١فَدَيناكَ مِن رَبعٍ وَإِن زِدتَنا كَربا
فَإِنَّكَ كُنتَ الشَرقَ لِلشَمسِ وَالغَربا
الواحدي: هذا كقوله أفديك من حكمٍ ونفديك من رجل صحبى وقد مر يقول للربع فديناك من الأسواء وإن زدتنا وجدا وهيجته لنا بأن ذكرتنا عهد الأحبة وحين كنت مثوى للحبيب منك كان يخرج وإليك كان يعود وكني بالشمس عن المرأة.
العكبري: الْغَرِيب الرّبع الْمنزل فى كل أَوَان والمربع الْمنزل فى الرّبيع الْخَاصَّة الْمَعْنى يَقُول للربع فَدَيْنَاك من الأسواء وَإِن زدتنا وجدا وهيجته لنا فأذكرتنا عهد الْأَحِبَّة حِين كنت مثوى للحبيب فمنك كَانَ يخرج وَإِلَيْك كَانَ يعود وَجعل محبوبه الشَّمْس فَكَانَت إِذا ظَهرت فِيك كنت كالمشرق لَهَا وَإِذا احْتَجَبت احْتَجَبت فِيك كنت كالمغرب لَهَا وَهَذِه من الطَّوِيل فعولن مفاعيل فعولن مفاعيل مرَّتَيْنِ
٢وَكَيفَ عَرَفنا رَسمَ مَن لَم يَدَع لَنا
فُؤاداً لِعِرفانِ الرُسومِ وَلا لُبّا
الواحدي: يتعجب من معرفته رسم دارها بعد أن سلبته قلبه ولبه حتى لم تدع له فؤادا ولا عقلا
العكبري: الْمَعْنى يَقُول كَيفَ عرفنَا رسم دَار من لم تدع لنا قلبا وَلَا عقلا وَهَذَا تعجب مِنْهُ لعرفانه الرسوم ويدع بِالتَّاءِ وَالْيَاء فَمن روى بِالتَّاءِ من فَوْقهَا حمله على الْمَعْنى لِأَن الْمَقْصُود بِمن امْرَأَة فهى كَقِرَاءَة حَمْزَة والكسائى فى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يقنت مِنْكُن لله وَرَسُوله﴾ وَمن روى بِالْيَاءِ فَهُوَ على لفظ من
٣نَزَلنا عَنِ الأَكوارِ نَمشي كَرامَةً
لِمَن بانَ عَنهُ أَن نُلِمَّ بِهِ رَكبا
الواحدي: يقول ترجلنا تعظيما لهذا الربع ولسكانه أن نزوره راكبين وقد كشف السري عن هذا المعنى فقال، حييت من طللٍ أجاب دثوره، يوم العقيق سؤال دمعٍ سائل، نحفى وننزل وهو أعظم حرمةً، من أن يزار براكبٍ أو ناعلِ،
العكبري: الْإِعْرَاب اللَّام فى لمن مُتَعَلق بكرامة وَيجوز بنمشى كَرَامَة مصدر فى مَوضِع الْحَال وركبا حَال أَيْضا وَإِن فى مَوضِع نصب بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ أى كَرَامَة عَن أَن نلم بِهِ ركبانا الْغَرِيب الأكوار جمع كور وَهُوَ رجل النَّاقة الْمَعْنى يَقُول لما أَتَيْنَا هَذَا الرّبع ترجلنا عَن رواحلنا تَعْظِيمًا لَهُ ولسكانه أَن نزوره راكبين وَقد كشف الْمَعْنى السرى الموصلى بقوله (حُيِّيتَ مِنْ طَلَلِ أجابَ دُثُورُهُ ... يَوْمَ العَقِيقِ سُؤَالَ دَمْعٍ سائِلِ) (نحفَى وَننْزلُ وهوَ أعْظَمُ حُرْمةً ... مِن أَن يُذاَلَ براكِبٍ أَو ناعِلِ)
٤نَذُمُّ السَحابَ الغُرَّ في فِعلِها بِهِ
وَنُعرِضُ عَنها كُلَّما طَلَعَت عَتبا
الواحدي: نذم السحاب لأنها تعفى الربع وتغير آثاره وإذا طلعت السحاب وعرضت أعرضنا عنها عتبا عليها لأخلاقها الرسوم والأطلال.
