تجاوز إلى المحتوى

من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)

شرح المشكل من شعر المتنبي (١٣)

وذلك أن حب الفَنا أخكر، مالم يكُسر ذهبت حمرته.

وإن شئت قلت:) بمصور (: يعني هودجاً عليه حرير مصور، وإنما جعل الهودج مصوراً، لأنه ذو شكل، وكلُ شكلٍ مُصور.

نافستُ فيه صُورةً في سترهالو كُنتُها لَخفيتُ حتى يظهرا

كان دُون هذا المحبوب ستر فيه صُورة. فيقول: حَسَدت هذه الصورة على قربها منه. فلو كنت مكان الصورة، أو كنت إياها: لَخَفِيتُ فزُلت عن وجهه، ليزول الستر، فتظهر للعيون.

فإن قلت: لا يلزم زوال الستر الحامل الصورة، لمكان زوال الصورة، لأن الصورة تخطيط موضوع فيه، والتخطيط عَرَض.

قلنا: لو ارتفعت الصورة المنتقشة في ذات الستر، لارتفع الجوهر الحامل لها. وإنما ارتفاع التخطيط عن المخطوط، وبقاء الجوهر بعد ذلك مُتَوَهمٌ لا مَوجُود.

وإذا تأملت البيت فهو شعري لا حقيقي، لان من الصور الموضوعية في الثياب ما يمكن إزالته، ومنها مالا يمكن. وأحسن مافي ذلك أن يقال: إن المتنبي عنى الصورة بالخرقة الحاملة لها.

لاَتتربِ الأيدي المُقيمةُ فوقهُكِسرى مُقام الحاجبِيِن وقيصرا

كِسرَى وكَسرَى: لغتان. واختار ابن السكيت الكسر. وقالوا: تَرب الرجل: قل مالُه، وأترب: كثر ماله. اي لا تفتقر الأيدي المصورة التي أتقنت هذه الصورة صنعاً، وأجادتها وضعاً، فأقامت كسرى وقيصر ملكي فارس والروم لها مُقام الحاجبين، فحجباها وإنما عنى بذلك صورتيهما لا ذواتهما، لان ذلك ليس في الإمكان، إذ الصورة الصناعية لا تقبل طبيعة الحيوان.

ولو استطعتُ إذا اغتدت رُوادُهُملمنعتُ كل سحابةٍ أن تقطُرا

الرُّوادُ: منتجو الكلأ، وافتراق العرب من حلالها إنما هو للنجعة بهم، يقدمون الرُّواد ليخبروهم بمواقع الماء، في مواضع الكلأ. وفي المثل:) لايكذب الرائدُ أهله (. فإذا أخبرهم بوجود ذلك ظَعنوا. وان أخبرهم بعدمه، سكنوا فلم يظعنوا. فإذن إنما سبب الفراق نزول المطر، وظهور الخُضر. فيقول: لو كان في قوتي أن تطيعني السحاب، لنهيتهن عن المطر، لئلا يجد رائدهم أرضاً مُخصبة، ولا روضة مُعشبة، يدعوهم إليها، ويدلُّهم عليها. فلو كان ذلك من قوتي لم يفارقوني.

فإذا السحابُ أخو غُراب فراقهمْجعل الصَّياحَ ببينِهْم أن يُمطرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

هذا البيت تفسير للأول، وهو عندي داخل في نوع التضمين، وإن لم يكن منه على الحقيقة، وذلك انه محمول على المعنى. أراد: لأني تأملت بينهم، فوجدتُ سبَبَه إنما هو النُّجعة. وهو كقوله تعالى:) فَقُلنا اضْرِبْ بعَصَاكَ الحَجَر فانْفَجَرت منهِ أثنتاَ عَئرة عيناً (اي فضرب فانفجرت، فكذلك اراد المتنبي، لأني تأملت فإذا الأمر كا، لان المطر إذا وافى، خرجوا في إثره منتجعين له، فصار السحاب بمنزلة الغُراب، في أن أمطاره مشعرة بالبين، كما أن صياح الغراب معلن بذلك عن العرب، وجعله إذن غراب فراقهم، ذهاباً إلى شَبهه به، لان الأخوين في غالب الأمر متشابهان. اي أقام السحاب والأمطار مقام صياح الغراب، في الإيذان بنواهم، وبُعد مثواهم. و) جعَل (هاهنا، بمنزلة صير، فهي متعدية إلى مفعولين؛ كما أن صير كذلك. وذكر السحاب لأنه مما ليس بينه وبين واحده إلا الهاء. وسوغ التذكير في هذا الضرب من الجمع خروجه إلى شكلِ واحداه.

يحمِلْن مِثل الرَّوضِ إلا أنهاأسبى مهاةً للقلوب وجُؤذُرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

شبه ما عللا الهوادخ من الحرير المزين، والوشيب الملون؛ بالروض الذي سارت فيه إبلُهم، في تَزاهي نواويره، وتخايُل أزاهيره. والمها: وهي بقر الوحش؛ عقائلُ الخمائل الأريضة والحقوف المريضة؛ كقول ابن مقبل يصف بقرة وحشية:

عقبلةُ رملٍ في حُقٌوفهرَخَاخَ الثرى والأقحوان المُديما

فلما جعل الوشى وما على الهوادج من صنوف الرقم بمنزلة الرياض، جعل ما يستُره من النساء بمنزله المَهَا والجآذر. وذلك في النجلِ والكَحل. ثم استثنى فقال إلا أن ما على الهودج من هذه المها أسبى مهاةً وجُؤذرا للفؤاد، من هذا الروض الباقي. فكأنه قال في كل ذلك: سِرنَ في الروض بمثل نقوشه، من رقُوم الهَوادج، وحَمَلن مثل وحشها من رباتها كقول البحتري:

لما مشين بذي الأراك تَشابهتأعطافُ أغصانٍ به وقُدودِ
في حُلتي حِبر وَروض فالتقىوشيان وشىُ رُباً ووشىُ بُرودِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «شغلان من عذل ومن تفنيد»

ومثله قوله؛ أعنى المتنبي:

إذا سَارتِ الأحداجُ فوق نباتهتَفَاوَح مِسكُ الغانياتِ وَرَندُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

واراد: أسبى مهاة للقلوب، وجؤذراً منه فحذف) من (ومثله كثير.

