تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ

فيه ٢٣ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَقد مَاتَ شمّاخ وَمَات مزرّدٌوأيّ كريمٍ لَا أَبَاك مخلّد
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «وقد مات شماخ ومات مزرد»

على أَن إِضَافَة أَبَا إِلَى الضَّمِير بِدُونِ اللَّام شاذّة لَا يُقَاس عَلَيْهَا. قَالَ ابْن السرّاج فِي الْأُصُول: والشاعر قد يضطّرّ فيحذف اللَّام ويضيف قَالَ الشَّاعِر:

أَبَا لمَوْت الَّذِي لَا بدّ أنّيملاقٍ لَا أَبَاك تخوّفيني

وَقَالَ الآخر:

وَقد مَاتَ شمّاخٌ وَمَات مزرّدٌوأيّ كريمٍ لَا أَبَاك مخلّد
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «وقد مات شماخ ومات مزرد»

وَكَذَا أنشدهما الْمبرد فِي

قَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة قَالَ أَبُو عُثْمَان: لم يَجِيء فِي بَاب النَّفْي مثل لَا أَبَاك مُضَافا بِغَيْر لَام إلاّ هَذَا وَحده. وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ.

وَلَا يخفى أَن هَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ عينيّة لمسكين الدّارميّ وَلَيْسَ فِيهَا الضَّرُورَة.

وأيّ كريم لَا أَبَا لَك يمْنَع وَهِي قصيدة أورد فِيهَا شعراء كلّ مِنْهُم نسب قَبره إِلَى بَلَده ومسقط رَأسه وَذكر حَال الشُّعَرَاء المتقدّمين وأنّهم ذَهَبُوا وَلم يبْق مِنْهُم أحدٌ يصغّر أَمر الدُّنْيَا ويحقّره.

وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا:

وَلست بأحيا من رجالٍ رَأَيْتهمْلكلّ امْرِئ يَوْمًا حمامٌ ومصرع
للشاعر ابن الزقاق، من قصيدة «ولست باحيا من رجال رأَيتهم»
دَعَا ضابئاً دَاعِي المنايا فَجَاءَهُوَلما دعوا باسم ابْن دارة أسمعوا
للشاعر ابن الزقاق، من قصيدة «ولست باحيا من رجال رأَيتهم»
وحصنٌ بصحراء الثّويّة بَيتهأَلا إنّما الدّنيا متاعٌ يمتّع
للشاعر ابن الزقاق، من قصيدة «ولست باحيا من رجال رأَيتهم»
وَأَوْس بن مغراء القريعيّ قد ثوىلَهُ فَوق أبياتالرّياحيّ مَضْجَع
ونابغة الجعديّ بالرّمل بَيتهعَلَيْهِ صفيحٌ من رخامٍ مرصّع
للشاعر ابن الزقاق، من قصيدة «ولست باحيا من رجال رأَيتهم»
وَمَا رجعت من حميريّ عصابةٌإِلَى ابْن وثيلٍ نَفسه حِين تنْزع
للشاعر ابن الزقاق، من قصيدة «ولست باحيا من رجال رأَيتهم»
أرى ابْن جعيلٍ بالجزيرة بَيتهوَقد ترك الدّنيا وَمَا كَانَ يجمع

)

بِنَجْرَان أوصال النّجاشيّ أَصبَحتتلوذ بِهِ طيرٌ عكوفٌ ووقّع
للشاعر ابن الزقاق، من قصيدة «ولست باحيا من رجال رأَيتهم»
وَقد مَاتَ شمّاخٌ وَمَات مرزّدٌوأيّ عَزِيز لَا أَبَا لَك يمْنَع
أُولَئِكَ قومٌ قد مضوا لسبيلهمكَمَا مَاتَ لُقْمَان بن عادٍ وتبّع

قَوْله: ونابغة الجعديّ الخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ وَأَرَادَ بالرمل رمل بني جعدة وَهِي رمالٌ وَرَاء الفلج من طَرِيق الْبَصْرَة إِلَى مكّة. وَابْن وثيل هُوَ سحيم ابْن وثيل بن حميريّ. وَكَعب بن جعيل دفن بِجَزِيرَة ابْن عمر لأنّها بِلَاد بني تغلب

وَدفن النّجاشيّ بِنَجْرَان لأنّه من الْيمن بِلَاد بني الْحَارِث بن كَعْب.

