تجاوز إلى المحتوى

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ)

السرقات الشعرية

قد أنصفناك في الاستيفاءلك، والتبليغ عنك، ولسنا نُنكِر كثيراً مما قلتَه، ولا نردّ اليسير مما ادّعيته، غير أن لخصمك حُجَجاً تُقابل حُجَجك، ومقالاً لا يقصّر عن مقالك. وزعم خصمُك أنك وأصحابك وكثيراً منكم لا يعرف من السَّرَق إلا اسمَه، فإن تجاوزه حصل على ظاهره، ووقف عند أوائله؛ فإن استُثبتَ فيه، وكُشِف عنه، وُجد عارياً من معرفة واضحهِ، فضلاً عن غامضه، وبعيداً من جليه، قبل الوصول الى مُشكله؛ وهذا باب لا ينهض به إلا الناقد البصير، والعالم المبرِّز. وليس كل من تعرّض له أدركه استوفاه واستكمله. ولستَ تعدّ من جهابذة الكلام، ونُقّاد الشعر، حتى تميّز بين أصنافه وأقسامِه، وتحيط علماً برُتَبه ومنازله، فتفصل بين السرق والغصْب، وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرِق بين المشترك الذي لا يجوز ادّعاء السّرَق فيه، والمبتذل الذي ليس أحدٌ أولى به، وبين المختصّ الذي حازه المبتدئ فملكه، وأحياه السابق فاقتطعه، فصار المعتدي مُختلساً سارقاً، والمشارِك له محتذياً تابعاً، وتعرف اللفظ الذي يجوز أن يقال فيه: أُخذ ونقل، والكلمة التي يصح أن يقال فيها: هي لفلان دون فلان.

فمتى نظرت فرأيت أن تشبيه الحسَن بالشمس والبدر، والجواد بالغيث والبحر، والبليد البطيء بالحجر والحمار، والشجاع الماضي بالسيف والنار، والصبّ المستهام بالمخبول في حيرته، والسليم في سَهره، والسقيم في أنينه وتألّمه، أمور متقررة في النفوس، متصورة في العقول، يشتركُ فيها الناطق والأبكم، والفصيح والأعجم،

والشعر والمفحَم، حكمتَ بأن السرقة عنها مُنتَفية، والأخذ بالاتباع مستحيل ممتنع، وفصلتَ بين ما يشبه هذا ويباينُه، وما يلحق به وما يتميز عنه، ثم اعتبرت ما يصح فيه الاختراع والابتداع؛ فوجدتَ منه مستفيضاً مُتداوَلاً متناقلاً لا يعدّ في عصرنا مسروقاً، ولا يُحسَب مأخوذاً، وإن كان الأصل فيه لمن انفرد به، وأوّله للذي سبق إليه؛ كتشبيه الطّلل المُحيل بالخطّ الدارس وبالبُرد النّهج والوشْم في المِعصم، والظُعُنِ المتحمّلة بالنّخل، وعلائقها بأعذاق البُسْر، والفحل بالفَدَن المَشيد، والظّليم المهيج بأحقَب يسوقُ أُتنه، وكوصف الحمول ومَوران الآلِ بها، وذم الغراب، والصُرَد، والسانح، والبارح، وسؤال المنزل عن أهله، والتفجّع لمن استبدل بعد ساكنه، ولومِ النفس على بُكاء الدار، واستعطاف العقل واستبطاء الصبر، وتحسينه تارة وتقبيحه أخرى، وتشبيه الفرس باللّقوَة، والظّبي بشهاب قُذُف، والعقاب بالدّلو التي خانها الرّشاء، وكوصف الغيثِ بالعموم والتطبيق، واقتِلاع الدوح، وتفريق الوحش، وتشبيه دفْعه بعَطّ المَزاد، وحلّ العزالي

ووصف البرق بخطْف الأبصار، وسرعة اللّمح، وأنه كالقَبَس من النار، وكالحريق المتضرّم، وكمصباح الراهب.

ولم أرد هذه بأعيانها دون غيره، ولم أوردها إلا دلائل على أمثالها؛ فإذا اعتبرتَها تصنّفت لك صنفين: إما مشترك عامّ الشّركة، لا ينفرد أحد منه بسَهم لا يُساهَم عليه، ولا يختص بقسم لا يُنازَع فيه؛ فإن حُسن الشمس والقمر، ومضاء السيف، وبلادة الحمار، وجوْد الغيث، وحيرة المخبول، ونحو ذلك مقرر في البداية، وهو مركّب في النّفس تركيبَ الخِلقة. وصنْفٌ سبق المتقدّم إليه ففاز به، ثم تدوول بعده فكثُر واستُعمل؛ فصار كالأول في الجلاء والاستشهاد، والاستفاضة على ألسُن الشعراء، فحمى نفسه عن السَّرق، وأزال عن صاحبه مذمّة الأخذ، كما يُشاهد ذلك في تمثل الطّلل بالكتاب والبُرد، والفتاة بالغزال في جيدها وعينيها، والمَهاة في حُسنها وصفائها. ومتى شئتَ أن ترى ما وصفتُه عِياناً، وتعلمه يقيناً فاعترض أوّل عامي غُفْل تستقبله، وأعجمي جِلف تلقاه، ثم سلْه عن البرق فإنه يؤدي الى معنى قول عنترة:

ألا يا ما لذا البرْقِ اليَمانييُضيءُ كأنّه مِصباحُ بانِ

وإن لم يذكر لك البان لجهله بعادة العرب في الاستصباح به، ولأنه لم يعرف منه ما عرفه عنترة، ومعنى امرئ القيس في قوله:

يُضيءُ سناه أو مصابيحُ راهبٍأمالَ السّليطَ بالذُبال المفتّل

وهيهات أن يعرضَ لك الأديب الفطِن لقول عامر الثقفي:

كأن ريِّقه لما علا سَبطاًأقرابُ أبلق ينفي الخيلَ رمّاح

وقول آخر:

وترى البرقَ عارضاً مُستطيراًمرَح البُلق جُلنَ في الأجلال
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ما عناك الغداة من أطلال»

إلا عن روية كثيرة، أو فكر طويل، ولو سمعتَ قائلاً يقول إن فلاناً الشاعر أخذ عن فلان قوله: لا مرحباً بالشيب، وحبّذا الشباب! وكيف لو عاد، ويا أسفي لفراق الأحبة! وما لذذت العيش بعدهم، وفاضت عيني صبابةً لذِكرهم. لحكمت بجهله، ولم تشك في غفلته. وقد يكون في هذا الباب ما تتّسعُ له أمة، وتضيق عنه أخرى، ويسبق إليه قوم دون قوم؛ لعادة أو عهد، أو مشاهدة أو مِراس؛ كتشبيه العرب الفتاة الحسناء بتريكة النّعامة، ولعل في الأمم من لم يرَها؛ وحمرةَ الخدود بالورد والتفاح؛ وكثيرٌ من الأعراب لم يعرفهما؛ وكأوصاف الفلاة، وفي الناس من لم يُصْحِر؛ وسيرَ الإبل؛ وكثير منهم لم يركب.

وقد يتفاضل متنازعو هذه المعاني بحسب مراتبهم من العلم بصنعة الشعر؛ فتشترك الجماعة في الشيء المتداوَل، وينفردُ أحدهم بلفظة تُستعذب، أو ترتيب يُستحسَن، أو تأكد يوضع موضعه، أو زيادة اهتدى لها دون غيره؛ فيريك المشترَك المبتذل في صورة المبتدَع المخترع، كما قال لبيد:

وجَلا السّيولُ عن الطّلولِ كأنهازبُرٌ تجِدّ متونَها أقلامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

فأدى إليك المعنى الذي تداولته الشعراء، قال امرؤ القيس:

لمَن طللٌ أبصرتُه فشجانيكخطّ زَبورٍ في عسيبِ يماني
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لمن طلل أبصرته فشجاني»

وقال حاتم:

أتعرِفُ أطلالاً ونؤياً مهدّماكخطّك في رقٍّ كتاباً مُنَمنَما
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتعرف أطلالاَ ونؤيا مهدم»

وقال الهذلي:

عرفتُ الديار كرسْم الكتابِ يزْبُره الكاتب الحِميَري

وأمثال ذلك مما لا يحصى كثرة، ولا يخفى شُهرة، وبين بيت لبيد وبينهما ما تراه من الفضل، وله عليه ما تشاهد من الزيادة والشِّف. ولم تزَل العامّة والخاصة تشبّه الوردَ بالخدود، والخدود بالورد، نثراً ونظماً، وتقول فيه الشعراء فتُكثِر، وهو من الباب الذي لا يمكن ادّعاء السّرقة فيه إلا بتناول زيادة تُضمّ إليه، أو معنى يُشفَع به، كقول علي بن الجهم:

عشيةَ حيّاني بوردٍ كأنهخدودٌ أُضيفت بعضُهن الى بعض
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

فأضاف بعضهم الى بعض له، وإن أُخذ فمنه يُؤخذ، وإليه ينسب. وكقول ابن المعتز:

بياضٌ في جوانبه احمرارٌكما احمرّت من الخجل الخدودُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أَتاك الورد محبوباً مصوناً»

والخَجِل إنما يحمر وجنتاه، فأما منبت الأصداغ ومخطّ العِذار فقليلاً ما يحمران؛ فهذا التمييز مسلّم له، وإن لم يكن يسبق إليه، ولو اتفق له أن يقول: حمرة في جوانبها بياض، لكان قد طبّق المفصِل، وأصاب الغرَض، ووافق شبَه الخجل؛ لكن أراد أن البياض والحمرة يجتمعان، فجعل الاحمرار في جوانب البياض، فراغ عن موقع التشبيه. ثم قال أبو سعيد المخزومي:

والوردُ فيه كأنما أوراقُهنزِعت وردّ مكانهن خدود
للشاعر أبو سعد المخزومي، اقرأ القصيدة

فلم يزد على ذلك التشبيه المجرّد، لكنه كساه هذا اللفظَ الرشيق، فصرت إذا قستَه الى غيره وجدتَ المعنى واحداً، ثم أحسست في نفسك عنده هِزّة، ووجدت طرْبَة تعلم لها أنه انفردَ بفضيلة لم يُنازع فيها.