٥وَمَن صَحِبَ الدُنيا طَويلاً تَقَلَّبَت
عَلى عَينِهِ حَتّى يَرى صِدقَها كِذبا
الواحدي: يقول من طالت صحبته للدنيا رأى ظاهرها وباطنها وأمامها وخلفها كالمتقلب على عينه لا يخفى عليه منه شيء فعرف أن صدقها كذب وأنها غرر وأماني ويجوز أن يكون هذا التقلب بأحوالنا من المضرة والمسرة والشدة والرخاء ويجز أن يكون هذا البيت متصل المعنى بالذي قبله يريد أن السحاب تطلب وتشكر ولا تذم ونحن نذمها لما تفعل بالربع وهذا من تقلب الدنيا.
٦وَكَيفَ اِلتِذاذي بِالأَصائِلِ وَالضُحى
إِذا لَم يَعُد ذاكَ النَسيمُ الَّذي هَبّا
الواحدي: يقول كيف ألتذ بالعشايا والغدايا إذا لم استنشق ذاك النسيم الذي كنت أجده من قبل يعني نسيم الحبيب ونسيم أيام الوصال والشباب.
٧ذَكَرتُ بِهِ وَصلاً كَأَن لَم أَفُز بِهِ
وَعَيشاً كَأَنّي كُنتُ أَقطَعُهُ وَثبا
الواحدي: يقول ذكرت بهذا الربع وصلا قصرت أيامه حتى كأنه لم ين لسرعة انقضائه وعيشاً وشيك الانقطاع كأني قطعته بالوثوب وهو أسرع من المشي والعدو قال القاضي أبو الحسن هذا المصراع من قول الهذلي، عجبت لسعي الدهر بيني وبينها، فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر، قال فجعل المتنبي السعي وثبا وليس الأمر على ما ذكر فإن معنى بيت الهذلي بعيد من معنى بيت المتنبي يقول عجبت كيف سعى الدهر بيننا بالإفساد به بيت الهذلي وأي تقارب لهذا المعنى من معنى بيت أبي الطيب وظن القاضي أن معنى بيت الهذلي عجبت لسعرة مضي الدهر أيام وصلنا فلما انضى الوصل طال الدهر حتى كأنه سكن فليس يمر وإن صح هذا المعنى كان له أدنى اشتباهٍ ببيت المتنبي وقال ابن جنى يريد قصر أوقات السرور قال ومن أظرف ما سمعت فيه قول الوليد بن يزيد، لا أسل الله تغييراً لما صنعت، نامت وقد أسهرت عيني عينها، فالليل أطول شيء حين أفقدها، والليل أقصر شيء حين ألقاها، والشعراء أبدا يذكرون قصر أوقات السرور وأيام اللهو وسرعة زوالها وانقضائها كما قال البحتري، ولا تذكروا عهد التصابي فإنه، تقضي ولم نشعر به ذلك العصر، وقال الآخر، ظللنا عند دار أبي نعيمٍ، بيومٍ مثل سالفهِ الذباب، شبهه في القصر بعنق الذباب وآخر يقول، يومٍ كإبهام القطاة مزين، إليَّ صباه غالبٍ لي باطلهُ، والشيء إذا مضى صار كأن لم يكن وهذا معنى قول أبي الطيب كأني لم أفز به إلا ترى إلى قول متممٍ، فلما تفرقنا كأني ومالكا، لطول اجتماع لم نبت ليلةً معا،
٨وَفَتّانَةَ العَينَينِ قَتّالَةَ الهَوى
إِذا نَفَحَت شَيخاً رَوائِحُها شَبّا
الواحدي: أي وذكرت امرأة تفتن عيناها ويقتل هواها إذا شم شيخ روائحها عاد شابا والنفح تضوع رائحة الطيب يقال نفح الطيب ونفحت رائحة الطيب وإما عدى النفح على المعنى لا على اللفظ كأنه قال إذا أصابت شيخا روائحها شب.
٩لَها بَشَرُ الدُرِّ الَّذي قُلِّدَت بِهِ
وَلَم أَرَ بَدراً قَبلَها قُلِّدَ الشُهبا
الواحدي: يقول لون بشرتها كلون ما تقلدته من الدر وهي في حسنها بدر وقلائدها كالكواكب ولم أرى قبلها بدرا قلد الكواكب.
١٠فَيا شَوقِ ما أَبقى وَيالي مِنَ النَوى
وَيا دَمعِ ما أَجرى وَيا قَلبِ ما أَصبى
الواحدي: يقول يا شوقي ما أبقاك فلست تنفد ويا لي من النوى استغاثة من الفراق كأنه يقول يا من لي يمنعني من ظلم الفراق ويا دمعي ما أجراك ويا قلبي ما أصابك وحذف الكاف المنصوبة للمخاطبة والتي قبلها بالنداء.
