تجاوز إلى المحتوى

من «شرح المشكل من شعر المتنبي» لابن سيده (ت ٤٥٨هـ)

شرح المشكل من شعر المتنبي (١٤)

ولو كانت الهاء راجعة إلى الأرض، ولم تَعُد إلى المفعول الذي هو الحصى، لقلت:) زيداً ضربت هنداً (مريداً) ضربتُ زيداً ضربت هنداً (. وهذا لا يقوله أحد، لابد في الفعل الظاهر من ضمير ملفوظ يه او مقدر، يعود إلى المفعول المنتصب بالفعل المضمر. وقال:) من تقبيله (: حَملاً على التذكير، والعرب تقول: شجر أخضر، وخُضر، وحصى أسود وسُود.

لا تَلقَ أفرَ منك تعَرفُهإلا إذا ضَاقت بكَ الحيلُ

يخاطب بذلك لوهوذان، يقول له: من عرفت أنه أثبت منك فراسة فلا تَعرض له ما وجدت عن لقائه مندوحة، ولا تحاربه ما أمكنتك مسالمته. يعظه بذلك، وكأنه مستهزئ به. فإذا ضاقت بك الحيلُ ولم تجد بُدا من لقائه، فقد استحققت المعذرة.

وقوله أفرس منك: صفة موضوعة موضع الاسم اي رجلاً أفرس منك. وحسن وضع الصفة هنا موضع الاسم، لأنها قد تقوت بقوله:) منك (. وأيضاً فإن منك مناسب للاضافة، والمضاف اسم. وتعرفه: جملة في موضع الصفة، كأنه قال: لا تَلق رجلاً أفرس منك، معروفاً لديك.

فَوقَ السماء وفَوق ما طَلَبُوافإذا أرادُوا غايةً نَزَلُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

اي رتبتهم في أرفع الغايات من الرتب. بحث لا يمكن مَزيد إلى فوق، فإذا أرادوا غاية ما غير تلك الغاية، نزلوا إلى الأسفل منها، اذ لا تمكن غاية إلى فوق، لأن مراتبهم في أسنى الغايات وأرفع النهايات. وقد قال هو في هذا المعنى بعينه:

وقالوا هل يُبَلعُك الثُّرَيافقلت نعم إذا شئت استفالا

وله ايضا:

ليس كما ظنَّ غَشيةٌ عَرَضَتفجئتنى في خِلالها قاصد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

كان أبو الطيب توقع أن يلومه محبوبه لنومه بعده، وحُملمه بخياله فيه. فقال: لعل مرسلك إلى أيها الخيال، ظن أنى نائم، أوخلتنى أنت يا خيال كذلك، ليس كما ظننتماه، حالى أشدُّ من أن أنام عليها، وانما هي غَشية. فإن الباشق يُغشى عليه، وليس من شأنه أن ينام فلا ألحقن منكما ملاماً، لأني لم أخل بحق العشق إذا لم أنم. وانما كنت مُخلا به لو نمت، فجئتني في خلالها قاصداً، اي في خلال تلك الغَشية. وعيادة الخيال اياه في تلك الحال، أبلغ وأعرف من عيادته اياه في حد النوم، لأن المغشى عليه بمنزلة الميت، والنائمُ قد يدرك أشياه كثيرة مما يدركه اليقظان، كالضحك والاحتلام وغير ذلك وما علمنا أحداً من الشعراء ذكر أن حيالاً ألم به في غَشية الا هذا.

وقوله.) قاصد (في موضع نصب على الحال، فكان حكمه على هذا) قاصداً (إلا أن من العرب من يقول:) رأيت زيد (في حال الوقف.

قال:

شَترٌ جنبي كأني مهدَأٌجَعَل القينُ على الدفِّ إبر

وأنشد الفارسي للأعشى:

إلى المرء قيس أطيلُ السُّريوآخذُ من كل حي عُصُم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»

ولا يكون) قاصد (في موضع رفع على البدل من التاء التي في خلتني، لأن المخاطب لا يبدل منه للعلم بمكانه، والأمن من التباسه. وذلك لم يجز سيبويه) بكَ المسكن مرت (. وقد أثبت ذلك غير دفعة في هذا الكتاب.

إذا المَنَايَا بَدتْ فَدَعوتُهاأبدلَ نُوناً بدَالهِ الحَائِد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

سَفه رأى وهو ذان في محاربته فنا خُسرُو، ثم عذره، فقال: إن المَنَايا إذا المت فإنما قولها ودعاؤها:) أبدل نوناً بدالهِ الحائِد (: اي صُير) الحائد حائناً (وهو الهالك. وليس مقال، لأن المنية ليست بنوع ناطق، انما هي عدم حرارة الروح، وذلك عَرَض. ولذلك قالواك بَرَدَ فلان، إذا مات، يذهبون إلى انقطاع الحرارة الحيوانية، لكن استعار القول للمنية. وإنما أراد أن:) الحائد (الذي يحيد عن الموت، إذا وافاه حينهُ، لم يُغن عنه حيده.