ومتى جاءت السرقةُ هذا المجيء، لم تعدّ مع المعايب، ولم تُحْص في جملة المثالب وكان صاحبها بالتفضيل أحق، وبالمدح والتزكية أولى. ومن ذا يشكّ في فضل امرئ القيس يشبّه الناقة في سرعتها بتَيس الظباء في عدوه بقوله:

أو تيس أظبٍ ببطن واديعدو وقد أُفرِد الغزالُ

على كل ما قيل فيه، والمعنى واحد؛ لكن امرأ القيس زاد في إفراد الغزال، وهذه زيادة حسنة؛ لأنه إذا أُفرد اجتمع للتيس الخوف والوَلَه؛ فكان أشدّ لعدْوه، وإن امرأ القيس زاد في قوله يصف الطعنة:

كجيْبِ الدِّفْنِس الوَرْهاءَ ريْعَت وهي تستَفْلي
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «وقد أختلس الطعنة»

على كل من شبّها بجيْب الحمقاء، وجيب الفتاة، لأنها إذا ريعَت وهي تستفلي عجلت عن الرّفق. وقال أوس بن حجَر:

وفي صدرِه مثلُ جيب الفتاة تشهق حيناً وحيناً تهِرّْ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «غني تآوى بأولادها»

فزاد بالتقسيم الجاري على الشهيق والهَرير، ولكن زيادة الأول أحسن وأغمَض مأخذاً، وأوقع تشبيهاً، فأما الفِنْد فإنه أورد البيت على حاله: واضطرته القافية الى ترك الزيادة التي ذكرناها؛ فقال:

كجيْبِ الدفْنِس الورْهاء ريعَت بعد إجفالِ
للشاعر الفند الزماني، من قصيدة «تقيم المأتم الأعلى»

ومتى سمعت قول أبي دهْبل الجُمَحي:

وكيف أنساك! لا أيديك واحدةعندي ولا بالذي أوْلَيت من قِدَم
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة

علمتَ أنه من قول النابغة:

أبى غفلتي أني إذا ما ذكرتُهتقطّع حزنٌ في حشى الجوف داخِل
وأنّ تلادي إنْ نظَرت وشِكّتيومُهْري وما ضمّت إليّ الأناملُ
حِباؤُك والعيسُ العِتاقُ كأنهاهِجان المها تُرْدى عليها الرحائل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «دعاك الهوى واستجهلتك المنازل»

فإذا أنصفت أبا دهبل عرفت فضلَه، وشهدتَ له بالإحسان؛ لأنه جمع هذا الكلام الطويل: في ولا أيديك واحدة عندي. ثم أضاف إليه ولا بالذي أوليت من قدَم. فتم المعنى، وأكده أحسن تأكيد؛ لأن الأمور العظيمة قد تُنسي إذا طال أمدُها، وتقادَم عهدُها؛ فنفى عنه وجوه النسيان كلها، وقد اختصر

النابغة أبياته هذه في بيتٍ من كلمة أخرى؛ فقال:

وما أغفلتُ شكرَك فانتصحنيفكيف ومن عطائِك جلُّ مالي

فأحسن وزاد على أبي دهبل بأن جعل كُلّ ماله من عطائه. واقتصر أبو دهبل على تتابع الأيادي، وقد تصْغُر وقد تكثُر، لكنه انفرد بالمصراع الثاني، فحصل له زيادة لا تقصر عن معنى منفرد.

وما أبعد ما وقع العطَوي من أبي دهبَل؛ إذ أخذ قولابن مُناذر قال الأصمعي: ابن مَناذر جمع مُنذر. قال القاضي؛ وهو أعرف به لأنه بصري؛ فقال:

تراضَيْنا بحكمِ الله فينالنا أدبٌ وللثّقَفيّ مالُ
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «تراضينا بحكم الله فينا»

ففرّقه في أربعة أبيات، بيتُ ابن مناذر خيرٌ من جميعها؛ فقال:

رضينا بحُكمِ الله بين عبادهرِضا عُلَماء لا تسخُّط جُهّال
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
لئن خصّ قوماً بالنباهة والغِنىوألبسَنا ثوبَيْ خمول وإقلالِ
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
لقد جاء بالعِلم النفيس الذي بهرُشِدْنا فلم نلبس ملابسَ ضُلاّلِ
فلو سُمتَنا لم نُعطِ علماً بثروةولم نرَ للتمييز كُفْواً منَالمالِ
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة

وما ضرّ قول المتنبي:

فاستعارَ الحديدُ لوناً وألقىلونَه في ذوائبِ الأطفالِ

وإن كان مأخوذاً من قول العامة: هذا أمر يشيب الطفل. وكانتِ الشعراء قد تداولتْه وابتذلته حتى أخلق ورثّ، وقد زاد فيه الزيادة المليحة، وإنما العيبُ على أبي

الجويرية. العبدي إذ أخذ قول نُصَيب، فقال:

قفوا خبروني عن سليمان إننيلمعروفه من أهل وَدّانَ طالبُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»
فعاجُوا فأثْنَوا بالذي أنت أهلُهولو سكتوا أثنت عليكَ الحقائبُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»

فنقل معناه وكثيراً من ألفاظه، ثم يقعُ من إحسانه أحسن موقع فيقول:

أقول لقافلين يُرى عليهمْعطايا منك ليس لها حِساب
قِفوا أُخبرْكمُ وتُخبّرونيقليلاً واسّرابُ له اختِباب
لأفصِحَهم وما كفروك حُسْناولو فعلوا لكذّبه العِياب

