من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)
شرح المشكل من شعر المتنبي (١١)
يعني ماوارى ابن شُمَشقِبق من الشجر، وذلك أن الشجر حال بينه وبين المُتبعين، فأنت. فدعا المتنبي على هذا الشجر ألا يسقيه الغيث حين وارى هذا المنهزم، فكان ذلك سبب نجاته.) لو زال عنه (: اي لو زال هذا الشجر عنه، فلم يوارهم لقتل، فتجمعت الرخمُ عليه تواريه بُشخوصها.
وقيل: لو رأته لأكلته فيتوارى في أجوافها. ويروى: لوارى شخصه الرجم بالجيم وهو القبر، والأول أسبق، لأن القتيل في المعترك، إلى أن تأكله الطير والسباع أقرب منه إلى أن يقبر، وبذلك وصَفت العرب قتلاها. كقول عنترة:
فَتَركته جَزَرَ السباع بنشنهما بين قُلة رأسِه والمعصم
وقال:
إن يفعلا فلقد تركتُ أباهماجزراً لخامعةٍ ونسرٍ قشعمِ
وقال آخر:
تركتُ أباك قد أطلى ومالتعليه القشعمان من النسور
وله ايضا:
فارقتكُم فإذا ما كان عندكمُقبل الفراق أدى بعد الفراق يدُ
إذا تذكرتُ ما بيني وبينكُمُأعان قلبي علىالشوق الذي أجدُ
هدان البيتان يخاطب بهما سيف الدولة، بعد فراقه إباه، وهما يخرجان على ذم سيف الدولة وعلى حمده.
فأما خروجهما على ذمه، فمعناه: أتى تأذيت بمجاورتكم، فبعثى ذلك على فراقكم، فعاضني الدهرُ حيراً منكم، وتبدلتُ بالأذى راحة. فصار ذلك الأذى الذي كان قبلُ يداً عندى الآن. إذا كان سبب تنقلى عنكم، وارتيادي ما أحمدته حين وحدته.
وقوله:) إذا تذكرت ما بيني وبينكم (يعني من الحال، وهو الأذى الذي عدا منهم إليه. هاج شوقي فأعلن قلبي على ما يجده من ألم التوحش.
وقد يجوز أن يعني بقوله:) إذا تذكرت ما بيني وبينكم (، ما بينهما من تفاوت المنتزلتين، كان ذلك سبباً للسُّلو.
وأما خروجهما على حمده، فمعناه: شكوتكم بل أن أختبر غيركم فلما جريت من سواكم، علمتُ أن ما شكوته منكم كان بالحمد أولى.
ثم أعلم أن سيف الدولة مع ذلك كان غير منصفٍ له. وإنما حمده بالإضافة إلى غيره، فقال: إذا تذكرت ما بيني وبينكم من قلة إنصافكم لي، سلابي ذلك عنكم.
وله ايضا:
طَوَى الجزيرة حتى جاءني خبرٌفزعتُ بآمالي إلى الكذبِ
اي عظم عندي، وأطعمتُ نفسي أن يكون، كذباً، تُعالا بضلك لان الانسان كثيراً ما يميل إلى تصديق ما يوافقه من الاخبار، وتكذيب مالا يوافقه منها، لما وُضعت عليه النفس من مُنافرة المحذور، وملاءمته ما يجنيها ثمرة الحُبُور، كقول الشاعر:
وَعلت نفسي بالمرجم غيبةًوكاذبُتها حتى أبان كِذَابًها
أبان، اي استبان.) وخَبرٌ (مرفوع على مذهب البصريين) بجاءني (لأنهم إنما يُعملُون أقرب الفعلين، ولا بد على هذا من إضمار الفاعل في) طوَى (على شريط التفسير، وإن كان إضماراً مالم يتقدم له مُظهر.
ومن حُكم العربية، إذا وَرَد أمران كلاهُما مَتَجنبٌ على حِدَةٍ، تُجنب أقبحمها، وأوثر الثاني. ألا ترى أنهم يكرهون توإلى إعلالين؟ وقد أخذ الخليل بهما في جاء ونحوه، حين أبدل وقلب فاحتملهما كراهية ما هو أشد منهما، وهو اجتماع الهمزتين في كملة واحدة، فتفهمه.
وإما على مذهب الكوفيين فيرفع) خبر (على أنه فاعلٌ) بطوى (لأنهم يُعملون أسبق الفعلين. فلابد على هذا من الإضمار في جاءني، اي طوى الجزيرة خبرٌ حتى جاءني.
والقول الأول عندى أحسن في هذا البيت، لن النكرة التي هي) خَبرٌ (على ذلك القول، موصوفة بالجملة التي هي) فَزِعْتُ فيه بآمإلى (. إلا أن فيه ما قدر أريتُك من الإضمار في الاول، على شريطة التفسير. وعلى هذا القول الثاني، ليس للنكرة وصف. وقوله:) إلى الكَذِبِ (: أراد إلى اعتقاد الكذب، كائناً في هذا الخبر.
ويجوز أن يريد إلى التكيب، فوضع الكَذب موضع التكذيب، كقوله:
) وبَعد عَطائك المائة الرِّتاَعا (
يا أخت خير أخٍ يا بنت خير أبٍكنايةً بهما عن أرفع النسبِ
اي أخوتك من سيف الدولة، وأبوتك وبنُوتك من أبى الهيجاء،) كناية (عن أرفع الأحساب؛ لان من كانت لهذا الملك أختاً؛ ولهذا الأمير بنتاً؛ فقد نصع نسبهُ.) فكناية (على نُصب على المصدر، اي أكنى بهذين السببين عن أرفع نسبين.