رأوكَ لما بَلَوكَ ناَبتةًيأكُلُها قبلَ أهله الرائدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

الرائد: الذي يطلُب الكلأ للحي، فيقول لوهوذان: هزمتك طلائع عسكر فنا خسرو قبله، ولم ينتظروا يك معظم الجيش، احتقاراً لك، وتهاوناً بك، وإكراما لكوكب الجيش، فكنت كالنابتة المحتقرة المستصغرة التي يأكلها الرائد قبل أهله؛ لا ينتظرهم بها، ولا يدعوهم إليها، احتقاراً لقدرها واستنزاراً لخَطَرها. و) نابتة (: صفة أقيمت مقام الموصوف. وحَسُن ذلك، لأنها قد قويت بالجملة التي بعدها، فضارعت الاسم بهذه الصفة، لأن الموصوفة في الأصل إنما هي الأسماء. هذا مذهب سيبويه. وإنما اراد: خلاه نابتة وحشية، او نبقة، او نحو ذلك.

وُمُتقٍ والسهامُ مُرسلةٌيحيدُ عن حابضٍ إلى صاردْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

الحابض: السهم الذي يقع بين يدي الرامي من ضعفه. والصارد: النافذ. يقول: إن الإنسان لا ينفعه احتسابه، ولا يقيه احتراسه، فرب مُتق للموت في الحرب وقد أرسلت السهام، فنفر عن الحابض، ولو وقف له لم يضره، ويعدل إلى النافذ، فيقتله، وهو في كل ذلك مُصرف بيد القدر.

وله ايضا:

فَلاَ قَضَى حَاجَتهُ طالبٌفؤادُه يَخفقُ من رُعبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»

يقول: إن الموت قَدَر محتوم، وقضاء مجزوم، وسواء فيه الشجاع، والجبان الفزاع، فإذا كان الأمر كذلك، فالجازع ملوم، والجبان مذموم. فمن الحق أن يُدعى على الطالب الشديد الهيبة، ألا يَظْفر من حاجته إلا بالخيبة. والجملة التي هي قوله:) فؤاده يخفقُق من رُعبه (: في موضع الصفة لطالب. و) طالب (: صفة وضعت موقع الموصوف. وحسُن ذلك، لأنه قد قُرن بالصفة، فضارع الاسم.

والهاء في) رعبه (: إن شئت رَدَدتها إلى طالب، وإن شئت إلى قوله:) فؤاده (. والبيت مشتمل على الدعاء على كل من إذا رام الإقدام، أورثه الجبنُ الإحجام.

حَاشاكَ أن تَضعُف عن حملِالسَّائرُ في كُتبهِ

اي حاشاك أن تضعُف عن احتمال ما قدر الفيج بالنعي على احتماله؛ اي إذا كان الفَيج) وهو الرسول غبلا قدميه (يقول: جاء على احتماله في كتبه، وهو متكلف مع ذلك رِجْلَه، وعادمٌ رَحْلَه، فأنت أحجى باحتماله على ترك استهواله.

وقال ايضا:

) وَقيدتِ الأُيلُ في الحِبَال (

الأُيلُ: اسم للجنس، وأنث على معنى الجماعة، وقد يجوز أن يكون) أُيل (على اعتقاد ضمة مجتلبة للجمع، كما ذهب إليه سيبو] هـ في دلاص وَهِجان. وقد أثبت الأيل واشتقاقه ووزنه وتكسيره، وما فيه من اللغات، في كتابي الموسوم) بالمحكم (.

) وَأوْفَتِ الفُدْرُ مِنَ الأَوْعَالِ (

الأوعال: شياه الجبال، الفُدر: المَسَان يجوز أن يكون جمع فَدٌور، فالأصل على هذا) فُدر (إلى أن بني تميم يسكنون ثاني الضرب استخفافاً.

ويجوز أن يكون جمع فادر، كعائد وعُود، لأن سيبويه قد اعتد) بفُعل (بناء من ابنية تكسير) فاعل (.

) مُرْتَدِياتٍ بِقسِىِّ الضالِ (

يعني قرونها. شبهها فب انعطافها بقسى العرب، وهي تتخذ من الضال وهو السِّدر الجَبَلي، ألفُه منقلبة عن ياء. وذكر بعض متأخري أهل بغداد أنه وَجدَ بخط) جعفر بن دِحية (؛ رجل من أصحاب ثعلب.) الضأل (مهموزاً؛ فاشتقه ذلك البغدادي حينئذ من الضآلة، وذلك لأن الجَبَلي منه أقل ريا ونعمة من المائي، وذلك قال البغدادي: ثم وجدته بخط ابي إسحاق،) يعني إلراهيم بن السرى الزجاج (: أضيلَ المكان: أنبت الضال. فإذا كان ذلك، فلا أثر للهمز في الضال، ولا طريق إليه. وإنما هو كتاب، فمحا البغدادي حيئنذ ضبط جعفر، وعول على خط أبي إسحاق.

