عمي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، وأخبرنا الحسن بن عليّ قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني أبو توبة عن صالح بن عطيّة قال: كان النساء المتظرّفات يدخلن إلى بشّار في كلّ جمعة يومين، فيجتمعن عنده ويسمعن من شعره، فسمع كلام امرأة منهنّ فعلقها قلبه وراسلها يسألها أن تواصله؛ فقالت لرسوله: وأيّ معنى فيك لي أو لك فيّ! وأنت أعمى لا تراني فتعرف حسني ومقداره، وأنت قبيح الوجه فلا حظّ لي فيك! فليت شعري لأيّ شيء تطلب وصال مثلى! وجعلت تهزأ به في المخاطبة؛ فأدّى الرّسول الرّسالة، فقال له: عد إليها فقل لها:

أيرى له فضل على آيارهموإذا أشظّ سجدن غير أوابي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أيري له فضل على آيارهم»
تلقاه بعد ثلاث عشرة قائمافعل المؤذّن شكّ يوم سحاب
وكأنّ هامة رأسه بطّيخةحملت إلى ملك بدجله جابي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أيري له فضل على آيارهم»

أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم قال حدّثنا أبو هفّان قال أخبرني أحمد بن عبد الأعلى الشيبانيّ عن أبيه قال: قال مروان لبشّار لما أنشده هذا البيت:

وإذا قلت لها جودي لناخرجت بالصّمت من لا ونعم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لم يطل ليلي ولكن لم أنم»

جعلني اللّه فداءك يا أبا معاذ! هلا قلت: «خرست بالصّمت»؛ قال: إذا أنا في عقلك فضّ اللّه فاك! أأتطيّر على من أحبّ بالخرس!.

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثني بعض أصحابنا قال: وفد بشّار إلى خالد بن برمك وهو على فارس فأنشده:

أخالد لم أخبط إليك بذمّةسوى أنّني عاف وأنت جواد
أخالد بين الأجر والحمد حاجتيفأيّهما تأتي فأنت عماد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أخالد لم أخبط إليك بنعمة»
فإن تعطني أفرغ عليك مدائحيوإن تأب لم يضرب عليّ سداد
ركابي على حرف وقلبي مشيّعومالي بأرض الباخلين بلاد
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتهاخرجت مع البازي عليّ سواد

قال: فدعا خالد بأربعة آلاف دينار في أربعة أكياس فوضع واحدا عن يمينه وواحدا عن شماله وآخر بين يديه وآخر خلفه، وقال: يا أبا معاذ، هل استقلّ العماد؟ فلمس الأكياس ثم قال: استقلّ واللّه أيّها الأمير.

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال قال محمد بن الحجّاج حدّثني بشّار قال: دخلت على الهيثم بن معاوية وهو أمير البصرة، فأنشدته:

إنّ السّلام أيّها الأميرعليك والرّحمة والسّرور
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن السلام أيها الأمير»

فسمعته يقول: إنّ هذا الأعمى لا يدعنا أو يأخذ من دراهمنا شيئا؛ فطمعت فيه فما برحت حتّى انصرفت بجائزته.

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل عن محمد بن سلّام قال: وقف رجل من بني زيد شريف، لا أحبّ أن أسمّيه، على بشّار، فقال له: يا بشّار قد أفسدت علينا موالينا، تدعوهم إلى الانتفاء منّا وترغّبهم في الرّجوع إلى أصولهم وترك الولاء، وأنت غير زاكي الفرع ولا معروف الأصل؛ فقال له بشار: واللّه لأصلي أكرم من الذّهب، ولفرعي أزكى من عمل الأبرار، وما في الأرض كلب يودّ أنّ نسبك له بنسبه، ولو شئت أن أجعل جواب كلامك كلاما لفعلت، ولكنّ موعدك غدا بالمربد؛ فرجع الرجل إلى منزله وهو يتوهّم أنّ بشّارا يحضر معه المربد ليفاخره، فخرج من الغد يريد المربد فإذا رجل ينشد:

شهدت على الزّيديّ أنّ نساءهضباع إلى أير العقيليّ تزفر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شهدت على الزيدي أن نساءه»

فسأل عمّن قال هذا البيت؛ فقيل له: هذا لبشّار فيك؛ فرجع إلى منزله من فوره ولم يدخل المربد حتّى مات.

قال ابن سلّام: وأنشد رجل يوما يونس في هذه القصيدة وهي:

بلوت بني زيد فما في كبارهمحلوم ولا في الأصغرين مطهّر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شهدت على الزيدي أن نساءه»
فأبلغ بني زيد وقل لسراتهموإن لم يكن فيهم سراة توقّر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شهدت على الزيدي أن نساءه»
لأمّكم الويلات إنّ قصائديصواعق منها منجد ومغوّر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شهدت على الزيدي أن نساءه»
أجدّهم لا يتّقون دنيّةولا يؤثرون الخير والخير يؤثر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شهدت على الزيدي أن نساءه»
يلفّون أولاد الزّنا في عدادهمفعدّتهم من عدّة الناس أكثر
إذا ما رأوا من دأبه مثل دأبهمأطافوا به، والغيّ للغيّ أصور
ولو فارقوا من فيهم من دعارةلما عرفتهم أمّهم حين تنظر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شهدت على الزيدي أن نساءه»
لقد فخروا بالملحقين عشيّةفقلت افخروا إن كان في اللؤم مفخر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شهدت على الزيدي أن نساءه»
يريدون مسعاتي ودون لقائهاقناديل أبواب السّموات تزهر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شهدت على الزيدي أن نساءه»
فقل في بني زيد كما قال معربقوارير حجّام غدا تتكسّر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شهدت على الزيدي أن نساءه»

فقال يونس للذي أنشده: حسبك حسبك! من هيّج هذا الشيطان عليهم؟ قيل: فلان؛ فقال: ربّ سفيه قوم قد كسب لقومه شرّا عظيما.

أخبرني عمي قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني عبد اللّه بن بشر بن هلال قال حدّثني محمد بن محمد البصريّ قال حدّثني النضر بن طاهر أبو الحجاج قال: قال بشار: دعاني عقبة بن سلّم ودعا بحمّاد عجرد وأعشى باهلة، فلما اجتمعنا عنده قال لنا: إنه خطر ببالي البارحة مثل يتمثّله الناس: «ذهب الحمار يطلب قرنين فجاء بلا أذنين» فأخرجوه من الشعر، ومن أخرجه فله خمسة آلاف درهم، وإن لم تفعلوا جلدتكم كلّكم خمسمائة؛ فقال حمّاد: أجّلنا أعزّ اللّه الأمير شهرا؛ وقال الأعشى: أجّلنا أسبوعين؛ قال: وبشّار ساكت لا يتكلّم؛ فقال له عقبة: مالك يا أعمى لا تتكلّم! أعمى اللّه قلبك! فقال: أصلح اللّه الأمير، قد حضرني شيء فإن أمرت قلته؛ فقال قل؛ فقال:

شطّ بسلمى عاجل البينوجاورت أسد بني القين
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شط بسلمى عاجل البين»
ورنّت النفس لها رنّةكادت لها تنشقّ نصفين
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شط بسلمى عاجل البين»
يا بنة من لا أشتهي ذكرهأخشى عليه علق الشّين
واللّه لو ألقاك لا أتّقيعينا لقبّلتك ألفين
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شط بسلمى عاجل البين»
طالبتها ديني فراغت بهوعلّقت قلبي مع الدّين
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شط بسلمى عاجل البين»
فصرت كالعير غدا طالباقرنا فلم يرجع بأذنين
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «شط بسلمى عاجل البين»

قال: فانصرف بشّار بالجائزة.

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثنا عليّ بن مهديّ قال حدّثني عبد اللّه بن عطية الكوفيّ قال حدّثني عثمان بن عمرو الثقفيّ قال قال أبان بن عبد الحميد اللاحقيّ: نزل في ظاهر البصرة قوم من أعراب قيس عيلان وكان فيهم بيان وفصاحة، فكان بشّار يأتيهم وينشدهم أشعاره التي يمدح بها قيسا فيجلّونه لذلك ويعظّمونه، وكان نساؤهم يجلسن معه ويتحدّثن إليه وينشدهنّ أشعاره في الغزل وكنّ يعجبن به، وكنت كثيرا ما آتي ذلك الموضع فأسمع منه ومنهم، فأتيتهم يوما فإذا هم قد ارتحلوا، فجئت إلى بشّار فقلت له: يا أبا معاذ، أعلمت أنّ القوم قد ارتحلوا؟ قال: لا؛ فقلت: فاعلم؛ قال: قد علمت لا علمت! ومضيت، فلمّا كان بعد ذلك بأيام سمعت الناس ينشدون:

دعا بفراق من تهوى أبانففاض الدّمع واحترق الجنان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «دعا بفراق من تهوى أبان»
كأن شرارة وقعت بقلبيلها في مقلتي ودمي استنان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «دعا بفراق من تهوى أبان»
إذا أنشدت أو نسمت عليهارياح الصّيف هاج لها دخان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «دعا بفراق من تهوى أبان»

فعلمت أنها لبشّار، فأتيته فقلت: يا أبا معاذ، ما ذنبي إليك؟ قال: ذنب غراب البين؛ فقلت: هل ذكرتني بغير هذا؟ قال: لا؛ فقلت: أنشدك اللّه ألّا تزيد؛ فقال: امض لشأنك فقد تركتك.

ونسخت من كتابه: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني يحيى بن سعيد الأيوزرذي المعتزليّ قال حدّثني أحمد بن المعذّل عن أبيه قال: أنشد بشّار جعفر بن سليمان:

أقلّي فإنّا لاحقون وإنّمايؤخّرنا أنّا يعدّ لنا عدّا
وما كنت إلا كالأغرّ ابن جعفررأى المال لا يبقى فأبقى به حمدا

فقال له جعفر بن سليمان: من ابن جعفر؟ قال: الطيّار في الجنة؛ فقال: لقد ساميت غير مسامى! فقال: واللّه ما يقعدني عن شأوه بعد النسب، لكن قلّة النشب، وإني لأجود بالقليل وإن لم يكن عندي الكثير، وما على من جاد بما يملك ألّا يهب البدور؛ فقال له جعفر: لقد هززت أبا معاذ، ثم دعا له بكيس فدفعه إليه.