أجلُّ قدرك أن تُسمى مُؤبنةًومن يَصِفك فقد سماكِ للعربِ
اي إني أكرمُك عن الإيضاح لا سمك، فأعدلُ عن الإفصاع برسمك، فإذا وصفتك ورثَيتُك، عَلِمَتَ العربُ أني عَنَيتُك، فأغناني حُسن التخلية، عما لا يحسن من التسمية.
ومؤبنة: نصب على الحال والتأبين: للثناء على الهالك.
حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدقُه أملاًشَرِقتُ بالدمع حتى كاد يشرقُ بي
اي بكيتُ حتى شرقت بالدمع، وذُبتُ من حرارة الوجد، فعدتُ جوهراً سيالاً، حتى كاد الدمع يشرق بي، لذوبي ولُطفيِ.
مسرةٌ في قُوبِ الطيبِ مفرقُهاوحسرَةٌ في قُلوب البيضِ واليلبِ
اي أنها امرأةٌ تتطيبُ ولا تلبس السلاح. فالطيب يُسرُّ بمفرقها، والسلاح يحسُدُ الطيب، لانه لا يصل منها حيث يصلُ الطيب.
وقال:) في قلوب الطيب (: ذهاباً إلى أنواعه. ولو ذهب إلى الجنس أو الشخص لقال في فؤاد الطيب: وحمله على اختيار ذلك قولهُ:) في قلوب البيض (ليقابل جمعاً بجمع، ولو قال: في فؤاد الطيب ثم قال. في قلوب البيض ساءت الصناعة؛ وكل واسع.
وله ايضا:
تشتكي ما اشتكيتُ من ألمِ الشوْقِ إليها والشوقُ حيثُ النُّحُولُ
اي أنها تشكو إلى ملقاً؛ وأشكو إليها حُرقاً، ثم أقام على تملقها وتخلُّقها بُرهاناً عيانياًّ؛ فقال:) الشوقُ حيثُ النُّحول (اي النحول عندي؛ وهو نتيجة الشوق؛ فلو كلن بها شوقٌ كما بي؛ لكان بها من النحول ما بي؛ ولا نحول لديها فلا شوق بها.
) من رآها بِعيتهِ شاقهَ القُطانُ ... كما تشُوقُ الحُمول (اي من رأى الدنيا بعينه؛ اي بالحقيقة التي هي بها؛ شاقه الباقون فيها، لعلمها أنهم طاعنون، كما يشوقه الذاهبون عنها، فالٌطان والراحلُون عنها سواء، في أنه ينبغي أن يشوقه النوعان، لعلمه باشتمال الفناء على الفريقين.
وقوله:) الحُمولُ (: أراد كما يشوقه المتحملون، فوضع) الحمول (، موضعها. وإن شئت قلت: عنى بالحُمول هنا. أسرة الموتى.
صحبتني على الفَلاةِ فَتاةٌعادُ اللونِ عندها التبديلُ
كنى بالفتاة عن الشمس، وآثر التأنيث العرب أسماءها، ولذلك سموها) الجارية (عن الفارسي. و) عادةُ اللون عندها التبديل (: اي أنها حمراء وقتا، وبيضاء وقتا، وصفراء آخر. فعادة لونها التبديل في ذاته. فكان يجب على هذا - لولا الوزن والقافية - أن يقول: التبدُّل، لكن وضع التبديل موضعه اتساعاً.
وإن شئت قلت: التبديل لها لوناً بعد لون.
سترتكِ الحجالُ عنها ولكنْبكِ فيها من اللمَى تَقبِيلُ
الحجال: الأشرة عليها الكللُ خاضة. واحدتها حجلة. وقد يكون حجال جمع حَجَل. وحَجَل جمع حَجَلة. يقول: أدُمت أنا بهذه الشمس، وأما انت فسترَتكِ الحِجال عنها. ولم تمش في البراز، فتُورثك سُمرة كما أورثتني، لكن سُمرة شفتيك سُمرة طبيعة، فكأن الشمس قبلتك، فألقت في شفتيك سُمرة، وهو اللمى.) وفيها (الهاء راجعة عليك، ووصلت إليك، وَقبلتك، وأكسبت اللمى شفتيك.
لا أقمنا على مكانٍ وإن طَابَ ولا يُمكنُ المكانَ الرحٍيلُ
اي لا تُقيم دوب) حَلَبَ (بمكان، وان طاب ذلك المكان، إلا لو أمكن ذلك المكان أن يرحل معنا، فأما ولا يمكنه ذلك، فلا إقامة لنا عليه ولو طاب والماضي هنا الذي هو) لا أقمنا (في معنى الحال أو الاستقبال.
مثُلها انتِ لوحتني وأشقمتِوزادت أبها كُما العُطبُولُ
يقول: أنت مثلُها فعلاً، ولو قال:) مثلها أنت (جاز أن يكون مثلها بها في الحسن، وأن يكون مثلها بها في الإساءة اليه، فأراد هو أن يُبين ما أشبهت فيه هذه المرأة الشمس، فقال: مبينا للمشابهة،) لو حتني وأسقمت (: اي الشمس لو حتني وغيرتني، وأنت أسقمتني. والإسقام أشد من التلويح. فلهذا قال:) وزادت أبها كُما العُطبُول (يعني هذه المحبوبة. والعُطبول: الطويلة العُنُق.
وَمَوالٍ تُحييهمُ من يَديهنعمٌ غيرهُمُ بها مقتُولُ
) موال (: يعني أولياء وأقاربه، يقتل أعداءه، فيغنم أموالهم، فيعطيها أولياءه، فيحييهم بذلك. وقوله:) بها مقتول (: أي بسلبهم إياها، أو مقتول من أجلها.
