تجاوز إلى المحتوى

من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)

شرح المشكل من شعر المتنبي (١٢)

وامتثله أبو فراس فقال:

وكنتُ عليه أحذرُ الدهر وحدهُفلم يبق لي شيء عليه أحاذرُ

والفاء في قوله:) فكل بين (لعطف الجملة الثانية على الأولى، التي هي) تحملوا (.

رأيتكُم لا يصُون العِرَ جَارُكُمولاَ يدرُّ على مَرعَاكمُ اللبنُ

اي من جاوركم ذل، وأقام صابراً على الذلة، حتى يكون عرضُه غير مصون لأنكم لا تنصرونه على من اوصل إليه الذاة، بل تَدَعُونه تُهبة، ولا يستطيع أن ينتصر هو لخذلكم إياه. وهو في هذا البيت يُعيرهم الصبر على الذل والقُل، لان قوله:) ولا تدر على مَرَعاكُم اللبن (: يعني به أن رِفدكم قدر الكَفاف، ليس ما يفضُل عن الاستشفاف.

فغَادَر الهجرث ما بينني وبينكُمُبهماء تَكذبُ فيها العينُ والأذُنُ

البهماء: الارض القفرة،) فَغْلاء، لا أفعل لها من جهة السماع (. اي لا يقال:) قَفْرٌ أبهمُ (. وقد غَلَبت) البَهماء (غلبة الأسماء. حكى ابو زيد عن العرب؛ البَهماوات. فلو عاملوا الصفة لقالوا: البُهم، اي غَادر الهجرُ بيننا بهماء يَقرَعُ فيها الحس ما ليس بحقيقة، كتخيل الآل، وتصور الأشخاض، وعزيف الجِنّ، ونحو ذلك مما لا حاصل له.

تَخبُو الرواسمُ من بعد الرسيم بهاوتسألُ الارض عن أخفافها الثفِنُ

اي تخبو الإبل الراسمة من هذا القفر، والثفن: ما يصيب الارض من البعير والناقة إذا بركا، وهي خمسٌ رُكبتاه من ذراعيه وساقيه وفخذه، فإذا حَفيت هذه الإبل، فبركت على ثفِناتها، وصدمت بها الارض، قالت الثفنات للإرض: اين الأخفاف التي كانت تكفينا إياك، وتقينا لُقياك؟ و) الثفِن (: جمع ثفنة، كلبِنة ولَبِن. و) تسأل وسأل (كلاهما عربي، لان ما لم يفارق من الجمع واحده إلا بالهاء، جاز تذكيره وتأنيثه ولذلك - إذا وافقت صورة هذا الجمع صورة الجمع المكسر - استدل سيبويه على الجمع الذي باين واحده بالهاء بدليل التذكير، مثل ذلك قوله: إن الرُّطَب ليس كالغَرَب، وإن اتفق المثلان، لان الغَرَبَ مُكسر، بدليل تأنيثه، والرُطب يذكر ويؤنث، يقولون: هذا الرُّطب، وهذه الرُّطَب.

وله ايضا:

وَلَوَ آن الحياة تبقى لِحيلَعَدَدنا أضلنا الشُّجعانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

اي أن الحياة لا تدوم، فما ينبغي للحي أن يجبُن، إذ لا بُد من لقاء الموت. وفي الجُبن العار. ولو كانت الحياة تدوم، لكان أضلنا الشجاع الذي يتعرض للقتل فيقتل، فحرم بذلك نفسه بقاء الحياة ولذاتها. ولكن إذا كان الموت لا بُد منه، وفي الشجاعة المجدُ، فهي أولى من ضدها.

وله ايضا:

كأن رِقَاب الناسِ قالت لِسَيفهِرَفِيقُكَ قَيسىٌّ وأنتَ يَمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

قيس من عندنان، واليمن من قحطان، وبينهما منافرة. فيقول: كثُرَ تقطيعُ شبيب لرقاب الناس بسيفه، فأغرت الرقابُ بينهما، ليفترقا فتسلم. وقوله:) رفيقُك قيسىٌّ وأنت يمانِ (، ترويةٌ عن قولهم: لمَ تتفقان وأنما بالنسب مفترقان. ونحوه قوله الآخر:

أيها المُنكحُ الثُّريا سُهيلاًعَمْرك اللهَ كَيف يلتَقيَان
للشاعر ابن المُقري، من قصيدة «منكر رقص عاقد الطيلسان»
هي سامِيةٌ إذا ما استقلتوسُهيلٌ إذا استقل يمانِ

والألف في يمانِ عوض من إحدى ياءى النسب، التي في قولك) يَمَنى (.

ومن العرب يقول: يماني. فهذا ليس على الوض، لانه لم يحذف منه شيئاً فتكون الألف عوضاً منه، ولكنه من بوادر النسب.

أتُمسِكُ ما أوليتهُ يدُ عاقلٍوتُمسِك في كُفرانهِ بِعِنَان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

اي سبيل النعم التي زالت من يدك إلى يده، أن تَنهي كفه عن الإمساك بعنان في معصيتك، فهلا فعل ذلك؟ ينكر على شبيب كفره أيادي كافور بنفاقه عليه، وخلعه طاعته.

ثَنى يده الإحسانُ حتى كانهاوقد ُبضت كانت بغير بنَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

اي لما هم بمعصيتك، ثنت كثرةُ أياديك عن العصيان يده، حتى ألقت السيف كأنه لابنان لها يُمسكهُ بها، وقوله:) وقد قبضت (: جملة في موضع الحال من الضمير الذي في) كأنها (. و) كانت (ها هنا يجوز أن تكون المفتقرة إلى الخبر، ويجوز أن تكون بمعنى خُلقتن فتكون الغنية.