) وُلدن تحت أثقل الأثقالِ (

قيل: الجبال، وقيل: القُرُون. فإن قلت: فإنه لم يُولد بقرن، فتقول: إنه عنى) بأثقل الأثقال (والقرون؟ قلنا إن لم يولد بالفعل معها، فإنه مولود معها بالقوة، لأن نبتة القرون للأنواع المفطورة عليها، خلقة طبيعية، فلابُد من خروجها إلى الفعل.

) قَدْ مَنَعَتْهُنَّ من التَّفالي (

اي تشابكت القرون على رؤس الأيابل، حتى لو حاولتِ التفالي، منعَها اشتباك قرونها من الوصول إلى رؤسها.

) لاَ تَشركُ الأجسام في الهُزال (

اي أن القرون لا يلحقها سمن ولا هُزال، كما يلحق الأبدان، لأنها ليست متصلة بلحم ودم، ولا هي في ذواتها كذلك. ولو اتزن له ألا يُشرك الأجسام في السَّمن والهُزال، لكان أقعد بالحقيقة، ولكن السمن والهزال، انتفى أن يشركها في السمن، فاكتفى بأحد الضدين من صاحبه

إذا تَلفتن إلى الظلالرأين فيها أشنع الأمثالِ

اي إذا رأت الأيابل ظلال قرونها، استبشعتها وهالتها.

كأنما خُلقن للإذلِزيادةً في سُبةِ الجُهالِ

يعني القرون صاحبها ذليل. فيقول: كأن هذه القرون إنما خلقت لتدل علي على ذلة الأوعال، كما خُلقت للقرْنان، وإن كان لاقرون له. وإنما هو تمثيل. وقوله: زيادة فس سُبة الجهال: اي أن الجهال يتشاءمون كثيراً بالقُرون، ويكنون أحدهم بأبى القُرون.

) نَواخِسَ الأطرافِ للأكفالِ (

اي طالت القرون منها، حتى نَخَست الأكفال بأطرافها.

) يَكَدْنَ يَنفُذن مِنَ الآطَالِ (

الآطال: الخواصر، واحدها: وإطل. وقد قيل: الإطل وضع، والإطل: فرع. يقول: في القرون شُعب تكاد تنفذ الخواصر، حدةً واعتراضاً. وأراد: يَكَدْن يَنُفذن الآطالَ، فزاد) من (على رأي أبى الحسن، لأنه يرى زيادتها في الواجب، وسيبويه لا يرى زيادتها فيه.

ويجوز أن يكون أراد من الآطال إلى الآطال، اي من اليمين إلى الشمال وبنقيض ذلك.

) شبيهةُ الإدْبار بالإقْبَالِ (

اي في وجوهها من لحاها ما يشبه إذنابها، فقد تشابه القُبُل والدُّبُر، وقيل: يريد عُموم قرونها، لظهورها بالتعطف عليها إلى أدنابها.

) في كُلِّ كِبدٍ كَبدي نِضَالِ (

كِبدُ النصل ما بين عَيرَيه. اي في كل كبد أيل ووعل من هذه الوحش المقنوطة نصال.

) فَهُنَّ يَهوين من القٍلاَلِ (

) مَقْلُوبة الأظلاَف والإرقَالِ (

اي هذه الأيابلُ والأوعال يَهوين من قلال الجبال، وهي أعاليها، منعكسة أظلافها وأذنابها على أجسامها.

) فكَانَ عَنها سَبَبُ التَّرحَلٍ (

) تَشويق إكثارٍ إلى إقلالِ (

اي أكثرنا من القنص حتى مللنا، وشوقنا الإكثارُ إلى الإقلال، فكان ذلك سبب الترحال عنها.) فعن (: متعلقة بالترحال المقدر قبلها، ولا تكون متعلقة بالترحال الظاهر لأن) عن (حينئذ من صلة المصدر، وما كان من صلة المصدر لم يتقدم عليه، وجعل) سبب الترحال (اسم كان، لأنه معرفة و) تشويقَ إكثار (. خبرها، لأنها نكرة، فالبيت مُضمن.

وقال سيبويه: أكثرتَ، جئت بكثير، وأقللت؛ جئت بقليل فأما كَثَّرتَ وقَّللت؛ فجعلته كثيراً وقليلاً.

وَلو جَعَلت مَوضع الإلآلٍلآلًئا طَعَنتَ باللآلي

) الإلآل (، الحراب. وأحدتها؛) ألة (؛ وذلك لبريقها ولَمَعانها. أل الشيء يؤلُّ ألا: برق. اي لو جعلت مكان الحديد والمحدد لؤلؤاً فعلت به من القتل ما يفعل الحديد، لأنك مؤيدٌ منصور.