وقد يجوز أن يحييهم بهذا المغنم، فيقدرُوا بذلك على قتل أعدائه.
وله ايضا:
وقد كان ينصُرُهم سمعُهُوَينصُرني قلبُه والحسب
يعني هؤلاء الوشاة الذين يشُون به إلى سيف الدولة، كان ينصرهم سمعه لانه لم يكُ يطيق سد أذنيه عن سماع كلامهم، وينصرني قلبه بحبه لي، وتكذيبه إياهم سرا. والنصر بالفؤاد أنفع من النصر بالسمع. وجعل حسبه ناصراً له ايضاَ، لان شرفه حمله على الثبات، وإلغاء ما يورده عنه حسادُه.
وما قُلتُ للبدر أنت اللجينُوما قُلتُ للشمس أنتِ الذهبْ
اي اني لم أتنقصك، ولا بخستُ مناقبك حقها. كما يُنتقص البدرُ لو يُشبه باللجين، أو الشمس لو شُبهت بالذهب. وإنما ضرب ذلك مثرً، وجعل اللجين المبدر، لكون أن أهل الكيمياء من الطبيعيين يقولون إنه من أكون القمر، وجعل الذهب الذهب المشمس، لان أولئك يزعمونه من أكوان الشمس.
وقيل: هذا البيت تعريض بشعراء سيف الدولة.
يقول: كل واحد منهم يمدحك، يريدون ما تستحقه من المدح، ثم ينقلب المدح ذما. فكأنه يقول للبدر يافضة، والمشمس ياذهب، فيُحط بذلك قدرهما؛ ويهبط به خَطَرهما. وأنا لم أقتصر على هذه الرتبة، ولا قنعت لك بها، بل وَفيتُ مدحك ماقصروا هم عنه؛ قسبيل الغضب أن يكون عليهم لا علىَّ.
واللُّجين من الأسماء التي لم تستعمل إلا مصغرة؛ وقد عمل سيبويه فيه بُويباً.
فإن فارقتني أمطارُهُفأكثر غُدرانها ما نضب
المطر: ذو مادة: والغدير لا مادة له؛ إنما هو القطعة من الماء؛ يغادرها السيل، اي يتركها؛ فجعل عطاياه أمطاراً، لكونها ذات مادة؛ وجعل ما حصل عنده من عطايا - وقد انقطع جوده عنه بفراقه له - بمنزلة الغُدران التي لا مادة لها. فيقول: إن كنتُ رحلتُ عنه وانقطعت عني جوائزُ، فقد جمعت من سوالقها وعوارفها مالم ينفذ أكثرها بعد.
وَيَسْتنصران الذي يعُبدانِوعندهما أنه قد صُلبْ
يسفه النصارى، ويستضعف أخلاقهم حين يتنصرون بالمسيح ﵇ وهم يعتقدونه ميتاً مصلوباً، ولم ينصر نفسه حينئذ.
وله ايضا:
كفى بك داء أن نرى الموتَ شافياوحَسبُ المنَايَا أن يكُن أمانيا
الفرق بين الباء التي في) بك (وبين التي في قوله تعالى:) وكفَى باللهِ شهيداً (أن الباء في كفى بالله داخلةٌ على الفاعل. وفي بك داخلة على المفعول، اي كفاك داء. ويجوز أن يكون كفى بدائك داء، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مُقامه، وداء في كل ذلك نصب على التميز. ومعنى البيت: كفى بما تلقاه من شدة الزمن، وتناهي المكروه، حتى أدى لك إلى تمني الموت، واعتدادك به شافياً يعظم بذلك مثونة ما يلقاه. ومن العَجَشب أن يُلاقي الإنسان بلية، تجعلُ المنية من أجلها أمنية.
تمنيتها لما تَمَنيت أن ترىصديقاً فأعيا أو عدوا مُدايا
اي تمنيت المنية حين تمنيت صديقاً مصافياً، أو عدواً مدارياً، فكلاهما أعوزك وأعياك. فأما تمنيه الصديق فسجية مألوفة، وأمنية معروفة؛ لأنه ريحانة الفؤاد، وإنما هو الصديق المخلص الوداد.
واما تمنيه العدو المداجيا، فهو الخطب العجيب، والخبر الغريب، لأنل لا نعلم أن أحداً تمنة لقاء عدُو، ولكنه إنما عرض بأنه فقد العزة، ولم يُؤت ما كانت همته له لا مَحةً اليه، وعينه طامحة عليه، فنَدر بذلك قدرُة، وهان على عدوه خَطَرُه؛ فجاهر بمداجاته، ولم يتكلف مداراته، تهاوناً منه به، ولو كان على عدوه قديراً، أو في نفسه خطيراً، لتكلف له المداجاة، وبين أنه إنما يُلاينُك عدوك ويداجيك، إذا رآك بحال يحذر بها منك.
يقول: أنا لا صديق يُصفني، ولا عدو يداجيني، فأية ملأربة لي في الحياة؟ بل أحب إلى منها لقاء الوفاء.
حببتُك قلبي حُبك من نأيوقد كان غداراً فكُن أنت وافيا
) من نأى (: يقول لسيف الدولة. يقول لقلبه: أنا أحببتك قبل حبك لهذا النائي، وصحبتك قبل إياه فعليك أن تبقى لي؛ وتسلو عن هذا الغادر الذي يستعمل الوفاء لي؛ فإنك لم تفعل فقد عذرتني بحبك هذا الذي غدرني؛ ولو أسعده الوزن بأن يقول: وقد كان غادراً؛ ليُطابق قوله وافياً؛ لكنا أذهب في الصناعة، وأدل على الاستطاعة. وقلبي: نداء مضاف؛ اي ياقلبي. ولا يجوز أن يكون بدلاً من الكاف؛ لان المخاطب لا يبدل منه كما لا يبدل من المخبر عن نفسه لان المخاطب والمخبر عن نفسه قد أمن التباسُهما، فقد أغنى ذلك عن الإبدال منهما إذ البدل إنما هو البيان.