وقد أخذ أبو الجُوَيرية بيتي الخنساء أحسن مأخذ، وجمعهما في بيت استوفى فيه معنييهما. قال الخنساء:

وما بلَغت كفُّ امرئٍ متناولمن المجد إلا والذي فيك أطوَلُ
وما بلغ المُهدون نحوك مِدحَةوإن أطنَبوا إلا وما فيك أفضلُ

فقال أبو الجُويرية:

يزيد على سرْوِالرجال بسرْوِهويقصر عنه قولُ مَنْ يتمدّح

وعلى من يأخذ قول أبي العطاء:

جلّتْ رزيّتُه فعمّ مُصابهافالناسُ فيه كلّهم مأجور

فيقول:

ولقد أصاب غليلُها مَنْ لم يُصَبوتصيّرَت فقْداً لمن لم يفْقِد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا دهر قدك وقلما يغني قدي»

وبين الكلامين في صحّة النظم وعذوبة المنطق ما تراه. ثم قد كرر المعنى في المصراعين، ولم يزد على قول أبي العطاء: فعم مصابه، وبقية البيت فضل. ومن يأخذ قول ساعدة بن جؤية:

للمشرفيّة وقعٌ في قِلالِهمنخْتَ القُيون رِطاب الأثْل بالقُدُم

فيقول:

للمشرفيّة وقعٌ في قِلالهموقْع القَدوم بكفّ القيْن في الخشبِ

فيبدل تلك الألفاظ، والبيت نقلاً ونسخاً على هيئته لما كان هذا المعنى يُعدّ مسروقاً؛ لأنه من المبتذَل العامي المشاهَد في كل حال.

ومتى أحكمتَ هذا الباب حقّ الإحكام، وأوليتَه حسنَ التمييز فقد ألقيت عن نفسك ثقلاً، وكفيتها مؤونة، ولم يبقَ عليك إلا أن تحترس من التفريط، كما احترستَ من الإفراط. فلا تكن كمن يرى السّرَق لا يتمّ إلا باجتماع اللفظ والمعنى، ونقْل البيت جملة، والمصراع تامّاً؛ بل لا يعرِفُ السارق إلا من يفعل فِعل عبد الله بن الزبير بأبيات معن بن أوس. حكى أبو عبيدة وغيره أن عبد الله بن الزبير دخل على معاوية فأنشده لنفسه:

إذا أنت لم تُنصِف أخاك وجدتَهعلى طرَفِ الهِجران إن كان يعقِل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
ويركبُ حدّ السيفِ من أن تَضيمهإذا لم يكن عن شفرَةِ السيفِ مزحَلُ
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

فقال له معاوية: لقد شعرت بعدي يا أبا بكر! ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معنُ بن أوس المزني، فأنشده كلمته التي أولها:

لعمرُك ما أدري وإني لأوجَلُعلى أيِّنا تعْدو المنيةُ أولُ
للشاعر محمد عثمان جلال، اقرأ القصيدة

حتى أتى عليها، وهذه الأبيات فيها. فأقبل معاوية على عبد الله بن الزبير فقال: ألم تخبرني أنها لك؟ فقال: المعنى لي واللفظ له؛ وبعدُ فهو أخي من الرضاع وأنا أحق الناس بشعره.

وكفعل جرير بقول سُويد بن كراع العُكلي:

وما بات قومٌ ضامِنينَ لنا دماًفنوفيها إلا دماءٌ شوافِعُ
للشاعر جرير، من قصيدة «ذكرت وصال البيض والشيب شائع»

فإنه نقل البيتَ الى قصيدة له، فلما أنشدها نبه عليه عمر بن نجاء التيمي، وكان أحد الأسباب التي هاجت الشر بينهما.

وفِعل الفرزدق إذ سمع جميلاً ينشد:

ترى الناسَ ما سِرْنا يسيرون خلْفناوإن نحنُ أومأنا الى الناس وقّفوا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ومنا الذي لا ينطق الناس عنده»

فقال: أنا أحق بهذا البيت، فأخذه غصباً. وكما ادعى دِعبِل على أبي تمام في كلمته الرائية، التي رثى بها محمد بن حميد؛ فإنه زعم أن أبا مكنف المُزني، من ولد زهير بن أبي سلمى رثى ذُفافة العبْسي، فقال:

أبعد أبي العباس يُستعتب الدهرُوما بعده للدهرِ عُتبى ولا عُذر
للشاعر مكنف بن نميلة المزني، اقرأ القصيدة
ألا أيها الناعي ذُفافةَ والنّدىتعِستَ وشلّت من أناملِك العشْر
إذا ما أبو العباس خلّى مكانهفما حملَت أنثى ولا مسّها طُهر
للشاعر مكنف بن نميلة المزني، اقرأ القصيدة
ولا مطَرت أرضاً سماءٌ ولا جرَتنجومٌ ولا لذّت لشاربها الخمرُ
كأنّ بني القَعْقاع بعد وفاتِهنجومُ سماء خرّ من بينها البدرُ
توفّيت الآمال بعد ذُفافةٍوأصبح في شُغلٍ عن السّفر السّفْر
للشاعر مكنف بن نميلة المزني، اقرأ القصيدة
يعزَّوْن عن ثاوٍ تعزّى به العُلاويبكي عليه البأسُ والمجدُ والشعرُ
وما كان إلا مالَ من قلّ مالُهوذخراً لمن أمسى وليس له ذُخر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»

فأخذ أبو تمام أكثر هذه القصيدة وجعل مكان بني القعقاع بني نبهان وأبدل باسم ذُفافة محمداً.