ونسخت من كتابه: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني أحمد بن سعيد الرازيّ عن سليمان بن سليمان العلويّ قال: قيل لبشّار: إنك لكثير الهجاء! فقال: إني وجدت الهجاء المؤلم آخذ بضبع الشاعر من المديح الرائع، ومن أراد من الشّعراء أن يكرم في دهر اللئام على المديح فليستعدّ للفقر وإلا فليبالغ في الهجاء ليخاف فيعطى.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال: كان برد أبو بشّار طيّانا حاذقا بالتّطيين، وولد له بشّار وهو أعمى، فكان يقول: ما رأيت مولودا أعظم بركة منه، ولقد ولد لي وما عندي درهم فما حال الحول حتى جمعت مائتي درهم. ولم يمت برد حتى قال بشّار الشّعر.

وكان لبشّار أخوان يقال لأحدهما: بشر، وللآخر: بشير، وكانا قصّابين وكان بشّار بارّا بهما، على أنه كان ضيّق الصدر متبرّما بالناس، فكان يقول: اللهمّ إني قد تبرّمت بنفسي وبالناس جميعا، اللهم فأرحني منهم. وكان إخوته يستعيرون ثيابه فيوسّخونها وينتنون ريحها، فاتخذ قميصا له جيبان وحلف ألّا يعيرهم ثوبا من ثيابه، فكانوا يأخذونها بغير إذنه؛ فإذا دعا بثوبه فلبسه فأنكر رائحته فيقول إذا وجد رائحة كريهة من ثوبه: «أينما أتوجّه ألق سعدا». فإذا أعياه الأمر خرج إلى الناس في تلك الثياب على نتنها ووسخها، فيقال له: ما هذا يا أبا معاذ؟

فيقول: هذه ثمرة صلة الرّحم. قال: وكان يقول الشّعر وهو صغير، فإذا هجا قوما جاؤوا إلى أبيه فشكوه فيضربه ضربا شديدا، فكانت أمّه تقول: كم تضرب هذا الصبيّ الضرير، أما ترحمه! فيقول: بلى واللّه إني لأرحمه ولكنه يتعرّض للناس فيشكونه إليّ؛ فسمعه بشّار فطمع فيه فقال له: يا أبت إنّ هذا الذي يشكونه منّي إليك هو قول الشعر، وإني إن ألممت عليه أغنيتك وسائر أهلي، فإن شكوني إليك فقل لهم: أليس اللّه يقول: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ)

. فلما عاودوه شكواه قال لهم برد ما قاله بشّار؛ فانصرفوا وهم يقولون: فقه برد أغيظ لنا من شعر بشّار.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمد بن عثمان الكريزيّ قال حدّثني بعض الشعراء قال: أتيت بشّارا الأعمى وبين يديه مائتا دينار، فقال لي: خذ منها ما شئت، أو تدري ما سببها؟ قلت: لا؛ قال: جاءني فتى فقال لي: أنت بشّار؟ فقلت: نعم؛ فقال: إني آليت أن أدفع إليك مائتي دينار وذلك أني عشقت امرأة فجئت إليها فكلّمتها فلم تلتفت إليّ، فهممت أن أتركها فذكرت قولك:

لا يؤيسنّك من مخبّأةقول تغلّظه وإن جرحا
عسر النّساء إلى مياسرةوالصّعب يمكن بعد ما جمحا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قاس الهموم تنل بها نجحا»

فعدت إليها فلازمتها حتى بلغت منها حاجتي.

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ عن أبي حاتم قال: كان الأخفش طعن على بشّار في قوله:

فالآن أقصر عن سميّة باطليوأشار بالوجلى عليّ مشير

وفي قوله:

على الغزلى منّي السّلام فربّمالهوت بها في ظلّ مرءومة زهر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»

وفي قوله في صفة سفينة:

تلاعب نينان البحور وربّمارأيت نفوس القوم من جريها تجري
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»

وقال: لم يسمع من الوجل والغزل فعلى، ولم أسمع بنون ونينان؛ فبلغ ذلك بشّارا فقال: ويلي على القصّارين! متى كانت الفصاحة في بيوت القصارين! دعوني وإيّاه؛ فبلغ ذلك الأخفش فبكى وجزع؛ فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: وما لي لا أبكي وقد وقعت في لسان بشّار الأعمى! فذهب أصحابه إلى بشار فكذّبوا عنه واستوهبوا منه عرضه وسألوه ألّا يهجوه؛ فقال: قد وهبته للؤم عرضه. فكان الأخفش بعد ذلك يحتجّ بشعره في كتبه ليبلغه؛ فكفّ عن ذكره بعد هذا.

قال: وقال غير أبي حاتم: إنما بلغه أنّ سيبويه عاب هذه الأحرف عليه لا الأخفش، فقال يهجوه:

أسبويه يابن الفارسيّة ما الذيتحدّثت عن شتمي وما كنت تنبذ
أظلت تغنّي سادرا في مساءتيوأمّك بالمصرين تعطي وتأخذ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أسبويه يا ابن الفارسية ما الذي»

قال: فتوقّاه سيبويه بعد ذلك، وكان إذا سئل عن شيء فأجاب عنه ووجد له شاهدا من شعر بشّار احتجّ به استكفافا لشرّه.

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني أحمد بن عليّ بن سويد بن منجوف قال: كان بشّار مجاورا لبني عقيل وبني سدوس في منزل الحيّين، فكانوا لا يزالون يتفاخرون، فاستعانت عقيل ببشّار وقالوا: له: يا أبا معاذ، نحن أهلك وأنت ابننا وربيت في حجورنا فأعنّا؛ فخرج عليهم وهم يتفاخرون، فجلس ثم أنشد:

كأنّ بني سدوس رهط ثورخنافس تحت منكسر الجدار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «كأن بني سدوس رهط ثور»
تحرّك للفخار زبانييهاوفخر الخنفساء من الصّغار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «كأن بني سدوس رهط ثور»

فوثب بنو سدوس إليه فقالوا: ما لنا ولك يا هذا! نعوذ باللّه من شرّك! فقال: هذا دأبكم إن عاودتم مفاخرة بني عقيل؛ فلم يعاودوها.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني محمد بن إسماعيل عن محمد بن سلّام قال: قال يونس النحويّ: العجب من الأزد يدعون هذا العبد ينسب بنسائهم ويهجو رجالهم - يعني بشّارا - ويقول:

ألا يا صنم الأزد الذي يدعونه ربّا

ألا يبعثون إليه من يفتق بطنه!.

أخبرني الحسن قال حدّثني ابن مهرويه عن أحمد بن إسماعيل عن محمد بن سلّام قال: مرّ ابن أخ لبشّار ببشّار ومعه قوم: فقال لرجل معه وسمع كلامه: من هذا؟ فقال: ابن أخيك؛ قال: أشهد أنّ أصحابه سفلة؛ قال: وكيف علمت؟ قال: ليس عليهم نعال.

أخبرني الحسن قال حدّثنا محمد بن القاسم قال حدّثني الفضل بن يعقوب قال: كنّا عند جارية لبعض التّجار بالكرخ تغنّينا، وبشّار عندنا، فغنّت في قوله:

إنّ الخليفة قد أبىوإذا أبى شيئا أبيته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»
ومخضّب رخص البنان بكى عليّ وما بكيته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»
يا منظرا حسنا رأيت بوجه جارية فديته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»
بعثت إليّ تسومنيثوب الشّباب وقد طويته

فطرب بشّار وقال: هذا واللّه يا أبا عبد اللّه أحسن من سورة الحشر!. وقد روى هذه الكلمة عن بشّار غير من ذكرته فقال عنه: إنه قال: هي واللّه أحسن من سورة الحشر. الغناء في هذه الأبيات. وتمام الشعر:

وأنا المطلّ على العداوإذا غلا الحمد اشتريته
وأميل في أنس النّديم من الحياء وما اشتهيته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»
ويشوقني بيت الحبيب إذا غدوت وأين بيته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»
حال الخليفة دونهفصبرت عنه وما قليته

وأنشدني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعيّ هذه الأبيات وأخبرني أنّ الجاحظ أخبره أن المهديّ نهى بشّارا عن الغزل وأن يقول شيئا من النسيب، فقال هذه الأبيات. قال: وكان الخليل بن أحمد ينشدها ويستحسنها ويعجب بها.

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا دماذ أبو غسّان عن محمد بن الحجّاج قال: قالت بنت بشّار لبشّار: يا أبت، مالك يعرفك الناس ولا تعرفهم؟ قال: كذلك الأمير يا بنيّة.

أخبرني عبد اللّه بن محمد الرازيّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال: قال عبد اللّه بن مسور الباهليّ يوما لأبي النّضير، وقد تحاورا في شي ء: يابن اللّخناء، أتكلّمني ولو اشتريت عبدا بمائتي درهم وأعتقته لكان خيرا منك! فقال له أبو النّضير: واللّه لو كنت ولد زنا لكنت خيرا من باهلة كلّها؛ فغضب الباهليّ؛ فقال له بشّار: أنت منذ ساعة تزنّي أمّا ولا يغضب، فلما كلّمك كلمة واحدة لحقك هذا كلّه! فقال له: وأمّه مثل أمّي يا أبا معاذ! فضحك، ثم قال: واللّه لو كانت أمّك أمّ الكتاب ما كان بينكما من المصارمة هذا كلّه!.