قال سيبويه: فإن قلت: بي المسكين كان الأمر، أو بك المسكين مررت، لم يجز. ثم احتج بمثل هذا الذي ذكرت لك.
تماشي بأيد كلما وافتِ الصفاتَقَشنَ به صدر البُزاةِ حوافيا
تماشي؛ يعني الخيل، اي تتماشى بأيد قد سقطت نعالها من السفر. وما في الطريق من الحصى والمدر، لكن حوافرها شداد حداد. إذا وافت الصفا - وهي أصلب ما تكون من مواطن الحجر - نقشت فيها أمثال صدور اليزاة لشدتها. وصدر: مفرد موضوع موضع الجمع، لانه مضاف إلى جمع. وهو كثير فلي النظم ومنثور الكلام. كقوله تعالى:) إنَّ المُتَّقين في جَنّاتٍ ونهرْ (اراد؛ وأنهار. لان مياه الجنة أنهار لا نهر واحد. ألا تراه يقول كثيرا في وصف الجنة:) تًجْري من تَحْتِها الأنهارُ (وقال:) فيها أنهارُ من ماء غير آسنٍ (إلى آخر الآية.
واما في الشعر فقوله:
لاتنُكروا القتلى وقد سُبيناَفي حلقكُمْ عظمٌ وقد شجينا
ورواه بعضهم:) صُدر البُزاة (اراد؛ جمع) أصدر (وهو العظيم الصدر. ولا يعجبني. إن الحافر إنما يصون صدر البازي - لو صور - لا جملة البازي كلها. والصفا: جمع واحدته:) صفاة (، وألفه منقلبة عن واو، لقولهم: الصفوان والصفواء.
بغزمٍ يسيرُ الجسمُ في السرجِ راكباًبه ويسيرُ القلبُ في الجسم ماشيا
اي أن الجسم - وإن سار راكباً - فإن القلب يسير فيه ماشياً لتوقره فإنه لايُعفه مشي الراحلة والفرس، جرياًَ إلى إدراك مرغوبه، والظفر بطلوبه.
فجاءت بنا إنسان عن زمانهِوخلت بياضاً خلفها ومآقيا
أشرف ما في العين إنسانها، لان حسن النظر إنما هو به. وكذلك كافور لزمانه. مالإنسان للعينز اي أنه أشرف بني دهره. وأعلى عامرٍ في عصرهز وإنما الملوك غيرُه لعين درهم كالبياض والمآقي. وحسن ذلك أن كافوراً أسود، فقد شاكل سواد العين، وغيره من الملوك الذين خلفهم المتنبي وراءه بيض، فقد شاكل البياض والمآقي، وهذا وإن كان قد أجاد في مدح كافور، فقد عرض بسواه. وقلما مر له فيه غريب بيت: إلا قد جمع مدحاً وتعريضاً؛ ولذلك قال فيه بعد صده عنه:
وشعرِ مدحت به الكَركَدَن بين القريض الرُّقي
ولو قال هذا البيت في رجل أبيض، أعنى) فجاءت بنا (، ولكن مدحا لا يجارى، وتعريضاً لا يُبارى، وإنما نقص عن غاية المدح، لتعريضه بسواده ولكن هذا البيت في الأسود أشد تحققاً منه في الأبيض لانه في الأسود يحوي الطبيعة واللون، وفي الأبيض ينفرد بما طُبع دون اللون. فتفهمه.
لقيتُ المرورى والشناخيبَ دُونهوجُبتُ هجيراً يترك الماء صاديا
بالغ في صفة حر الهجير، بتركه الماء صادياً، لان الماء لا يصدى بل هو مُزيل للصدى ولو قيل إن إصداءه للماء، إيباسهُ له، وتنضيبه إياه، لان الصديان ذابل عما عليه الريان، من النضارة والغضارة، لكان وجها.
إذا كَسب الناسُ المعالي بالندىفإنك تُعطي في نداكَ المعالياَ
المعالي على ضربين: طبيعي، ومُقتنى. فأما الطبيعي فالفضائل النفسانية: كالشجاعة والكرم والفهم والعفة، وهذا لا يمكن أن يُوهب البتة، لقوله هو فيه: ولو جاز أن يحوُوا عُلاك وهبتها ولكن من الأشياء ماليس يُوهبُ يعني الخصال الذاتية، وخلال الفضل النفسانية.
وأما المُقتنى فنحو المال والجاه والثروة، فإن هذا الإمكان أن يُوهب. يقول له: إذا كان قصارى أفاضل الناس اكتساب المعالي بالندى، فإنك أنت تعطي المعالي في نداك، فُتولى البلاد، وتكسب الأجناد.
وإن شئت قلت: إن عطايك تُشرفُ المُعطين، فتفضى بهم إلى المعالي، وما كان سبباً للمعلاة فهو معلاة.
وقد ينقلب هذا المعنى على ما قدمناه، كأنه يريد؛ إنك لا تحسن المعالي إذ لا مادة لك تربيها وتُنميها بصنعة جوهرك، ورداءة عنصرك، حتى إذا هُيئ لك منها شيء، وقاربت ملكه والاشتمال عليه، انصرفت عنه، وسلمته إلى غيرك.
