تجاوز إلى المحتوى

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ)

ادعاء السرقة في شعر البحتري وأبي نواس وأبي تمام

ومتى طالعتَ ما أخرجه أحمد بن أبي طاهر وأحمد بن عمار من سرقات أبي تمام، وتتبّعه بِشْر بن يحيى على البُحتري، ومهلهل بن يموت على أبي نواس عرف قُبح آثار الهَوى، وازداد الإنصاف في عينك حسناً. زعم مهلهل أن قول أبي نواس:

إليك أبا العبّاس من بين من مشىعليها امتطينا الحضرَميّ المُلَسَّنا

مأخوذ من قول كثيّر:

لهم أزُرٌ حُمرُ الحواشي يَطَوْنَهابأقْدامهم في الحضرميّ الملسَّنِ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أأطلال دار من سعاد بيلبن»

والحضرمي الملسّن أشهر عند العرب من أن يُفتَقر فيه الى قول كثير أو غيره، وإنما هو صنف من نِعالهم كان مستحسناً عندهم، فما في ذِكر أبي نواس له من السرقة المعروفة شيء، ثم لو ذكر بعض شعرائنا اليماني المخصّر والكنانيّ المُطبّق، ثم وجدنا في شعر غيره، أكنّا نقول: إنه مأخوذ منه؟ أو كنا نعدّه سرقة؟ وليس بين البيتين اتّصال ولا تناسب إلا في هذه اللفظة؛ لأن كثيراً مدح قوماً فوصفهم بالمَرح والنعمة والخُيَلاء، وذكر سُبوغَ أزُرِهم، وأنهم يطئونها بنعالهم الحضْرمية المُلسّنة هَواناً بها، وقصد أبو نواس معنًى آخر فذكر أنه قصَد ممدوحه ماشياً

وامتطى نعله الحضرمية الملسّنة؛ فما أرى بينها غيرَ ما ذكرت. وزعم أن قول أبي نواس:

نعزّي أميرَ المؤمنين محمداًعلى خير ميْتٍ غيّبته المقابرُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «نعزي أمير المؤمنين محمدا»
وإنّ أميرَ المؤمنين محمداًلَرابِطُ جأش للخُطوب وصابرُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «نعزي أمير المؤمنين محمدا»

من قول موسى شهَوات:

بكتِ المنابرُ يوم مات وإنماأبكى المنابرَ فقدُ فارسهنّه
للشاعر يحيى بن أبي حفصة، اقرأ القصيدة
لما علاهنّ الوليدُ خليفةًقلن: ابنُه ونظيرُه فسكنّه
للشاعر يحيى بن أبي حفصة، اقرأ القصيدة

وهذا أعجبُ من الأول؛ لأنهما لم يتشابها في لفظ ولا معنى، وأكثر ما فيها أن كل واحد منهما عزّى خليفة عن أبيه ومدَحه، فإن كان هذا سرقة فالكلامُ كله سرقة؛ وإنما الذي يقاربُ قولَ موسى قول محمد بن عبد الملك يرثي المعتصم ويمدح الواثق:

لن يجبرَ الله أمةً فقدتْمثلَك إلا بمثلِ هارون
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة

لأنه جعل انجبارَ الأمة بعد الوهن الشديد بهارون كسُكون المنابر بالوليد بعد البُكاء على أبيه؛ وهذا أخذٌ لطيف. وقد زعم أن قوله:

حبا رياب جَلهَتي ملحوبِفالقُطبيّات الى الذَّنوب

من قول عبيد:

أقْفرَ من أهْله ملحوبفالقُطبيّاتُ فالذَّنوبُ
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «أقفر من أهله ملحوب»

وهذه أسماءُ مواضع لا معنى للسّرقة فيها، ولو كان الجمع بينها سرقة لكان إفرادها كذلك، فكان يحرم على الشاعر أن يذكرَ شيئاً من بلاد العرب. وأن قوله في الخمر:

أتت دونها الأيامُ حتى كأنهاتساقُط نور من فُتوق سماء
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وكأس كمصباح السماء شربتها»