حكى سيبويه: أنا أعرفك مُذ كنت، اي مذ خلقت، ويكون المجرور على هذا في موضع الحال، وكما ذهب إليه سيبويه في رواية من روى: إذا كان يومٌ ذو كواكب أشنَعَا من أن أشنع حال، ولا تكون خبراً لكان، لان الخبر سبيله أن يكون مفيداً، وليس في أشنع من الفائدة إلا ما في قوله:) ذو كواكب (لان اليوم إذا كان ذا كواكب كان شنيعاً إذ ظهور الكواكب إنما يكون للقتام الذي يكسِف ضوء الشمس، فتظهر. وهذا من دقائق سيبويه التي يسميها المتأمل إعجازاً.

وله ايضا:

عُيونُ رَواحلي إن حِرتُ عَينيوكُل بغام رازحةٍ بغُامِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

حِرت: اي تَحَيرت، والعيون ها هنا: يجوز أن تكون جمع عينن وهي الشخص، اي أني ماهر بالفلاة معاود لها أحس فيها أملى فأدعها ذؤاما في الطريق، فإذا أنا تحيرت في التيه، فدليلى كل عُود أخليه، لأني أرى شخصه فيكون لي كالمنار الذي يُستدل به. وقد تكون العيون هنا جمع العين التي هي كالجارحة النظرية، اي تبدو لي أعين هذه الروايا، وخص أعينها بقوله: عيني. وكذلك إذا أردتُ استنباح الكلاب، ليُدل نُباحها على الحِلاَل، وأمان الحُلال، بَغَمت ناقتي، والبُغام: صوت تقطعه ولا تمُدُه، فيسمع الكلب بُغامها فينجح، فذلك البُغام يغنيني أن أستنبح الكلاب، والرازِحة: الناقة المعيبة، رَزَحَت تَرزَح رُزُوحاً ورُزاحقاً. وخص الرازِحة، لانه يصف نفسه بإدمان السير، والصبر على التعب في السفر.

فقدْ أردُ المياه بغير هادٍسِوى عَدى لها بَرْق الغَمَام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يصف نفسه بمعرفة الارتياد، ويتعرب بذلك، فيقول: لا أحتاج على الماء دليلاً، إذا ابتغينا إليه سبيلاً، لأني عالم بمخايل المطر، كعلم رُواد العرب ومنتجعيهم بذلك. وهم يزعمون أن البرق إذا لمع مائة ومْضة، وثقوا بالمطر وانتجعوا الناحية، التي لاح منها ذلك البرق.

وقيل: إذا بَرَقت السماء أربعين برقة، وثقوا فساروا، وربما طاردوا جوه عشراً، فوافقوا الماء.

يضيقُ الجلدُ عن نفسي وعنهافتُوسُعه بأنواع السقام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

اي أنحلتني هذه الحُمى، فكأنها وجدت جلدي لا يسع نف سي وإياها، فأكلت اللحم، ليتسع الجلد فيجمعهما، كما وَسِع النَّفس والنّفس.

وَضاقت خُطةٌ فخلَصتُ مِنهاخَلاَص الخمرِ من نسيجِ الفدام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

الفدِام: المصفاة، ونسجُه ضيقٌ، تدفعُ إليه الخُمر قذاها، فتمرق منه صافية فتزداد شرفاً بنقائها وصفائها. شبه الخُطة، وهي النازلة العظيمة من نوازل الدهر، في ضيقها بالفدام المُضيق. فيقول: إذا دُفعتُ إلى مُلم ضيق فعجز غيري عن نفاذه، خرجتُ وازددتُ شرفاً بذلك، كازدياد المدام عند فراغها صافية للقدام، كقوله:

ما تعتريني من خُطوب مُلمِةٍلإلا تُشرفُني وترفعُ شاني

ولهذا قالوا خرج منها كالشهاب، اي لم تعلقة منها تبعة. واراد:) وربما ضاقت خطة (، او) فقد ضاقت خُطة (يذهب في ذلك إلى خُططٍ شتى، لا إلى خُططٍ بعينها. واراد) من منسوج الفدام (إذ النسيج عَرض، والخمر جوهر، والجواهر لا يتخلل العَرَض.

قال سيبويه: هذا ثوبٌ نسج اليمن، ودرهم ضربُ الأمير: اي منسوج ومضروب، مثله كثير.

وَإن أسلم فما أبقى وَلكنسلمتُ من الحمامِ إلى الحِمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

اي إن سلمتُ من موت على وجه ما، لم اسلم من آخر على وجه ما، وإن سَلمتُ من الموت في زمان ما، لم أسلم في غيره، إذ الخُلد في الحياة ممتنع. وقوله:) من الحِمام إلى الحِمامِ (: لو يُرد الجنس ولكنه اراد من بع ... أنواع الحمام إلى بعض أنواع الحمام.

وله ايضا:

مُنى كُن لي أن البياض خضابُفَيخفي بتبييض القُرون شبابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

) أن البياض (: خبر ابتداء مضمر. اي كانت لي مُنى. ثم أوضح تلك المنى وكأنه قال: هي أن البياض وقار لي، فيخفي شبابي بالمشيب، ذهاباً إلى إكبار الشيب، وذلك لما يلحقُ الشباب عنده من العيب.