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني سعيد بن عبيد الخزاعيّ قال: ورد بشار بغداد فقصد يزيد بن مزيد، وسأله أن يذكره للمهديّ، فسوّفه أشهرا؛ ثم ورد روح بن حاتم فبلغه خبر بشّار، فذكره للمهديّ من غير أن يلقاه، وأمر بإحضاره فدخل إلى المهديّ وأنشده شعرا مدحه به، فوصله بعشرة آلاف درهم ووهب له عبدا وقينة وكساه كسا كثيرة؛ وكان يحضر قيسا مرّة، فقال بشّار يهجو يزيد بن مزيد:

ولمّا التقينا بالجنينة غرّنيبمعروفه حتى خرجت أفوق

غرّني: أوجرني كما يغرّ الصبيّ أو يوجر اللبن.

حباني بعبد قعسريّ وقينةووشي وآلاف لهنّ بريق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ولما التقينا بالخبيبة غرني»
فقل ليزيد يلعص الشهد خاليالنا دونه عند الخليفة سوق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ولما التقينا بالخبيبة غرني»
رقدت فنم يا بن الخبيثة إنهامكارم لا يسطيعهنّ لصيق
أبى لك عرق من فلانة أن ترىجوادا ورأس حين شبت حليق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ولما التقينا بالخبيبة غرني»

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثنا الأصمعيّ قال: كان بشّار كتب إلى إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بقصيدة يمدحه بها ويحرّضه ويشير عليه، فلم تصل إليه حتى قتل، وخاف بشّار أن تشتهر فقلبها وجعل التحريض فيها على أبي مسلم والمدح والمشورة لأبي جعفر المنصور، فقال:

أبا مسلم ما طيب عيش بدائمولا سالم عما قليل بسالم

وإنما كان قال: «أبا جعفر ما طيب عيش» فغيّره وقال فيها:

إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعنبعزم نصيح أو بتأييد حازم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إذا بلغَ الرأيُ النصيحة فاستعــــــنْ»
ولا نجعل الشّورى عليك غضاضةمكان الخوافي نافع للقوادم
وخلّ الهوينى للضعيف ولا تكننؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إذا بلغَ الرأيُ النصيحة فاستعــــــنْ»
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختهاوما خير سيف لم يؤيّد بقائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
وحارب إذا لم تعط إلا ظلامةشبا الحرب خير من قبول المظالم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
وأدن على القربى المقرّب نفسهولا تشهد الشّورى امرأ غير كاتم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
فإنك لا تستطرد الهمّ بالمنىولا تبلغ العليا بغير المكارم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
إذا كنت فردا هرّك القوم مقبلاوإن كنت أدنى لم تفز بالعزائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
وما قرع الأقوام مثل مسيّعأريب ولا جلّى العمى مثل عالم

قال الأصمعيّ: فقلت لبشّار: إني رأيت رجال الرأي يتعجّبون من أبياتك في المشورة؛ فقال: أما علمت أنّ المشاورين إحدى الحسنيين: بين صواب يفوز بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه؛ فقلت: أنت واللّه أشعر في هذا الكلام منك في الشعر.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني عليّ بن الصبّاح عن بعض الكوفيين قال: مررت ببشّار وهو متبطّح في دهليزه كأنه جاموس، فقلت له: يا أبا معاذ، من القائل:

في حلّتي جسم فتى ناحللو هبّت الريح به طاحا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أنى دعاه الشوق فارتاحا»

قال: أنا؛ قلت: فما حملك على هذا الكذب؟ واللّه إني لأرى أن لو بعث اللّه الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ما حرّكتك من موضعك! فقال بشّار: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة؛ فقال: يا أهل الكوفة لا تدعون ثقلكم ومقتكم على كل حال!.

نسخت من كتاب هارون بن عليّ: قال حدّثني عافية بن شبيب قال: قدم كرديّ بن عامر المسمعيّ من مكة، فلم يهد لبشّار شيئا وكان صديقه؛ فكتب إليه:

ما أنت يا كرديّ بالهشّولا أبرّيك من الغشّ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ما أنت يا كردي بالهش»
لم تهدنا نعلا ولا خاتمامن أين أقبلت؟ من الحشّ!
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ما أنت يا كردي بالهش»

فأهدى إليه هديّة حسنة وجاءه فقال: عجلت يا أبا معاذ علينا، فأنشدك اللّه ألّا تزيد شيئا على ما مضى.

ونسخت من كتابه عن عافية بن شبيب أيضا قال حدّثني صديق لي قال: قلت لبشّار: كنّا أمس في عرس فكان أوّل صوت غنّى به المغنّي:

هوى صاحبي ريح الشّمال إذا جرتوأشفى لنفسي أن تهبّ جنوب
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وما ذاك إلا أنها حين تنتهيتناهى وفيها من عبيدة طيب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لقد زادني ما تعلمين صبابة»

فطرب وقال: هذا واللّه أحسن من فلج يوم القيامة.

أخبرنا يحيى بن عليّ قال حدّثنا أبي عن عافية بن شبيب عن أبي جعفر الأسديّ قال: مدح بشّار المهديّ فلم يعطه شيئا؛ فقيل له: لم يستجد شعرك؛ فقال: واللّه لقد قلت شعرا لو قيل في الدهر لم يخش صرفه على أحد، ولكنّا نكذب في القول فنكذب في الأمل.

أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني يحيى بن خليفة الدارميّ عن نصر بن عبد الرحمن العجليّ قال: هجا بشّار روح بن حاتم؛ فبلغه ذلك فقذفه وتهدّده؛ فلما بلغ ذلك بشّارا قال فيه:

تهدّدني أبو خلفوعن أوتاره ناما
بسيف لأبي صفرة لا يقطع إبهاما
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «توعدني أبو خلف»
كأنّ الورس يعلوهإذا ما صدره قاما
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «توعدني أبو خلف»

- قال ابن أبي سعد: ومن الناس من يروي هذين البيتين لعمرو الظالمي - قال: فبلغ ذلك روحا فقال: كلّ مالي صدقة إن وقعت عيني عليه لأضربنّه ضربة بالسيف ولو أنه بين يدي الخليفة! فبلغ ذلك بشّارا فقام من فوره حتى دخل على المهديّ؛ فقال له: ما جاء بك في هذا الوقت؟ فأخبره بقصّة روح وعاذ به منه، فقال: يا نصير،

وجّه إلى روح من يحضره الساعة؛ فأرسل إليه في الهاجرة، وكان ينزل المخرّم، فظنّ هو وأهله أنه دعي لولاية.

قال: يا روح، إني بعثت إليك في حاجة؛ فقال له: أنا عبدك يا أمير المؤمنين فقل ما شئت سوى بشّار فإني حلفت في أمره بيمين غموس؛ قال: قد علمت وإيّاه أردت؛ قال له: فاحتل ليميني يا أمير المؤمنين؛ فأحضر القضاة والفقهاء فاتّفقوا على أن يضربه ضربة على جسمه بعرض السيف، وكان بشار وراء الخيش، فأخرج وأقعد واستلّ روح سيفه فضربه ضربة بعرضه؛ فقال: أوّه باسم اللّه! فضحك المهديّ وقال له: ويلك! هذا وإنما ضربك بعرضه وكيف لو ضربك بحدّه!.

أخبرني حبيب بن نصر قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو عبيدة قال: مدح بشّار سليمان بن هشام بن عبد الملك وكان مقيما بحرّان وخرج إليه فأنشده قوله فيه:

نأتك على طول التجاور زينبوما شعرت أن النّوى سوف تشعب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نأتك على طول التجاور زينب»
يرى الناس ما تلقى بزينب إذا نأتعجيبا وما تخفي بزينب أعجب
وقائلة لي حين جدّ رحيلناوأجفان عينيها تجود وتسكب
أغاد إلى حرّان في غير شيعةوذلك شأو عن هواها مغرّب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نأتك على طول التجاور زينب»
فقلت لها كلّفتني طلب الغنىوليس وراء ابن الخليفة مذهب
سيكفي فتى من سعيه حدّ سيفهوكور علافيّ ووجناء ذعلب
إذا استوغرت دار عليه رمى بهابنات الصّوى منها ركوب ومصعب
فعدّي إلى يوم ارتحلت وسائليبزورك والرّحّال من جاء يضرب
لعلك أن تستيقني أن زورتيسليمان من سير الهواجر تعقب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نأتك على طول التجاور زينب»
أغرّ هشاميّ القناة إذا انتمىنمته بدور ليس فيهنّ كوكب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نأتك على طول التجاور زينب»
وما قصدت يوما مخيلين خيلهفتصرف إلّا عن دماء تصبّب

فوصله سليمان بخمسة آلاف درهم وكان يبخّل، فلم يرضها وانصرف عنه مغضبا فقال:

إن أمس منقبض اليدين عن النّدىوعن العدوّ مخيّس الشيطان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن أمس منقبض اليدين عن الغنى»
فلقد أروح عن اللئام مسلّطاثلج المقيل منعّم النّدمان
في ظلّ عيش عشيرة محمودةتندى يدي ويخاف فرط لساني
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن أمس منقبض اليدين عن الغنى»
أزمان جنّيّ الشباب مطاوعوإذ الأمير عليّ من حرّان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن أمس منقبض اليدين عن الغنى»
ريم بأحوية العراق إذا بدابرقت عليه أكلّة المرجان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن أُمس منقبضَ اليدين عن الغنى»
فاكحل بعبدة مقلتيك من القذىوبوشك رؤيتها من الهملان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن أمس منقبض اليدين عن الغنى»
فلقرب من تهوى وأنت متيّمأشفى لدائك من بني مروان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن أمس منقبض اليدين عن الغنى»

فلما رجع إلى العراق برّه ابن هبيرة ووصله، وكان يعظّم بشّارا ويقدّمه، لمدحه قيسا وافتخاره بهم، فلما جاءت دولة أهل خراسان عظم شأنه.