١١لَقَد لَعِبَ البَينُ المُشِتُّ بِها وَبي
وَزَوَّدَني في السَيرِ ما زَوَّدَ الضِبّا
الواحدي: غ، ما قال لعب اشارة إلى اقتدار البين عليهم لأن القادر على الشيء لا يحتاج إلى استفراغ اقصى وسعه في تقليبه على مراده والضب لا يتزود في المفازة يقول جعل البين زادي زاد الضب أي لم يزودني شيئا ومعناه أني فارقت الحبيب من غير التقاء ولا وداعٍ يكون لي زادا على البعد كما قال الآخر وذكر التزود عند البعد، زود الأحباب للأحباب ضما والتزاما، وسليمي زودتني، يوم توديعي السقاما، ويجوز أن يكون المعنى أن الضب مكانه المفازة فلا يتزود إذا انتقل فيها يقول أنا في البيت مقيم قامة الضب في المفازة وليس من رسم المقيم أن يتزود أي فالسير والبيت كأنهما لي منزلٌ لإلفي أياهما وقال ابن فورجة أي زودني الضلال عن وطني الذي خرجت منه فما اوفق للعود إليه والاجتماع مع الحبيب والضب يوصف بالضلال وقلة الاهتداء إلى جحره.
١٢وَمَن تَكُنِ الأُسدُ الضَواري جُدودَهُ
يَكُن لَيلُهُ صُبحاً وَمَطعَمُهُ غَصبا
الواحدي: يقول من كان ولد الشجعان وكان جدوده كالأسود التي تعودت أكل اللحوم يكن الليل له نهارا لأن الظلمة لا تعوقه عن بلوغ حاجته وكان مطعمه مما يغصب من أعدائه قال ابن جنى قوله ليله صبحا من قول الآخر، فبادر الليل ولذاته، فإنما الليل نهار الأريب،
١٣وَلَستُ أُبالي بَعدَ إِدراكِيَ العُلا
أَكانَ تُراثاً ما تَناوَلتُ أَم كَسبا
الواحدي: كأنه يعتذر من الغصب يقول بعد ما أدانى إلى العلي لا أبالي كسبا كان أم غصبا أي بعد إدراك معالي الأمور لا أبالي ما يحصل في يدي أرثا كان أو كسبا.
١٤فَرُبَّ غُلامٍ عَلَّمَ المَجدَ نَفسَهُ
كَتَعليمِ سَيفِ الدَولَةِ الطَعنَ وَالضَربا
الواحدي: يقول رب شاب وعني نفسه عود نفسه المجد وعلمه إياها كما علم سيف الدولة أهل الدولة الضربَ.
العكبري: الْغَرِيب الْمجد كَثْرَة المآثر يُقَال مجدت الدَّابَّة إِذا كثرت عَلفهَا ومازح عبد الله بن الْعَبَّاس أَبَا الْأسود الدؤلى فَقَالَ لَو كنت بَعِيرًا كنت ثقالا فَقَالَ لَهُ لَو كنت رَاعى ذَلِك الْبَعِير مَا أمجدته من الْكلأ وَلَا أرويته من المَاء الْمَعْنى يُرِيد رب شَاب قَالَ الواحدى يعْنى نَفسه عود نَفسه الْمجد وَعلمهَا إِيَّاه كتعليم سيف الدولة للدولة الضَّرْب وَقَالَ الْخَطِيب يعْنى أَن الْإِنْسَان يُمكنهُ أَن يعلم نَفسه الْمجد وَإِن لم يكن لَهُ من يُعلمهُ كَمَا علم سيف الدولة أَهلهَا الشجَاعَة
١٥إِذا الدَولَةُ اِستَكفَت بِهِ في مُلِمَّةٍ
كَفاها فَكانَ السَيفَ وَالكَفَّ وَالقَلبا
الواحدي: إنما ذكر هذه الأشياء لأن الضرب يحصل باجتماعها يقول إذا استعانت الدولة به في مهم كان ضاربا دونها بنفسه يريد بهذا تفضيله على سيف الحديد فإنه لا يعمل إذا لم يحمله كف ولم تمضه قوة القلب ولا يعمل بنفسه وحده كما يعمل سيف الدولة وحقه أن يقول استكفته لكنه زاد الباء واراد معنى الاستعانة.