فكيف أذم اليوم ما كنتُ أشتهىوأدعُو بما أشكُوهُ حين أجابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يعني في كل ذلك الشيب، اي قد كنت أيام اسألُه ﷿، وأدعو أن يسلُبني الشباب، ظانا أن الشيب لا يلحقُ الإنسان معه ألمٌ ولا هَرَم. فلما شبت ولحقني من الضعف ما لحقني، علمت أن رأيي في سؤالي الشيب، ورغبتي إلى الله فيه، كان سَفها. لكن كيف أذمُّ المشيب وقد كنت أشتهيه. وكيف أشكوه وقد كنت أدعو الله أن يهبه لي. يقول: فإن شكوت ما كنتُ أحب، وذممتُ ما دعوت إلى الله فيه، وقع التناقض في مذهبي، مع أن ذلك غير نافع فالصبر أولى والرضا بكل ذلك أخجى.

جَرَى الخُلفُ إلا فيك أنك واحدٌوأنك ليثٌ والملُوكُ ذئابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَأنك إن قُويستَ صحف قارئٌذئاباً فلم يُخطئ فقال ذُبابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اي إذا عُددت ليثاً، وطلب من السباع ما هو دون اليت، مما بقاس به الملوك إليك رُيئوا ذئاباًز ثم إن حُقق القياس، كان ما بينك وبين الملوك تفاوتاً، كما بين الأسد والذئاب، حتى لو صحف مُصحف فقال: ذباب لم يخطئ في قياسه إليك، وإن كان صَحف، بل يكون بهذا التصحيف أشعر كقول الأصمعي لقارئ عليه، صحف عليه بيت الحُطيئة، وهو قوله:

وَغَررْتني وزَعمت أنكَلابنٌ بالضيفِ تامرْ

فقال:) لاتني بالضيفِ تامرُ (، فقال له الأصمعي، أنت والله أشعر من قائله، حين قلبت هجوهُ مَدحاً. وقوله:) أنك واحدٌ (: بدل من الكاف في فيك. وإن قلت: منع سيبويه البدل من المضمر المخاطب، فقال: إن قلت: بك المسكين مَرَرت، لم يجُز، لان البدل إنما هو للإيضاح والمخاطب لا يُشكل، فيحتاج إلى البيان. قلنا إنما منع سيبويه في هذا بَدل الجملة من الجملة، أعنى الكل من الكل، الذي هو هو، فأما بدل الجزء من الكل، فغير ممتنع؛ كقولك اعجبتي وجُهك، وعجبتُ منك صبرك، فكذلك) أنك واحد (، وإن لم يكن جزءا من كل فهو عَرَض في جوهر كقولك: جرى الخُلف إلا في كونك واحداً، والعرض - وإن لم يكن جزءا من الجوهر - فهو مرتبط به، فكان كالجزء منه. والخلف هنا: بمعنى الختلاف، ولذلك جاز أن يتعدى إلى في. وذئاب ها هنا: اسم للجنس لأنه قد قال:) والملوك ذئاب (، فأخبر بالجمع عن الجمع، ولو لم يجعل الذُباب جنساً، لَلَزِمك أن تخبر عن الجمع بالواحد.

وقد حكى ابو عُبيد في) الغريب المصنف (عن الأحمر:) النُّعرة: ذبابة (. فإن صح ذلك، ولم يك وهما من أبى عُبيد، فذباب هنا جمع ذُبابة، لا يحتاج حينئذ إلى تأول الجنس ولا إلى جعل الواحد موضع الجمع. ولا أعلم أحداً من أهل اللغة حكى في ذُباب ذُبابة إلا أبا عُبيد وحده.

وله ايضا:

والعبدُ ليس لحُرٍّ صالحٍ بأخٍلو أنه في ثياب الحُر مولودُ

اي لو غُدى ورُبى وأدب بمثل ما يغذي به الحُرُ ويربى ويُؤدب، لقصر عن طبيعتة الحُر، ولو لم يرُم العبودية، والعبد بمتهنه الحُرُّ، فإذا كان كذلك فهو عدو لا أخٌ.

أولى اللئام كُيفيرٌ بمعذرةٍفي كل لُؤم وبعضُ العُذر تفنيدُ

أولى اللئام في العذر في اللوم كافور، لأنه شرُّ نفسٍ من اخس جنس، أعنى بالجنس، والجيل، لا المقُول على الأنواع، واذا خس الجنس؛ عذر الواحد منه أن يجري على قيسه، الذي هو طبعُ جنسه، فغدا عذرا له، وإن كان هذا العذر بالذم والتنقص أشبه. فهو إذن عذر يزيد على التفنيد، لان التنفيذ يشعر أن المفند موجود، كقوله: ويبقى الُودُّ ما بقي العتابُ فأما إذا ترك التفنيد، للعلم بأن الإساءة طبيعة في المسيء، فذللك أقصى نهايات الذم. وأراد:) أولى اللئام بمعذرة كويفير (، لأن قوله:) بمعذرة (من تمام الاسم، الذي هو أولى. فكان ينبغي له ألا يجيء بالخير الذي هو) كويفير (إلا بعد قوله:) بمعذرة (لتعلق الباء بأولى. وكذلك إن جُعل) كويفير (هو المبتدأ، وجعل) أولى اللئام (خبر مبتدأ مقدماً، فقد حال أيضا بين الاسم الذي هو الخبر، وبين ما هو من تمامه.

ولذلك جعل الفارسي) كِلاَ (في قوله:

كِلاَ يوميْ طُوالة وصلُ أروىظنونٌ آن مُطرحُ الظنُونِ
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»

جزءا من الخبر، لا من المبتدأ، الذي هو وصل أروى، لان وصلاً مصدر، فكان يكون) كِلا (من صلته متقدماً له. والصلة لا تتقدم على الموصول.