فَبِلَحظها نكرتْ قناتي راحتيضعفاً وأنكرَ خاتمايَ الخِنْصَرَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

اي بُليت بعشقها حتى بليتن فضعفت راحتي، عن حمل قناتي، فأنكرتها كأن القناة تقول: ليست هذه اليد التي عَهدتها، ولا القوة التي شهدتها؛ وكذلك دقت خنصري، ورقت عن خاتمي؛ حتى أنكرها، لما رأى فيها من خلاف ما كانت عليه. وأراد: وانكر خاتمي؛ فوضع الاثنين موضع الواحد، كقول امرئ القيس:

وعينٌ لها حَدرَةٌ بَدرةٌشُقت مآقيهما من أخر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

وهذا الضرب من الاتساع وعكسه كثير؛ ونَكِرَ وأنكَرَ. لغتان فصيحتان؛ جمع بينهما في بيت واحد. وهذا من غريب الصنعة الشعرية.

أمى أبا الفضلِ المثبر أليتيلأيممن أجل بحرٍ جوهرا

اي اقصدى أيتها الخيل أبا الفضل؛ الذي لما حلفت فقلت:) لأيممنَّ أجل بحر جوهراً (والله او غير ذلك من أنواع المقسم به، ثم قصدته؛ فألقيته أجل البحور جوهراً، أبر بذلك يميني. وقوله لأيممن أجل بحر. تفسير الألية.

أنى لما حلفت لأيَممن أسنى البحور جوهراً، لم أعلم اي البحور هو وقد لزمتني الألية؛ فاستفتيت فقهاء الأنام ومتفلسفيهم؛ فأفتوا به وقالوا: إذا يممت أبا الفضل ابن العميد، فقد بَرَرت لنه أجل جوهراً، وجلالة الجوهر كناية عن جزالة العطاء ولو قال: أفتى بأمه الأنام فاتزن له؛ لكان أشد تطابقاً لما قبله؛ ولكن لم يستقيم فيه الوزن. وسوغ ذلك أنه إذا كانت رؤية فقد كان أم. وهذا لا ينعكس، لأنه قد يكون أمٌّ ولا رؤية.

خَنثى الفُحُول من الكُماة بصبغهِما يَلبسون من الحديدِ مُعصفرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

) خنثى الفحول من الكماة (: خَنَث اللهُ الخَنِث: خلقه خُنثىَ. وهو الذي لا يخلُص إلى الإناثية، ولا إلى الذُكورية. والمعصفر: من زى الإناث، وذوى الانخناث. فيقول: صير الفُحول من الكماة إناثاً، بصبغة ما يلبسون من الدروع والجواشن والبيض بالدم. فزياهم زي النساء، وألحقهم بهن في الجُبن، بما ألقى في قلوبهم من الرعب.

فَدَعاك حُسدُك الرئيس وأمسكُواودعاكَ خالقكُ الرئيس الأكبرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
خَلَفت صِفاتُك في العيون كلامهُكالخطَّ يملأ مسمَعَي من أبصرا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اي أن حسادك لم يجودا بُدا من أن يدعوك رئيساً، إذ لو حَجضدوا ذلك لما جُومِعُوا عليه، ولا طُووعوا بالإجابة إليه. لكن لم يبلغوا الغاية في إنصافك، حين لم يسموك الرئيس الأكبر. وأنصفك خالقك، فدعاك بما قصروا هم عنه، فدعاك الرئيس الأكبر. ثم أقام البرهان على هذه الدعوى الحقيقية. فقال: لك صفات توجب لك أن تسمى الرئيس الأكبر، فكأنها خُط فيها حكاية قوله تعالى:) إنك رئيس (وإن كنت لا تسمع.

وَترَى الفَضِبلة لا ترُدّ فضيلةًالشمس تشرقُ والسحابَ كَنَهورا

الكَنَهور: السحاب المتراكم: أنشد سيبويه: كنهورٌ كان من أعقاب السُّمى وإشراق الشمس وتكاثف السحاب، فضيلتان ذديتان. والضدان مختلفان؛ لا مؤتلفان. ومُعْتقبان لا ملتقيان. وهذا الممدوح قد جمع إشراق الشمس، وتكاثف السحاب، لأنه مستبشر الوجه جميله، مستبشر النيل جزيله، فالإشراق بشره وجماله، والأمطار برُّه ونوالُه، وهذا كقوله فيه: وأحسنُ ذي وجهٍ، وأسمعُ ذي يدٍ وأشجعُ ذي قلب، وأرحُم ذي كِبد فجعله حسناً سمحاً بهذا، كوصفه إياه بالشمس والسحاب، فيقول: ليت هذه الباكية التي أبكاها نواي عند وداعها إياي، شهدت ما شهدته من هذه القضية، فتعذرني فيما رأتني عليه، من اجتماع النية، وإزماع الطية، إلى هذا الممدوح، لمشاهدة ما فيه من الأمر العجيب، والفضل الغريب.