أخبرني حبيب بن نصر قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن الحجّاج قال: قدم بشار الأعمى على المهديّ بالرّصافة فدخل عليه في البستان فأنشده مديحا فيه تشبيب حسن، فنهاه عن التشبيب لغيرة شديدة كانت فيه، فأنشده مديحا فيه، يقول فيه:

كأنما جئته أبشّرهولم أجيء راغبا ومحتلبا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا صاحبي العشية احتسبا»
يزيّن المنبر الأشمّ بعطفيه وأقواله إذا خطبا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا صاحبي العشية احتسبا»
تشمّ نعلاه في النّدى كمايشمّ ماء الرّيحان منتهبا

فأعطاه خمسة آلاف درهم وكساه وحمله على بغل وجعل له وفادة في كلّ سنة ونهاه عن التشبيب البتّة، فقدم عليه في السنة الثالثة فدخل عليه فأنشده:

تجاللت عن فهر وعن جارتي فهروودّعت نعمى بالسّلام وبالبشر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»
وقالت سليمى فيك عنّا جلادةمحلّك دان والزيارة عن عفر
أخي في الهوى مالي أراك جفوتناوقد كنت تقفونا على العسر واليسر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»
تثاقلت إلا عن يد أستفيدهاوزورة أملاك أشدّ بها أزري
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»
وأخرجني من وزر خمسين حجّةفتى هاشميّ يقشعر من الوزر
دفنت الهوى حيّا فلست بزائرسليمى ولا صفراء ما قرقر القمري
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»
ومصفرّة بالزعفران جلودهاإذا اجتليت مثل المفرطحة الصّفر
فربّ ثقال الرّدف هبّت تلومنيولو شهدت قبري لصلّت على قبري
تركت لمهديّ الأنام وصالهاوراعيت عهدا بيننا ليس بالختر
ولو لا أمير المؤمنين محمدلقبّلت فاها أو لكان بها فطري
لعمري لقد أوقرت نفسي خطيئةفما أنا بالمزداد وقرا على وقر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»

في قصيدة طويلة امتدحه بها، فأعطاه ما كان يعطيه قبل ذلك ولم يزده شيئا.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل العتكيّ عن محمد بن سلّام عن بعض أصحابه قال: حضرنا جنازة ابن لبشّار توفّي، فجزع عليه جزعا شديدا، وجعلنا نعزّيه ونسلّيه فما يغني ذلك شيئا، ثم التفت إلينا وقال: للّه درّ جرير حيث يقول وقد عزّي بسوادة ابنه:

قالوا نصيبك من أجر فقلت لهمكيف العزاء وقد فارقت أشبالي
ودّعتني حين كفّ الدّهر من بصريوحين صرت كعظم الرّمّة البالي
أودى سوادة يجلو مقلتي لحمباز يصرصر فوق المربأ العالي
إلّا تكن لك بالدّيرين نائحةفربّ نائحة بالرّمل معوال

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني خلّاد الأرقط قال: لمّا أنشد المهديّ قول بشار:

لا يؤيسنّك من مخبّأةقول تغلّظه وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرةوالصّعب يمكن بعد ما جمحا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قاس الهموم تنل بها نجحا»

فنهاه المهديّ عن قوله مثل هذا، ثم حضر مجلسا لصديق له يقال له عمرو بن سمّان، فقال له: أنشدنا يا أبا معاذ شيئا من غزلك، فأنشأ يقول:

وقائل هات شوّقنا فقلت لهأنائم أنت يا عمرو بن سمّان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وقائل هات شوقنا فقلت له»
أما سمعت بما قد شاع في مضروفي الحليفين من نجر وقحطان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وقائل هات شوقنا فقلت له»
قال الخليفة لا تنسب بجاريةإيّاك إياك أن تشقى بعصيان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وقائل هات شوقنا فقلت له»

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا سليمان بن أيوب المدائنيّ قال: قال مروان بن أبي حفصة: قدمت البصرة فأنشدت بشارا قصيدة لي واستنصحته فيها؛ فقال لي: ما أجودها! تقدم بغداد فتعطى عليها عشرة آلاف درهم؛ فجزعت من ذلك وقلت: قتلتني! فقال: هو ما أقول لك؛ وقدمت بغداد فأعطيت عليها عشرة آلاف درهم؛ ثم قدمت عليه قدمة أخرى فأنشدته قصيدتي:

طرقتك زائرة فحيّ خيالها

فقال: تعطى عليها مائة ألف درهم؛ فقدمت فأعطيت مائة ألف درهم، فعدت إلى البصرة فأخبرته بحالي في المرّتين، وقلت له: ما رأيت أعجب من حدسك! فقال: يا بنيّ، أما علمت أنه لم يبق أحد أعلم بالغيب من عمّك!. أخبرنا بهذا الخبر محمد بن يحيى الصّولي قال: حدّثنا يزيد بن محمد المهلّبيّ عن محمد بن عبد اللّه بن أبي عيينة عن مروان أنه قدم على بشّار فأنشده قوله:

طرقتك زائرة فحيّ خيالها

فقال له: يعطونك عليها عشرة آلاف درهم، ثم قدم عليه فأنشده قوله:

أنّى يكون وليس ذاك بكائنلبني البنات وراثة الأعمام
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «طاف الخيال وحيه بسلام»

فقال: يعطونك عليها مائة ألف درهم، وذكر باقي الخبر مثل الذي قبله.

أخبرني عيسى قال حدّثنا سليمان قال: قال بعض أصحاب بشّار: كنا نكون عنده فإذا حضرت الصلاة قمنا إليها ونجعل على ثيابه ترابا حتى ننظر هل يقوم يصلّي، فنعود والتراب بحاله وما صلّى.

أخبرني عيسى قال حدّثنا سليمان قال: قال أبو عمرو: بعث المهدي إلى بشّار فقال له: قل في الحبّ شعرا ولا تطل واجعل الحبّ قاضيا بين المحبّين ولا تسمّ أحدا؛ فقال:

اجعل الحبّ بين حبّي وبينيقاضيا إنّني به اليوم راضي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أجعل الحب بين حبي وبيني»
فاجتمعنا فقلت يا حبّ نفسيإنّ عيني قليلة الإغماض
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أجعل الحب بين حبي وبيني»
أنت عذّبتني وأنحلت جسميفارحم اليوم دائم الأمراض
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أجعل الحب بين حبي وبيني»
قال لي لا يحلّ حكمي عليهاأنت أولى بالسّقم والإحراض
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أجعل الحب بين حبي وبيني»
قلت لمّا أجابني بهواهاشمل الجور في الهوى كلّ قاضي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أجعل الحب بين حبي وبيني»

فبعث إليه المهديّ: حكمت علينا ووافقنا ذلك، فأمر له بألف دينار.

أخبرني عيسى قال حدّثني سليمان المدنيّ قال حدّثني الفضل بن إسحاق الهاشميّ قال: أنشد بشّار قوله:

يروّعه السّرار بكلّ أرضمخافة أن يكون به السّرار

فقال له رجل: أظنك أخذت هذا من قول أشعب: ما رأيت اثنين يتسارّان إلا ظننت أنهما يأمران لي بشي ء؛ فقال: إن كنت أخذت هذا من قول أشعب فإنك أخذت ثقل الرّوح والمقت من الناس جميعا فانفردت به دونهم، ثم قام فدخل وتركنا. وأخذ أبو نواس هذا المعنى بعينه من بشار فقال فيه:

تركتني الوشاة نصب المسرّين وأحدوثة بكلّ مكان
ما أرى خاليين في السرّ إلّاقلت ما يخلوان إلا لشاني

أخبرني عمّي قال حدّثني سليمان قال قال لي أبو عدنان حدّثني سعيد - جليس كان لأبي زيد - قال: أتاني أعشى سليم وأبو حنش فقالا لي: انطلق معنا إلى بشّار فتسأله أن ينشدك شيئا من هجائه في حمّاد عجرد أو في عمرو الظالميّ فإنه إن عرفنا لم ينشدنا، فمضيت معهما حتى دخلت على بشّار فاستنشدته فأنشد قصيدة له على الدال فجعل يخرج من واد في الهجاء إلى واد آخر وهما يستمعان وبشّار لا يعرفهما، فلما خرجا قال أحدهما للآخر: أما تعجب مما جاء به هذا الأعمى؟ فقال أبو حنش: أمّا أنا فلا أعرّض - واللّه - والديّ له أبدا؛ وكانا قد جاءا يزورانه، وأحسبهما أرادا أن يتعرّضا لمهاجاته.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ عن الجاحظ قال: كان بشّار صديقا لأبي حذيفة واصل بن عطاء قبل أن يدين بالرجعة ويكفّر الأمّة، وكان قد مدح واصلا وذكر خطبته التي خطبها فنزع منها كلّها الراء وكانت على البديهة، وهي أطول من خطبتي خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة، فقال:

تكلّفوا القول والأقوام قد حفلواوحبّروا خطبا ناهيك من خطب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا»
فقام مرتجلا تغلي بداهتهكمرجل القين لمّا حفّ باللّهب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا»
وجانب الراء لم يشعر به أحدقبل التصفّح والإغراق في الطلب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا»

قال: فلمّا دان بالرجعة زعم أن الناس كلّهم كفروا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؛ فقيل له: وعليّ بن أبي طالب؟ فقال:

وما شرّ الثلاثة أمّ عمروبصاحبك الذي لا تصبحينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال قال لي محمد بن الحجّاج: قال بشّار: ما كان الكميت شاعرا؛ فقيل له: وكيف وهو الذي يقول!:

أنصف امرىء من نصف حيّ يسبّنيلعمري لقد لاقيت خطبا من الخطب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «انصف امرىء من نصف حي يسبني»
هنيئا لكلب أنّ كلبا يسبّنيوأنّي لم أردد جوابا على كلب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «انصف امرىء من نصف حي يسبني»

فقال بشّار: لا بلّ شانئك، أترى رجلا لو ضرط ثلاثين سنة لم يستحل من ضرطه ضرطة واحدة!