وقيل: اراد ولو جعلت أصحاب الحراب من جيشك صواحب الحلي لقتلت بهن عداك، لأن السعد والبأس إنما هولك. واراد) طعنت باللآليء (فأبدل الهمزة إبدالاً محضاً، ليس على التخفيف القياسي، وإن كان مثله في اللفظ. وإنما أبدل إبدالاً كلياً غير قياسي، لمكان الوصل، لأن التخفيف القياسي في نية التخفيف. والهمزة المخففة لا يُوصل بها، فكذلك المخففة التي في نية المخففة لا يوصل بها. وقد بينت ذلك غير دُفعة في هذا الكتاب، وفي غيره من كتبي. وإنما اعدته لظرافته ودقته، وأنه لا يفهمه إلا الدرِب. فمن أنس به أحبه ووالاه، ومن نافره قلنا فيه؛ من جهل شيئاً عاداه.

وله ايضا:

مَغَاني الشعبِ طيباً في المَغانِيبِمنزِلة الرَّبيعِ من الزَّمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يعني بالشعب: شعب بوان وكان في طريقه إلى شيراز، مربه فأعجبه. يقول: فهذه المغاني في حُسنها بمنزلة الربيع في أرباع السنة. اي أن هذه المغاني أطيب المغاني وأعشبها كما أن الربيع آنق أرباع الزمن وأخصبهل.

جعل هذا المكان في جملة الأمكنة بمنزلة الزمان، أعنى الربيع في جملة الأزمنة، وهذا من عجيب الاقتران، أعنى تمثيله لمكان بالزمان.

وَلكن الفَتَى العَربي فيهاغَريبُ الوَجهِ والَيدِ والِّسَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

بوان هذه؛ ي بلاد فارس، ولا عرب هنالك إلا غُرباء، فكنى بغرابة الأعضاء عن غرابة الجملة. وقيل؛ غريب الوجه، أن ألوان العرب الأدمة، واهل فارس بيض، وأما غربة اليد فقيل، إنه عنى به الخط، ولا يُعجبني، إنما عَنى به الجود، والجود للعرب. وأما اللسان فلأنهم أعاجم، والتفسير الأول هو الصحيح، أعنى أنه لا هرب هناك إلا قليل.

إذا غنى الحَمامُ الوُرقُ فيهاأجابتها أغانيُّ القيانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

اي أنها أرض طيب ورفاهية، واعتدال هواء، فإذا غنى الحمام فيها، جاوبتها القيان طرباً إليها، اي أن أهلها لا يتركون اللهو.

وَمن بالشعبِ أحوجُ من حمامٍإذا غنى وناح إلى البيانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

اي أن أهل بوان أعاجم، لا يُفصحون، كما أن الحمام كذلك. وجعلهم أحوج إلى البيان من الحمام؛ مبالغةً وإفراطاً في الكلام، إذ يوجد لغناء أهل بوان ترجمان، لأنهم أناسيٌّ.

وقد يَتَقَارب الوَصفان جداوموصُوفا هُما مُتباعدانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

اي هؤلاء الأعاعم في قلة الايضاح، وعدم الافصاح، كهذه الحمائمن وإن اختلف نوعاهما فهما متباعدان بالنوع، وذات الجوهر، متقاربان في عدمهما البيان.

ويحمل أن يريد أن الإنسان يقرب الموصوف بوصفه له، حتى لكأنه حاضر، ولكنه يبعد لعدم إحاطته بجميع أحواله، وغرائب أفعاله.

وألقى الشرقُ مِنهَا في ثِيابيدنانيراً تَفِرُّ من البَنَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يصف شعب بَوان؛ وهي مدينة معروفة في طريق شيراز. والشعب: الطريق في الجبل. والشرق: الشمس. يقال، طلعت الشرق، ولا يقال غاب الشرق، فيعني أن شجر هذا الموضع أشب مُلتف، ضيق الخصاص، وهي الشُّعب التي بين الورق، فإذا طلعت الشمس تخلت أظواؤها خلال الورق، مستديرة كالدنانير من الذهب، في الشكل واللون، إلا أنها إذا حَلت الكف، فهمت بالقبض عليها حال ظل البنان بينهما؛ واعتراض دون ما في باطن الراحة من أشكال الضوء. وقد قدمتُ الفَرق بين تشبيهه إياها بالدنانير هنا، وبين تشبيهه إياها بالدراهم في قوله:

إذا ضوؤُها لاقي من الطيرِ فَرْجةًتَدَور فوق البيض مثل الدراهمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

عن تفسير ذلك البيت. وقوله:) منها (اراد من نفسها، وصرف) دنانير (للضرورة.