وقله:) الشمسَ والسحابَ (، بدل من الفضيلة، وهو محمول على المعنى، لان معناه، فترك فضيلتين لا تَتَرادان، على ما هما به من كونهما نوعين متضادين، ولو قال) الشمسَ والسحابَ (لكان حسنا، لكنه تمم بقوله:) تشرق (لقوله:) كَنَهورا (، في صفته، فإذا وقع التناهي، فكانت الشمس مُشرقةً، والسحاب كَنَهوراً، لم يمكن اجتماعهما.

وله ايضا:

كُلما قال نائلٌ أنا منهُسَرَفٌ قال آخرٌ ذا اقتصادُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

اي كلما استعظم منه نائل يُعد سرفا، أعقبه نائل أعظم منه يَعُدُّ ذلك النائل الأول الذي كان يستسرف اقتصاداً، بإضافته إلى الثاني، وليس للنائلين منال، لكن القول لما كان من أجملها، نَسب القول إليهما.

قَلدتني يمينهُ بحُسامٍأعقبت منه واحداً أجدادُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

اي نُسب إلى الهند، كما ينسب الشريف إلى الجد.

يقول: إن الهند لم تطبع له نظيراً يكون له ثانياً، فقد أعقبت منه واحداً، و) مِنْ (ها هنا للجنس. ولولا القافية لقال: آباؤه، مكان قوله) أجدادُه (، لان الجد اعم من الأب، فكل جد اب، وليس كل أب جدا.

كُلما استُل ضاحَكَتهُ إياهُتزعُم الشمسُ أنها أرآدُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

اي كلما استُل هذا السيف، ضاحكته أنوار فرنده، تدعى الشمس أنها أرآدُه، وأرآد الضُحى: ماؤها ورونقُها. فيقول: الشمس تدعى إنها من ماء هذا السيف، وأراد أنها أرآده من أجلها، اي من أجل الإياة. وقد يجوز أن يكون الأرآد هنا: جمع ريد، وهو الترب والمثل، والأول أسبق.

مَثلُوه في جفنهِ خِيفة الفقدفقد مِثلِ أثره إغمادُه

أثر السيف: فرنده. يقول: حلوا جفنه بالفضة، فهو يحكيه بياضاً وصقالاً، وعلى الفضة نقش سواد، يحكي أثره نقشا، فكأنهم إنما فعلوا ذلك، لأنهم لم يصبروا عنه لجماله حين واراه الغمد، فصوروا عليه مثل صورته، لئلا يفقدوه البتة، هذا معنى قوله: خشية الفقد، اي خشية فقده.

فَرَّسَتنا سَوابقُ كُن فِيهِفَارَقت لبده وفيها طرادُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

فرستنا: يعني هذه الخيل السابقة، التي جاءته مع السيف، في جملة عطايا أبى الفضل. وقوله: كُن فيه، الهاء راجعة إلى الندى.) فارقت لبدء (: اي فارقت سرج هذا الممدوح إلى سَرجي، واللبد ليس بكلية السرج، ولكنه طائفة منه، فكنى به عن كُله، ومثله كثير) وفيها طرادُه (: اي ذكرها سائر في الارض، فكأنها بعدُ في طرا، وإن استراحت لدينا. وإن شئت قلت: إن هذه الخيل تغيظ الأعداء، وتخشى الحساد، تعين على النوب، فكأنها غير مُنفكةٍ من الطراد، وإن كانت مستريحة، لان ذلك عملها بالبقوة.

وقيل:) وفيها طراده (: اي صِرتُ في جُملة عبيده وعديده، فإذا سار إلى موضع سرت معه، وطاردت بين يديه، فكأنه هو المُطارد عليها، لان ذلك بأمره ولطلب الحُظوة عنده. و) فيها (: بدل من) عليها (وقد يجوز أن تكون) وفيها طِرادثه (: اي وفيها ما علمها من عِلم المطاردة والعَدو بفُرسانها.

وأحق الغُيوث نفسا بحمدٍفي زمانٍ كُلُّ النفوس جَرادُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

اي زادتنا الأيام بك إعجاباً، ولك استغراباً، وذلك لان والٍ في زمان يأخذ فيه كل زالٍ اموال الناس، فهم كالجراد الذي يحشك الزرع والربيع والبُسر. وأنت تبدُر مالك، فكأنك غيث تنبت لهم المراعي وغيرك جراد يَجرُدها. وهذا كقول ابن أبى عُيينة يهجو المُهلبي، ويمدح أباه:

أبوك لنا غيثٌ نعيش بنبتهوأنت جرادٌ لست تبُقي ولا تذر
عددٌ عشته يَرى الجسُم فيهأرباً لا يَراهُ فيما يُزادُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

يصف هذه القصيدة التي مدح أبا الفضل، وأهداها إليه في النيروز فيقول: هي أربعون بيتاً، وهي عدد السنين التي إذا تجاوزها الانسن نقص عما عهده عليه في جسمه، من أحواله في تقلبه وتصرفه. فلذلك اخترت لهذه القصيدة هذا العدد تفاؤلاً لك بالصحة، واستكمال قوتك.

وقيل: كانت سن الممدوح حينئذ أربعين، وهي ترى الجسم من استكمال القوة وبلوغ الأشد أربا لا يراه فيما يُزادُه من السنين، بعد الأربعين لنه بعدها كل عام آخذ في التحويل ومنعكس إلى التحلل.

وله ايضا:

نَسيت ولا أنسى عتاباً على الصدِّولا خَفَراً زادتْ به حُمرةُ الخد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

الخَفَر: شدة الحياء، وهو من علل حُمرة الخد. وقال: زادت به حُمرة الخد، ليشعر أن هنالك حمرةً طبيعية سوى الحمرة التي يولدها الحياء، لأن حمرة الحياء عَرَضٌ سريع الزوال، إذا زال الحياء زالت. وكذلك مثلت به الحكماء الأعراض السريعة الانتقال، فقالوا: ذلك كحُمرة الخجل، وصفرة الوجل.