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني حّجاج المعلّم قال سمعت سفيان بن عيينة يقول: عهدي بأصحاب الحديث وهم أحسن الناس أدبا ثم صاروا الآن أسوأ الناس أدبا، وصبرنا عليهم حتى أشبهناهم، فصرنا كما قال الشاعر:

وما أنا إلا كالزمان إذا صحاصحوت وإن ماق الزمان أموق
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

أخبرني حبيب بن نصر قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن الحجّاج قال: كنّا مع بشّار فأتاه رجل فسأله عن منزل رجل ذكره له، فجعل يفهّمه ولا يفهم، فأخذ بيده وقام يقوده إلى منزل الرجل وهو يقول:

أعمى يقود بصيرا لا أبا لكمقد ضلّ من كانت العميان تهديه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أعمى يقود بصيراً لا أبا لكم»

حتى صار به إلى منزل الرجل، ثم قال له: هذا هو منزله يا أعمى.

أخبرني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: زعم أبو دعامة أن عطاء الملط أخبره أنه أتى بشّارا فقال له: يا أبا معاذ، أنشدك شعرا حسنا؟ فقال: ما أسّرني بذلك، فأنشده:

أعاذلتيّ اليوم ويلكما مهلافما جزعا م الآن أبكي ولا جهلا

فلما فرغ منها قال له بشّار: أحسنت، ثم أنشده على رويّها ووزنها:

لقد كاد ما أخفي من الوجد والهوىيكون جوى بين الجوانح أو خبلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لقد كاد ما أخفي من الوجد والهوى»

صوت

إذا قال مهلا ذو القرابة زادنيولوعا بذكراها ووجدا بها مهلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لقد كاد ما أخفي من الوجد والهوى»
فلا يحسب البيض الأوانس أنّ فيفؤادي سوى سعدى لغانية فضلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لقد كاد ما أخفي من الوجد والهوى»
فأقسم إن كان الهوى غير بالغبي القتل من سعدى لقد جاوز القتلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لقد كاد ما أخفي من الوجد والهوى»
فيا صاح خبّرني الذي أنت صانعبقاتلتي ظلما وما طلبت ذحلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لقد كاد ما أخفي من الوجد والهوى»
سوى أنّني في الحبّ بيني وبينهاشددت على أكظام سرّ لها قفلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لقد كاد ما أخفي من الوجد والهوى»

- وذكر أحمد بن المكيّ أنّ لإسحاق في هذه الأبيات ثقيلا أوّل بالوسطى - فاستحسنت القصيدة وقلت: يا أبا معاذ، قد واللّه أجدت وبالغت، فلو تفضّلت بأن تعيدها! فأعادها على خلاف ما أنشدنيها في المرّة الأولى، فتوهّمت أنه قالها في تلك الساعة.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أحمد بن خلّاد قال حدّثني أبي قال: كنت أكلّم بشّارا وأردّ عليه سوء مذهبه بميله إلى الإلحاد، فكان يقول: لا أعرف إلا ما عاينته أو عاينت مثله؛ وكان الكلام يطول بيننا، فقال لي: ما أظنّ الأمر يا أبا خالد إلا كما تقول، وأن الذي نحن فيه خذلان، ولذلك أقول:

طبعت على ما فيّ غير مخيّرهواي ولو خيّرت كنت المهذّبا
أريد فلا أعطي وأعطى ولم أردوقصّر علمي أن أنال المغيّبا
فأصرف عن قصدي وعلمي مقصّروأمسي وما أعقبت إلا التعجّبا

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني ابن مهرويه قال حدّثني أحمد بن خلّاد بن المبارك قال حدّثني أبي قال: كان بالبصرة فتى من بني منقر أمّه عجليّة، وكان يبعث إلى بشّار في كل أضحيّة بأضحيّة من الأضاحي التي كان أهل البصرة يسمّنونها سنة وأكثر للأضاحي ثم تباع الأضحيّة بعشرة دنانير، ويبعث معها بألف درهم؛ قال: فأمر وكيله في بعض السنين أن يجريه على رسمه، فاشترى له نعجة كبيرة غير سمينة وسرق باقي الثمن، وكانت نعجة عبدليّة من نعاج عبد اللّه بن دارم وهو نتاج مرذول، فلما أدخلت عليه قالت له جاريته ربابة: ليست هذه الشاة من الغنم التي كان يبعث بها إليك؛ فقال: أدنيها منّي فأدنتها ولمسها بيده ثم قال: اكتب يا غلام:

وهبت لنا يا فتى منقروعجل وأكرمهم أولا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
وأبسطهم راحة في النّدىوأرفعهم ذروة في العلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
عجوزا قد آوردها عمرهاوأسكنها الدهر دار البلى
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
سلوحا توهّمت أن الرّعاءسقوها ليسهلها الحنظلا
وأضرط من أمّ مبتاعهاإن اقتحمت بكرة حرملا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
فلو تأكل الزّبد بالنّرسيانوتدّمج المسك والمندلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
لما طيّب اللّه أرواحهاولا بلّ من عظمها الأقحلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
وضعت يميني على ظهرهافخلت حراقفها جندلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
وأهوت شمالي لعرقوبهافخلت عراقبها مغزلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
وقلّبت أليتها بعد ذافشبّهت عصعصها منجلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
فقلت أبيع فلا مشرباأرجّي لديها ولا مأكلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
أم آشوي وأطبخ من لحمهاوأطيب من ذاك مضغ السّلى
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
إذا ما أمرّت على مجلسمن العجب سبّح أو هلّلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
رأوا آية خلفها سائقيحثّ وإن هرولت هرولا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
وكنت أمرت بها ضخمةبلحم وشحم قد استكملا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
ولكنّ روحا عدا طورهوما كنت أحسب أن يفعلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
فعضّ الذي خان في أمرهامن است أمّه بظرها الأغرلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
ولو لا مكانك قلّدتهعلاطا وأنشقته الخردلا
ولو لا استحائيك خضّبتهاوعلقت في جيدها جلجلا
فجاءتك حتى ترى حالهافتعلم أنّي بها مبتلى
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
سألتك لحما لصبياننافقد زدتني فيهم عيّلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
فخذها وأنت بنا محسنوما زلت بي محسنا مجملا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»

قال: وبعث بالرقعة إلى الرجل؛ فدعا بوكيله وقال له: ويلك! تعلم أني أفتدي من بشّار بما أعطيه وتوقعني في لسانه! اذهب فاشتر أضحيّة، وإن قدرت أن تكون مثل الفيل فافعل، وابلغ بها ما بلغت وابعث بها إليه.

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ قال حدّثني عمّي قال أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال: رأيت بشّارا المرعّث يرثي بنيّة له وهو يقول:

يا بنت من لم يك يهوى بنتاما كنت إلا خمسة أو ستّا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا بنت من لم يك يهوى بنتا»
حتّى حللت في الحشى وحتّىفتّتّ قلبي من جوى فانفتّا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا بنت من لم يك يهوى بنتا»
لأنت خير من غلام بتّايصبح سكران ويمسي بهتا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا بنت من لم يك يهوى بنتا»

أخبرني وكيع قال حدّثني أبو أيوب المدينيّ قال: كان نافع بن عقبة بن سلّم جوادا ممدّحا، وكان بشّار منقطعا إلى أبيه، فلما مات أبوه وفد إليه وقد ولي مكان أبيه، فمدحه بقوله:

ولنافع فضل على أكفائهإن الكريم أحقّ بالتفضيل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ولنافع فضل على أكفائه»
يا نافع الشّبرات حين تناوحتهوج الرياح وأعقبت بوبول
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ولنافع فضل على أكفائه»
أشبهت عقبة غير ما متشبّهونشأت في حلم وحسن قبول
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ولنافع فضل على أكفائه»
ووليت فينا أشهرا فكفيتناعنت المريب وسلّة التّضليل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ولنافع فضل على أكفائه»
تدعى هلالا في الزمان ونافعاوالسّلم نعم أبوّة المأمول
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ولنافع فضل على أكفائه»

فأعطاه مثل ما كان أبوه يعطيه في كلّ سنة إذا وفد عليه.

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني إبراهيم بن عقبة الرفاعيّ قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم التمّار البصريّ قال: دخل المهديّ إلى بعض حجر الحرم فنظر إلى جارية منهن تغتسل، فلما رأته حصرت ووضعت يدها على فرجها، فأنشأ يقول:

نظرت عيني لحيني

ثم أرتج عليه، فقال: من بالباب من الشعراء؟ قالوا: بشّار، فأذن له فدخل؛ فقال له: أجز:

نظرت عيني لحيني

فقال بشّار:

نظرت عيني لحينينظرا وافق شيني
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نظرت عيني لحيني»
سترت لمّا رأتنيدونه بالراحتين
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نظرت عيني لحيني»
فضلت منه فضولتحت طيّ العكنتين

فقال له المهديّ: قبّحك اللّه ويحك! أكنت ثالثنا! ثم ماذا؟ فقال:

فتمنّيت وقلبيللهوى في زفرتين
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نظرت عيني لحيني»
أنّني كنت عليهساعة أو ساعتين
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «نظرت عيني لحيني»

فضحك المهديّ وأمر له بجائزة؛ فقال: يا أمير المؤمنين أقنعت من هذه الصفة بساعة أو ساعتين؟ فقال: أخرج عنّي قبّحك اللّه! فخرج بالجائزة.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا أبو شبل عاصم بن وهب البرجميّ قال حدّثني محمد بن الحجّاج قال: جاءنا بشّار يوما فقلنا له: ما لك مغتمّا؟ فقال: مات حماري فرأيته في النوم فقلت له: لم متّ؟ ألم أكن أحسن إليك! فقال:

سيّدي خذ بي أتاناعند باب الأصبهاني
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «سيدي خذ بي أتانا»
تيّمتني ببنانوبدلّ قد شجاني
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «سيدي خذ بي أتانا»
تيّمتني يوم رحنابثناياها الحسان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «سيدي خذ بي أتانا»
وبغنج ودلالسلّ جسمي وبراني
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «سيدي خذ بي أتانا»
ولها خدّ أسيلمثل خدّ الشيفران
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «سيدي خذ بي أتانا»
فلذا متّ ولو عشت إذا طال هواني
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «سيدي خذ بي أتانا»

فقلت له: ما الشيفران؟ قال: ما يدريني! هذا من غريب الحمار، فإذا لقيته فاسأله.