من قول جرير:

يجري السِّواك على أغرَّ كأنهبرَدٌ تحدّر من مُتونِ غَمامِ

ولست أرى شبهاً يشتركان فيه إلا إن ادُّعي احتذاء المثال فلعلّه. وأن قوله:

ترى العينَ تستَعفيك من لمعانِهاوتحسِر حتى ما تُقلُّ جفونَها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ألا دارها بالماء حتى تلينها»

من قول الأبيرِد:

وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكىمن الأمر لي فيه وإن عظُم الأمر

ولا أراهما اتفقا إلا في الاستعفاء، وهي لفظةٌ مشهورة مبتذَلة، فإن كانت مستَرقة فجميعُ البيت مسروق، بل جميع الشعر كذلك؛ لأن الألفاظَ منقولة متداوَلة وإنما يُدَّعى ذلك في اللفظ المستعار أو الموضوع، كقول أبي نواس:

طوى الموتُ ما بيني وبين محمدٍوليس لما تَطوي المنيةُ ناشرُ

وقول البطَيْن البَجلي:

طوى الموتُ ما بيني وبين أحبّةٍبهم كنتُ أعطي ما أشاءُ وأمنعُ

وكقوله:

سقَتْه كفُّ الليل أكؤُسَ الكَرى

وقول الآخر:

سقاه الكرى كأسَ النُعاس فرأسُهلدِين الكَرى في آخرِ الليلِ ساجِدُ

وقوله:

كدّت منادمةُ الدماءِ سيوفَهفلقلّما تختارُه الأجفان

وقول بعض العرب:

وتنادمت دُفع الدماءِ سيوفناحتى اجْتوى أصحابها سُكْر القَنا

وقول أبي تمام:

حتى تعمّم صُلْعُ هامات الرُبىمن دونه وتأزّرَ الأهضامُ

وقول بعض الأعراب:

أصبحت العُقدة صَلعاء اللِّمموأصبح الأسودُ مخضوباً بدَم

وقول آخر:

بكى فاستملّ الشوقَ منْ في حمامةٍأبت في غصونِ الأيْكِ إلا ترنّما

وقول أبي تمام:

وقد كاد يُنسى عهدُ ظَمياءَ باللِّوىولكن أملّتْه عليه الحمائِم

فأخذ أملّ من استملّ، وإن كان تهييجُ الحمام صبابةَ المشتاقِ مبتذلاً.

وقول أشجع:

إذا خالطَ الشيبُ الشباب تجهّزتْالى البين أفراسُ الصِّبا ورواحِله

وقول زهير:

صَحا القلبُ عن سلمى وأقصرَ باطلُهوعُرِّي أفراسُ الصّبا ورواحلُه
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

وقول الحلاّج:

نفضنا الى الموت أدْراعَناكما تنفُض الأسدُ ألْبادَها

وقول حسان:

ويثربُ تعلمُ أنّا بِهاأُسودٌ تنفِّضُ ألبادَها
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تذر العين تسهادها»

ومما ادّعاه أيضاً على أبي نواس قوله:

كأنّ فخذَيه وقد ضُمَّتاوال ... فيه عقد عشرينا

أنه مأخوذ من قول عبد بني الحسحاس:

وأشهدُ بالرحمن أني رأيتُهاوعشرين منها إصبعاً من ورائِيا

وليس بين البيتين اتفاق بحال إلا في ذكر العشرين، والمعنيان شديدا التباين؛ هذا يذكرُ أنه علاها والتحفتْ عليه فعقدت يديها ورجليها فصارت أصابعها العشرون من ورائه، وأو نواس يشبّه ما ذكره بعقد عشرين، فأيّ قُرْبى أو نسب بين هذين.