ولا ليلةً قصرتُها بقصُروةٍأطالت يدي جيدها صُحبة القعدِ

قَصرتها: جعلتها قصيرة، اي ضد الطويلة. والقصُورة: المرأة المقصورة الممنوعة، أراد قصرتها بوصال قصُورة. وقصيرة لغة في قصُورة.

) أطالت يدي في جيدها صُحبة العقد (: اي اعتنقتها معظم ليلي او كله، فصحبت دواعي عقدها. واليد هنا: كناية عن كُلية الذراع، كقوله تعالى:) فاغْسِلُوا وُجُهَكُمْ وأيدِيَكُم إلى المرافِقِ (.

فإما تريني لا أقيمُ بلدةٍفآفهُ عمدِي في دُلُوقي من حدِّي

اي بأني سيف ماضٍ كثير الدُّلُوق من حدي. فغمدي متغير مُنقد، لكثرة تحريكي فيه وقلقي. وضرب السيف مثلاً لنفسه، والغمد مثلاً لجسمه، والدُّلُوق مثلا لحركته. اي تنقلي في البلاد يُشجيني ويرث بزتي. وقد فسره بقوله بعد هذا:

تُبدلُ أيامي وَعيشي وَمَنزلينجائبُ لا يُفكرون في النحس والسعدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
إذا لم تُجزهُم دار قومٍ مَودةٌأجاز القَنَا والخوفُ خيرٌ من الوُد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

اي هؤلاء الفتية إذا مروا بقوم لا يودونهم، فراموا صدهم، حاربوهم، فأجازتهم الطريق رماحهُم،) والخوفُ خيرٌ من الُود (. اي لأن تُخلف خيرٌ من أن تُود وترحم، كقولهم في المثل السائر:) رَهَبُوتٌ خيرٌ من رَحَموت (.

ومن أمثالهم:) أوفرقا خيراً من جُبين (: اي إذا فَرِقوك فرقا يكون ذلك الفَرَق خيراً من حُبين.

وهذا كقول دُويد بن نَهْدَ في توصيته لبنيه:) أخيفوا الناس وارعوا الكلأ (.

واراد: أجازهم القنا إياها، فحذف المفعولين، لأن في قوله:) إذا لم تُجزهم دار قوم (، ما يدل على هذا المحذوف، إذ دل الأول على الثاني، والثاني على الأول، فاستُجيز الحذف فيه، كقوله تعالى:) يَوَم تُبدل الأرضُ غير الأرْضِ والسَّمَوات (اي والسماوات، فحذف الثاني الذي هو الأول المذكور في المعنى أولاً.

كفانا الربيعُ العيس من بركاتهفجاءته لم تسمع حُداء سوى الرعدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

اي كُفينا حُداء الإبل برعد الربيع، لانه قام لها مقام الحُداء بصوته، وقيل: كفانا الربيع العيس: اي كان منه رَعيُها وشُربها وحُداؤها. ولو عدد للربيع أيادي غير الرعد كما قال، لقال: فجائته: اي رعت. وشربت؛ وجاءته. وإنما قال) فجاءته (: فبين كيفية الكفاية، كما تقول: أحسنت إليك فوهبتك ألفا، فهبة الألف تفسير للإحسان. وقوله:) لم تَسمَع حُداء (جملة في موضع الحال اي جاءته غير سامعة حُداء إلا الرعد.

والرعد هنا: مصدر من قولك: رَعَدَت السماء تَرعُد رعداً. ولا يكون الرعد الذي لا يُسمع هو الجوهر المكنى في قوله تعالى:) ويُسبح الرعدُ بحمدهِ (لأن ذلك لا يُسمع بذاته، إنما يسمع صوته. والحداء عَرَضٌ، فمقابلته بالعرَض أولى، وهذا دقيق فتفهمه.

إذا ما استَحَين الماء يعرضُ نفسهكَرَعن بِسِبتٍ في إنا من الوَرد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يصف ما أمطرتهم به السماء من الماء، وأنبتت لهم الأرض من الربيع، في مُضيهم إلى أبى الفضل، لمكان بركته، وأن العناصر تُعظم شانه، وتعلى مكانه، فتسقى رُواده، وترعى قُصاده. والسبت: كل جلد مدبوغ وقيل: هو المدبوغ بالقَرَظ خاصة، وهو يلين الجلود ويحسنها، حتى تُشبهُ العربُ مشافر الإبل بها، فيقول: إذا مرت هذه الإبل بهذه السيول التي غادرتها هذه الغيوث، ظلت كأنها تعرض نفسها عليها. فكأن الإبل مستحية منها. لإلحاح المياه عليها، بعرضها أنفسها، وقد أحاطت بها رياض الورد او ما يشبه الورد، من ضروب الأزاهير، وأنواع النواوبر. فهي تُدخل أكارعها فيه؛ وتغمس مشافرها في تلك المشارب، متقنعة من إفراط الحياء، بذلك الورد النابت. وإنما عنى) بالسبت (ها هنا مشافرها، كقول طرفة:

وخَدٍّ كقرطاس الشآمي ومِشفرٌكسبت اليماني قده لم يُحرد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وقيل: غَسَل الماء المستنقع في الأرض أخفاف الإبل من الطين، حتى عادت كالسبت في نقائها، وأنبتت حافات الغُدُر زهراً، فكأن الماء: بعرض نفسه يتراءى في إناء من الورد، والأول اولى.