يحلُ به على قلبٍ شُجاعٍوَيرحلُ منه قلبٍ جَبَانِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اي أنه إذا رأى أضيافه نازلين به، فرح فقويت ذاته وإذا رآهم راحلين ساءة ذلك، فضعف منه ما قوى.

فعلى هذا القول، تكون الشجاعة والجبن لقلب هذا الممدوح. وقد يجوز أن يكون ذلك. لأفئدة الضيفان، اي أن الضيف إذا نزل به وهو زاهد في الحياة، غير فرقٍ من الموت، لما لحقه من الكد والجهد، فرأى ما لدى أبي شُجاع من خصب المكان؛ ولين أخادع الزمان، والخفض والأمان، راقه ذلك، فأحب الحياة، وكره الوفاة، بعكس ما كان عليه.

دَعتهُ بِمفزع الأعضائ منهُليومِ الحزب: بِكرٍ او عوانِ

المفزع: المستغاث. ودعته: سمته. فيقول: دعته هذه الدولة عضد الدولة، لان الأعضاء إنما تدفع عن نفسها بالعضد، وهي حاملة اليد، فكذلك هذه الدولة، لما وجدت مَفْزَع أعضائها بالعَضُد، دعته عَضُدها. فقوله:) بمَفزع (في موضع المفعول الثاني؛ لأن هذه) دَعَوتُ (التي بمعنى سميت تقول: دعوته زيداً، ودعوته بزيد، كقولك سميته إياه، وسميته به.

قال سيبويه حين ذكر هذا النحو. وكذلك دَعَوته التي تجري مَجرى سَمَّيتهُ، يعني إنها تتعدى إلى مفعولين: كطما يتعدى سميته إليهما. قال: فإن أردت الدُّعاء إلى أمر، لم تجاوز مفعولاً واحداً. يعني نحو التي في قوله تعالى) سَواءٌ علكْيم أدَعَوتموهُمْ أم أَنْتُم صامتُون (: وكقوله له سبحانه:) أجِيب دعوةَ الدَّاعي إذا دَعان (وقوله:) ليوم الحرْب (. اي إلى يوم الحرب.) بكْرٍ أو عَوانِ (: يدل من الحرب. وقد بين معنى هذا البيت بقوله:

بعَضدِ الدولةَ امتَنَعَتْْ وعَزتْوليسَ بغيرِ ذِي عَضُد يدانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

اليدان: إما أن يكون هما الكفين، وإما أن تكون القوة. حكى سيبويه: لا يدينِ بِهالك، لم يَعنِ) تثنية اليد (، فنفي الجارحتين؛ ولكنه نفي القُوة. وأراد:) لايد بِهالك (، فوضع الاثنين موضع الواحد الدال على الكثرة؛ فدلت التثنية من الشياع على ما يدل عليه الواحد الدال على الكثير أعني المنفي بلا؛ لأن ذلك الواحد متفرق للنوع المنفي بها.

وقد تجيء التثنية تدل على الكثير. أنشد الفارسي للفرزدق: وكلُّ رَفيِقيْ كلِّ رَحلْ ونظيره قوله تعالى في صفة السماء:) فارجع البصر هلى ترى من فُطُور، ثم ارجع البصر كَرَّتين (.

) فَكَّرتين (في موضع كَّراتٍ. والدليل على ذلك قوله.) ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حَسِير (. فلو أمره أن ينظر في السماء كرَّتين فقط؛ فنظر مرتين، لم يرجع البصر خاسئاً وهو حَسير، لان البصر لا تيَحْسر من مرتين، انما يَحسِر من مرات. هذا تفسير الفارسي، بعد أن أعمل فيه إنعام الفِكر؛ وقدَّر ما فيه من وراء غلوة الحشر.

كأنَّ دَمَ الجَماجِم فب العَنَاصيكَسى البُلدان ريش الحَيُقطانِ

ريش الحيقُطان: واحمر. والعناصي: خُصل من الشعر. يقول: جرى الدم في عناصيهم فاختضبت فاحمرت، ثم تمزقت شعورهم في المُعترك وأطارتها الريح على الأرض؛ فكأن العناصي المحمرة المتمزقة ريشُ هذا النوع من الطير. وجعل الدم هو الذي كسا البُلدان، ذلك لأنه لولا الدم لم يُشبه العَنصوة ريشُ الحيْقُطان. و) في العناصي (. ظرف في موضع الحال، اي مستقراً فيها.

وكانَ ابناَ عَدُوٍّ كَاثَراهُلهَ يَاءي حُروف أنيسيانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

أنَيْسِيَان: تصغير إنسان، وهو أكثر حروفاً من مُكبره، لكن تلك الكثرة مشعرة بقلة، فلا غناء لهذه الزيادة التي فيه، لما يلحقه من التصغير، ونقيصة التحقير. فهو يدعو لفناخُسَر، فيقول: لا كاثرك ملك باثنين إلا كانا كالياءين اللتين في) أنَيسيان (، وكلتاهما زائدة، لاغناء لهما. وأيضا فإنهما للتحقير: الأولى للتصغير حقيقة، والثانية لا تلحق الا مع ياء التصغير، فهي بمنزلتها في الدلالة على التصغير. فلذلك قلت إنهما جميعاً للتحقير، ولم أعنِ أن ياء) أنيسيان (الأخيرة، وياء التصغير لا تكون أبداً إلا ثالثه. و) أنيسيان (من شاذ التصغير.