العكبري: الْغَرِيب استكفت بِهِ حَقه استكفته لِأَنَّهُ يتَعَدَّى بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا أَتَى بِالْبَاء على الْمَعْنى لَا على اللَّفْظ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ استعانت بِهِ وحرفا الْجَرّ يتعلقان بِالْفِعْلِ الْمَعْنى يُرِيد أَن الضَّرْب لَا يحصل إِلَّا بِهَذِهِ الْأَشْيَاء بِالسَّيْفِ والكف وَالْقلب وَيُرِيد بِهَذَا أَن يفضله على سيف الْحَدِيد فَإِنَّهُ لَا يعْمل بِنَفسِهِ وَلَا يعْمل إِلَّا بضارب وَسيف الدولة يعْمل بِنَفسِهِ وَالْمعْنَى إِن الدولة إِذا استعانت بِهِ فى مهمة كفاها وَكَانَ ضَارِبًا دونهَا بِسَيْفِهِ فَيبلغ مَا يُرِيد وَحده
١٦تُهابُ سُيوفُ الهِندِ وَهيَ حَدائِدٌ
فَكَيفَ إِذا كانَت نِزارِيَّةً عُربا
الواحدي: يقول السيوف تهاب مع أنها حديد لا عقل عندها فكيف يكون حالها في الخوف منها إذا كانت عربيةً نزاريةً يعني أن سيف الدولة ليس بحديدٍ هندي بل هو عربي نزاري فيكون أحق بالخوف منه.
١٧وَيُرهَبُ نابُ اللَيثِ وَاللَيثُ وَحدَهُ
فَكَيفَ إِذا كانَ اللُيوثُ لَهُ صَحبا
الواحدي: يقول الليث مرهوب نابه على وحدته وانفراده فكيف يكون ليث معه جماعة من الليوث يريد سيف الدولة وأصحابه.
العكبري: الْإِعْرَاب وَحده نَصبه على الظروف كَقَوْلِك زيد خَلفك وَبكر أمامك الْمَعْنى يَقُول اللَّيْث يرهب وَيخَاف على وحدته وانفراده فَكيف يكون لَيْث مَعَه جمَاعَة من الليوث يُرِيد سيف الدولة وَأَصْحَابه
١٨وَيُخشى عُبابُ البَحرِ وَهوَ مَكانَهُ
فَكَيفَ بِمَن يَغشى البِلادَ إِذا عَبّا
الواحدي: يقول البحر مخوف الموج وهو على مكانه فكيف ظنك بمن إذا ماج وتحرك عم البلاد.
العكبري: الْغَرِيب عباب الْبَحْر هُوَ شدَّة أمواجه وتراكمها وَمِنْه سمى الْفرس الشَّديد الجرى وَالنّهر الشَّديد الجريان يعبوبا الْمَعْنى يَقُول الْبَحْر مخوف وَهُوَ مَكَانَهُ فَكيف بِمن إِذا ماج وتحرك عَم الْبِلَاد وَقَوله عب أى جرى وتدفق
١٩عَليمٌ بِأَسرارِ الدِياناتِ وَاللُغى
لَهُ خَطَراتٌ تَفضَحُ الناسَ وَالكُتبا
الواحدي: يريد أنه يعلم من الديانات واللغات ما لا يخلص إليه غيره وعبر عنه بالسر لخفائه على غيره وله خواطر في العلم يفضح بها العلماء وكتبهم لأنهم لم يبلغوا من العلم ما يجري على خاطره.
العكبري: الْغَرِيب اللغى جمع لُغَة الْمَعْنى يُرِيد أَنه عَالم بخفيات الديانَات فَهُوَ يعلم مِنْهَا وَمن اللُّغَات مَا لَا يُعلمهُ غَيره وَله خواطر فى الْعلم تفضح الْعلمَاء وكتبهم لأَنهم لم يبلغُوا فى الْعلم مَا يجرى على خاطره
٢٠فَبورِكتَ مِن غَيثٍ كَأَنَّ جُلودَنا
بِهِ تُنبِتُ الديباجَ وَالوَشيَ وَالعَصبا
الواحدي: يقال بورك لك وبورك فيك وبورك عليك وبوركت أربع لغاتٍ والمعنى بارك الله عليك من غيث أي مطر كأن جلودنا بذكر تنبت هذه الأنواع من الثياب أي لأنك تخلعها علينا وتلبسناها فكأنك غيث تمطر علينا فتنبت جلودنا هذه الثياب.