إذا النهدُ سؤتْ بين سيفي كريهةٍفسيفُك في كف تُزيلُ التساويا
اي إذا سوي أهل الهند بين سيفين، طبعاً، وصقلاً، واستجادة عُنصر، فإن السيف الذي يقع منهما بكفك، فتضربُ به، يكون أمضى من صاحبه الذي تضرب به كفُّ غيرك، لان كفك أقوى الأ كف، فقد أزالت كفُّك التساوي بين السيفين اللذين سوت الهند بينهما.
وقال) في كف (، فأ فاد، وإن كان نكرة لانه قد عُلم أنه لا يعني من الأكف إلا كفة، كقولك مررت برجل حسن وجهُه.) والكريهة (الشدة المكروهة. وهذا البيت نحو قوله فيه ايضاً:
إذا ضربت كفاك بالسيف في الوغىتَبَينتَ أن السيف بالكف يضربُ
وقال ايضا:
من الجآذرُ في زي الأعاريبِحُمر الحلي والمطايا والجلاَبيب
ألحقهن بنوع الجآذر، وحق ذلك إغراباً ومبالغة، وتجوز بكونهم أعاريب، فغزاهم إلى زيهم لا إليهم، والحٌمرةِ في الحلي، واللباس، والأينقِ حُمر الألون، فخصهم بها من بين سائره.
لاتجزني بضني بي بعدها بقرٌتجزي دُمُوعي مسكُوباً بسكُوبِ
يعني بالبقر: احبابه. يقول: بَكَين كما بكيتُ، فسكين من الدمع مثل ما سكبت مكافأة، فإذا جَزَينني بُبكائي، فلا جزينني بضناي ونحولي، اي لاضنين كما ضنيت، يدعو لهن، فهذا الأسبق والأليق.
وإن شئت قلت: إن حُبهن فد أضى جسدي، وأقنى جسدي، وأسقم وأهرم، فلم يبق في موضع لحبهن إياي. فإذا كان ذلك، لم تضن النساء عشقاً، وإن نظرن إلي فبكين، فإنما يبكين رحمة لي لا عشقاً، فيكون لفظه على هذا لفظ الدعاء، ومعناه الخبر. كأنه قال في المعنى: لس يجزينني.
وقوله) تًجزي دموعي مسكوباً بسكوب (: جملة في موضع الصفة لبقر. والهاء في بعدها عندي: للحالة أو المسرة. وقد يكون راجعاً إلى النساء. واستجاز أن يقول:) بعدها (. وإن عنى النساء، وهو من النوع الناطق، لأنهن قد سماهن بَقَرَا، والبقر وغيرها من الأنواع غير الناطقة، يُخبر عنها كما يخبر عن الواحد المؤنث. تقول: الجمال رأيتها، والجبال علوتها، ولو سوغع الوزن أن يقول:) بَعدهُن (كان أذهب في الحقيقة، لأنهن لسن جآذر، وإنما هن نسوة.
أو حاربته فما تنجُو بتقدمةٍمما اراد ولا تنجُو بتجبِيبِ
اي هذه الأعداء إن حاربته لم ينجها منه إعداد عُدة يُقدمون النظر فيها، كتشييد سُور، وحفر أخدود، واستظهار بُحشود. وكذلك لا تنجو منه بما يؤخرونه من الاحتيال للهرب، وإعداد الحيل المنجية. ومن القتل والحرب.
وإن شئت قُلت: ما تنجو بتقدمتها نفوسها إليه، ولا بتجبيبها عنه. والتجبيب: الهرب والنُّكوص.
ولو قات: إن التقدمة هنا بمعنى التقدم، ليقابل التجبيب، لأن التقدم غير متعد، كما أن التجبيب كذلك، لكان حسناً، كقول قَطَري:
تأخرتُ أستبقي الحياة فلم أجدلنفسي حياة مثل أنْ أتقدما
ووضع المصدر مكان مصدر آخر كثير، قد عمل سيبويه وغيره من أهل اللغة فيه أبواباً.
ولو علمنا أن العرب قالت: قدم في معنى تقدم، كقولهم: بين الأمر، اي تبين، ألغينا الاحتلال له، لكن مثل هذا لا يضبط إلا سماعاً.
بلى يرُوعُ بذي جيشٍ يُجد لُهذا مثله في أحم النقع غربيبِ
اي أنه لا يقصد استمداد الأموال من الملوك ولا السوقة. وإنما قصده ترويعُ الملوك بالقتل، فإذا صرع مَلِكاً ذا جيش فجدله، روع به آخر لم يُجدله بعدُ. وقولُه:) ذا مثلهِ (: أقام فيه الصفة مقام الموصوف، اي ذا جيش مثلهِ. وحسُن حذف هنا وإقامة الصفة مقامه لأمرين: أحدهما أن مثل مضافة، فشاكلت بذلك الأسماء، لان افضافة إنما هي الاسم. والآخر أن لفظ الموصوف المحذوف، وهو الجيش، قد تقدم مُظهراً في قوله:) بلى يرُوعُ بذي جيش يُجدله (. وقوله:) في أحم النقع. والغربيب: الأسود.