وكما لا يُقدم بعضُ أجزاء الاسم على بعض مُغيراً عن وضعه، فكذلك لا يُحال بين بعضه وبين بعض بأجنبي أيضا، فلذلك مثلنا بيت المتنبي في فصله بين) أولى (وما يتعلق بها، بالبيت الذي أنشده أبو علي، في أنه لا يجوز تقديم الصلة على الموصل. وإنما قوله:) بمعذرة (متعلق بأولى. ثم أبرز مضمره. اي أولاهم بمعذرة.

وله ايضا:

وَعدتُ ذا النصلَ منْ تعرضهُوَخفتُ لما اعترضتَ إخلاَفاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعددت للغادرين أسيافا»

اختلس له بعض أعبده سيفا، وأعطاه امراة وَردان بن ربيعة الطائي الذي تضيفه بحسمي. وكان عبيده قد خالفوا إليها فوثب ابو الطيب إلى العبد الذي اختلس السيف، فأخذه منه، وضربه به فقتله، فيقول: لم أقتلك لان السيف عظُم على قدرُه وجل لدى خَطَرُه، حتى دعاني فقده إلى قتلك، ولكن وَعَدَتُ هذا السيف أن أقتل به من تعرضه، لما تعرضت أنت له وهمتُ بالصفح عنك، خفتُ أن يتخلل وَعدى إخلافٌ، فأكون غير صادق الوعد. وأراد:) من تعرضَ له (فحذف وأوصل وكذلك اراد) وخفت لما اعترضت له (، فحذف الجار والمجرور، كقوله: إن لم يجد يوماً على مَن يَتكِلْ اراد يتكل عليه، حكاه سيبويه. وقوله:) من تعرضه (اراد: قتل من تعرضه، فحذف المضاف، لمكان العلم به، وأقام المضاف إليه مَقامه، و) مَنْ (: في موضع المفعول الثاني بوعدت.

وله ايضا:

ألا كُلُّ ماشِيةِ الخيزليَفدا كل ماشيةِ الهيدَبي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

الخَيزلي: مِشيةٌ من مشي النشاء، فيها تخُّزل وتفكٌّك. والهيدبي) بالدال والذال (: أعلى من مِشية الخيل والإبل، فيها سُرعة. فيقول: كل امراة معشوقة التحرك فدا ل ناقة وجَمضل من الإبل التي خرجت عليها من مصر، لما نلت بها من الضيم، وقد بين ذلك بقوله بعد هذا:

.........ومَابِيَ حُسْنُ المِشى

أي ما على من حسن مشية النساء لأني لا أعني بذلك، وإنما أعنى بطلب النجاة، ومحاولة المُعالاة، وإرغام العُداة، وقد بين ذلك أيضاً بقوله:

وَلكِنهُن حِبالُ الحياةوكيدُ العُداةِ وميطُ الأذى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

اي هن أسباب الحياة، فوضع الأسباب لان السبب من أسباب الحبل) وكيد العداة وميط الأذى (اي وسبب كيد العُداة أكيدهم بها، وسبب ميط الأذى أيضا. فحذف المضاف، وأقام المضاف اليه مقامه.

وإنما تأولنا ذلك، لان الخيل لا تكون في الحقيقة كيداً ولا ميطاً، إذ الخيل جوهر، والكيد والميط عَرَضان، والجوهر والعرض ليسا من باب) هو هو (، بل هما من باب الغير. وقد يجوز أن يجعل الخيل هي الكيد والميط، على سعة الكلام، كأنها لما كانت سبب ذينكِ، كأنها هُما.

وقد ذهب سيبويه إلى الوجهين جميعاً في هذا الضرب، إعنى كقولهم: ما زيد إلا أكلٌ وشُرب، فإنما هي إقبالُ وإدبار.

قال: جعلها الإقبال والإدبار على سمة الكلام، وإن شئت على الحذف، كما قدمنا.

فَمَا كَان ذلك مَدحاً لهُولكنه كان هَجْو الوَرى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

اي إذا كان مقصودهُم وممدوحهم مثل كافور، فكفى بذلك هجواً لهم.

وإن شئت قلت: أحوجني الوَرَى إلى مدح كافور، وذلك سَفهُ، فكان ذلكم المدح هجوا لهؤلاء، إذ لو كانوا كُرماء أحراراً، أغنوني عن مدحه، والتعرض للقائه.

وله ايضا:

قال الزمانُ لهُ قولاً فأفهمهُإن الزمان على الإمساكِ عذال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يقول: من رأى المسكين خشية الإقلال، وموتهم عن الأمول، وتخليتها للأعداء الأضداد غير الشكال، فقد اراه الزمانُ فيهم العِبَر والغير، فكأنه قد حذره الإمساك، ولاَمهَ على ذلك، وليس للزمان على الحقيقه قولٌ، لان الزمان عَرضٌ مُتولد عن حركة الفلك، وليس للعرض قول، إنما هو للجوهر الناطق، لكنه لما اتعظ بتصاريفه، ومشاهدة تكاليفه، صار كأنه لهُ لائمٌ ومثله كثير.

والقول الذي قاله الزمان، إنما هو: لا تمسك المال، فإنك إن فعلت ذلك كان عليك حُوبُه، وللوارث لذته وطيبهُ.

وقد ألم الحارث بن حلزة بهذا المعنى في قوله:

لا تكسعِ الشول بأغبارهاإنكَ لا تدرِي من الناتجُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «يا أيها المزمع ثم انثنى»
القائدُ الأسد غذتها براثُنهبمثلها من عداهُ وهي أشبالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

براثهم: سيوفهم. وأما البرثن في الحقيقة، فهو المخلب، لكن السلاح للإنسان كالبراثن للسباع، اي انه يسير للهيجاء في غلمانه الذي رباهم وضراهم وثيتهم لسلب عداه، الذين هم مثلهم في الشجاعة، وذلك من حد صغرهم إلى كبرهم، وقوله: وهي أشبال: جملة في موضع الحال، إذ رددتها إلى المفرد، فكأنك قلت: غذتها براثنهُ صغاراً، والشبل: ولد الأسد.