العكبري: الْغَرِيب الديباج مُعرب وَقد استعملوها فى الْكَلَام الْقَدِيم قَالُوا دبجه الْغَيْث إِذا أظهر فِيهِ ألوانا مُخْتَلفَة والوشى كل مَا كَانَ فِيهِ ألوان مُخْتَلفَة والعصب برود الْيمن وَمِنْه قيل للسحاب اللطخ عصب وبوركت فِيهِ أَربع لُغَات يُقَال بوركت وبورك لَك وبورك فِيك وبورك عَلَيْك وَجَاء فى الْكتاب كَمَا قَالَ أَبُو الطّيب (أَن بورك من فِي النَّار ... ) الْمَعْنى يُرِيد بَارك الله فِيك من غيث كَأَن جلودنا تنْبت بذلك الْمَطَر هَذِه الْأَنْوَاع من الثِّيَاب الَّتِى يَجْعَلهَا علينا فكأنك غيث تمطر علينا فتنبت جلودنا هَذِه الثِّيَاب
٢١وَمِن واهِبٍ جَزلاً وَمِن زاجِرٍ هَلاً
وَمِن هاتِكٍ دِرعاً وَمِن ناثِرٍ قُصبا
الواحدي: يقول بوركت من رجلٍ تهب العطاء جزلا ويجزر الخيل فيحثها بقوله هلا وهو زجر واستحثاث ويهتك الدرع بسيفه وسنانه وينثر الأمعاء فيشقها.
٢٢هَنيئاً لِأَهلِ الثَغرِ رَأيُكَ فيهِمِ
وَأَنَّكَ حِزبَ اللَهِ صِرتَ لَهُم حِزبا
الواحدي: رأيك مرفوع بفعله وفعله هنيأ وأصله ثبت هنيا فحذف الفعل واقيم الحال مقامه فصارت تعمل عمله أنشد سيبويه، هنيأ لأرباب البيوت بيوتهم، وللعزب المسكين ما يتلمس، يقول هنيأ لهم حسن رأيك فيهم وانك يا حزب الله صرت لهم حزبا أي أنصارا وأعوانا.
العكبري: الْإِعْرَاب رَأْيك فَاعل فعله هَنِيئًا وَأَصله ثَبت رَأْيك هَنِيئًا لَهُم حذف الْفِعْل وأقيمت الْحَال مقَامه فَعمِلت فِيهِ عمله أنْشد سِيبَوَيْهٍ (هَنِيئا لأرْبابِ البُيُوتِ بُيُوتُهمْ ... وللعَزَب المِسْكينِ مَا يَتَلَبَّسُ) الْمَعْنى يَقُول هَنِيئًا لَهُم حسن رَأْيك فيهم وَأَنَّك حزب الله على النداء الْمُضَاف صرت لَهُم حزبا وناصرا
٢٣وَأَنَّكَ رُعتَ الدَهرَ فيها وَرَيبَهُ
فَإِن شَكَّ فَليُحدِث بِساحَتِها خَطبا
الواحدي: فيها أي في الأرض كنايةً عن غير مذكورٍ كما يقال ما عليها أكرم من فلان يقول فعلت فعلا هابك الدهر بذلك الفعل وصروفه فإن شك الدهر بما أقول له فليحدث خطباً بساحة الأرض يعني أن الأرض أمنت وأهلها امنوا من تصاريف الدهر وإن يخيفهم الدهر بخطبٍ من خطوبه هيبةً لك.
العكبري: الْإِعْرَاب وَأَنَّك بِالْفَتْح عطفه على قَوْله (وَأَنَّك حزب الله ... ) وَالضَّمِير أَن فى فِيهَا وساحتها للْأَرْض وهى غير مَذْكُورَة كَمَا يُقَال مَا عَلَيْهَا أكْرم من زيد وَالْعرب تضمر لغير مَذْكُور قَالَ الله تَعَالَى ﴿فوسطن بِهِ جمعا﴾ أى بالوادى وَهُوَ غير مَذْكُور الْمَعْنى يَقُول قد فعلت فعلا فى الدَّهْر حَتَّى هابك الدَّهْر وصروفه فَإِن شكّ الدَّهْر فى قولى فليحدث بِالْأَرْضِ خطبا لِأَن الأَرْض وَأَهْلهَا آمنون من الدَّهْر وتصاريفه فَلَا يقدر أَن يخيفهم هَيْبَة لَك (تمّ تَعْدِيل أرقام الأبيات من قبل أَحْمد)
٢٤سَراياكَ تَترى وَالدُمُستُقُ هارِبٌ
وَأَصحابُهُ قَتلى وَأَموالُهُ نُهبى
الواحدي: أي جيوشك تأتي الروم متتابعةً متواترةً والنهبى المنهوبُ.