أخبرني الحسن قال حدّثني محمد بن القاسم قال حدّثني علي بن إياس قال حدّثني السّريّ بن الصبّاح قال: شهد بشّار مجلسا فقال: لا تصيّروا مجلسنا هذا شعرا كلّه ولا حديثا كلّه ولا غناء كلّه، فإن العيش فرص، ولكن غنّوا وتحدّثوا وتناشدوا وتعالوا نتناهب العيش تناهبا.

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ عن ابن عائشة قال: جاء بشّار يوما إلى أبي وأنا على الباب، فقال لي: من أنت يا غلام؟ فقلت: من ساكني الدار؛ قال: فكلّمني واللّه بلسان ذرب وشدق هريت.

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ عن أبي حاتم قال: كان سهيل بن عمر القرشيّ يبعث إلى بشّار في كلّ سنة بقواصر تمر، ثم أبطأ عليه سنة؛ فكتب إليه بشّار:

تمركم يا سهيل درّ وهل يطمع في الدرّ من يدي متعتّي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تمْرُكُمْ يا سُهيْلُ دُرٌّ وهل يُطْـ»
فاحبني يا سهيل من ذلك التمر نواة تكون قرطا لبنتي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تمركم يا سهيل در وه يطمع»

فبعث إليه بالتمر وأضعفه له، وكتب إليه يستعفيه من الزيادة في هذا الشعر.

ونسخت من كتاب هارون بن عليّ: عن عافية بن شبيب عن الحسن بن صفوان قال: جلس إلى بشّار أصدقاء من أهل الكوفة كانوا على مثل مذهبه، فسألوه أن ينشدهم شيئا مما أحدثه، فأنشدهم قوله:

أنّى دعاه الشّوق فارتاحامن بعد ما أصبح جحجاحا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أنى دعاه الشوق فارتاحا»

حتّى أتى على قوله:

في حلّتي جسم فتى ناحللو هبّت الرّيح به طاحا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أنى دعاه الشوق فارتاحا»

فقالوا: يابن الزانية، أتقول هذا وأنت كأنّك فيل عرضك أكثر من طولك! فقال: قوموا عنّي يا بني الزّناء؛ فإنّي مشغول القلب، لست أنشط اليوم لمشاتمتكم.

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى عن أبيه عن عافية بن شبيب قال: كان لبشّار مجلس يجلس فيه بالعشيّ يقال له البردان، فدخل إليه نسوة في مجلسه هذا فسمعن شعره، فعشق امرأة منهنّ، وقال لغلامه: عرّفها محبّتي لها، واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها؛ ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه إلى ما أحبّ، فتبعها إلى منزلها حتّى عرفه، فكان يتردّد إليها حتّى برمت به، فشكته إلى زوجها، فقال لها: أجيبيه وعديه إلى أن يجيئك إلى هاهنا ففعلت، وجاء بشّار مع امرأة وجّهت بها إليه، فدخل وزوجها جالس وهو لا يعلم، فجعل يحدّثها ساعة، وقال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة؛ فقال:

أمامة قد وصفت لنا بحسنوإنّا لا نراك فألمسينا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أمامة قد وصفت لنا بحسن»

قال: فأخذت يده فوضعتها على أير زوجها وقد أنعظ، ففزع ووثب قائما وقال:

عليّ أليّة ما دمت حيّاأمسّك طائعا إلا بعود
للشاعر أعشى طرود، اقرأ القصيدة
ولا أهدي لقوم أنت فيهمسلام اللّه إلّا من بعيد
طلبت غنيمة فوضعت كفّيعلى أير أشدّ من الحديد
فخير منك من لا خير فيهوخير من زيارتكم قعودي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «علي ألية وعلي نذر»

وقبض زوجها عليه وقال: هممت بأن أفضحك؛ فقال له: كفاني، فديتك، ما فعلت بي، ولست واللّه عائدا إليها أبدا، فحسبك ما مضى، وتركه وانصرف. وقد روي مثل هذه الحكاية عن الأصمعيّ في قصّة بشّار هذه.

وهذا الخبر بعينه يحكى بإسناد أقوى من هذا الإسناد وأوضح عن أبي العبّاس الأعمى السائب بن فرّوخ، وقد ذكرته في أخبار أبي العباس بإسناده.

نسخت من كتاب هارون بن عليّ: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني حمدان الآبنوسيّ قال حدّثنا أبو نواس قال: كان لبشّار خمسة ندماء فمات منهم أربعة وبقي واحد يقال له البراء، فركب في زورق يريد عبور دجلة العوراء فغرق، وكان المهديّ قد نهى بشّارا عن ذكر النساء والعشق، فكان بشار يقول: ما خير في الدنيا بعد الأصدقاء؛ ثم رثى أصدقاءه بقوله:

يابن موسى ماذا يقول الإمامفي فتاة بالقلب منها أوام
بتّ من حبّها أوقّر بالكأس ويهفو على فؤادي الهيام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
ويحها كاعبا تدلّ بجهمكعثبيّ كأنّه حمّام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
لم يكن بينها وبيني إلّاكتب العاشقين والأحلام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
يابن موسى اسقني ودع عنك سلمىإنّ سلمى حمى وفيّ احتشام
ربّ كأس كالسّلسبيل تعلّلت بها والعيون عنّي نيام
حبست للشّراة في بيت رأسعتّقت عانسا عليها الختام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
نفحت نفحة فهزّت نديميبنسيم وانشقّ عنها الزّكام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
وكأنّ المعلول منها إذا راح شج في لسانه برسام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
صدمته الشّمول حتّى بعينيه انكسار وفي المفاصل خام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
وهو باقي الأطراف حيّت به الكأس وماتت أوصاله والكلام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
وفتى يشرب المدامة بالمال ويمشي يروم ما لا يرام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
أنفدت كأسه الدنانير حتّىذهب العين واستمرّ السّوام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
تركته الصّهباء يرنو بعيننام إنسانها وليست تنام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
جنّ من شربة تعلّ بأخرىوبكى حين سار فيه المدام
كان لي صاحبا فأودى به الدّهر وفارقته عليه السّلام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا بنَ موسى ماذا يقول الإمام »
بقي النّاس بعد هلك نداماي وقوعا لم يشعروا ما الكلام كجزور
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا بنَ موسى ماذا يقول الإمام »
الأيسار لا كبد فيها لباغ ولا عليها سنام
يابن موسى فقد الحبيب العين قذاة وفي الفؤاد سقام
كيف يصفو لي النعيم وحيداوالأخلّاء في المقابر هام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
نفستهم عليّ أم المنايافأنامتهم بعنف فناموا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ابن موسى ماذا يقول الإمام»
لا يغيض انسجام عيني عنهمإنّما غاية الحزين السّجام

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرياشيّ عن الأصمعيّ: أن بشّارا وفد إلى عمر بن هبيرة وقد مدحه بقوله:

يخاف المنايا أن ترحّلت صاحبيكأنّ المنايا في المقام تناسبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»
فقلت له إنّ العراق مقامهوخيم إذا هبّت عليك جنائبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»
لألقى بني عيلان إنّ فعالهمتريد على كلّ الفعال مراتبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لألقى بني عيلان إن فعالهم»
أولاك الألى شقّوا العمى بسيوفهمعن العين حتّى أبصر الحقّ طالبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لألقى بني عيلان إن فعالهم»
وجيش كجنح الليل يزحف بالحصاوبالشوك والخطّيّ حمرا ثعالبه
غدونا له والشّمس في خدر أمّهاتطالعنا والطّلّ لم يجر ذائبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»
بضرب يذوق الموت من ذاق طعمهوتدرك من نجّى الفرار مثالبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»
كأنّ مثار النّقع فوق رؤوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
بعثنا لهم موت الفجاءة إنّنابنو الموت خفّاق علينا سبائبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»
فراحوا فريق في الإسار ومثلهقتيل ومثل لاذ بالبحر هاربه
إذا الملك الجبّار صعّر خدّهمشينا إليه بالسّيوف نعاتبه
للشاعر حافظ ابراهيم، من قصيدة «أجل هذه أعلامه ومواكبه»

فوصله بعشرة آلاف درهم، فكانت أوّل عطيّة سنيّة أعطيها بشّار ورفعت من ذكره، وهذه القصيدة هي التي يقول فيها:

صوت

إذا كنت في كلّ الأمور معاتباصديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
للشاعر راجح عبد الله، من قصيدة «قد توقد لاهبه»
فعش واحدا أوصل أخاك فإنهمقارف ذنب مرّة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذىظمئت وأيّ النّاس تصفو مشاربه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»

الغناء في هذه الأبيات لأبي العبيس بن حمدون خفيف ثقيل بالبنصر في مجراها.