وقد يُلقبهُ المجنُون حاسدُهُإذا اختلطن وبعضُ العقل عُقالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

معنى هذا أن) فاتكا (كان يُلقب) المجنون (، وهو لقب له - كما تراه - قبيح، فاحتال المتنبي، لتأوله على أحسن الوجوه، فقال: إنما جنونه إذا تزحمت السيوف، واختلطت الصفوف، في الاقتحام والاهتجام. ثم قال: وبعضُ العقل عُقال: لان الجُبن يتصور لأهله في مَعرض الحزم والعقل، وهو مذموم. وعُقال: اي انه يعقلهم عن الجراءة، لان العُقال ظَلع يكون بالبعير ساعة ثم ينشط.

إذا العدا نشبت فيهم مخالبُهلم يجتمع لهُمُ حلمٌ ورئبالُ

هذا تفسير للبيت الأول، واعتذار من تلقيبه) المجنون (. يقول: فهو في الحرب أسد، والأسد لا يُوجد عنه الحلم، فلا يُلامن في عدمه الحِلم، كما لا يلام الأسد، ولا يُسمينَّ) مجنوناً (لانه قد تحول في الحرب عن طبيعة الإنسان، إلى طبيعة الأسد، وإنما كان يسمى) مجنوناً (لو فارق الحلم وهو في النوع الإنساني، فلا يصح عليم اسم الجنون كما لا يصح على الأسد.

والرئبال: الأسد يُهمز ولا يهمز. وليس ترك الهمز فيه على التخفيف القياسي، إذ لو كان كذلك لم يقل في الرئبال والريبال. إنهما لُغتان، كما لا قول في) ذيب، وذئب (أنهما لغتان. وذلك أن تحقيق الهمز وتخفيفه لا يُسمى فيهما لغة، ما دام التخفيف قياساً، إذ التخفيف على القياس في فئة المحقق. ويدلك على أن) ريبالا (ليس بتخفيف قياسي، وإنما هي لغة قولُهم في جمعه: رَيابيل. فلو كان) رِيبالا (على التخفيف، لقيل في جمعه) رآبيل (لان العلة التي كانت تقلب الهمزة ياء، وهي الكسرة في رئبال، وقد زالت في حد الجمع، وعاقبتها الفتحة. وينبغي أن يكون وزن الكلمة) فِعلالا (. وإن كانت الياء لا تكون أصلا في بنات الأربعة، وأمثال ذلك إن كانت زائدة كان في الكلام فِيعَال. وهذا بناء قد نقاه سيبويه عن الأسماء، إنما هو للمصادر.

فلما كان ذلك أشذذنا) رِيبالاً (فجعلنا الياء فيهِ أصلا لعدم) فِيعَال (في الاسم، كما حملت الضرورة سيبويه، على أن يعتقد الواو في) وَرَنتل (أصلاً، وإن كانت الواو لا تكون أصلا في بنات الأربعة.

ومن العرب من يقول:) رَئبال (بفتح الراء فإذا جاز ذلك، فالياء حينئذ زائدة وليست من لفظ رئبال، ولو أسعده الوزن والقافية فقال) حلمٌ ورأبلة (لُيوفق بين المصدر والمصدر، لكان أذهب في الصنعة.

فقد قالوا:) ما اشد رأبلته (. وحكى ابو زيد عن العرب: خرج المُترأبلُون) وهم المتلصصون (ليلاً كالأسد.

واستجاز أن يجعل لفاتك مخالب، وإنما المخالب للسبُع، لكن سوغه ذلك جعلُه إياه رئبالا. والرئبال ذو مخالب، لان المِخلب للسبُع كالظفُر للإنسان.

أنالهُ الشرف الأعلى تقدُمُهُفما الذي بتوقي ما أتى نالُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

اي توخي التقدم في جوده وجُرأته، فنال بهما الشرف، على أن الجود يفقر، والجُرأة تُهلك. فما الذي ناله غيره بتوقيه القفر إن جادَ، والموت إن أقدم؟ وله ايضا:

وَصلت إليك يدٌسواء عندها البازىالأشيهبُ والغُرابُ الأبقعُ

يعني بذلك الموت، جعل له يداً، لقولهم: أخذه الموت إذا الأخذ أكثر ما يكون باليد. ولذلك سَموا القُوة يداً، لأنها إنما تكمل باليد، اوقعوا اسم الجارحة على العَرَض. وقوله:) سواء عندها البازى الأشيهبُ والغُرابُ الأبقعُ (: ضرب البازي مثلاً للأرفع، والغراب الأبقع مثلا للأوضع، اي الموت يُسوى بين الفاضل والمفضول، والرفيع والوضيع، حتى لا يفرق بينهما، بل هما متساويان فيه، وكلاهما طُعمة لفيه، فهو نحو قول الآخر:

لو كُشفت للناس أغطيةُ الثرىلم يُعرف المولى من العبدِ

اي قد استويا في التغير بالمنزلةز ونحو قول المتنبي ايضا:

يموتُ راعي الضأن في جهلهِمِيتة جاليُنوسَ في طِبه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقوله:) سواء عندها (: خبر مبتدأ مقدم، والبازى الأشيهب، مبتدأ. وانما آثرنا ذلك، لان) سواء (نكرةٌ وإن تقوى بقوله:) عندها (. و) البازى الأشيهب (معرفة. وإذا اجتمع معرفة ونكرة فالمبتدأ المعرفه، والخبر النكرة، ألا ترى أن سيبويه لما قال في قوله: مررت برجل سواء هو والعدلُ، حين فرغ من الجر،) وإنما جعلت هو مبتدأ، حذراً أن يوُهمك أن) سواء (هو المبتدأ (.