٢٥أَرى مَرعَشاً يَستَقرِبُ البُعدَ مُقبِلاً
وَأَدبَرَ إِذ أَقبَلتَ يَستَبعِدُ القُربا
الواحدي: يقول لما أتى هذا الثغر أتاه في نشاط فالبعيد عليه قريب لنشاطه فلما اقبلت ادبر منهزما يبعد عليه القريب أي لخوفه منك طال عليه الطريق.
٢٦كَذا يَترُكُ الأَعداءَ مَن يَكرَهُ القَنا
وَيَقفُلُ مَن كانَت غَنيمَتُهُ رُعبا
الواحدي: يقول كما ولي هو منهزما عنك كذا يترك أعداءه من كره المطاعنة وكرجوعه يرجع من لم يغنم سوى الرعب أي أنه عاد مرعوبا وكان الرعب له بمنزلة الغنيمة لغيره.
٢٧وَهَل رَدَّ عَنهُ بِاللُقانِ وُقوفُهُ
صُدورَ العَوالي وَالمُطَهَّمَةَ القُبّا
الواحدي: كان الدمستق قد أقام باللقان فلما أقبل سيف الدولة انهزم يقول فهل أغنى عنه وقوفه هل رد عنه الرماح والخيل الحسان الضامرة.
٢٨مَضى بَعدَما اِلتَفَّ الرِماحانِ ساعَةً
كَما يَتَلَقّى الهُدبُ في الرَقدَةِ الهُدبا
الواحدي: أراد رماح الرفيقين فثنى الجمعين كما قال أبو النجم، بين رماحي مالكٍ ونهشل، وهذا كما حكاه سيبويه من قولهم لقاحان سوداوان واللقاح تكسير لقحةٍ وقد ثنى وجمع الجمع المكسر أكثر في اللغة من تثنية الجمع يقول انهزم الدمستق بعد ما تشاجرت رماح الفريقين ساعةً كما تختلط الأهداب الأعالي والأسافل عند النوم.
٢٩وَلَكِنَّهُ وَلّى وَلِلطَعنِ سَورَةٌ
إِذا ذَكَرَتها نَفسُهُ لَمَسَ الجُنبا
الواحدي: أنهزم وللطعن ارتفاع وحدة في قومه إذا تذكره لمس جنبه هل اصابه منه شيء أي أنه أنهزم مدهوشا مرعوبا لا يدري ما حاله ولا يعرف هل اصابته جراحة أم لا.
٣٠وَخَلّى العَذارى وَالبَطاريقَ وَالقُرى
وَشُعثَ النَصارى وَالقَرابينَ وَالصُلبا
الواحدي: يقول انهزم وترك النساء وسادة الجيش وأراد بشعث النصارى الرهبان والقرابين حاصةُ الملك واحدهم قربان.
٣١أَرى كُلَّنا يَبغي الحَياةَ لِنَفسِهِ
حَريصاً عَلَيها مُستَهاماً بِها صَبّا
الواحدي: يقول كل منا طالب للحيوة وعاشق لها يحبها ويحرص عليها.
٣٢فَحُبُّ الجَبانِ النَفسَ أَورَدَهُ التُقى
وَحُبُّ الشُجاعِ النَفسَ أَورَدَهُ الحَربا
الواحدي: يقول فالجبان إنما اتقى الحرب فترك القتال حبا لنفسه وخوفا على روحه والشجاع إنما ورد الحرب دفعا عن مهجته ومحاماةً على نفسه لأنه يخاف على نفسه العدو أن قعد عن الحرب أو لأنه إذا ارى من نفسه الشجاعة والغناء تحومي واتقي فكان في ذلك بقاء نفسه كما قال الحصين بن الحمام المريّ، تأخرت أستبقى الحيوة فلم أجد، لنفسي حيوةً مثل أن أتقدما، ومثله قول الخنساء، نهين النفوس وهو النفوس يوم الكريهة أبقى لها، ومثل هذا ما روى عن أبي بكر الموت توهب لك الحيوة وهذا يحتمل وجوها أحدها أن الشجاع مهيب لا يحام حوله والثاني أنه إذا استشهد صار حيا لقوله تعالي بل أحياء عند ربهم يرزقون والثالث أن ذكره يبقى بعده فيكون كأنه حيٌّ كما قال أبو تمام، ومضوا يعدون الثناء خلودا، والمعنى أن الجبان والشجاع سواء في حب النفس وإن اختلف فعلهما.
