تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السبعون بعد الْمِائَتَيْن

فيه ٢٠ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد السبعون بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:

وَمَا إِن طبّنا جبنٌ وَلَكِنمنايانا ودولة آخرينا

على أنّ مَا الحجازيّة إِذا زيد بعْدهَا إِن لَا تعْمل عمل لَيْسَ كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.

قَالَ الأعلم: إِن كَافَّة لما عَن الْعَمَل كَمَا كفت مَا إِن عَن الْعَمَل. والطّبّ بِالْكَسْرِ هَاهُنَا بِمَعْنى العلّة والسبّب أَي: لم يكن سَبَب قتلنَا الْجُبْن وإنّما كَانَ مَا جرى بِهِ الْقدر من حُضُور الْمنية وانتقال الْحَال عنّا والدّولة.

وَقَالَ فِي الصِّحَاح: تَقول مَا ذَلِك بطبّي أَي: دهري وعادتي. وانشد هَذَا الْبَيْت للكميت.

وَهَذِه النِّسْبَة غير صَحِيحَة كَمَا يَأْتِي بَيَانه قَرِيبا. والْجُبْن: ضدّ الشّجاعة وَهُوَ مصدر جبن جبنا كقرب قرباً فَهُوَ جبانٌ أَي: ضَعِيف الْقلب.

والجبن الْمَأْكُول فِيهِ ثَلَاث لُغَات أَجودهَا سُكُون الْبَاء وَالثَّانيَِة ضمّ الْبَاء لِلِاتِّبَاعِ وَالثَّالِثَة وَهِي أقلّها التَّشْدِيد كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والمنايا: جمع منيّة وَهِي الْمَوْت لأنّها مقدّرة مَأْخُوذَة من المنا بِوَزْن الْعَصَا وَهُوَ

الْقدر يُقَال: مني لَهُ أَي: قدّر بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فيهمَا.

روى السيّد علم الْهدى المرتضى فِي أَمَالِيهِ أنّ مُسلما الخزاعيّ ثمّ المصطلقيّ قَالَ: شهِدت رَسُول الله ﷺ وَقد أنْشدهُ منشد قَول سُوَيْد بن عَامر المصطلقي:

لَا تأمننّ وَإِن أمسيت فِي حرمٍإنّ المنايا بكفّي كلّ إِنْسَان
واسلك طريقك تمشي غير مختشعٍحتّى يبيّن مَا يمني لَك الماني
فكلّ ذِي صاحبٍ يَوْمًا يُفَارِقهُوكلّ زادٍ وَإِن أبقيته فان
وَالْخَيْر والشّرّ مقرونان فِي قرنٍبكلّ ذَلِك يَأْتِيك الجديدان

فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: لَو أَدْرَكته لأسلم انْتهى.)

وَأنْشد فِي الصِّحَاح لهَذَا الْمَعْنى قَوْله: حتّى تلاقي مَا يمني لَك الماني وف يحواشيه: أوّله:

وَلَا تقولن لشيءٍ سرف أَفعلهُحتّى تبيّن مَا يمني لَك الخ

قَالَ: وَالْبَيْت لأبي قلَابَة الهذليّ. وَالله أعلم. والدولة بِالْفَتْح: الْغَلَبَة فِي الْحَرْب وبالضم تكون فِي المَال وَقيل هما بِمَعْنى ودالت الأيّام تدول وروى ابْن هِشَام فِي السِّيرَة بدله: وطعمة آخرينا.

وَفِيه مَعَ ذكر الْجُبْن مَا لَا يخفى.

وَأورد ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمَة خفاف بن ندبة من كتاب الشُّعَرَاء قَوْله:

فَلم يَك طبّهم جبنٌ وَلَكِنرميناهم بثالثة الأثاقي

قَالَ: وَهَذَا مّما يسْأَل عَنهُ.