فَتى فَاتَتِ العدوى من الناس عينُهُفما أرمدت اجفانه كَثرةُ الّثرمدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

ضرب الرمد مثلاً للعيوب المُعدية، لأنه داء ربما أعدى كالجَرَب ونحوه. فيقول: كثرت العيوب في الناس، لكنه سَلم هو منها، فلم تعًدهِ، لشرف عنصره، وصفاء جوهره. وقصد منه) العين (، توطئة لذكر الرمد الذي جعله مادة القافية، وحسن ذلك ما ذكرت لك من طبيعة الرمد في العدوى.

يُغيرُ ألوان الليالي على العدابمنشوُرةِ الراياتِ مَنصورةِ الجُندِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت و ما أنسى عتابا على الصد»

اي يوقد النيران في معسكر هذه الكتائب، فيغير من سواد الليل. ولما كان النارُ إنما تُوقدها هذه الكتيبة، جعل التغيرُّ لها، إذ هي الفاعلة الجقيقة، والنار وإن كانت مُغيرة، فإنها مفعولة للكتيبة، فهي الفاعلة على القصد الأول، والنار الفاعلة على القصد الثاني. فافهمه: إذا ارتقبُوا صُبحاً رأوا قبل ضَوثِه كَتاَئِب لا يردي الصباحُ كما تردي اي يتوهم العدو المغزو بتلك النار صبُحا وهو يترقب حقيقة الإصباح، فتوافيهم هذه الكتائب مكان الصباح الذي ارتقبوه، وجعل الكتائب أسرع من الصباح عدواً. وإن شئت قلت: إن مجيء الصباح غير مجيء الكتائب، لأن مجيء هذه مشيٌ، ومجيء الصباح طلوع، فلذلك قال:) لا يرْدي الصباحُ كما ترِدي (.

يَغضن إذا ما عُدن في مُتَقَاذفٍمن الكُثر غانٍ بالعبيد عنِ الحَشد

) يغضن (: يَنْعدِمن فلا يُوجدن. اي بعوثك المتوجهة للغارة على عظمها وكثافتها، إذا عادت إلى معظم جيشك، غاضت فيه كما يغيض النهر في البحر، و) متقاذف (: جيش يقذف بعضه بعضاً، لكثرتهم والتقائهم، كقول الراجز في صفة خصب وإبل:

أرعيتُها أكرم عُودٍ عُودابحيثُ يدعُو عامرٌ مَسْعودا

اي يتقاذف هذان الراعيان في طول هذا المكان واكتماله، حتى ينادي كل واحد منهما صاحبه.

) غان بالعبيد (: اي أن هذا الجيش متألف من عبيد ابن العميد. فقد استغنى بهم عن الحشد، للقُربى. وأن يكون اسما أولى، ليُطابق العبيد، لان العبيد اسم. وقد قال أبو زيد الحشدْ: القوم المجتمعون؛ فهذا مما يقوى فيه الاسمية.

حَثت كُل أرضٍ تُربةً في غُبارهِفَهُن عليه كالطرائق في البُرد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

البُرد: الثوب المُوشي؛ وطرائفه مختلفة الألوان؛ اي فهذه الكتائب شتى المطالب؛ بعيدة المذاهب، فهي تطأ لبعد مرامها؛ ارضين مختلفة أنواع التراب؛ اختلافاَ لونياً؛ من بياض وسواد. فكل أرض تؤها تختفي من غبار هذا الجيش بترابها؛ فيكسب بذلك ألواناً مختلفة؛ بحسب أنواع التراب؛ لكل نوع ولون؛ فكأن الغبار بُرد؛ وهذه ألوان فيه.

وكُل شريك في السُّرور بمُصبَحيأرى بَعده من لا يرى مثلهُ بعدي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

مُصبحي: أوانُ صباحي؛ اي وكل مشارك لي من أهلي في السرور في رجوعي وتصبيحي له؛ عند رؤيته ما أقنانيهِ لقاء هذا الممدوح من الثروة فإني مع ذلك كله منفرد دونه بأثرةٍ؛ وهي رؤيتي هذا الممدوح الذي لا يرى هو بعدي مثله. يقول؛ فأنا أكره أن أنفرد بنوع من انواع المَسرة دونهم؛ فإذا أنا أبت إليهم ورأوني، رأوا من لا نظير له عندهم كما أرى أنا الآن من لا نظير له، فاستووا معي فيما نلته من الغني وأدركته من المُنى، ألا تراه يقول:

وقد كنتُ المُنى غير أننييُيرني أهلى بإدراكها وَحدي

وهذا كله اعتدار إلى أبى الفضل في إيثاره الرحيل عنه. وإنما كان يريد التمادي إلى شيراز، ثم الأوب إلى أهله.

وله ايضا:

أوهِ بديلاً من قَوءلتي وَاهالِمن نأتْ والبدِيلُ ذِكراها

أوهِ، وأوهِ: كلمتا توحع مبنيتان على الكسر. وواهٌ: كلمة استطابة واستزادة. فيقول: أنا متوجع لفراقها بعد استزادتي وصالها واستطابتي إياه، لم أقنع بهجر الدلال، حتى بُليتُ بفرقة الزوال، وقوله:) لمنَ نات والبديلُ ذكراها (اي أعنى التي بانت بهذا التوجع) والبديل ذكراها (، او ذكراى إياها بدل مثها. هي مفقودة اي ذكراها لدي موجودة.

أوهِ امن لا أرى مَحَاسِنهاوأصلُ واهاً وأوهٍ مَرآها

اي غنما أرجع هذه الكلمة التي معناها التوجُّع والتفجُّع لفقدي رؤية محاسنها.) وأصل واه واوه مرآها (؛ إنما كان سبب استطابتي إياها، وتوجعي بنواها، رُؤيتي لها. وذلك اني رأيتها فهويتها، ووصلت فاستطبتها ونأت فتأوهتُ لها.