٣٣وَيَختَلِفُ الرِزقانِ وَالفِعلُ واحِدٌ
إِلى أَن يُرى إِحسانُ هَذا لِذا ذَنبا
الواحدي: يقول الإثنان يفعلان واحدا فيرزق احدهما بذلك الفعل ويحرم الثاني حتى كان احسان المرزوق ذنب للمحروم مثل ذلك أن يحضر الحرب اثنان ويغنم احدهما ويحرم الثاني فحضور الحرب احسان من الغانم ذنب للمحروم وكلاهما فعلا فعلا واحدا وكذلك يسافران فيربح أحدهما ويخسر الثاني فيعد السفر من الرابح احسانا يحمد عليه ومن الخاسر ذنبا يلام عليه وهذا كما انشده ابن الأعرابي، يخيب الفتى من حيث يرزق غيره، ويعطى المنى من حيث يحرم صاحبه، واشار بقوله هذا وذا إلى المرزوق والمحروم ولم يذكرهما إنما ذكر اختلاف الرزقين.
٣٤فَأَضحَت كَأَنَّ السورَ مِن فَوقِ بَدئِهِ
إِلى الأَرضِ قَد شَقَّ الكَواكِبَ وَالتُربا
الواحدي: أضحت القلعة يعني مرعش كان سورها يعني جدواها من فوق بدئه أي من أعلى ابتدائه قد شق الكواكب بعلوه في السماء والتراب برسوخه في الأرض وهذا كقول السموءل، لنا جبلٌ يحتله من نجيره، منيف يرد الطرف وهو دليل، رسال أصله تحت الثرى وسما به، إلى النجم فرع لا ينال طويلُ، وروى ابن جنى فأضحت كأن السور من فوق بدؤه بالرفع فيهما قال أراد من فوقه فلما حذف الهاء بناه على الرفع وعلى هذه الرواية لا يستقيم لفظ البيت ولا معناه
٣٥تَصُدُّ الرِياحُ الهوجُ عَنها مَخافَةً
وَتَفزَعُ مِنها الطَيرُ أَن تَلقُطَ الحَبّا
الواحدي: أي الرياح تقصر عن أعلاها خوفا من أن تنحسر دون الوصول إليها وكذلك الطير تخاف أن ترتقي كل ذلك الأرتقاء ويجوز أن يريد أن الرياح الهوج وهي التي لا تستوي في هبوبها لا تأتيها خوفا من تثقيف سياسته والطير حذرا من أن يجري عليها إذا التقطت الحب ما توجبه حال المتناول بغير إذنٍ وهذا هو الوجه في معنى هذا البيت عند القاضي ابن الحسن الجرجاني فإنه يقول نقله من قول الطائي، فقد بث عبد الله خوف انتقامه، على الليل حتى ما تدب عقاربه.
٣٦وَتَردي الجِيادُ الجُردُ فَوقَ جِبالِها
وَقَد نَدَفَ الصِنَّبرُ في طُرقِها العُطبا
الواحدي: تردى من الرديان وهو ضرب من العدو والصنبر السحاب البارد وهو أيضا أسم أحد أيام العجوز والعطب القطن يقول خيلك تعود فوق جبال هذه القلعة وقد امتلأت طرقها بالثلوج التي كأنها قطن ندفه فيها السحاب وأيام العجوز.
٣٧كَفى عَجَباً أَن يَعجَبَ الناسُ أَنَّهُ
بَنى مَرعَشاً تَبّاً لِآرائِهِم تَبّا
الواحدي: يقول كفى من العجب تعجب الناس من بنائه هذه القلعة وتبا لآرائهم حين لم يعلموا أنه يقدر على ما يقصده فكيف يتعجبون من قادرٍ يبلغ مقدوره.
٣٨وَما الفَرقُ ما بَينَ الأَنامِ وَبَينَهُ
إِذا حَذِرَ المَحذورَ وَاِستَصعَبَ الصَعبا
الواحدي: يقول أي فرقٍ بينه وبين غيره إذا خاف ما يخاف غيره وصعب عليه ما يصعب على غيره يعني أنه يتميز من الأنام بأنه لا يخاف شيئا ولا يتعذر عليه أمرٌ.