أَقُول: ثَالِثَة الأثافيّ هِيَ الْجَبَل لأنّه يَجْعَل حجران إِلَى جنبه فَيكون الثَّالِث فَيَقُول: كَانُوا شجعاناً لَيْسَ فيهم جبن ولحكن رميناهم بداهية عَظِيمَة مثل الْجَبَل.

وَقد روى أَبُو عُبَيْدَة الْبَيْت هَكَذَا:

فلمّا أَن أَبَوا إلاّ علينارميناهم بثالثة الأثافي

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لفروة بن مسيك المراديّ رَوَاهَا أهل السّير كَابْن هِشَام والكلاعيّ وَغَيرهمَا وَهِي:

فَإِن نغلب فغلاّبون قدماًوَإِن نغلب فَغير مغلّبيبنا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»
وَمَا إِن طبّنا جبنٌ وَلَكِنمنايانا وطعمة آخرينا
كَذَاك الدّهر دولته سجالٌتكرّ صروفه حينا فحينا
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة
إِذا انقلبت بِهِ كرّات دهرفألقيت الألى غبطوا طحينا
فَمن يغبط بريب الدّهر مِنْهُميجد ريب الزّمان لَهُ خؤونا
فَلَو خلد الْمُلُوك إِذن خلدناوَلَو بَقِي الْكِرَام إِذن بَقينَا
فأفنى ذَلِكُم سروات قومِيكَمَا أفنى الْقُرُون الأوّلينا

)

قَوْله: فَغير مغلبينا المغلّب المغلوب مرَارًا. والسّجال بِالْكَسْرِ: مصدر ساجل بساجل بِمَعْنى ناوب قَالَ الميدانيّ فِي أَمْثَاله: المساجلة أَن تصنع مثل صَنِيع صَاحبك من جري أَو سقِِي وَأَصله من السّجل وَهِي الدّلو فِيهَا مَاء قلّ أَو كثر. وَحَقِيقَة السّجال المغالبة بالسّقي بالسّجل وَمِنْه المباراة والمفاخرة والمعارضة. وتكرّ: ترجع. والصّروف: الْحَوَادِث. والغضارة بِالْفَتْح: الْخَيْر وَالْخصب. وألفيت: وجدت. وغبطوا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الْغِبْطَة اسْم من غبطته غبطاً من بَاب ضرب إِذا تمنّيت مثل مَا ناله من غير أَن تُرِيدُ زَوَاله عَنهُ لما أعْجبك مِنْهُ وَعظم عنْدك وريب الدّهر: مَا يحدث مِنْهُ. والخؤون بِفَتْح الْمُعْجَمَة: مُبَالغَة الخائن.

وَقَوله: فأفنى ذَلِكُم الْإِشَارَة لكرّات الدّهر وحوادثه. والسّروات جمع شراة بِفَتْح السِّين وفَرْوَة بن مسيك صحابيّ أسلم عَام الْفَتْح وَذَلِكَ أَنه لما افْتتح رَسُول الله ﷺ مكّة ودانت لَهُ قُرَيْش عرفت الْعَرَب أنّهم لَا طَاقَة لَهُم بحربه فَدَخَلُوا فِي دين الله أَفْوَاجًا فَقدمت عَلَيْهِ وُفُود الْعَرَب. وَمِمَّنْ قدم فَرْوَة بن مسيك المراديّ قدم إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ رجلا لَهُ شرف فأنزله سعد بن عبَادَة عَلَيْهِ ثمَّ غَدا على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ جَالس فِي الْمجْلس فسلّم عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله أَنا لمن ورائي من قومِي. قَالَ: ايْنَ نزلت يَا فَرْوَة قَالَ: على سعد بن عبَادَة. قَالَ: بَارك الله على سعد بن عبَادَة.

وَكَانَ يحضر مجْلِس رَسُول الله ﷺ ويتعلّم الْقُرْآن وفرائض الْإِسْلَام.