وشبيه بهذا ما زعم ابن قتيبة في قول هُدبة:

ولا أتمنّى الشرَّ والشرُ تارِكيولكن متى أحمَل على الشرِّ أركَب
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

أنه مأخوذ من قول تأبّط شراً:

ولستُ بمِفراحٍ إذا الدهر صرّنيولا جازعٍ من صرْفِه المتحوِّلِ

تأمّلهما فإنك ترى بينهما من التّباين ما يحظُر ادِّعاء ذلك فيهما، ولو احتمل الكتابُ استقصاءَ ما حافَت به هذه الطائفة على أبي نواس وأبي تمام والبحتري لبسطنا القولَ فيه؛ لكنه لما ضاق عنه اقتصرنا على قدْر ما أريناك به الطريقة، ووقفْناك به على المنْهج، فإن سمَتْ بك همّة، ونازعتك رغبة، فاقْتَفِ فيه هذا الأثر، وعايره بهذا المعيار فإنك لا تبعدُ عن الإصابة ما لم تمِلْ بك العصبيةُ، ويستولي عليك الهوى والمداهنة.

والسَّرَق - أيدك الله - داءٌ قديم، وعيبٌ عتيق، وما زال الشاعر يستعينُ بخاطرِ الآخر، ويستمدّ من قريحته، ويعتمدُ على معناه ولفظه؛ وكان أكثره ظاهراً كالتوارد الذي صدّرنا بذكره الكلام، وإن تجاوزَ ذلك قليلاً في الغموض لم يكن فيه غيرُ اختلاف الألفاظ، ثم تسبّب المحدثون الى إخفائه بالنقل والقلب؛ وتغيير المنهاج والترتيب، وتكلّفوا جبْرَ ما فيه من النقيصة بالزيادة والتأكيد والتعريض في حال، والتصريح في أخرى، والاحتجاج والتعليل؛ فصار أحدهم إذا أخذ معنى أضاف إليه من هذه الأمور ما لا يقصر معه عن اختراعه وإبداع مثله. وقد ادّعى جرير على الفرزدق السَّرَق فقال:

سيعلمُ منْ يكونُ أبوه فيناومن عُرِفت قصائدهُ اجتلابا

وادّعى الفرزدق على جرير فقال:

إنّ استراقَك يا جريرُ قصائديمثل ادّعاك سوى أبيكَ تنقُّلُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن استراقك يا جرير قصائدي»

ومتى أنصفتَ علمت أن أهل عصرِنا، ثم العصر الذي بعدنا أقربُ فيه الى المعذرة، وأبعد من المذمّة؛ لأن من تقدّمنا قد استغرق المعاني وسبق إليها، وأتى على معظمها؛ وإنما يحصل على بقايا: إما أن تكونَ تُرِكت رغبةً عنها، واستهانةً بها، أو لبعدِ

مطلَبها، واعتياص مرامها، وتعذّر الوصول إليها؛ ومتى أجهَد أحدُنا نفسَه، وأعمل فكرَه، وأتْعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنّه غريباً مبتدَعاً، ونظم بيت يحسبه فرداً مخترعاً، ثم تصفّح عنه الدواوين لم يُخطِئه أن يجدَه بعينه، أو يجد له مثالاً يغضّ من حُسنِه؛ ولهذا السبب أحظر على نفسي، ولا أرى لغيري بتّ الحكم على شاعر بالسرقة. وقد أحسن أحمد بن أبي طاهر في محاجّة البحتري لما ادّعى عليه السّرَق قوله:

والشعرُ ظهر طريقٍ أنت راكبهفمنه مُنشَعِب أو غيرُ منشعِب
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة
وربما ضمّ بين الرّكب منهجهوألصَق الطُّنُبَ العالي على الطُنُبِ
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

إلا أني إذا وجدتُ في شعره معاني كثيرة أجدها لغيره حكمت بأن فيها مأخوذاً لا أثبته بعينه، ومسروقاً لا يتميز لي من غيره، وإنما أقول: قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا، فأغتنم به فضيلةَ الصدق، وأسلم من اقتحام التهوّر.

النص من طبعة عيسى البابي الحلبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف شرح المحققين وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الوساطة بين المتنبي وخصومه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.