أو كما فعل أبو نُخيْلة بأرجوزة العجّاج: زعم أبو عبيدة عن أبي الخطاب أن أبا نُخيلة قال: وفدتُ على مسلمة بن عبد الملك وقد مدحته فأكرمني وأنزلني، ثم قال لي: ما لكَ والقصيد وأنتَ من بني سعد! عليك بالرجز! فقلت: أولستُ بأرجز العرب؟ فقال: أسمعني، فأنشدته:

يا صاحِ ما شاقَك من رسْم خالِودمنةٍ تعرفُها وأطلالِ

وهو من قول العجّاج، فلما سمع أولها أصاخ، فلما أسهبتُ فيها قال: أمسك. فنحن أروى لهذا منك، وظننته مقتَني، فما أصبت منه خيراً.

وكما أخذ زُهير بيت أوس:

إذا أنت لم تعرِض عن الجهل والخناأصبتَ حليماً أو أصابكَ جاهلُ
للشاعر أوس بن حجر، اقرأ القصيدة

وهو مرويٌ في قصيدته. وكقول المعلوط:

إن الظائنَ يومَ حزمِ عُنيزةٍبكّيْن عند فراقهنّ عُيونا
غيّضْن من عبَراتِهنّ وقلنَ ليما لقيتَ من الهوى ولقينا
للشاعر جرير، من قصيدة «أمسيت إذ رحل الشباب حزينا»

وقال جرير:

إن الذين غدَوا بلبّك غادرواوشَلاً بعينك ما يزال مَعينا
للشاعر جرير، من قصيدة «أمسيت إذ رحل الشباب حزينا»
غيّضنَ من عبراتهنّ وقلن ليماذا لقيتَ من الهوى ولَقينا
للشاعر جرير، من قصيدة «أمسيت إذ رحل الشباب حزينا»

ولا تعدّ المعنى مأخوذاً حتى يجيء مجيء قول النابغة:

لو أنها عرضَت لأشْمَطَ راهبٍعبَد الإلهَ صَرورةٍ متعبِّدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

وقول ربيعة بن مقروم:

لو أنها عرضَتْ لأشمَط راهبٍعبَد الإلهَ صَرورةٍ متبتِّل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

وقول امرئ القيس:

كأني لم أركَب جَواداً للذّةٍولم أتبطّنْ كاعِباً ذاتَ خَلخالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»
ولم أسْبأ الزِّقَّ الرّوي ولم أقللخيْلي كُرّي كرّةً بعد إجفالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي:

كأني لم أركبْ جَواداً ولم أقللخيليكُرّي نفّسي عن رِجاليا
للشاعر عبد يغوث الحارثي، اقرأ القصيدة
ولم أسبأ الزّق الرويّ ولم أقللأيْسارِ صدْقٍ عظِّموا ضوْءَ نارِيا
للشاعر عبد يغوث الحارثي، اقرأ القصيدة

وقول النابغة:

وما كان دون الخير لو جاء سالماًأبو حجر إلا ليالٍ قلائل

وقول الحطيئة:

وما كان بيني لو لقيتُك سالماًوبين الغِنى إلا ليالٍ قلائل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «فلا زال قبر بين بثنى وجلق»

وقال مالك بن الرّيب:

العبد يُقرَع بالعصاوالحرّ يكفيه الوعيدْ
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة

وقول يزيد بن ربيعة بن مفرِّغ:

العبدُ يُقرع بالعصاوالحرّ تكفيه الملامَهْ
للشاعر خلف بن خليفة الأقطع، اقرأ القصيدة

وقال آخر بعدهما:

العبدُ يُقرع بالعصاوالحرّ تكفيه الإشارَهْ
للشاعر الصلتان الفهمي، اقرأ القصيدة

وقول ذي الرُمّة:

يطرحْن بالدّويّةِ الأمْلاسلكلّ ذئب قفرَة ولاّس

موتى العظام حيّةَ الأنفاس

وقول رؤبة:

يطرَحْن بالدّوّيّة الأغفالِكلّ جنين لفق السِّرْبال

حتى الشّهيق ميّتِ الأوصال

وقول امرئ القيس بن عابس:

قِفِ الدّيار وقوفَ حابسْوتأنّ إنك غير آيسْ
ماذا عليك من الوقوف بهامدِ الطّللين دارِسْ
للشاعر ابن عابس الكندي، اقرأ القصيدة
لعبَت بهن العاصفات الرائحات من الرّوائسْ

وقول الكميت:

قف بالديار وقوفَ زائرْوتأنّ إنك غيرُ صاغرْ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «قف بالديار وقوف زائر»
ماذا عليك من الوقوف بهامد الطّللين داثِرْ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «قف بالديار وقوف زائر»
درجت عليك الغاديات الرّائحات من الأعاصرْ

ومثل قول الأُقيْشر - إن كانت له:

جريْتُ مع الصِّبا طلْقَ العتيقِوهانَ عليّ مأثورُ الفسوقِ
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة
وجدْتُ ألذّ عاريةِ اللياليقرانَ النّغمِ بالوتَرِ الخَفوقِ
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة
ومُسمعةً إذا ما شئت غنّتمتى نزل الأحبّة بالعقيق
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة
تمتّعْ من شباب ليس يبقىوِصلْ بعُرَى الصّبوح عُرى الغَبوقِ

وقول أبي نواس:

جريتُ مع الصّبا طلْق الجُموحوهان عليّ مأثورُ القبيحِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «جريت مع الصبا طلق الجموح»
وجدْت ألذّ عاريةِ اللّياليقِران النّغمِ بالوتَرِ الفصيحِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «جريت مع الصبا طلق الجموح»
ومُسمعةً إذا ما شئتُ غنّتمتى كان الخيامُ بذي طُلوحِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «جريت مع الصبا طلق الجموح»
تمتّع من شبابٍ ليس يبقىوصل بعُرى الغبوق عُرى الصّبوح
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «جريت مع الصبا طلق الجموح»

وأنا أرتابُ بأبيات الأقيشر؛ فإنها لا تُشبه شعرَه، ولم أرها في ديوانه.

وقول الرّاعي:

فتًى يشتري حُسنَ الثناءِ بمالهإذا ما اشترى المَخزاةَ بالمال بيْهَسُ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «فتى يشتري حسن الثناء بماله»

وقال الأبيرِد:

فتى يشتري حسن الثناء بمالهإذا السّنةُ الشّهباءُ أعوزَها القطْرُ
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «فتىً يشتري حسن الثناء بماله»

وقول أبي نواس:

فتىً يشتري حسنَ الثناء بمالهويعلم أن الدائرات تدور
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»

وقول محمد بن وهْب:

هل الدّهر إلا غمرةٌ وانجلاؤهاوشيكاً ولا ضيقةٌ تتفرّج

وقول البحتري:

هل الدهرُ إلا غمرة ثم ينجَليعَماها وإلا ضيقةٌ وانفِراجُها

وقول حزْن بن جَناب المِنقريّ:

وما المرءُ إلا حيث يجعلُ نفسَهففي صالح الأخلاق نفسَك فاجعَلِ
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «ولا تجعل الأرض العريض محلها»

وقول حُريث أبو اللّحّام:

وما المرءُ إلا حيث يجعل نفسَهفأبصِر بعينيك امرأً حيث يعمد
للشاعر أبو اللحام التغلبي، اقرأ القصيدة

وقال مالك بن الريب:

يقولون لا تبعَد وهم يدفنوننيوليس مكانُ البُعد إلا مكانيا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة

وقول هُدبة بن الخشْرم:

يقولون لا تبعَد وهم يدفنوننيوليس مكان البُعد إلا ضرائحي
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

وقول العباس بن المطلب:

وما الناس بالناس الذين عهدتهمولا الدارُ بالدار التي كنت تعلمُ

وقول الفرزدق:

وما الناس بالناس الذين عهدتهمولا الدارُ بالدار التي كنت تعرفُ

وقول نافذ بن عُطارد:

وإني لأعطي المال مَن ليس سائلاًومن لم يكن يوماً ليُعطيني سُؤلي

وقول الأصلع بن قصّاب:

وإني لأعطي المال من ليس سائلاًوأُعرِض عن بادي الشّذاةِ مُليم

وقول المخضّع العبْدي:

ومن يقترف خُلقاً سوى خُلقِ نفسهيدعْه وترجِعه إليه الرّواجع

وقول الأعور الشّنّي:

ومن يقترف خُلقاً سوى خُلق نفسهيدَعْه ويغْلبه على النّفس خيمُها

وقول والبة:

يا شقيقَ النّفس من أسَدنمتَ عن ليلى ولم أكدِ
للشاعر والبة بن الحُباب الأسدي ، اقرأ القصيدة

وقول أبي نواس:

يا شَقيق النّفس من حكَمٍنمتَ عن ليلى ولم أنم
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا شقيق النفس من حكم»

وقول حاتم:

وإني لعفُّ الفقْر مشترَكُ الغِنىوتاركُ شكلٍ لا يوافقُه شكلي
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «وإنّي لَعَفُّ الفَقْرِ، مُشترَكُ الغِنى»

وقول جرير:

وإني لعفّ الفقرِ مشتركُ الغِنىسريعٌ إذا لم أرضَ داري احتماليا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي رهبى ثم حي المطاليا»

وأشبه ذلك مما جمع اتفاق الألفاظ، وتساوي المعاني، وتماثُل الأوزن.