وَقَوله: وَفد مَاتَ شمّاخ وَمَات مزرّد هما أَخَوان لأَب وأمّ وصحابيان وشاعران.

وَقد تقدّمت تَرْجَمَة الشمّاخ فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين بعد الْمِائَة.

واسْمه معقل بن ضرار والمزرّد اسْمه يزِيد بن ضرار وإنّما سمّي مزرّداً بقوله:

فَقلت تزرّدها عبيد فإنّنيلدرد الموَالِي فِي السّنين مزرّدٌ

وَلَهُمَا أَخ آخر شقيقهما وَهُوَ جُزْء بن ضرار بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي بعْدهَا همزَة. وَمَات الشمّاخ وجزءٌ متهاجرين.

وَسبب ذَلِك على مَا روى الكلبيّ أنّ الشمّاخ كَانَ يهوى امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا كلبة بنت جوّال وَكَانَ يتحدّث إِلَيْهَا وَيَقُول فِيهَا الشّعْر فَخَطَبَهَا فأجابته وهمّت أَن تتزوجه ثمَّ خرج إِلَى سفرٍ لَهُ فتزوّجها أَخُوهُ جُزْء فآلى الشمّاخ أَن لَا يكلمهُ أبدا وهجاه بقصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا:

لنا صاحبٌ قد خَان من أجل نظرةٍسقيم فؤاد حبّ كلبة شاغلة
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «لنا صاحب قد خان من أجل نظرة»

وَقَوله: لَا أَبَا لَك جملَة اعتراضيّة بَين أيّ عَزِيز وَهُوَ مَوْصُوف وَبَين يمْنَع وَهُوَ صفة لأيّ.

وَكَذَلِكَ يخلّد ومخلّد على تِلْكَ الرِّوَايَة.

قَالَ المبرّد فِي الْكَامِل: لَا أَبَا لَك هِيَ كلمة فِيهَا جفَاء وغلظة وَالْعرب تستعملها عِنْد الْحَث على أَخذ الحقّ والإغراء وربّما استعملتها الجفاة من

الْأَعْرَاب عِنْد الْمَسْأَلَة والطلب فَيَقُول الْقَائِل للأمير والخليفة: انْظُر فِي أَمر رعيّتك لَا أَبَا لَك.

وَسمع سُلَيْمَان بن عبد الْملك رجلا من الْأَعْرَاب فِي سنة مُجْدِبَة يَقُول:

ربّ الْعباد مَا لنا وَمَا لكاقد كنت تسقينا فَمَا بدا لكا

أنزل علينا الْغَيْث لَا أَبَا لكا)

فَأخْرجهُ سُلَيْمَان أحسن مخرج. فَقَالَ: أشهد أنّه لَا أَبَا لَهُ وَلَا ولد وَلَا صَاحِبَة وَأشْهد أَن الْخلق جَمِيعًا عباده وَهُوَ الْأَحَد الصَّمد.

وَقَالَ رجلٌ من بني عَامر بن صعصعة أبعد من هَذِه الْكَلِمَة لبَعض قومه:

أبني عقيلٍ لَا أَبَا لأبيكمأبيّ وأيّ بني كلابٍ أكْرم

اه.

وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح بَانَتْ سعاد عِنْد قَوْله: اعْلَم أنّ قَوْلهم: لَا أَبَا لَهُ كلامٌ يسْتَعْمل كِنَايَة عَن الْمَدْح والذمّ وَوجه الأوّل أَن يُرَاد نفي النّظير الممدوح بِنَفْي أَبِيه وَوجه الثَّانِي أَن يُرَاد أنّه مَجْهُول النّسَب. والمعنيان محتملان هُنَا أمّا الثَّانِي فَوَاضِح لأنّهم لما لم يغنوا عَنهُ شَيْئا أَمرهم بتخلية سَبيله ذامّاً لَهُم وأمّا الأوّل فعلى وَجه الِاسْتِهْزَاء انْتهى.