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال ذكر أبو أيّوب المدينيّ عن الأصمعيّ قال: كان لبشّار مجلس يجلس فيه يقال له البردان، وكان النساء يحضرنه فيه، فبينما هو ذات يوم في مجلسه إذ سمع كلام امرأة في المجلس فعشقها، فدعا غلامه فقال: إذا تكلّمت المرأة عرّفتك فاعرفها، فإذا انصرفت من المجلس فاتبعها وكلّمها وأعلمها أنّى لها محبّ؛ وقال فيها:

يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقةوالأذن تعشق قبل العين أحيانا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة»
قالوا: بمن لا ترى تهذي! فقلت لهمالأذن كالعين توفي القلب ما كانا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة»
هل من دواء لمشغوف بجاريةيلقى بلقيانها روحا وريحانا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة»

وقال في مثل ذلك:

قالت عقيل بن كعب إذ تعلّقهاقلبي فأضحى به من حبّها أثر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «راجعت دينك أم عنت لك الذكر»
أنّى ولم ترها تهذي! فقلت لهمإنّ الفؤاد يرى ما لا يرى البصر
أصبحت كالحائم الحيران مجتنبالم يقض وردا ولا يرجى له صدر

قال يحيى بن عليّ وأنشدني أصحاب أحمد بن إبراهيم عنه لبشّار في هذا المعنى وكان يستحسنه:

يزهّدني في حبّ عبدة معشرقلوبهم فيها مخالفة قلبي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يزهدني في حب عبدة معشر»
فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضىفبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحبّ
للشاعر أبو الصوفي، اقرأ القصيدة
فما تبصر العينان في موضع الهوىولا تسمع الأذنان إلّا من القلب
وما الحسن إلّا كلّ حسن دعا الصّباوألّف بين العشق والعاشق الصّبّ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يزهدني في حب عبدة معشر»

قال أبو أحمد: وقال في مثل ذلك:

يا قلب مالي أراك لا تقرإيّاك أعني وعندك الخبر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا قلبُ مالي أراك لا تقرُّ»
أذعت بعد الألى مضوا حرقاأم ضاع ما استودعوك إذ بكروا

قال أبو أحمد: وقال في مثل ذلك:

إنّ سليمى واللّه يكلؤهاكالسّكر تزداده على السّكر
بلّغت عنها شكلا فأعجبنيوالسّمع بكفيك غيبة البصر

أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال حدّثني أبي قال: زعم أبو العالية أنّ بشّارا قدم على المهديّ، فلمّا استأذن عليه قال له الربيع: قد أذن لك وأمرك ألّا تنشد شيئا من الغزل والتشبيب فأدخل على ذلك، فأنشده قوله:

يا منظرا حسنا رأيتهمن وجه جارية فديته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»
بعثت إليّ تسومنيبرد الشّباب وقد طويته
واللّه ربّ محمّدما إن غدرت ولا نويته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»
أمسكت عنك وربّماعرض البلاء وما ابتغيته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»
إنّ الخليفة قد أبىوإذا أبى شيئا أبيته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»
ومخضّب رخص البنان بكى عليّ وما بكيته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»
ويشوقني بيت الحبيب إذا ادّكرت وأين بيته
قام الخليفة دونهفصبرت عنه وما قليته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»
ونهاني الملك الهمام عن النّسيب وما عصيته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»
لا بل وفيت فلم أضععهدا ولا رأيا رأيته
وأنا المطلّ على العداوإذا غلا علق شريته
أصفي الخليل إذا دناوإذا نأى عنّي نأيته
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا منظرا حسنا رأيته»

ثم أنشده ما مدحه به بلا تشبيب، فحرمه ولم يعطه شيئا؛ فقيل له: إنّه لم يستحسن شعرك؛ فقال: واللّه لقد مدحته بشعر لو مدح به الدهر لم يخش صرفه على أحد، ولكنّه كذّب أملي لأنّي كذبت في قولي. ثم قال في ذلك:

خليليّ إنّ العسر سوف يفيقوإنّ يسارا في غد لخليق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليلي إن العسر سوف يفيق»
وما كنت إلا كالزّمان إذا صحاصحوت وإن ماق الزّمان أموق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليلي إن العسر سوف يفيق»
أأدماء لا أستطيع في قلّة الثّرىخزوزا ووشيا والقليل محيق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليليَّ إنَّ العسرَ سوف يفيقُ»
خذي من يدي ما قلّ إنّ زمانناشموس ومعروف الرجال رقيق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليلي إن العسر سوف يفيق»
لقد كنت لا أرضى بأدنى معيشةولا يشتكي بخلا عليّ رفيق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليلي إن العسر سوف يفيق»
خليليّ إنّ المال ليس بنافعإذا لم ينل منه أخ وصديق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليلي إن العسر سوف يفيق»
وكنت إذا ضاقت عليّ محلّةتيمّمت أخرى ما عليّ تضيق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليلي إن العسر سوف يفيق»
وما خاب بين اللّه والناس عاملله في التّقى أو في المحامد سوق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليلي إن العسر سوف يفيق»
ولا ضاق فضل اللّه عن متعفّفولكنّ أخلاق الرجال تضيق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليلي إن العسر سوف يفيق»

أخبرني حبيب بن نصر قال حدّثني عمر بن شبّة قال: بلغ المهديّ قول بشّار:

قاس الهموم تنل بها نجحاوالليل إنّ وراءه صبحا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قاس الهموم تنل بها نجحا»
لا يؤيسنّك من مخبّأةقول تغلّظه وإن جرحا
عسر النّساء إلي مياسرةوالصّعب يمكن بعد ما جمحا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قاس الهموم تنل بها نجحا»

فلمّا قدم عليه استنشده هذا الشعر فأنشده إياه، وكان المهديّ غيورا، فغضب وقال: تلك أمّك يا عاضّ كذا من أمّه! أتحضّ الناس على الفجور وتقذف المحصنات المخبّآت! واللّه لئن قلت بعد هذا بيتا واحدا في نسيب لآتينّ على روحك؛ فقال بشار في ذلك:

واللّه لو لا رضا الخليفة ماأعطيت ضيما عليّ في شجن
وربّما خير لابن آدم في الكره وشقّ الهوى على البدن
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «والله لولا رضى الخليفة»
فاشرب على أبنة الزّمان فماتلقى زمانا صفا من الأبن
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «والله لولا رضى الخليفة»
اللّه يعطيك من فواضلهوالمرء يغضي عينا على الكمن
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «والله لولا رضى الخليفة»
قد عشت بين الرّيحان والراح والمزهر في ظلّ مجلس حسن
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «والله لولا رضى الخليفة»
وقد ملأت البلاد ما بين فغفور إلى القيروان فاليمن

قال عمر بن شبّة: فغفور: ملك الصين.

شعرا تصلّي له العواتق والثّيب صلاة الغواة للوثن
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «والله لولا رضى الخليفة»
ثم نهاني المهديّ فانصرفتنفسي صنيع الموفّق اللّقن
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «والله لولا رضى الخليفة»
فالحمد للّه لا شريك لهليس بباق شيء على الزّمن
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «والله لولا رضى الخليفة»

ثم أنشده قصيدته التي أوّلها:

تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر

ووصف بها تركه التشبيب، ومدحه فقال:

تسلّى عن الأحباب صرّام خلّةووصّال أخرى ما يقيم على أمر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تسلى عن الأحباب صرام خلة»
وركّاض أفراس الصّبابة والهوىجرت حججا ثم استقرّت فما تجري
فأصبحن ما يركبن إلّا إلى الوغىوأصبحت لا يزرى عليّ ولا أزري
فهذا وإنّي قد شرعت مع التّقىوماتت همومي الطارقات فما تسري

ثم قال يصف السفينة:

وعذراء لا تجري بلحم ولا دمقليلة شكوى الأين ملجمة الدّبر
إذا ظعنت فيها الفلول تشخّصتبفرسانها لا في وعوث ولا وعر
وإن قصدت زلّت على متنصّبذليل القوى لا شيء يفري كما تفري
تلاعب تيّار البحور وربّمارأيت نفوس القوم من جريها تجري

قال: وكان قال: «نينان البحور» فعابه بذلك سيبويه فجعله «تيّار البحور».

إلى ملك من هاشم في نبوّةومن حمير في الملك في العدد الدّثر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»
من المشترين الحمد تندى من النّدىيداه ويندي عارضاه من العطر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»
فألزمت حبلي حبل من لا تغبّهعفاة الندى من حيث يدري ولا يدري
بنى لك عبد اللّه بيت خلافةنزلت بها بين الفراقد والنّسر
وعندك عهد من وصاة محمّدفرعت به الأملاك من ولد النّضر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»

فلم يحظ منه أيضا بشيء، فهجاه فقال في قصيدته:

خليفة يزني بعمّاتهيلعب بالدّبّوق والصّولجان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليفة يزني بعماته»
أبدلنا اللّه به غيرهودسّ موسى في حر الخيزران
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليفة يزني بعماته»

وأنشدها في حلقة يونس النّحويّ، فسعي به إلى يعقوب بن داود، وكان بشّار قد هجاه فقال:

بني أميّة هبّوا طال نومكمإنّ الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسواخليفة اللّه بين الزّقّ والعود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لا يأيسن فقير من غنى أبدا»

فدخل يعقوب على المهديّ فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّ هذا الأعمى الملحد الزنديق قد هجاك؛ فقال: بأيّ شي ء؟ فقال: بما لا ينطق به لساني ولا يتوهّمه فكري؛ قال له: بحياتي إلّا أنشدتني! فقال: واللّه لو خيّرتني بين إنشادي إياه وبين ضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي؛ فحلف عليه المهديّ بالأيمان التي لا فسحة فيها أن يخبره؛ فقال: أمّا لفظا فلا، ولكنّي أكتب ذلك، فكتبه ودفعه إليه؛ فكاد ينشقّ غيظا، وعمد على الانحدار إلى البصرة للنّظر في أمرها، وما وكده غير بشّار، فانحدر، فلما بلغ إلى البطيحة سمع أذانا في وقت ضحى النّهار، فقال: انظروا ما هذا الأذان! فإذا بشّار يؤذّن سكران؛ فقال له: يا زنديق يا عاضّ بظر أمه، عجبت أن يكون هذا غيرك، أتلهو بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران! ثم دعا بابن نهيك فأمره بضربه بالسّوط فضربه بين يديه على صدر الحرّاقة سبعين سوطا أتلفه فيها، فكان إذا أوجعه السوط يقول: حسّ - وهي كلمة تقولها العرب للشيء إذا أوجع - فقال له بعضهم: انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين، يقول: حسّ، ولا يقول: باسم اللّه؛ فقال: ويلك! أطعام هو فأسمّي اللّه عليه! فقال له الآخر: أفلا قلت: الحمد للّه؛ قال: أو نعمة هي حتّى أحمد اللّه عليها! فلما ضربه سبعين سوطا بان الموت فيه، فألقي في سفينة حتّى مات ثم رمي به في البطيحة، فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة فدفن بها.