وله ايضا:

فِدى لَك من يُقصر عن مداكافلا ملكٌ إذن إلا فدَاكا

) فَدَاكَ (يحتمل أن يكون قعلاً، واسماً.

ولوْ قُبنا فِدى لَكَ من يُساويدَعَونا بالقَاء لمن قَلاَكا

اي أنه لا يساويك أحدن فلو قلنا: فدًى لك مساويك، لكان كقولنا: فدًى لك لا أحد، وقاليه: داخل في ذلك.

وآمنا فِداءَك كلَّ نفسٍولو كَانت لملكةٍ مِلاَكاَ

اي لو اشترطنا في فدائك المساواة، لأمن كل احد أن يكون لك فداء، وإن كان ملكاً، لأنه مع مُلكه ومِلْكِه مُقصِّرٌ عن مساواتك.

وَمَن يظنُ نَثر الحبِّ جُوداًوَينصبُ تحتَ ما نثر الشباكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

اي وفدى لك من أعطى وغرضه أن يستجر فائدة فاضلة بعطائه، بمنزلة القناص الذي يلقي الحَب للطير، وقد نصب الشبكة تحته لا قتناصها فلا ينبغي أن يحمد على ذلك، لأنه ليس جوداً في الحقيقة، إنما هو دعاء إلى هُلك.

وهذا مثل ضربه لمن طلب من الشكر أكثر مما يوجبه له نداه والشِّباَك جمع شبكة كرقبة ورقاب، وَرحبة ورِحاب.

أتَتْركُني وعيُن الشمسِ نَعليفَتَقْطعَ مِشيتي فيها الشرَاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

اي بكوني في حاشيتك، واعتدادي في صاغيتك، شَرُفت وعظمت حتى عدت كأن عين الشمي نعلي؛ فإذا فارقتك، كنت كمن مَشى بهذه النعل، فانقطع شِراكها، فسقطت، فكان اختلال جزئها، سبباً لعدم كلها.

وإن شئت قلت: كساني قصدك شرفاً، صارت به عين الشمس لي نعلاً فإذا بَعُدتُ عنك، أخللتُ ببعض ذلك الشرف، لا بكله، فكأني قطعت الشراك الذي هو بعض النعل، فجعل الشرف كعين الشمس، وجعل فراقَه لعضُد الدولة المشْىَ فيها، وجعل بعده عنه بمنزلة انقطاع الشراك، الذي هو سبب الإخلال بالنَّعل، ولم يتوقع في كل ذلك إخلالاَ كليا، لأنه كان مُزمعاً للعودة إليه. ألا تراه يقول:

لعلَّ الله يَجعلُهُ رحيلاًيُعينُ على الإقامَةَ في ذَرَاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

وقوله:) فتقطع مِشيتي فيها الشراكا (: نصب فيه) تقطعَ (، لأنه جواب الاستفهام، والكلام متضمن معنى الجزاء. اي إن تتركني أسيرُ وقد انتعلت بعين الشمس، قطعت مِشيَتي شِراك نعلي.

وإن شئت رفعتَ على القطع، اي فإنها تُقطع، ولا يكون عطفاً على) أتتركني (لأن قَطعَ مِشيَتهِ شِراك النعل، ليس داخلاً في حد الاستفهامن ومعنى هذا الاستفهام الإنكارُ والتقرير، اي كيف تتركني على ما أنا به من الرأي، وأنت تعلم أن الذي أنا عليه من ذلك سَفَه.

قد استشفيتَ من دَاء بداءوأقتلُ ما أعلكَ ما شَفَاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

الداء المستشفى منه: تشوقه إلى أهله أيام كونه بشياز، وأهله بالكوفة؛ والداء المُستشفى به من ذلك الداء: فِراقه للمَلك. فيقول أما الآن حين أزمعت الإياب إلى أهلك استشفيت من داء الشوق بفراق هذا الملك، وفراقك إياه أعودُ عليك بالألم.) وأقتل ما أعلك ما شفاكا (؟ اي أقتل ما أعلك الآن؛ فراقُك لأبي شجاع، على أنه قد شفاك من شوقك إلى أهلك، فكان اشتياقك كالمرض، ومزاولتك لهذا الملك حين أزالت شَوقك كالموت المذهبِ لألم المرض، وهو أشد من الم المرض.