شاميَّةٌ طاَلما خَلَوتُ بَهاتُبصِرُ في ناظري مُحيأها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

شامية: منسوبة إلى الشام. يقال: شام وشأم. وناظر العين؛ إنسانها والمحيا. الوجه اي هذا المحبوبة شامية خلوت بها طويلاً، فاستمتعت بوصالها، واستكثرت نوالها.

فقبلت ناظري تغالطُنيوإنما قبلت به فاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

اي كانت تنظر إلى عيني، فشخص لها صورة وجهها في ناظري، والفم جزء من الوجه. فكانت ترى فاهاً في جُملة وجهها المرئي في ناظري، فكانت تقبل الناظر مُريةً أنها تريده، وإنما كانت تريد فاهاً، فتقبله بالناظر، كما كانت في المرآة لان الناظر عضو مجلُوٌ، فتشخص فيه الصورة، كشخصها في المرآة.

فَلَيتها لا تزَالُ آويةًوَلَتهُ لا يزالُ مأوَاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

اي ليت صورتها لا تزال آوية ناظري. يقال: أويتُ المكان، وأويت إليه، وذكر آوية، وكان الحكم آويتُه ذهاباً إلى الشخص او الشكل اي وليت الناظر لا يزال مأوى هذه الصورة.

وهذا البيت مشتمل على قضيتين، ترجعان إلى قضية واحدة، لان التمني الأول هو التمني الثاني.

لَقيننا والحُمولُ سائرةٌوَهُنَّ دُرٌ فذُبن أمواها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

لقيتنا: يعني هؤلاء الظُعُن. والحُكول سائرة بهن الإبل بما عليها من الهوادج، وهن دَراري، وهن دَرارس، قد رقت بَشرَاتُهُن وصفت، فهن كالدر. وأراد مثل الدر؛ فبالغ احتى جعلهن الدر نفسه. ولا بد اعتبار) مثل (لأنهن لا يكون دُرا، لان الدرجماد؛ وهي حسوان ناطق.

وقوله: فذُبن أمواهاً: اي بكين لما سارت بهن الإبل. فلما كانت دموعهن كبشراتهن التي شاكت الدر، رقة وصفاء، ظننتهن دراً ذائباً، وهذا كقوله هو:

أوفى فكنت إذا رميت بمقلتيبشراًرأيتُ أرق من عَبَرَاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

وقوله: امواهاً: منصوب على الحال، وإن كانت الأمواه جوهراً فقد يكون الجوهر حالاً.

حكى سيبويه عن العرب) العجب من بُر مررنا به قفيزاً بدرهم (قال: قد يكون خبرا مالا يكون صفة. يعني بالخير الحال؛ وقال: هذا بُسراُ أطيب منه رطبا. وفي التنزيل) هذه ناقةُ اللهِ لَكُم آية (ومثله كثير.

وقال:) ذُبن (وإنما يعني دموعهن. لكن ادعى أن الجملة قد عادت ماء مبالغة.

او عَبَرت هَجمةٌ بنا تزكتْتَكُوسُ بين الشُّروب عَقراها

الهَجمة: القطعة من الإبل، قد اختلف في عددها. فقيل ما بين السبعين إلى المائة. وقيل أولها الأربعون؛ إلى ما زادت. يصف شُربه وقراه الأضياف، فيقول: تمر بنا إبُلها فنُعرقبها للضيفان، حتى تكوس اي تمشي على ثلاث وقيل تزحف على رُكبها. قال الأعور النبهاني يهجو غسان السَّليطي:

ولو عند غسان السليطيَّ عَرَّسَتْرَغا فرقٌ منها وكاس عَقيِر
للشاعر ضياء الدين الراوندي، من قصيدة «أسير وقلبي في هواك أسير»

و) الشُروب (: يجوز أن يكون جمع شارب، كشاهد وشهود، وساجد وسجود، ويجوز أن يكون جمع شرب، الذي هواسم لجمع شارب عند سيبويه، وجمعنا لع عند أبى الحسن. لكن أن يكون جمع شارب أولى؛ لأنه إن كان اسم جمع على مذهب سيبويه؛ فجمع اسم الجمع في القلة كجمع الجمع، من حيث كانا مشتركين في الدلالة على الجمع. وإن كان الشرب جمعاً على رأي أبى الحسن، فجمع الجمع قليل، لا يحمل سيبويه صيغة الجمع عليه ما وجد عنه مندُوحة، إنما يقر بجمع الجمع إذا لم يجد سيبلاً إلى غير ذلك. ومن ثم ذهب الفارسي في قراءة قرأ) فَرُهُنُ مقبوضة (إلى انه جمع رَهْن؛ كسَجْلٍ وسُجُل، وسَقْف وسُقُف، واستجاز هذا على قلته، كراهية أن يحتاج إلى أن يقول إن رُهُناً: جمع رِهانٍ، ورِهان: جمع رَهْن. وإنما ذلك من أبى على فرار من جمع الجمع. فلهذا قلنا غن:) شُرُوب (: جمع شارب، أولى من كونه شَرب، فافهمه.

تَقُود مُستَحسن الكلام لَناكما تَقُودُ السحاب عُظماها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

اي إذا اعتبرنا مآثره، وامتثالنا مفاخره، لقنتنا مُستَحسن الكلام فيه، وفادته لنا، كما يقودُ السحابُ سحاباً.

لو فضِنتْ خيلُه لنائلهِلم يُرضها أن تراهُ يرضاها

اي لو شعرت خيله انه إنما يُعدُّها للهبة، وإنه إنما يهب منها الخيار المرضية؛ لم تَرض هذه الخيل أن بُرى عنها راضياً، لان مارضي منها موهوب لآمله، ومبذول لسائله.

تَسُرُّ طَرباتهُ كَرَائنهُثُم تُزيلُ السرورَ عُقباها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الكرائن: جمع كَرينة وهي المغنية. والكران: العُود. اي إن الكرائن ذا غينه أطربنه، فوهب لَهُن، وسَرهن بذلك. ثم تجاوز الطربُ ذلك الحدَّ فيهبهن جميعهُنَّ للشُّروب فيأسْين لفراقه، فتزيل عُقبيَ الطرب سُرُورهُن لهبته إياهُن لنداماه. والهاء في) عُقباها (راجعة إلى الطَّرَبَاتز وكان حكم) طَرْباته (بتحريك العين لأنه جمه) فَعْلَة (اسماً، لكن الشاعر إذا اضطر سَكَّن مثل هذا، لإقامة الوزن، أنشد الفارسي:

أبتْ ذكرٌ عودن أحشاء قلبهخُفُو قاً وَرَقضاتُ الهوى في المفاصل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا من صدور الرواحل»
بِكُل موهُوبةٍ مُولوِلةٍقاطِعَةٍ زيرها وَمثناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

) ولولتها (: أنينها لفقده، و) قطعها الزير والمَثنىَ (. ندم لمن حصلت عنده، ممن ليس نِده.

تَعُومُ عَومَ القذاةِ في زيدٍمن جُودِ كفِّ الأمير يغشاها

زبدٍك اي مُزبِد، ليس على الفعل، لأنا لم نسمع زبد، وإنما هو على النسب، اي ذو زبد، كما ذهب إليه سيبويه. اي هذه الموهوبة محتقرة في جملة عطائه كاحتقار القذاة في معظم التيار.

لا تَجِدُ الخمر في مَكَارمهِإذا انتشى خلةً تلافاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

اي كرمه طبيعة، فسواء عليه صحا او سكر، لا يقع في كرمه تقصيرٌ قبل الخمر، ولا خلةً تسُدُّها الخمرُ. وهذا كقول البحتري:

يُكرم من قبل الكئوسِ عليهمُلقلنا كريم هَيجَته ابنةُ الكَرْمِ

وأراد) تتلافاها (فحذف إحدى التاءين، كراهية اجتماع المثلين. وهذا مطرد في اللغة، و) انتشى (: سكر.

تُصاحبُ الراحُ أريحيتهفتسقُطٌ الراحُ دُون أدناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

أريحية الراح: يتكرم بها اللئيم، ويزداد كَرما بها الكريم فهي على كل حال تُوجد مزية لم توجد قبلها، وأريحية الممدوح طبيعية بالغة غايةً تكون أريحيةُ السكر مقصرة عن أدنى منازلها. فكيف أن توجد فيها مزية لم تكن من قبلُ؟) تجمعت في فُؤاده جوهر، والدهر عَرَض، ولا يكون الجوهر جزءاً من العرض، ولكن استعاره له صنعة واقتداراً. وقد بين ذلك قوله:

ولو بَرزَ الزمان إلى شخصاًلَدمى حدَّ مفرقهِ حُسامي

ولما جعل له فؤاداً استجاز أن يجعل له همة، لأن الفؤاد مطية الهمة. وحسن ذلك قولُه.) تَجَمَّعَت في فُؤاد الدهر منها واحدة، ويضيق عما سواها.

فإن أتى حظُّها بأزمنةٍأوسع من ذا الزَّمانِ أبداها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

اي فإن أتى حظ هذه الهمم التي لا يسعُ فؤادُ الزمان منها، إلا واحدة بأزمنة أوسع من هذا الزمان، أبدى الممدوح تلك الهمم، التي لا يبديها إلا أن يضيق الزمانُ عنها. و) حظها (هنا كقوله:) جَدُّها (. وقوله:) بأزمنةٍ (أحسن من قوله:) بزمان (، بعد أن يحتكله الوزن؛ لأن الجمع أبلغ من الواحد.

وَصَارتِ الفيلَقَان وَاحدةًتَعثُرُ أحياؤُها بموْتاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

واحدة: اي فيلقا واحدة، وإنما صارت الفيلقان فيلقاً لا ختلاطهما، حتى كأنهما اتحدنا. والهاء في) أحيائها وموتاها (: عائدة إلى الفيلق الواحدة.

يُعجبُها قَتلُها الكُماة ولايُنظرُها الدهرُ بعد قتلاَهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

اي إذا قَتَل الفارس فارساً أعجبته ذلك، ثم لا يلبث أن يُتاح له فارس آخر يقتله.

وَدَارت النيراتُ في فلكٍتسجدُ أقمارُها لأبهَاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

عنى بالفلك هنا: ذات المعترك، حيث التقت الأملاك والأبطال الأنجاد. وكلا هذين القبيلين) أقمار (فهي) تسجد لأبهاها (يعني الملك.

الفارسُ المُتقي السلاحُ بهالمُثني عليه الوغي وَخَيلاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يُتقي به السلاح، لأن السلاح لا يؤثر فيه، بل هو المؤثر فيها كقول الآخر:

اللابسينَ قُلُوبهُمْفوقَ الدروع لدفِع ذلكِ

اي إن أفئدتهم أوقى لهم من دروعهم، لأنها أثبت صيانة، وأنشد منها حصانة، وثنى الخيل، لأنه أراد خيله وخيل عدوه، لأن الحرب إنما تقوم بطائفتين متضادتين. ولذلك قال بعض الأوائل، من الحكماء الأفاضل: الحرب حينئذ ذو طبيعتين متضادتين، اي قوامها ذلك فان بطل أحد الضدين بطل الحرب.