وله ايضا:
يُباعدن حبا يجتمعن وَوَصلُهُفكيف بِحِب يجتمعنَ وَصدُّهُ
عنى بالحب هاهنا: الشيب، لانه محبوب على الكُره، وبإضافته إلى الموت فيقول: الأيام مُشاكلةُ بالطبيعة الشيب. لان الشيب همٌّ، كما أنهن هم. فكان القياس ألا تباعده لمكان المشاكة، وإنما مباعدتها بالموت، الذي هو أشد كرباً، وأجل خطبا، فإذا باعدت الشيب الآن وهي مجتمعة معه، فكيف أطلب منها حبا قد اجتمعت هي وضدُّ ذلك الحِب؟ ويعني بالحب هاهنا: الشباب. يعاتب نفسه على مطالبة الأيام برد العجيب الذي فات، وهي لا تبقى له الأقل الذي بقي. ألا تراه يقول:
أبى خُلُق الدنيا حبيباً تُدِيمهُفما طَلَبي منها حبيباً تردُّهُ
اي الدنيا لا تُديم لي حياتي، وهي معي إلى الآن، فكيف أطلب منها شبابي وقد ذهب.
وإن شئت قلت في البيت الأول: إنه اراد: يُباعدن حبيباً هو الآن معي. وأصل لي، اي هذا من قوتها وفعلها، أعنى أنها تُباعد الحبيب الواصل، فكيف لي منها بإدناء حبيب مُحتجزٍ مني، نازح عني؟ وعطف وله وصده على المضمر في) يجتمعن (اضطراراً، كقوله:
قلت إذ أقبلت وزُهرٌ تهاديكنعاج الفلا تعسفْن رملا
ولو كان الروى منصوباً، لكان) وصدّه (هو الأجود، على المفعول معه، ولو أسعده الوزن بتأكيد الضمير فقال) هي (لكان الرفع لا ضرورة فيه، ولو انه أكد وكان الروى منصوباً، لكان النصب حسناً.
ولما ذكر سيبويه وجه النصب في قوله:) ما فعلت وأبك (قل: إنما فعل ذلك، لانك لو قلت: افعل وأخوك، كان قبيحاً، حتى تقول إقعد انت واخوك، قال: فإذا قلت: ما فعلت أنت وأباك؟ فأنت بالخيار: إن شئت حملته على المعنى الأول) يعني الرفع على العطف (. وإن شئت حملته على المعنى الثاني،) يعني النصب على المفعول معه (. وجعل الأيام مجتمعة بالوصل والصد، لأنهما عرضان، وظروف الزمان مشتملة على جميع الأعراض كاشتمال الأمكنة على الجواهر. هذا معنى الاجتماع، فتفهمه.
بوادٍ به ما بالُقلوب كأنهوقدْ رَحَلُو جيدٌ تناثَرَ عقدُهُ
اي أنهم كانوا لهذا الوادي كالعقد للجيد، فلما رحلوا توحش، وعطل كما يعطل الجيد إذا تناثر عقدهز وقوله:) به ما بالقلوب (، اي من الأسف عليهم، والحنين إليهم،) وقد رحلوا (: جملة في موضع الحال، اي في حال رحيلهم عنه. وكأنه قال: مرجُولاً عنه جيدٌ هذه صفته. ولا بد من تقدير) عنه (إذ لا بد للحال من ضمير يعود إليه من الحال.
يُخلفث من لم يأتِ داركِ غايةًويأتي فيدري أن ذلك جُهدُه
اي انت أرفع المقصودين. فمن قصد غيرك، فقد ترك مقصوداً فوق مقصوده، وهو أنت. فإذا قصدك تبين وتيقن أنه قد بلغ أقصى الغايات، إذ لا مقصود وراءك، ولا مورُود فوقك. وقوله:) ذلك جهده (: اي أقصى غاياته، وأبعد نهاياته. وحينئذ تقر عين القاصد، لانه لا يُعنف على ترك الجرى إلى أقصى ما يمكنه من ذلك، إذ ليس يمكنه تجاوزه.
وله ايضا:
قد اُخترتُك الأملاكَ فاختر لهُم بناحديثاً وقد حَكمتُ رأيكم فاحكمُ
اي من الأملاكِ، فحذف وأوصل الفعل، ومثلُه كثير، إلا أنه ممنوع لايقاس عليه. وقد صرح بذلك سيبويه، والأملاك: يجوز أن يكون جمع مَلك ومَلَك ومليك، اي قد اخترتك من جميع الأملاك، ورجوتك لهمتي ومطلبي، فاختر لهم بنا حديثلً: اي اجعل الصنيعة في، فإنك إذا فعلت ذلك تُحُدث عنك بالإحسان، وتُحُدث عني بأني استأهلت ذلك عندك، وقد حكمت رأيك، اي سلمتُ لإليك، فافعل ما تشاء، فإن طبيعتك لا تحملك على ضد الجميل.
وله ايضا:
أغالُب فيك الشوق والشوقُ أغلبُوأعجبُ من ذا الهجر والوصلُ أعجبُ
اي والشوق أغلب مني، فحذف للعلم بما يعنى، كقولنا: الله أكبر من اي شيء فحذف، أنشد سيبويه:
مَررتُ على وادي السباع ولا أرىكوادي السباع حين يُظلم وادياً
أقل به ركبٌ أتوه تئيةًوأخوف إلا ما وقي اللهُ سارياً
اراد: أقل به ركب تئيةً منه.
وذهب بعضهم إلى أن) أغلب (هنا ليست للمفاضلة، وإنما هو أفعلُ صفة كأحمر، ولا يعجبني لان قوله في آخر البيت) ووصل أعجبُ (لايسوغ فيه إلا) أفعل (التي للمفاضلة، بأن يكون المصراع مشاكلا للمصراع الأول وإنما كان الشوق اغلب له، لانه لو كان ذد ذلك لم يكن عاشقاً. وقوله:) وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب (: إنما كان الوصل من الهجر، لان الهجر نوع من مكاره الأيام، والوصل نوعٌ من محابها، وشيمة الأيام أن تأتي بما يكره، فلا عجب من الهجر الذي هو في خليقتها، ولكن الوصل لو تيسر، كان أعجب من الهجر لشذوذه عن خلق الزمان. واراد: والوصل أعجيب منه، فحذف كما تقدم في) أغلب (.