ثم يُخَرج قوله) وأقتل ما أعلك ما شفاكا (على طريق العموم، فيصير مثلاً، كقوله: أرى بصري قد رَابني بعدَ صحةٍ. وحَسبُك داء أن تَصح وتَسلمَا وكذا:

ودعوتُ ربي بالسلامةِ جاهداًليُصحني فإذا السلامة داءُ
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وموضوع بيت المتنبي أولى:

وأن البُخت لا يُعرِقن إلاوقد أنضى العُذافرةَ اللكاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

البُخت: جمع بُختى، فحذفت ياء النسب في الجمع، لأنها بمنزلة التأنيث، في أنها داخله على الاسم بعد تمامه، ألا تراهم قالوا ثمرة وثمر، ونخلة ونخل.) ويُعرِقن (: يأتين العراق. و) أنضى (: أهزل و) العُذافرة (: العظام. أخبر عن جماعة ما لا يعقل بشكل الواحد. حكى سيبويه عن العرب: الجمالُ ذاهبة وذاهبات. ولا أقول) العُذافرة (هاهنا واحدة، لان نَدى فَناخُسر عنده، أعظم من أن يصفه بأن تستقل به ناقة واحدة. واللكاك: الأنيق الشداد، وهي اللحِمة أيضا هنا. حكى سيبويه: ناقة لكاك، وأينُق لِكاك. والقولُ في هذا، القول في دِرعٍ دِلاَص وأدرع دلاص. قان الكسرة التي في الجمع غير التي في الواحد؛ والألف غير الألف. وقد أعدتُ هذا القول مرارآ لأونس به المستوحش، فاني رأيتُهم عند تفسيره لهم دَهشين. ولو فهموا كلام سيبويه، أنسُوا إليه.

ورواه بعضهم:) اللُّكاكا (. وفُعال: من الجمع العزيز؟ إلا أن له نظائر جَمة، كعرق وعُراق، وثنى ةثُناء. وذد ذكر سيبويه وأهل اللغة منه حروفاً جمة. وعليه وجه الفارسي قراءة من قرأ) إنا بُرآء مِنكُم (. قال: هو جمع برِئ كَفَرير وفُرارٍ، يعني ولد البقرة. وجعل بعضعهم الفرار لغة في الفرير. ونظائره عَريضة أريضة.

ومعنى البيت: ولَيتَ النوم حَدث هذا المحبوب الذي يريه إياي في النوم؛ حُبه لي، وتوحُّشه نحوي، أن البُخت لا تبلغ بنا العراق حتى يُضيها او يُفنيها ما تَحَملته من نَداك، لثقل ما حَملتها إياه، من البُدرو والخلع وهذا نحو قول أبى العتاهية يصف الإبل.

فإذا وردن بنا وَرَدْنَ مُخفةًوإذا صَدَرْنَ بنا صَدًرنَ قالا

والضمير في) أنضى (: راجع إلى النَّدى في قوله:) فليت النومَ حَدَّث عن نَدَاكا (.

وكَمْ طَرب المَسامع لَيس يَدريأيعجبُ من ثنائي أم عُلاَكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
وذاكَ النشرُ عِرضُكَ كان مِسكاوذَاك الشعرُ فِهرِى والمَدَاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

اي طرب السامع لا ستماع شعري، ليس يدري أيًّ الأمرين أولى بالتعجب منه، أجودة شعري فيك، أم رفعة عُلاك في ذاتها، لأن شعري متناهٍ في نوع الشعر. وعُلاك متناهية في نوع العُلى؛ فقد تساويا في السبق والفضل. ولولا البيت الذي بعد هذا، لعُدَّ جَفاءً من المتنبي، لتسويته شعره في نوعه بعُلا الملك في نوعها، لكن حَسُنَ ذلك بالبيت الذي اردَفه به، فيقول: الأريج الذي ذاع وشاع لشعري، إنما هو لعرضك السليم الكريم، فن عرضك هو المسكُ الذي إنما طبعه الطيب لذاته لا شعري. وإنما شعري هو بمنزلة الفهر والمَدَاك، الذين يُظهران فوح المسك، وينشران نَشْرَه، لان المسك إذا سُحق كان أسطع لَعرفه، وأشيَع لِفَوْحه.

وأما شعري فلم يك له في ذاته طيب، إنما كان كالالة للطيب، ألا ترى أن آلة الطيب ليس في طبيعتها فَوْحٌ، إلا بحسب ما تعلق بهذا من الجوهر الذي صُرفت في صنعته. وقوله) ذاك النشر (: ذاك مبتدا، والنشر صفة له، وعرضك: خبر المبتدأ. وأراد: وذلك النشر نشرُ عِرضك.