وَكَانَ بَين مُرَاد وهمدان قبيل الْإِسْلَام وقعةٌ أَصَابَت فِيهَا هَمدَان من مُرَاد وَكَانَ يُقَال لذَلِك الْيَوْم يَوْم الرّزم فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ: يَا فَرْوَة هَل ساءك مَا أصَاب قَوْمك يَوْم الرّزم. قَالَ: يَا رَسُول الله من ذَا يُصِيب قومه مثل مَا أصب قومِي لَا يسوؤه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: أما إنّ ذَلِك لم يزدْ قَوْمك فِي الْإِسْلَام إلاّ خيرا.

وَفِي ذَلِك الْيَوْم قَالَ فَرْوَة هَذِه الأبيات. وَاسْتَعْملهُ رَسُول الله ﷺ على مُرَاد وزبيد ومذحج وَبعث مَعَه خَالِد بن سعيد بن العَاصِي على الصَّدَقَة وَكتب فِيهَا كتابا لَا يعدوه إِلَى غَيره وَكَانَ خالدٌ مَعَه فِي بِلَاده حتّى توفّي رَسُول الله ﷺ. كَذَا فِي وَذكر الواقديّ أنّ عمر بن الْخطاب رَضِي اله عَنهُ اسْتَعْملهُ أَيْضا على صدقَات مذْحج. وَذكر)

غَيره أَنه انْتقل إِلَى الْكُوفَة فسكنها.

وَأخرج ابْن سعد أنّ رَسُول الله ﷺ أجَاز فَرْوَة باثنتي عشرَة أوقيّة وَحمله على بعير نجيب وَأَعْطَاهُ حلّة من نسج عمان.

وفروة: بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا وَاو ومسيك: بِضَم الْمِيم وَفتح السِّين وَسُكُون الْيَاء وَمُرَاد: قَبيلَة بِالْيمن.

فَإِن قلت: كَيفَ اعْترف بالانهزام مَعَ مَا فِيهِ من الْعَار قلت: هَذَا مَوْقُوف على سَماع قصتّه فَإِن أَصْحَاب الْمعَانِي لَا يقدرُونَ على فهم مثل هَذَا إِلَّا بقصّته.

وَهِي كَمَا رَوَاهَا أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ فِي فرحة الأديب: أنّه كَانَ صنم مرادٍ

فِي أَعلَى وأنعم وهما بطْنَان من مُرَاد فَقَالَت أشرافٌ من مُرَاد: مَا بَال آلِهَتنَا لَا تكون ف يعرانيننا فأرادوا انتزاع الْآلهَة مِنْهُم فَخَرجُوا مِنْهُم فَأتوا بني الْحَارِث فاستجاروا بهم وأ سلتن مُرَاد إِلَى بني الْحَارِث: أَن أخرجُوا إخوتنا من داركم وابعثوا إِلَيْنَا برجلَيْن مِنْكُم لنقتلهما بصاحبنا وَكَانَت مُرَاد تطلب بني الْحَارِث بِدَم فلمّا رأى الْحصين بن يزِيد بن قنان أنّ مرَادا قد ألحت فِي طلب أَصْحَابهم هابهم وهلم أَنه لَا طَاقَة لَهُ بهم.

وَكَانَت مُرَاد إِذا قتل مِنْهُم رجلٌ قتلوا بِهِ رجلَيْنِ وَكَانُوا لَا يَأْخُذُونَ الدِّيَة إلاّ مضاعفة فَسَار حُصَيْن بن يزِيد وَهُوَ رَئِيس بني الْحَارِث إِلَى عُمَيْر ذِي مرّان فَسَأَلَهُ أَن يركب مَعَه إِلَى أرحب فيصلح بَينه وَبينهمْ ويسألهم الْحلف على مُرَاد لِأَنَّهُ كَانَ بَينه وَبَين أرحب دِمَاء. فَركب مَعَه إِلَيْهِم فَأصْلح بَينهم وسألهم أَن ينصروه ويحالفوه على مُرَاد فَقَالَ الْحصين: يَا معشر أرحب إنّي لست بِأَسْعَد بِهَلَاك مرادٍ مِنْكُم وَكَانَت أرحب تغاور مرَادا قبل ذَلِك فحالفته أرحب وغدوا فَسَار حُصَيْن بن يزِيد ببني الْحَارِث وسارت الْبَادِيَة من هَمدَان وَعَلَيْهِم يزِيد بن ثُمَامَة الأرحبي الأصمّ.