لو أنكرت من حيائها يدُهُفي الحرب آثارَهَا عَرَفنَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

ذهب قوم إلى أنه يَجِلّ عن الفخر بتأثيره في عداه. فلو أنكرت يدُه ذلك لعرفنا أن هذه الآثار لها.

والذي عندي أن آثار مفاخره في العالم حِسان، وذلك بإغناء فقير، وافتكاك أسير، وبث فضل، وإقامة عدل.

أما آثاره في عداه فقبيحة الصُّور. لأنها إنما هي إفساد جواهرهم، وتغيير ظواهرهم وبواظنهم. قلو أنكرت يده هذه الآثار، حياء من قبحها، لعرفنا نحن أنها لها، لأنه يؤثر في العدي هذا التأثير إلا هي.

وَكيف تَخفي التي زيادتُهاوَناقعُ الموتِ بعضُ سيماها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يعني يده، اي وكيف تخفي آثار هذه اليد، التي سوطها وناقع الموت جزء من سيماها. عنى بناقع الموت: السيف، وبالزبادة: السوط وذلك أنه يضرب بالسوط، ويقتل بالسيف. وإذا كان هذا بعض سيماها، ونتيجتها الضرب والقتل، فما الظن بكلية سيماها.

الناسُ كالعابِدين آلهةًوعَبدُةُ كالمُوحدِ الله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الآلهة: لا تغني عبادها، والله يغني عباده. يقول: فمن أمل غير هذا الملك، لم يستغن بواحد عن آخر، مع ما يُنتج له ذلك من قلة الغنى، ومن أمله كفاء، وأغناه، عمن سواه، كما يفعل ذلك بعبده الإله.

وله ايضا:

عُددُ الوفُود العامدين لهُدوُن السلاج الشُّكلُ والعُقُلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

اي لا يقصد المحاربون، لأنه لا يطمع فيه أحد، فلذلك لا يُعد له السلاح، وإنما يقصده الآملون، فعُددهم الشُّكل والعُقل، لأنهم يسألونه الخيل للحرب، والإبل للدية. ووفد العرب انما بغيتهم ذلك، فهم يُعدون الشكُل والعُقُل، ثقة منهم بهبته لهم يسألون.

تُمسى على أيدي مَوَاهبهِهيَ او بَقِيتُها او البَدَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

اي أن مواهبة مستبدة بخيله وابله، لا مطمع للإبقاء فيها. وقد اجاد أبو الفتح في تمثيله اياه بقول العرب في الشيء إذا استبد به أمرٌ ما، فلم بك ابتزازه منه مَطمع.) وُضِع عَلى يَديْ عَدْل (.

ومعنى البيت: أن يهب جُودُه خيله، وخيار ابله لأوائل الوفود عليه، وما بعدها في المنزلة، وهي البقية، لمن يفد يعد الوفد الأول. حتى إذا لم يبق من خيله ولا ابله شيء أعطى بعدها العين والوَرق.

والبَدل هنا: اسم وقد يكون ظرفاً في غير هذا الوضع. فاذا كان اسماً كان بمنزلة البديل، قال سيبويه: وتقول: أن بَدَلَك زيداً، اي إن مكانك زيداً. قال: وإن جعلت البَدل بمنزلة البديل، قُلت: إن بَدَلَك زيدٌ، فلحِق بالأسماء. وأراد:) أوبدلُها (فجعل الألف واللا عوضاً من الإضافة، لأن كل واحدة منهما للمعرفة وجعل للمواهب) أيديا (تحكُما على الصنعة، وتأنقاً في البلاغة، وليُشعر أنه إنما وَازى به قول العرب فيما ينسب منه:) وُضِعَ على يدي عَدل (.

يُشتاقُ من يِده إلى سبيلٍشَوقاً إليه ينبُتُ الأسلُ

السبَل: المطر، كناية عن العطاء، يقول: يشتاق إلى يده، حتى أن الأسل لا ينبت إلا ليباشر راحته، فيُروي بنائلها كَرَيه بالسحاب، بل أكثر. وإن شئت جعلت حظ الأسل من نائل كفه، ما يسقيها من الدم. وقوله: شوقاً إليه ينبت الأسلُ: جعله في موضع الصفة لسبل. وشوقاً مفعولاً من أجله، وهو يسميه سيبويه عُذراً لوقوع الأمر.

فإذا حَمى أرضٍ أقام بهابالناسِ مِنْ تَقْبِيِله بَلَلُ

اي إذا حل بحصى أرض، قبله الناس بين يديه، حتى تبل أسنانُهم اي تُقبل وتنعطف إلى الباطن. وحَصَى منصوب بفعل مضمر. اي إذا حل حصى أرض) وأقام بها (: تفسير للفعل المضمر، لأنه إذا أقام به فقد حله، وأراد: فباأناس، فحذف الفاء للضرورة، وهو كثير في الشعر، أنشد سيبويه:

من يفعل الحسنات الله يَشكُرُهَاوالشرُّ بالشر عند الله مِثلاَن
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «من يفعل الحسنات الله يشكرها»

اي فالله يشكرها. والهاء في) بها (راجعة إلى الحصى، لان الحصى يؤنث ويذكر، وكذلك كل جمع بينه وبين واحده الهاء. ولا تكون الهاء في) بها (عائدة إلى الارض لأنه لابد في الفعل من مُضمر يرجع إلى المفعول، الا أن يُحذف لضرب من الاستخفاف، كما قد بين سيبويه في غير موضع.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح المشكل من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.