فكمْ لظلام الليل عندك من يدٍتُخبر أن المانوية تكذبُ
المانوية: أصحاب ماني وهم أهل الثنوية، يذهبون إلى أن ظلام الليل يكون الشر وان النور يكون الخبر، والمتنبي يرد على هؤلاء الثنويين فيقول: ليس الأمر على ما وصفتموه، بل قد أجد ذلك بالعكس. فإن الليل قد وقاني شر الأعداء، بأن وَارَاني منهم بظلامه، كقولهم:) الليلُ يستُر الويل (.
وقالوا: اتخذ الليل جملاً: اي اركبه لحاجتك. وكذلك زَارَني الحبيب بالليل، فأخفى مزاره على الرقيب، وهذه أفعال الخير، فلم تنسبون إلى الظلمة الشر؟ ولما قال) فكم لظلام الليل عندك من يَد (فسره في البيت الثاني بقوله: وقَاكَ رَدى الأعداء تسرى إليهم وزَارَك فيه ذُو الدلاَلِ المُحجبُ.
ولما حَمِد الليل بما اسدى اليه من الخير، وكذب المانوية بهذا البرهان، أخذ في في ذم النور، فقال:
وَيومٍ كَلَيلِ العاشِقين كَمنْتُهُأراقبُ فيه الشمس أيان تغرُبُ
اي اني قد أمنت من العٌداة بالليل، فَسريت وأدللت، وخشيتهم بالنهار فكمنتُ وتخبأت. وتلك كُلفة ومشقة، وجهد على النفس لإخفائه، وما أحسن ما اتفق له الاستطراد في هذه الأبيات.
وقوله:) أيان (اي متى. وليس من لفظ أين. إنما) أيان (من) اي (فهي فَعلان كَرَيان التي في أزمنة.
ويدلك على أن) أيان (ليست من) أبن (، أن) أين (يكون سؤالاً عن الجوهر والعرض، كقولك في الجواهر، اين زيدٌ، وفي العَرَض: اين اللقاء والقتال.
فأما) أيانَ (فلا يسأل بها إلا عن العَرَرض. تقول أيان القتالُ. ولا تقول أيان زيدٌ. وقد قال ﷿:) يسألون أيانَ يومُ الدين (وقال:) يسألونك عن الساعة أيانَ مُرْساها (فحُكُم) أيان (إذن حكُم مَتى، ومتَى خِلافُ أين. فأيان إذنْ خِلافُ أين.
وقد يجوز أن يكون ابو الطيب في ذمه النهار، مُعرضا بسيف الدولة لبياضه، وفي حمده الليل، مُتعللاٍّ بكافور لسواده، فإن كان قصد ذلك فهو ظريف، وإن كان لم يقصده فتوجيهنا له غريب.
وأصرع اي الوحشِ قفيتُه بهِوأنزلُ عنه مثلهُ حين أركبُ
قفيته: اي اتبعت قفاه. يقول: أقتُلُ بهذا الفرس اي نوع أو شخص من الوحش حاولتُ به إدراكه، وأنزل عنه بعد ذلك وهو في مثل حاله حين ركبته، من الجمام ووفور الجري لم يغيره إجرائي له، ولا أذهب ميعته. وهذا كقول المَرار بن منقذ السعدي في صفة عجوز يذكر بقاء حسنها:
من بعد ما لَبِسَتْ زماناً حُسنهاوكأن ثوب جمالها لم يُلبسِ
) ومثله (. منصوب على الحال من الهاء التي في عنه. و) حين (ظرف متعلق بأنزل.
تَزيدُ عطاياهُ على الليث كَثرةًوتلبثُ أمواهُ السحاب فتنضُبُ
اي كلما لبث عطاياه تضاعفت ونمت، لأنها ذوات مواد كحجر يهبها فتنتج مهراً، أو ضيعة تُورثه غلة ووفراً، فتنمى هباته على الأيام، وتواتر الأعوام.
وأما مواهب السحاب فكلما لَبِثت نشقَتها الشمس، ونضبتها الأرض، واستقتها الواردة. فهذا فضل ندى كافور على ندى السحاب.
ودُون الذي يبغُون مَا لوْ تَخَلصُواإلى الشيبِ منهُ عِشت والطفلُ أشيبُ
) ما لوا تخلصوا إلى الشيب منه (: يعني الموت. اي دون ما يحاولونه منك الموت، الذي لو تخلصوا منه إلى الشيب، لشاب طفلُهم في حال طفولته - اراد القرب - ولكنهم لا يمكنهم التخلص من الموت إلى الشيب، بل أنت تأتي عليهم، فتقتلهم في الحال.
وقيل معناه: لو أمهل الحسدُ حسادك ريثَ هجوم الشيب، لشاب طفلُهم الآن، ولم يتأخر الشيب عنه إلى أوانه، ولكن انت تعجلهم، وشيب الطفل في كل ذلك: يذهب به إلى القُرب. اي لو أمهلهم الموت الذي يحدث عنه الحسد، لشابوا في هذا الوقت، ولم يمهل الطفل منهم إلى أوان المشيب، بل كان يشيب مع هؤلاء.
وإن شئت قلت: إن هذا كقوله:
فإنك سوف تحلُم او تناهَيإذا ما شِبتَ او شاب الغُرابُ
اي إنما تحلم إذا شبت، وأنت لا تشيب أبداً، لان حلْمك على الناس يقتلُك، فيُعجلك عن بلوغ الشيب، وكذا لا يشيب الغراب أبداً.