هذا إن عنى بالعِرض الإناء والذات، لأنها جواهر، والنشر عَرَض، فلا يخبر عن العَرَض بالجوهر. فلذلك احتجنا إلى تقدير حذف المضاف، كما احتجنا إليه في قوله تعالى:) ولكن البرَّ مَنْ آمَنَ باللهِ (وذهب سيبويه إلى أن التقدير:) ولكن البر برُّ من آمنَ بالله (، اي إيمانُ من آمن بالله لأن) البرَّ (عَرَض، و) من آمن بالله (: جوهر، فَقَجر الحذف مضافاً، ليخبر بالعَرَض عن العَرَض.

قال الفارسي: وقد يجوز أن يكون التقدير، ولكن أهل البِرّ مَن آمَنَ بالله، وذلك لتقابلُ الجوهر بالجوهر لأن أهل البر جوهر، و) من آمن بالله (كذلك فيخرج إلى باب) هو هو (لأن أهل البر هم المؤمنون بالله، وإن جعلت العَرَض هنا المَجد وسائر أنواع الفضائل، لم يحتج إلى حذف المضاف، لأن النشر والمجد كلاهما ليس بجوهر) وذاك الشعر فِهري والمدَاكا (: اي وكان ذاك الشعر. وقوله) كان مِسكاً (إلى آخر البيت: تفسير لقوله:) وذاك النشر عرضك (. والمَدَاك: صلاية العطار، دُكتُ الشيء دَوكاً: دققته وكان القياس) مدوَكاً (: لأن بناء ما يُعتمل به) مِفَعل (، لكنه شذ كما شذ المُسعُط وأخواته، وإن اختلف بناؤهما، فقد التقيا في الشذوذ.

فلا تَحمدهُما واحمَد هُماماًإذا لم يُسمِ حامِدُه عَنَاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

اي لاتحمد الفِهر والمَدَاك اللذين عنيت بهما شعري، لأن حقيقة الطيب ليس لهما، فلا يستحقان شيئاً من الحمد، وإنما ينبغي لك أيها الملكُ أن تحمد نفسك التي اقتنت المساعي، وأنبتت المعالي، باسندعاء القوافي، والثناء الوافي ويعني بالهُمام نفس المَلِك.

وقوله:) إذا لم يُسمِ حامده عناكا (: الهاء راجعة إلى الهُمام، وأخبر عنه كما أخبر الغائب، لأنه قد أخرجه ذلك المخرج لقوله) وأحمدْ هُماما (فلم يكن بُدٌّ من أن يعيد إلى الموصوف ذكراً من صفته، لأن قوله) إذا لم يُسمِ حامده (في موضع الصفة) لهمام (، وأراد إذا لم يُسمك حامُده، وإذا لم يُسم حامده محموداُ، فإنما يعنيك.

وإن شئت قلت: معناه: لو لم يُسمِك الحامد لعناك، والقولان متقاربان والمعنى مشتق من قول أبى نُواس.

إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍفأنت كما نُثني وفوقَ الذي نُثنيِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ملكت على طير السعادة واليمن»
وإن جَرت الألفاظُ يوماً بِمِدحةلغيرك إنساناً فنت الذي نعني

ولو قال:) إذا لم يُسمِ حامُده عناهُ (كان حسنا، ولكنه حمله على المعنى، لأن المراد في كل ذلك المخاطبة.

أغرُّ لهُ شَمائلُ من أبيهغداً يلقي بها أباكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

اي قد أخذت شَبه أبائك، صورةً وفعلاً، وبنوك يستكملون شَبَهك لأنهم الآن يُشبهونك بعض الشبه، إذ لم يستكملوا خصالك، فإذا استكملوها أشبهوك، وإذا أشبهوك وأنت تشيه أباك، فقد أشبهوا أباك. وهذا يتألف في الشكل الأول من المنِطق. تقول: زيد يشبه عَمْراً وعمرو يشبه خالداً، النتيجة: فزيد يشبه خالداً.

وفي الأحْبَابِ مُخْتَصُّ بَوَجْدٍوآخرُ يَدعىِ مَعَه اشتِراكَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

يُومئ إلى أن وجْدَه لفرِاق عضدُ الدولة طبيعي لا عَرَشي، وإن كان غيره يدعي مثل ذلك، فليس ذلك.

إذا اشْتَبَهتُ دُموعٌ في خُدودٍتبين مَنْ بكَى مَمنْ تَبَاكَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

) بكى (: كناية عن الطبيعى، و) تباكى (: كناية عن العَرَضِىْ، لأن التفاعُل قد يأتى لغرض، لإظهار خِلاف ما الأمر به في الحقيقة.

أنشد سيبويه:

إذا تخازرتُ ومابِي من خزرَ

فقوله: ومابي من خزر دليل على ذلك. اي: إذا اشتبهت الدموع في الخدود، بما هي عليه من الهَمَلان، وسرعة الجَرَيان، لم يَكُ هنالك بدٌ من فصل يُميِّزُ بِيْنَ العَرَضِيْ والطبيعي.

وهذا آخر ما انتهى من الشرح المبارك.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح المشكل من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.