وَزَاد عَلَيْهِ شارحها البغداديّ قَالَ: تَقول الْعَرَب لَا أَبَا لَك وَلَا أَب لَك يسْتَعْمل فِي التفجّع والتعجّب وَيُقَال فِي الْمَدْح والذم وربّما قَالُوا لَا أَبَاك وَهُوَ نَادِر. وأمّا لَا أمّ لَك فَلَا يُقَال إلاّ فِي الذّم وَحده دلّ على ذَلِك استقراء كَلَام الْعَرَب.

وَقَالَ ابْن جنّي فِي الخصائص: إِن قلت إنّ الْألف فِي لَا أَبَا لَك تؤذن بِالْإِضَافَة والتعريف وَاللَّام تؤذن بِالْفَضْلِ والتنكير فقد جمعت على الشَّيْء الْوَاحِد فِي الْوَقْت الْوَاحِد مَعْنيين ضدّين وهما التَّعْرِيف والتنكير. وَهَذَا كَمَا ترى متدافعان قلت: الْفرق وَاضح فإنّه كَلَام جرى مجْرى الْمثل فإنّك لَا تَنْفِي فِي الْحَقِيقَة أَبَاهُ وَإِنَّمَا تخرجه مخرج الدُّعَاء عَلَيْهِ أَي: أَنْت عِنْدِي مّمن يستحقّ أَن يدعى عَلَيْهِ بفقد أَبِيه. كَذَا فسّره أَبُو عليّ وَكَذَلِكَ هُوَ لمتأمّله أَلا ترى أَنه قد أنْشد توكيداً لما رَآهُ من هَذَا الْمَعْنى فِيهِ قَوْله: وتترك أُخْرَى فردةً لَا أَخا لَهَا وَلم يقل لَا أُخْت لَهَا وَلَكِن لّما جرى هَذَا الْكَلَام على أَفْوَاههم لَا أَبَا لَك وَلَا أَخا لَك قيل مَعَ المؤنّث على حدّ مَا يكون عَلَيْهِ مَعَ المذكّر فَجرى نَحوا من قَوْلهم لكلّ أحدٍ: من ذكر وَأُنْثَى واثنين واثنتين وَجَمَاعَة: الصّيف ضيّعت اللَّبن على الأنيث لأنّه كَذَا جرى أوّله.

وَأما قَوْله:

أَبَا لمَوْت الَّذِي لَا بدّ أنّيملاقٍ لَا أَبَاك تخوّفيني

)

فقد قَالَ شَارِح أبي عليّ الفارسيّ: هُوَ لأبي حيّة النّميريّ قَالَه أَبُو عَمْرو قَالَ: جلبه أَبُو عليّ شَاهدا على حذف هَذِه اللَّام ضَرُورَة فثبوت الْألف فِي أَبَا دَلِيل الْإِضَافَة والتعريف وَوُجُود اللَّام دَلِيل الْفَصْل والتنكير. حذف لَام الجرّ وَهُوَ

يريدها وَلَوْلَا أنّها فِي حكم الثّابت فِي اللَّفْظ لما عملت لَا لأنّها لَا تعْمل إلاّ فِي نكرَة. فأمّا دلَالَة الْألف فِيهِ وَحذف النُّون من نَحْو لَا يَدي بهَا لَك على إِرَادَة الْإِضَافَة فلأنّ وجود الْعَمَل مانعٌ فِيهَا من اللَّفْظ فضعف اقْتِضَاء الْمَعْنى مَعَ وجود الْمَانِع اللفظيّ. فإنّ هَذَا مثلٌ لم يقْصد بِهِ نفي الْأَب وإنّما قصد بِهِ الذمّ. وَكَذَلِكَ لَا يَدي لَك إنّما المُرَاد لَا طَاقَة لَك بهَا.

وَهُوَ قِيَاس من النّحويين على قَوْلهم لَا أَبَا لَك. وَفِي الْكتاب: لَا أَبَا فَاعْلَم لَك وَفِيه دَلِيل على أنّه لَيْسَ بمضاف. وَيجوز أَن تكون الْألف لَام الْكَلِمَة كَمَا قَالَ: فأمّا قَوْله تخوّفيني فإنّه أَرَادَ تخوفينني فَحذف إِحْدَى النونين: فَقيل حذف الأولى كَمَا حذف الْإِعْرَاب فِي قَول امْرِئ الْقَيْس:

السَّرِيع فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ

وَقَالَ المبّرد حذف الثَّانِيَة وَهُوَ أولى لأنّها إِنَّمَا زيدت مَعَ الْيَاء لتقي الْفِعْل من الكسرة وَالْأولَى عَلامَة الرّفْع انْتهى كَلَامه.

وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك علم أنّ قَوْلهم لَا أَبَا لَك إنّما فِيهِ تعادي ظَاهره واجتماع صُورَتي الْفَصْل والوصل والتعريف والتنكير لفظا لَا معنى.... وَنحن إنّما عَقدنَا فَسَاد الْأَمر وصلاحه على الْمَعْنى كَأَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد فِي الْوَقْت الْوَاحِد قَلِيلا كثيرا. هَذَا مَا لَا يدّعيه مدّع.

ويؤكد عنْدك خُرُوجه مخرج الْمثل كثرته فِي الشّعْر وأنّه يُقَال لمن لَهُ أَب وَلمن لَيْسَ لَهُ أَب. وَهُوَ دُعَاء فِي الْمَعْنى لَا محَالة وَإِن كَانَ فِي اللَّفْظ خَبرا وَلَو كَانَ دُعَاء مصرّحاً وأمراً مغنيّاً لما جَازَ أَن يُقَال لمن لَا أَب لَهُ لأنّه إِذا كَانَ لَا أَب لَهُ لم يجز أَن يدعى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ فِيهِ لَا محَالة فَيعلم أنّه لَا حَقِيقَة لمعناه مُطَابقَة للفظه وإنّه لَا حَقِيقَة لمعناه مُطَابقَة للفظه وإنّما هِيَ خَارِجَة مخرج الْمثل قَالَ عنترة:

فاقني حياءك لَا أَبَا لَك واعلميأنّي امرؤٌ سأموت إِن لم أقتل
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «طال الثواء على رسوم المنزل»
ألق الصّحيفة لَا أَبَا لَك إنّهيخْشَى عَلَيْك من الحباء النّقرس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «من مبلغ الشعراء عن أخويهم»

وَقَالَ:)

أَبَا لمَوْت الَّذِي لَا بدّ أنّيملاقٍ لَا أَبَاك تخوّفيني

أَرَادَ: لَا أَبَا لَك فَحذف اللَّام.

وَقَالَ جرير: يَا تيم تيم عديّ لَا أَبَا لكم وَهَذَا أقوى دَلِيل على كَونه مثلا لَا حَقِيقَة. أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن يكون لتيم كلّها أبٌ وَاحِد وَلَكِن مَعْنَاهُ كلّكم أهل للدّعاء عَلَيْهِ والإغلاظ لَهُ.

وَقَالَ الحطيئة:

أقلّوا عَلَيْهِم لَا أَبَا لأبيكممن اللوم أَو سدّوا الْمَكَان الَّذِي سدوا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «هواكم وإن لم تسعفونا ولم تجدوا»

فَإِن قلت: فقد أثبت الحظيئة فِي هَذَا الْبَيْت مَا نفيته فِي الْبَيْت قبله فَجعل للْجَمَاعَة أَبَا وَاحِدًا وَأَنت قلت إنّه لَا يكون لجَماعَة تيم أبٌ وَاحِد. قيل: الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أنّه مثلٌ لَا يُرِيد حَقِيقَة الْأَب وإنّما غَرَضه الدّعاء مُرْسلا ففحّش بِذكر الْأَب.

وَالْآخر: يجوز أَن يُرِيد بأبيكم الْجمع أَي: لَا أَبَا لآبائكم يُرِيد الدّعاء على آبَائِهِم من حَيْثُ

فلمّا تبيّنّ أصواتنابكين وفدّيننا بالأبينا
للشاعر غيلان بن سلمة الثقفي، اقرأ القصيدة

انْتهى كَلَامه بِاخْتِصَار.

وَأنْشد بعده:

يَا بؤس للْجَهْل ضرّاراً لأقوام هَذَا عجز وصدره: قَالَت بَنو عامرٍ خالوا بني أسدٍ وَقد تقدّم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»