أخبرني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال حدّثني خالد بن يزيد بن وهب بن جرير عن أبيه قال: لما ولي صالح بن داود أخو يعقوب بن داود وزير المهديّ البصرة، قال بشّار يهجوه:

هم حملوا فوق المنابر صالحاأخاك فضجّت من أخيك المنابر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «هم حملوا فوق المنابر صالحا»

فبلغ ذلك يعقوب فدخل على المهديّ فقال: يا أمير المؤمنين، أبلغ من قدر هذا الأعمى المشرك أن يهجو أمير المؤمنين! قال: ويحك! وما قال؟ قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشاده، ثم ذكر باقي الخبر مثل الذي تقدّمه. فقال خالد بن يزيد بن وهب في خبره: وخاف يعقوب بن داود أن يقدم على المهديّ فيمدحه ويعفو عنه، فوجّه إليه من استقبله فضربه بالسّياط حتّى قتله ثم ألقاه في البطيحة في الخرّارة.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا عليّ بن محمد النّوفليّ عن أبيه وعن جماعة من رواة البصريين، وأخبرنا يحيى بن عليّ عن أحمد بن أبي طاهر عن علي بن محمد، وخبره أتم، قالوا: خرج بشّار إلى المهديّ، ويعقوب بن داود وزيره، فمدحه ومدح يعقوب، فلم يحفل به يعقوب ولم يعطه شيئا، ومرّ يعقوب ببشّار يريد منزله، فصاح به بشّار:

طال الثّواء على رسوم المنزل

فقال يعقوب:

فإذا تشاء أبا معاذ فارحل

فغضب بشّار وقال يهجوه:

بني أميّة هبّوا طال نومكمإنّ الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسواخليفة اللّه بين الزّقّ والعود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لا يأيسن فقير من غنى أبدا»

قال النوفليّ: فلما طالت أيام بشّار على باب يعقوب دخل عليه، وكان من عادة بشّار إذا أراد أن ينشد أو يتكلّم أن يتفل عن يمينه وشماله ويصفّق بإحدى يديه على الأخرى، ففعل ذلك وأنشد:

يعقوب قد ورد العفاة عشيّةمتعرّضين لسيبك المنتاب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «طال المقام على تنجز حاجة»
فسقيتهم وحسبتني كمّونةنبتت لزارعها بغير شراب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «طال المقام على تنجز حاجة»
مهلا لديك فإنّني ريحانةفاشمم بأنفك واسقها بذناب
طال الثواء على تنظّر حاجةشمطت لديك فمن لها بخضاب
تعطي الغزيرة درّها فإذا أبتكانت ملامتها على الحلّاب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «طال المقام على تنجز حاجة»

يقول ليعقوب: أنت من المهديّ بمنزلة الحالب من الناقة الغزيرة التي إذا لم يوصل إلى درّها فليس ذلك من قبلها، إنّما هو من منع الحالب منها، وكذلك الخليفة ليس من قبله لسعة معروفة، إنما هو من قبل السبب إليه.

قال: فلم يعطف ذلك يعقوب عليه وحرمه، فانصرف إلى البصرة مغضبا. فلمّا قدم المهديّ البصرة أعطى عطايا كثيرة ووصل الشعراء، وذلك كلّه على يدي يعقوب، فلم يعط بشّارا شيئا من ذلك، فجاء بشّار إلى حلقة يونس النّحويّ فقال: هل هاهنا أحد يحتشم؟ قالوا له: لا؛ فأنشأ بيتا يهجو فيه المهديّ، فسعى به أهل الحلقة إلى يعقوب؛ فقال يونس للمهديّ: إنّ بشارا زنديق وقامت عليه البيّنة عندي بذلك، وقد هجا أمير المؤمنين، فأمر ابن نهيك بأخذه، وأزف خروجهم فخرجوا وأخرجه ابن نهيك معه في زورق. فلما كانوا بالبطيحة ذكره المهديّ فأرسل إلى ابن نهيك يأمره أن يضرب بشّارا ضرب التلف ويلقيه بالبطيحة، فأمر به فأقيم على صدر السفينة وأمر الجلّادين أن يضربوه ضربا يتلفون فيه نفسه ففعلوا ذلك، فجعل يسترجع؛ فقال بعض من حضر: أما تراه لا يحمد اللّه! فقال بشّار: أنعمة هي فأحمد اللّه عليها! إنّما هي بليّة أسترجع عليها، فضرب سبعين سوطا مات منها وألقي في البطيحة.

قال يحيى بن عليّ فحكى قعنب بن محرز الباهليّ قال حدّثني محمد بن الحجّاج قال: لما ضرب بشار بالسّياط وطرح في السفينة قال: ليت عين أبي الشّمقمق رأتني حين يقول:

إنّ بشّار بن بردتيس أعمى في سفينه
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «سبع جوزات وتينه»

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار وحبيب بن نصر المهلّبي قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال: أمر المهديّ عبد الجبار صاحب الزنادقة فضرب بشّارا، فما بقي بالبصرة شريف إلا بعث إليه بالفرش والكسوة والهدايا ومات بالبطيحة. قال: وكانت وفاته وقد ناهز ستّين سنة.

قال عمر بن شبّة حدّثني سالم بن عليّ، قال: كنّا عند يونس فنعى بشّارا إلينا ناع، فأنكر يونس ذلك وقال: لم يمت؛ فقال الرجل: أنا رأيت قبره، فقال: أنت رأيته؟ قال: نعم، وإلا فعليّ وعليّ، وحلف له حتّى رضي، فقال يونس: «لليدين وللفم».

قال أبو زيد وحدّثني جماعة من أهل البصرة منهم محمّد بن عون بن بشير، وكان يتّهم بمذهب بشّار، فقال: لمّا مات بشّار ألقيت جثّته بالبطيحة في موضع يعرف بالحرّارة، فحمله الماء فأخرجه إلى دجلة البصرة فأخذ فأتي به أهله فدفنوه، قال وكان كثيرا ما ينشدني:

سترى حول سريريحسّرا يلطمن لطما
يا قتيلا قتلتهعبدة الحوراء ظلما
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «سترى حول سريري»

قال: وأخرجت جنازته فما تبعها أحد إلّا أمة له سوداء سنديّة عجماء ما تفصح، رأيتها خلف جنازته تصيح: وا سيّداه! وا سيّداه!.

قال أبو زيد وحدّثني سالم بن عليّ قال: لمّا مات بشّار ونعي إلى أهل البصرة تباشر عامّتهم وهنّأ بعضهم بعضا وحمدوا اللّه وتصدّقوا، لما كانوا منوا به من لسانه.

وقال أبو هشام الباهليّ فيما أخبرنا به يحيى بن عليّ في قتل بشّار:

يا بؤس ميت لم يبكه أحدأجل ولم يفتقده مفتقد
لا أمّ أولاده بكته ولميبك عليه لفرقة ولد
ولا ابن أخت بكى ولا ابن أخولا حميم رقّت له كبد
بل زعموا أنّ أهله فرحالمّا أتاهم نعيّه سجدوا

قال: وقال أيضا في ذلك:

قد تبع الأعمى قفا عجردفأصبحا جارين في دار
قالت بقاع الأرض لا مرحبابروح حمّاد وبشّار
تجاورا بعد تنائيهماما أبغض الجار إلى الجار
صارا جميعا في يدي مالكفي النّار والكافر في النار

قال أبو أحمد يحيى بن عليّ وأخبرنا بعض إخواني عن عمر بن محمّد عن أحمد بن خلّاد عن أبيه قال: مات بشّار سنة ثمان وستين ومائة وقد بلغ نيّفا وسبعين سنة.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: لمّا ضرب المهديّ بشّارا بعث إلى منزله من يفتّشه، وكان يتّهم بالزندقة فوجد. في منزله طومار فيه:

إني أردت هجاء آل سليمان بن عليّ لبخلهم فذكرت قرابتهم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأمسكت عنهم إجلالا له صلّى اللّه عليه وسلّم، على أنّي قد قلت فيهم:

دينار آل سليمان ودرهمهمكالبابليّين حفّا بالعفاريت
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا أيها الراكب الغادي لطيته»
لا يبصران ولا يرجى لقاؤهماكما سمعت بهاروت وماروت

فلما قرأه المهديّ بكى وندم على قتله، وقال: لا جزى اللّه يعقوب بن داود خيرا، فإنّه لمّا هجاه لفّق عندي شهودا على أنّه زنديق فقتلته ثمّ ندمت حين لا يغني النّدم.

أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا عمر بن محمّد بن عبد الملك قال حدّثني محمد بن هارون قال: لمّا نزل المهديّ البصرة كان معه حمدويه صاحب الزّنادقة فدفع إليه بشّارا وقال: اضربه ضرب التلف، فضربه ثلاثة عشر سوطا، فكان كلّما ضربه سوطا قال له: أوجعتني ويلك! فقال: يا زنديق، أتضرب ولا تقول: باسم اللّه! قال: ويلك! أثريد هو فأسمّي اللّه عليه! قال: ومات من ذلك الضّرب.

ولبشّار أخبار كثيرة قد ذكرت في عدّة مواضع: منها أخباره مع عبدة فإنّها أفردت في بعض شعره فيها الذي غنّى فيه المغنّون، وأخباره مع حمّاد عجرد في تهاجيهما فإنّها أيضا أفردت، وكذلك أخباره مع أبي هاشم الباهليّ فإنّا لم نجمع جميعها في هذا الموضع، إذ كان كلّ صنف منها مستغنيا بنفسه حسبما شرط في تصدير الكتاب.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»