وأول ما يلزمُك في هذا الباب ألا تُقصِر السّرقة على ما ظهر ودعا الى نفسه دون ما كمَن، ونضح عن صاحبه؛ وألا يكون همّك في تتبّع الأبيات المتشابهة، والمعاني المتناسخة طلب الألفاظ والظواهر دون الأغراض والمقاصد، ولن تُكمِل ذلك حتى تعرفَ تناسب قول لبيد:

وما المالُ والأهلونَ إلا ودائعولا بدّ يوماً أن تردّ الودائعُ
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

وقول الأفوه الأوْدي:

وإنما نِعمةُ قومٍ متعةٌوحياةُ المرءِ ثوبٌ مُستعارُ

وإن كان هذا ذكر الحياة، وذلك ذكر المال والولد، وكان أحدُهما جُعل وديعة، والآخر عارية، وتعلم أنّ قول الشاعر:

وما المرءُ إلا حيث يجعلُ نفسه

هو من قول الآخر:

فنفسَك أكرِمها فإنّك إن تهُنعليك فلن تلْقى لها الدهرَ مُكرِما
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أتعرف أطلالاَ ونؤيا مهدم»

وحتى تتأمل هذه الأبيات فتعرف انتسابَ بعضِها الى بعض، واتصال كلّ واحد منها بصاحبه، مع افتِنان مذاهبهما، واختلاف مواقعهما، كقول زهير:

وليس لمنْ لم يركب الهوْلَ بُغيةوليس لمن قد حطّه الله حاملُ

وقول حاتم:

إذا أوطنَ القومُ البيوتَ وجدتَهمعُماةً عن الأخبار خُرْقَ المكاسبِ
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ومرقبة دون السماء علوته»

وقول الآخر:

خاطرْ بنفسك كي تصيبَ غنيمةًإن القعودَ مع العيالِ قبيح
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «قالت تماضر إذ رأت مالي خوى»

وقول الآخر:

ومن يكُ مثلي ذا عيال ومُقتِراًمن المالِ يطرحْ نفسَه كلّ مطْرَحِ
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «قلت لقوم في الكنيف تروحوا»

وقال غيره - ويقال لسهم بن حنظلة:

اعْصِ العواذلَ وارمِ الليل عن عرَضبذي سبيب يُقاسي لَيلَه خَببا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «إعص العواذل وارم الليل عن عرض»
حتى تصادِفَ مالاً أو يُقالَ فتًىلاقى الذي شعَب الفِتيان فانْشعَبا
للشاعر سهم الغنوي، اقرأ القصيدة

وقول هبيرة بن عبد مناف:

إذا المرُ لم يغْشَ الكريهةَ أوشكَتْحبالُ الهوينى بالفتى أن تقطّعا

وقول أبي تمام:

ذَريني وأهوال الزمان أعانِهافأهوالُه العظمى تليها رغائبُه

وتعلم أن زهيراً جمع في قوله:

وليس لمن لم يركب الهولَ بُغية

ما بسطه هؤلاء، وأن أبا تمام زاد بأن حقق درك البُغية، وحصول المراد لا محالة؛ واقتصر زهير على التأميل؛ فلأبي تمام فضيلة التأكيد، وأن الغرض الحث على تجشّم الأهوال في الطلب، فكلما ازداد الكلامُ تأكيداً كان أبلغ. ولزهير مزيّة الصدق؛ لأن الأملَ مقرون بهذه الحال، والبغية مطلوبة؛ فأما الظفرُ الذي حكم به

أبو تمام فقد يكون، وقد يُقتَطع الطالب دونه، ويُحال بينه وبينه.

وألطف من هذا التناسب، وأغمض مأخذاً ما تجده بين هذه الأبيات إذا حذفتَ عنك اعتبار أمثلتها، وأقبلت على صريح معانيها: قال بعض العرب:

يهاب العديدَ الدُهْم من حيث لا يُرىويخشى شَذاةَ العِزّ والعزّ غائبُ

وقال أبو هفّان:

أنا السيفُ يُخشى حدّه قبل هزّهفكيف وقد هُزّ الحُسامُ المهنّدُ
للشاعر أبو هفان المهزمي، اقرأ القصيدة

وقول البحتري:

ويخشى شَذاهُ وهو غيرُ مسلّطوقد يُتوقّى السيفُ والسيفُ في الغمدِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «ضلالا لها ماذا أرادت إلى الصد»

وقول المتنبي:

تُهاب سُيوفُ الهند وهيَ حدائدُفكيف إذا كان نزاريةً عُرْبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»
ويُرهبُ نابُ الليثِ والليثُ وحدَهفكيف إذا كان الليوثُ له صَحْبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»
ويُخشى عُباب البحرِ وهو مكانهفكيف بمنْ يغْشى البلادَ إذا عبّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

معنى هذه الأبيات الثلاثة واحد، وإن اختلفت المعارض والأمثلة.

وكاختلافها واتفاق أغراضها قول الطُفيل الغنَوي:

نجومُ سماءٍ كلّما انقضّ كوكبٌبدا وانجلَت عنه الدُجنّة كوكبُ

وقول أبي الطّمَحان القيْني:

نجوم سماء كلّما غارَ كوكبٌبدا كوكبٌ تأوي إليه كواكِبُه
للشاعر لقيط بن زرارة، اقرأ القصيدة

وقال أوس:

إذا مُقرَم منّا ذَرا حدُّ نابهتخمّط منا نابُ آخرَ مُقرَم

وقال الخُرَيمي:

إذا قمرٌ منا تغوّر أو خَبابدا قمرٌ في جانب الأفْق يلمعُ

وقال أبو تمام:

رأيتهُم ريشَ الجناح إذا مضتقوادمُ منه بشّرت بقوادِم

وحتى لا يغرَّك من البيتين المتشابهين أن يكون أحدُهما نسيباً، والآخر مديحاً، وأن يكون هذا هجاءً، وذاك افتخاراً؛ فإن الشاعر الحاذق إذا علِق المعنى المختَلس عدَل به عن نوعه وصِنفه وعن وزنه ونظمه، وعن روّيه وقافيته، فإذا مرّ بالغبيّ الغُفْل وجدهما أجنبيين متباعدين، وإذا تأملهما الفَطِن الذكي عرف قرابةَ ما بينهما، والوصْلَة التي تجمعهما، قال كثيّر:

أريد لأنْسى ذكرَها فكأنماتمثّلُ لي ليلي بكلّ سبيل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألا حييا ليلى أجد رحيلي»

وقال أبو نواس:

ملك تصوّر في القلوب مثالُهفكأنه لم يخْلُ منه مكان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حي الديار إذ الزمان زمان»

فلم يشكّ عالمٌ في أن أحدهما من الآخر، وإن كان الأول نسيباً والثاني مديحاً.

وقال أبو نواس:

خُليتَ والحُسن تأخذهتنتقي منه وتنتَخِب
فاكْتسَتْ منه طرائفَهواستزادت فضلَ

وقال عبد الله بن مُصعَب:

كأنك جئت مُحتكِماً عليهمتخيّرُ في الأبوّة ما تشاءُ
للشاعر مصعب بن عبد الله الزبيري، اقرأ القصيدة

فأحدُ البيتين هو الآخر في المعنى، وإن كان أحدُهما يتخيّر الحسن والآخر الأبوة، وإنما هما من قول بشار:

خُلِقْتُ على ما فيّ غيرَ مخيّرٍهواي ولو خيِّرتُ كنتُ المهذّبا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليلي قوما فاعذرا أو تعتبا»

ثم تناوله أبو تمام، فأخفاه فقال:

ولو صورتَ نفسكَ لم تزِدْهاعلى ما فيك من كرَمِ الطِّباعِ

وقد أخذ أبو نواس قول جرير:

بعثن الهوَى ثم ارتمَيْن قُلوبَنابأسهُم أعداءٍ وهنّ صديقُ

فقال:

إذا امتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشّفتْله عن عدوٍّ في ثيابِ صديقِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيا رب وجه في التراب عتيق»

وأخذ أيضاً قول أبي خِراش الهُذَلي:

ولم أدرِ من ألقى عليه رِداءَهعلى أنه قد سُلّ من ماجدٍ محْض
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «ولم أدر من ألقى عليه ردائه»

فقال - يصف شَرْباً:

ولم أدرِ منه غير ما شهدت بهبشرقيّ ساباط الدّيار البَسابِس

فلم يخْفَ موضع لأخذ؛ وإن كان قد نقل الغزَل الى الزّهد، والمرثيّة الى المنادمة.

ومن لطيف السّرَق ما جاء به على وجه القلب، وقصد به النقض، كقول المتنبي:

أأحبّه وأحبّ فيه ملامةًإنّ الملامةَ فيه من أعدائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

إنما نقض قول أبي الشُيص:

أجد الملامةَ في هواكِ لذيذةًحبّاً لذكرِكِ فليَلُمْني اللّوَّمُ
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «كان التنقل في الغرام يلذ لي»

وأصله لأبي نواس في قوله:

إذا غاديتني بصَبوح عذلٍفممزوجاً بتسميةِ الحبيبِ
فإني لا أعُدَّ اللوم فيهعليكِ إذا فعلتِ من الذّنوب

وقول المتنبي:

والجِراحاتُ عندَه نغَماتٌسبقَتْ قبل سَيْبه بسؤالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

إنما ناقض به أبا تمام في قوله:

ونغمةُ مُعتفٍ جدْواه أحلىعلى أذنَيْه من نغمِ السَّماعِ

وقد تبعه البحتري؛ فقال:

نشْوان يطربُ للسؤال كأنماغنّاه مالك طيئ أو معبَد
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا يوم عرج بل وراءك يا غد»

وقول المتنبي:

أنت نقيضُ اسمِه إذا اختلفَتْقواضِبُ البيض والقَنا الذُبُل

إنما هو نقيض قول أبي نواس:

عباسُ عباسٌ إذا احْتدَم الوغىوالفضلُ فضلٌ والرّبيعُ ربيعُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ساد الملوك ثلاثة ما منهم»

وقول ابن أبي طاهر:

يشترك العالَمُ في ذمّهلكنني أمدحه وحْدي
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

إنما هو عكس قول أبي تمام:

كريمٌ متى أمدحْه أمدحْه والورىمعي وإذا ما لمتُه لمتُه وحْدي
للشاعر العُشاري، اقرأ القصيدة

وهذا بابٌ يحتاج الى إنعام الفِكر، وشدّةِ البحث، وحسن النظر، والتحرّز من الإقدام قبل التبيّن، والحكم إلا بعد الثقة. وقد يغمُض حتى يخفى، وقد يذهب منه الواضح الجلي على من لم يكن مرتاضاً بالصناعة، متدرّبا بالنقد؛ وقد تحمِل العصبيةُ فيه العالِمَ على دفع العِيان، وجحْدِ المشاهدة، فلا يزيد على التعرّض للفضيحة، والاشتهار بالجَوْر والتحامل!

النص من طبعة عيسى البابي الحلبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف شرح المحققين وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.