وقطع ألف الوصل في قوله:) والبازى الأشيهب (لانه في أول المصرع الثاني، فكأنه آخذ في بيت آخر. وهذا مما أجازه سيبويه في الأنصاف خاصة. قال: إن الأنصاف مواضع فُصول وأنشد:

ولا يُبادُر في الشتاء وليُدناالقدر يُنزلُها بغير جمالِ
وَتصالحتْ ثمرُ السياط وَخيلُهُوأوَت إليها سُوقُها والأذرُعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

ثمر السياط: عُقد عذباتها. وقيل: أطرافها، وهو الصحيح. وجعل الثمر لها تنممي استعارة، وحسن ذلك أن الثمرة إنما تكون في طرف العود. وإما ما رُوى عن مجاهد في قوله تعالى:) وكان له ثمر (من أن) الثمر (الذهب والفضة، فإنما هو عندي على التفاؤل وذلك أن الذهب والفضة جماد، والجماد لا ينمي والثمر نام، فسُمي هذا الذي لا ينمى باسم الذي ينمى تفاؤلا. يقولم إنه كان يُديم ضرب الخيل بالسياط، لحرب عدو، او لمحاولة فتنة، او لطرد قنص، فكأن السياط كانت محاربة للخيل تؤلمها، والخيل محاربة لها، بكراهتها إياها، فالآن إذا مات لم يبق من يزجُرُ خيلاً إلى الحرب، ولا نهب، ولا طرد، فكأن ثمر السياط قد صالحت خيله حتى سكنت إليها سوقها وأذرعها، لما فقدته من ضربها. وقوله: أوت: اي رجعت آمنة لها، ساكنة إليها.

وله ايضا:

حتأم نحُن نُساري النجم في الظلمِوَما سُراهُ على خُف ولا قَدَم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»

يعجب من طول مساراته للكواكب، على أن سُراه هو متكلف. وسرى الكواكب طبيعي فيقول: كيف أقدر بهذه السُّرى المتكلفة على مسايرة النجم ونحن على خف وقدم، وكلاهما حيوان، وذلك نور يسير بجرية الفللك؟ وحذف الألف من) ما (لان) ما (إذا اتصلت بحرف الجر في حد الاستفهام حذفت منها الألف، فحتى بمعنى إلى، فكانه قال:) إلى ما؟ (إلى إلى اي وقت؟

وضلاَيُحسُّ بأجفان يُحس بهافقد الرُّقادِ غريبٌ بات لَم يَنم

اي والنجم مع خفة السُّرى عليه، وهوانها لديه، لا يُمنع رقاداً كما نمنعه نحن، فكلفتنا أشد، بل الكُلفة لنا خاصة. ومعنى قوله:) فقد الرقاد (: لطيف، لان ما ليس في طبعه أن يَرقُد، لا يقال فيه) فَقد رُقاداً (وإنما اراد أن النجم ليس بحيوان يغذوه النوم، ويُصلح شأنه، فإذا سرى فقدَ الرقاَ فآذاه ذلك. وقوله:) ولا بحس بأجفان (: نَفي عنه الأجفان، لان الجفن إنما لذي الرُّوح.

فيقول، ليس النجم بذي رُوح فيكون له جفن ينفعُه الكَرىَ، ويضره السَّهر. وبنفي هذا العضو الجسماني، أخرج النجم من النوع الحيواني.

وَنترُكُ الماء لا ينفك من سفرٍما سارَ في الغيمِ منه سار في الأدمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»

أما سيره في الأدم، وهي الأدواي، فلعمري إنه لهم وبإرادتهم. وأما سيره في الغيم فلمُجريه ومنشئه سبحانه. لكنهم لولا أنهم أودعوه مَزادَهُم، وجعلوه زادهم، لم يكُ دَهره كله مسافراً، ولكان مسافراً في السحاب، وحالاً في التراب، فلما كان إدامة سفر الماء إنما هو بكونه في السحاب، وَتَزوُّد هؤلاء اياها، صار كأن كلا السَّيرينِ بملكهم.

وقيل؛ لما كان حَمله في المزاد نتيجة كونه في الغيم، جعلوا السبب والمسبب كالشيء الواحد. ومثله في القرآن والشعر والكلام كثير.

تَبرىِ لهُن نعامُ الدو مُسرحيةًتُعارضُ الجُدلُ المُرخاةَ بالجمِ

تَبرى: تُعارض. ونعام الدو: يعني به الخيل. وبقوله:) مُسرحية (: فصلها من النعام الوَحشي، لان نوع النعام لا يُسرج اذ لا يُركب. والجُدُل: جمع جَديل، وهو حبل مفتول من أدم، يكون في عُنف الناقة والبعير.

يقول: فإبلُنا طوال العناق كخيلنا، فأعناقها تُعارض أعناق الخيل، وأقام الجُدل واللجم مُقام الأعناق، لان فيها دليلا عليها، إذ لا يكون إلا هناك. وما احسن ذكر اللُّجم مع قوله:) مُسرحيةً (.

تبدو لنا كُلما ألقوا عمائمهُمعمائم خثلقتْ سُوداً بلا لُثمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»

يصف غلمانه، ويذكرهم بالمروءة. يقول: كلما سَفروا عمائمهم بدت لنا عمائم سُود، يعني لمهم، واثبت العمائم لهم، لان العمائم على الهام، وشعور المُرد انما هي هناك. ونفي اللثُم عن عمائمهم التي عنى بها الشعر، لان اللثام ما سال على الخد من العمامة. وهؤلاء مُردٌ لا شعور في خدودهم، فتص شعور رؤسهم فلذلك جعل اللمم عمائم) بشعور رؤسهم (دون لثم، وهذا مليح جداً.

ناشُوا الرماح وكانتْ غير ناطقةٍفعلمُوها صياحَ الطيرِ في البُهَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»

النوش: التناول.) باتت تنوشُ الخوض نوشاً من علاَ (.

وفي التنزيل:) وأني لهم التنَاوُشُ (اي التناول للنجاة، والبُهم: الشجعان، واحدهم بُهمة. يقول: تناولوا الرماح وهي خُرسٌ في حال تناولهم إياها، فدقوها في الأبطال، حتى صاحت صياح الطير، فحكى بذلك نغمة انكسارها في المطعون بها، كقول الآخر:

تصيحُ الرُّدينيات فينا وفيهمُصِياحَ بناتِ الماء أصبحن جُوعا

وقوله:) وكانت غير ناطفة، فعلموها صياح الطير (: يشعر أنها ناطقة إذا صاحت. وهذا مقطع شعري، لان الصياح ليس بمنطق. وإنما المنطق عبارة عن النطق المتصور في النفس، وهي الفكرة الباعثة على المنطق.

فإما قوله تعالى:) عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ (فإنما ذلك على أن الله تعالى قد جعل للطير ما تعبر به عن ذواتها، إلا أن ذلك لا يتأدى إلينا نحن، وإنما خُص لفهمه سليمان صلى الله على محمد وعليه، وذلك انه فهم من نَغم الطيور ما نفهمه نحن في هذا النوع الإنساني بالمنطق.

مَنِ اقتضى بسضوى الهندِى حَاجتهَأجابَ كل سُؤالٍ عن هلِ بلمِِ

اي من اقتضى حاجته أوسألها من غير أن يُعمل لإدراكها سيفاً او رمحاً، لم تُقض له. فكلما قيل له: هل قضيت حاجتك او أدركتها، كان جوابه لم أقض ولم أدرك، وإنما يدرك حاجته من اقتضاها بالسيف والرمح. وجعل) هل (، و) لم (اسمين للحرفين، فصرفهما، لأنها على شكل فمٍ ودم. إن شئت قلت: اراد) لَمْ (بسكون الميم، ثم تصور الوصل فالتقى له ساكنان، فحرك الميم لالتقاء الساكنين، وكان يجب أن يقول: أجاب كل سؤال بهل، لان السؤال ليس عن هل، إنما المبحوث بهل عن غيرها، كقولك: هل في العالم خسوف قمر، فالسؤال إنما وقع عن الخسوف القمري بهل، لا عن هل وهي عند أصحاب المنطق أول منازل البحوث، لأنها إنما يُسأل بها عن الآنية لكن لما كانت هل منتظمة للقضية المسئول بها عنها وكانت تلك يتعدى السؤال إليها بعن، استجاز أن يجعل السؤال عن) هل (اضطراراً.

وإن شئت قلت: أبدل) عَنْ (مكان الباء، لان حروف الجر يبدل بعضها من بعض كثيراً. وحسن له ذلك، انه لو أسعده الوزن فقال:) بَهلٍ بلمِ (توالت الباء في الحرفين. فهذا ما يعتذر له به.

وخص الهدي، وهو السيف، بتبليغ الأمل دون الرمح، لان العمل بالسيف أدل على الاجتهاد، وأوصل إلى المراد، كقوله هو:

ومن طلبَ النصرَ العلى فإنمامفاتيحه البيضُ الخفاف الصوارمُ
صُنا قوائمها عنهُم فَما وقَعَتْ

مَوِاقع اللُؤم في الأيدي ولا الكَرم (

ويروى) ولا الكزم (فمن رواه ولا الكرم، فمعناه: لم يقبض على قوائمها قبض اللئيم يده، اجتهاداً في محاربتهم، وذلك لقلتهم عندنا، ولصوننا سيوفنا عنهم، ولم نمُد بها إليهم صفحات أكفنا، كما يتوعد المشير إلى سيفه، باسطاً يده كما يبسطها الكريم، بل حَقَرناهم على الحالين معاً، فلم نُعمل فيهم السيوف كذا ولا كذا.

من رواه الكَزَم: اراد: لم نشدُد أيدينا عليها شَدَّ اللئيم الأكزن، وهو الذي قصر اللؤن أصابعه، كقولهم فيه: كَزُّ البنان؛ وجَعدُ البنان، وقولهم في ضده: سبطُ البنان. والرواية الأولى اعلى.

تخذى الركابُ بنا بيضاً مَشافرُهاخُضراً فراسنُها في الرُّغل والينم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الرغل والينم: نبتان. إما ابيضاض مشافرها فإنهم لا يهنئونها الرعي، من حثهم إياه، ومواقعتهم السير، فلا تبلغ من الرعى اليسير أن تخضر مشافرها، إنما كانت تخضر لو أنعمت الرعى.

ويدلك على صحة ما ذهبنا إليه قولُه:

....... نَضْرِبُهاعن منبتِ العُشب نبغِى مَنِبتَ الكَرَمِ

أولا تراه يصفها بأنه يقَدعُها عن الرعى، ويحثها على المشي.