وَأَقْبَلت مُرَاد كأنّهم حرّة سَوْدَاء يدفّون دفيفاً وَعَلَيْهِم الْحَارِث بن ظبْيَان المثلّم وَكَانَ يكنى أَبَا قيس الأنعمي.

فَاقْتَتلُوا بِموضع يُقَال لَهُ الرزم إِلَى جنب أياء قتالاً شَدِيدا فتضعضعت بَنو

الْحَارِث وَأَقْبل عَلَيْهِم الْحصين فَقَالَ: يَا بني الْحَارِث وَالله لَئِن لم تضربوا وُجُوه مرادٍ بالسّيوف حتّى يخلوا لكم الْعَرَصَة لأتركنكم تنفلون فِي الْعَرَب)

ثمَّ أقبل على بادية هَمدَان فَقَالَ: يَا معشر هَمدَان الصبّر الصَّبْر لَا تَقول مُرَاد إِنَّا لجأنا إِلَى عدد هَمدَان وعزّها فَلم يغنوا عنّا فاقتتل الْقَوْم قتالاً شَدِيدا فَقتل الْحصين وصبر الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا فتهيأت بَنو الْحَارِث للفرار وتضعضعت أرحب وَقد كَانُوا أحضروا النِّسَاء مَعَهم فجعلوهن خلف ظُهُورهمْ فلمّا رَأَتْ أرحب النِّسَاء قد بَدَت خلاخيلها للفرار عَادوا لِلْقِتَالِ وَقَالُوا: لَا نفرّ حتّى يفرّ يَغُوث وصبروا للْقَوْم وَصَبَرت بَنو الْحَارِث مَعَهم فانهزمت مُرَاد واستذرع الْقَتْل فيهم وَسبوا نسءً من نِسَائِهِم فَأدْرك الْإِسْلَام وَهن فِي دور هَمدَان.

وَقتل يومئذٍ المثلّم رَئِيس مُرَاد وعزيز وَقيس ونمران وسميّ المراديون. وَقتل فِي ذَلِك الْيَوْم الْحصين بن يزِيد الْحَارِثِيّ.

قَالَ فِي ذَلِك يزِيد بن ثُمَامَة الأرحبي:

لقد علم الحيّ المصبّح أنّنيبِجنب أياء غير نكس مواكل
للشاعر يزيد الأرحبي، اقرأ القصيدة
تركت عَزِيزًا تحجل الطّير حولهوغشيّت قيسا حدّ أَبيض قاصل
للشاعر يزيد الأرحبي، اقرأ القصيدة
ونمران قد قضيت مِنْهُ حزازةًعلى حنقٍ يَوْم التفاف الْقَبَائِل
للشاعر يزيد الأرحبي، اقرأ القصيدة
عكبٌّ شفيت النّفس مِنْهُ وحارثٌبنافذةٍ فِي صَدره ذِي عوامل
للشاعر يزيد الأرحبي، اقرأ القصيدة
وَأَرَدْت سميّاً فِي المكرّ رماحناوصادف موتا عَاجلا غير آجل
للشاعر يزيد الأرحبي، اقرأ القصيدة

وبهذه الْقِصَّة يعرف معنى قَوْله: وَذَلِكَ أَن مرَادا لم تدر عَلَيْهِم دَائِرَة قبل يَوْم الرّزم.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»