٣٩وَجَيشٌ يُثَنّي كُلَّ طَودٍ كَأَنَّهُ
خَريقُ رِياحٍ واجَهَت غُصُناً رَطبا
الواحدي: وجيش إذا مروا بجبل شقوه لكثرتهم بنصفين فجعلوه اثنين يسمع حسيسهما كالريح إذا مرت بأغصانٍ رطبةٍ والخريق الريح الشديدة ومنه قول الشاعر، كأن هويها خفقان ريحٍ، خريقٍ بين أعلامٍ طوالِ،
العكبري: الْإِعْرَاب وجيش عطف على قَوْله كريم وَالضَّمِير فى كَأَنَّهُ عَائِد إِلَى الْجَيْش الْغَرِيب الخريق الرّيح الشَّدِيدَة وَقيل هى اللينة وهى من الأضداد والطود الْجَبَل الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْجَيْش يكَاد يشق الطود وَهُوَ الْجَبَل الْعَظِيم نِصْفَيْنِ لكثرته تسمع صَوته كَالرِّيحِ الشَّدِيدَة إِذا مرت بأغصان رطبَة وَهُوَ من قَول الشَّاعِر (كأنَّ هُبُوبَها خَفَقانُ رِيحٍ ... خَرِيقٍ بينَ أعْلامٍ طِوَالِ)
٤٠كَأَنَّ نُجومَ اللَيلِ خافَت مُغارَهُ
فَمَدَّت عَلَيها مِن عَجاجَتِهِ حُجبا
الواحدي: يقول عجاج خيله حجب السماء حتى لم يبد النجم فكأن النجوم خافت غارته فاستترت بالعجاج حتى لا يراها.
العكبري: الْمَعْنى يَقُول عجاجة هَذَا الْجَيْش حجبت نُجُوم السَّمَاء فَكَأَن النُّجُوم خَافت مغاره فاستترت بالعجاج عَنهُ حَتَّى لَا يَرَاهَا وَهُوَ // معنى حسن // أَخذه الحيص بيص بقوله (نَفَى واضحَ التَّشرِيق عَن أرْض رَبْعه ... دُخانُ قُدُورٍ أَو عَجاجَةُ مُصْدِمِ) ومُغاره إغارته وَقَوله حجبا جمع حجاب ككتاب وَكتب وشهاب وشهب
٤١فَمَن كانَ يُرضي اللُؤمَ وَالكُفرَ مُلكُهُ
فَهَذا الَّذي يُرضي المَكارِمَ وَالرَبّا
الواحدي: يقول ن كان يرضى لئيما كافرا في ملكه فهذا كريم مؤمن يرضى المكارم بجوده والله تعالى بجهاده في سبيله. وأهدى إليه سيف الدولة هدية فيها ثياب روميةٌ ورمح وفرس معها مهرها وكان المهر أحسن
العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدى يعْنى من كَانَ لئيما كَافِرًا فى ملكه فَهَذَا كريم مُؤمن يرضى المكارم بجوده وَالله تَعَالَى بجهاده فى سَبيله وَقَالَ الشريف ابْن الشجرى فى أَمَالِيهِ الْإِشَارَة فى هَذَا إِلَى الْملك لَا إِلَى الممدوح لأمرين أَحدهمَا أَنه لَو أَرَادَ الممدوح لقَالَ فَأَنت الذى ترْضى لِأَن الْخطاب فى مثل هَذَا أمدح وَالْآخر أَنه أَشَارَ إِلَى الْملك فَجعل الإرضاء لَهُ لِأَن الإرضاء الأول مُسْند إِلَى الْملك فَوَجَبَ أَن يكون الإرضاء الثانى كَذَلِك لِأَن وَجه الْإِشَارَة إِلَيْهِ لِأَن قَوْله ملكه قد دلّ عَلَيْهِ كَمَا تَوَجَّهت الْإِشَارَة فى الضَّمِير إِلَى الصَّبْر من قَوْله ﴿وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك﴾ لدلَالَة صَبر عَلَيْهِ وكما عَاد الضَّمِير إِلَى الْملك من قَول القطامى (همُ المُلوكُ وَأَبْنَاء المُلوك هُم ... والآخِذونَ بِهِ والسَّاسَةُ الأُوَلُ) قَالَ وَكَانَ الْوَجْه لأبى الطّيب أَن يَقُول فى الْمُقَابلَة يرضى المكارم وَالْإِيمَان ليقابل بِالْإِيمَان الْكفْر كَمَا قَابل بالمكارم اللؤم وَلَكِن لما اضطرته القافية وضع لَفْظَة الرب مَوضِع الْإِيمَان فَكَانَ ذَلِك فى غَايَة الْحسن لِأَن المُرَاد فى الْحَقِيقَة إرضاء أَهله وإرضاء أَهله تَابع لإرضاء الله تَعَالَى
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.