وإما اخضرا فراسِنِها فلإدامتها السير في الكلأ، وأنواع النبات الأخضر. وخص الرغل واليَنَم لأنها مما يغلب على منابت الحَمض.

هَون على بَصرٍ ما شقَّ منظرُهُفإنما يَقظاتُ العَينِ كالُحلُمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»

اي ما شق عليك النظر إليه، والمشاهدة له، من أنواع المكاره فهونه على عينك، فكل موجود معدوم بعد وجوده، كان خيراً او شراً.

وقوله:) فإنما يقظات العين كالحُلُم (اي كل ما تشاهد في اليقظة في قلة الدوام، في منزلة ما يُشاهد في الأحلام.

وإن شئت قلت إن المشاهدة في اليقظة غير حقيقة. كا أن مشاهدة ما في المَنام كذلك، مبالغة بقلة تحقيق الأشياء. والقول الأول أسوغ وأبلغ.

ما زلتُ أضحكك إبلى كلما نظرتإلى من اختضبتْ أخفاَفُها بدمِ

يذهب إلى احتقار كافور حتى إن إبله لتزدري مقصوده، فتضحك منه ومن القاصد. يقول: إلى مثل هذا الصنف اعمالنا وجهدنا، حتى اختضبت بالدم أخفافها، واراد إلى منِ اختضبت أخفافها بدم إليه فحذف الجار والمجرور، وحسن حذف ذلك، لأن إلى قد ظهرت في الكلام، وان لم يكن من سبب تلك المحذوفة. ونحوه ما أنشده سيبويه:

إن الكريم وأبيك يَعتمِلإن لم يَجدْ يوماُ على مَنْ يتَّكِلْ

اراد يتكل عليه. ونسبة الضحك إلى الإبل مثلٌ شعري غير حقيقي، لان الضحك خاصة للإنسان، والخاصة لا تتعدى مخصوصها.

وله ايضا:

وبالسُّمرِ عن سُمر القنا غير أننيجناها أحبائي وأطرافُها رُسلي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

يُغرب بذاته في العشاق، وبحبائبه في المعشوقات. اي أنه لا نظير له في الحب، لأني إذا ذكرتُ البيض في شعري، لم اعنِ النساء، واذا ذكرت السُّمر؛ فإنما إعنى الرماح، ولكن إنما أحبائي، الأرواح التي تجْنيها لي من أجسام أعدائي، وأطرافها رُسلي، اي أسنتها هي التي تقوم مقام الرُّسُل إلى الأحباب. اي إنما أتوصل اليها بها، كما أتوصل إلى المحبوب بالرسول.

وجعل أرواح عداه جنى على المثل، لأنها حياة في الحقيقة، لأن الحياة نوع من النامي، والروح عندنا ليس بنام، واراد رُسُلي فخفف، وهي لغة تميم.

فَما حَرَمت حسناء بالهجرِ غبطهًولا بلغتها من شكى الهجر بالوصلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

ويُروى) بما حَرَمَتْ حسناء (. نهى عن الحرص على النساء، اي إذا هجرتها ثم وصلتها كنت أحسن موقعاً عندها، وأنشط لها، فزادت الغبطة. فإذا لم تَحرم هي، فهجرتُك اياها إذا عادت الغبطة بوصلك لها، بعد هجرك إياها؛ أبلغ. وإذا شكوت إليها الهجر وتذللت، هُنت عليها، فمنعتك وصلها، واما رواية من روى) فما حَرَمتْ حَسناء (وهي الصحيحة، فمعناه: لم تحرم امرأة محبوبة محبها غبطة بهجرها إياه، ولا بلغت شاكياً شكى إليها هجراً غبط بوصلها اياه. يذهب إلى التهاون بأمر النساء، اي إنهن لا يُتحن بهجرهن لك عدم غبطة، ولا بوصلهن إياك وجُودها. والهاء في قوله: بَلَّغَتها: عائدة إلى الغبطة، اي ولا بَلغتْ مُحبها غبطة يوصلها له. و) منْ (في موضع نصب لأنه مفعول ثان لبلغت.

وإن شئت كان) مَنْ (هو المفعول الأول، و) ها (من) بلغتها (هو المفعول الثاني. وهذا كما تقول: كَسَوْتُ زيداً الثوب، وكسوت الثوب زيداً. و) حسناء (ها هنا: صفة أقيمت مقام الموصوت، اي امرأة حسناء. وقد غلبت هذه الصفة غَلَبة الأسماء، وهي من باب) فعلاء (التي لا أفعل لها من جهة السماع.

وله ايضا:

تَعسَ المهَارى غير مَهريٍّ غَدابُمصورٍ لبس الحرير مُصورا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

تعس المَهاري: دعاء على نوع المهاري، وهي إبل منسوبة إلى مهرة ابن حيدان. وإنما دعا عليهن، لأنهن جُندُ البينَ، ومُقطٍّعةٌ ما بين الحبيبين، اي أتعسهُن الله فلا انتعشنَ. ثم استثنى منها) المَهري (الذي ركبته محبوبتُه.

وقد كان أولى أن يُدعى عليه من سائر المهاري، لانفراده بالحبيب، وحمله إياه، لكن استثناه، لأنه يحمله، فيقيه الرُّجلة، وما يلحق معها من الكسل والكَلَل. وقوله:) بمصور (: اي بستر رُقم عليه صورة شخص قد لبس حريراً مصوراً، ومن عادة عقائل العرب رَقم الحجال، كقوله:

كأن فُتاتَ العِهن في كل منزلٍنَزلنَ به حبُّ الفنَا لم يُحطمِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح المشكل من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.