فكذلك لا تحلم أبداً. فيقول: لو تخلصوا من الموت إلى الشيب - وهذا غير ممكن - اي لو أمكن ذلك الممتنع، الذي هو التخلص من الموت إلى الشيب، لأمكن هذا الممتنع الثاني، وهو شيب الطفل.
ثناهُم وبرقُ البيضِ في البيضِ صادقٌعليهِم وبرقُ البيضِ في البيضِ خُلبُ
البرق على ضربين: صادق، وكاذب. والكاذب يقال له: الخُلب، من الخلابة، وهي الخداع. فوعدْ بَرق سيوفك بأن يُفلِق البيض إلى ما تحتها من الهامِ، صادق، لأنها تفعل ذلك. وبرق بيضِ عداك أن تقي هامهم من بيضك، اي سيوفك، كاذب، لان سيوفك من عاداتها أن تقُد تريكهم إلى هامهم، فهو خُلب لذلك. وقد يقولون: برقُ الخُلب فيضيفون، وهذه الإضافة على حذف الموصوف، اي برق السحاب الخُلب. وإن شئت، جعلتها من إضافة الشيء إلى نفسه، كنحو ما حكاه أبو بكر محمد أبن السرِى من قولهم: مَسْجد الجامع، وباب الحديد. وقد حمل بعضهم توله تعالى) ولَدَارُ الآخَرةِ خَيرٌ (على ذلك.
سَلَلتَ سُيُوفاً علمت كل خاطبٍعلى كُل عُودٍ كيف يَدعُو ويخطُبُ
إن شئت قلت: لما رأى الناس تأثير سيوفك في عِداك، دانُوا لك، فخطبوا باسمك على كل منبر. وان شئت قلت: كان الواجب في الاختطاب على المنابر أن يكون باسمك، فتُجُوز في الخُطب باسم غيرك، فَسَلَلتْ سيةفك، وقتلت بها أعداءك، وبلغت أماميك، فخطبُوا لك خاصة، فكان تخصيصك بذلك من تعليم السيوف التي سلن، كقوله: توليه أوساطَ البلادِ رِماحُهُ وقوله:) كيفَ يَدعو ويخطُبُ (جملة في موضع المفعول الثاني، و) علمت كل خاطب (: الدعاء والخطبة. و) على كلِّ عُود (: اراد على كل منبر، لان المنبر من العُود، فأقام العُنصُر مكان الصورة، ومثله كثير.
وله ايضا:
أريدُ من زمني ذا أن يُبلغنيما ليسَ يَبلُغُه من نفسِه الزمنُ
اي أريد أن يدوم شبابي وسروري أبداًن فلا أهرَم ولا أهتم. وهذا الذي أريده من الزمان، لا يبلُغُه هو من أمنيته لذاته، لنه لو اختار أن يكون ربيعاً أبداً، ونهاراً سرمداً، لم يبلغ ذلك، لان أحواله الأنيقة تتكدر، فيلحق ربيعه القيظ، ويتخلل نهاره الليل. فإذا لم يبلغ الزمان مُرادُ في نفسه، فجدير ألا يُبلغني مرادى. إذ لو كان ذلك قوته، لآثر به نفسه.
يتعجب من تشططه على الزمن، وتكليفه إياه ماليس في وسعه، ولا يجد مُعيناً عليه من طبعه.
وجعل للزمان نفساً وإنما هو نورٌ وظلمة، تحدثان عند حركة الفلك، لان العرب تنُسب الأفعال إلى الدهر كثيراً، لوقوعها فيه. فيقولون: فَعل الزمان، وصنع، كقوله تعالى حكاية عن الكفار:) وما يُهِلكُنا إلاَّ الدَّهْرُ (.
مما أضَرَّ بأهلِ العِشقِ أنهُمُهَوَوا وما عَرَفُوا الدُّنيا ولا فطنُوا
اي أنهم اعتبروا حُسن الخلق لا حُسن الخُلُق. ولو جربوا الدنيا، فأجادوا الاعتبار، وأطالوا الاختبار، لوجب أن يُؤثروا حسن الخُلُق، فيجب إذ هو اولى في الحقيقة بذلك، من اعتبار هذا الحُسن المحسوس. وقد فسره هو في البيت الثاني الذي بعده فقال:
تفنى عيونُهُم دَمْعا وأنفُسهمفي إثر كل قبيحٍ وجهُهُ حَسَنُ
اي في إثر كل قبيح الخُلُق.
تَحملُوا كُلُّ ناجيةٍفكلُّ بينٍ على اليوم مُؤتمنُ
نسيب هذه القطعة ابو الطيب مُغضباً، شاكياً لأمره، متسخطاً على دهره، حتى أفضت به شدة العتاب، إلى ملامة الأحباب، واحتمل إفراط الجفا، لما تأمله من قلة الوفا، فقال) تحملوا حَمَلَتكُم كل ناجيةٍ (: اي أبعدتم ولا دَنوتم، بخلاف قوله هو راضياً عن أحبابه:
لا سِرتِ من إبلٍ لو آني فوقهالَمحت حرارةُ مدمعيَّ سِماتِها
ثم أدركه بعد ضَجرة التأسف، وإظهار البراءة عن العشق بعدهم، فقال: فكل بينٍ على اليوم مؤتَمَن اي أني كنت أحذر بينكم، فإذ قد وقع، فما أبإلى بشيء بعده، كقوله الأول:
من شاء بعدك فليمُتفعليكَ كُنتُ أحاذِرُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع