١آخِرُ ما المَلكُ مُعَزّى بِهِ
هَذا الَّذي أَثَّرَ في قَلبِهِ
الواحدي: هذا على لفظ الخبر ومعناه الدعاء أي كان هذا آخر ما يعزى به الملك وكان قافية الخطوب حتى لا يكون مصابا بعد هذا
العكبري: الْمَعْنى يَقُول هَذَا الذى أثر فى قلبه من الْمُصِيبَة هُوَ آخر مَا يعزى بِهِ وَهَذَا لفظ مَعْنَاهُ الدُّعَاء وَلَفظه الْخَبَر وَمَعْنَاهُ أَنه لَا يُصِيبهُ بعد هَذَا مصاب
٢لا جَزَعاً بَل أَنَفاً شابَهُ
أَن يَقدِرَ الدَهرُ عَلى غَصبِهِ
الواحدي: أي لم يؤثر المصابُ في قلبه جزعا منه ولكن أخذته الحمية والآنفة حين قدر الزمان على اغتصابه وتطرقه حماه واستباحه حريمه
العكبري: الْإِعْرَاب جزعا مصدر وَتَقْدِيره لم يجزع جزعا وَقيل هُوَ مَنْصُوب بِفعل دلّ عَلَيْهِ أثر فى قلبه تَقْدِيره لم يُؤثر جزعا وَالْأنف الحمية الْمَعْنى يَقُول لم يُؤثر هَذَا الْمُصَاب فى قلبه وَإِنَّمَا دخله الأنفة من أجل أَن قدر الدَّهْر على اغتصابه واستباحة حريمه
٣لَو دَرَتِ الدُنيا بِما عِندَهُ
لَاِستَحيَتِ الأَيّامُ مِن عَتبِهِ
الواحدي: أي لو كانت الدنيا عالمةً بما عنده من الفضل والنفاسة لأخذها الحياء من عتبه عليها ولكفت عنه إذاها
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَو علمت الدُّنْيَا بِمَا عِنْده من الْفضل لأخذها الْحيَاء من عَتبه عَلَيْهَا ولكفت عَنهُ أذاها وَقَالَ الْخَطِيب لَعَلَّ الْأَيَّام لم تعلم من غَابَ عَن حَضرته من أَهله وأسرته وَلَو علمت لما عرضت لشئ من أَسبَابه فَلهَذَا قَالَ فى الْبَيْت الذى بعده (لَعَلَّهَا تحسب ... )
٤لَعَلَّها تَحسَبُ أَنَّ الَّذي
لَيسَ لَدَيهِ لَيسَ مِن حِزبِهِ
الواحدي: هذه المتوفاة توفيت على البعد منه يقول فلعل الأيام ظنت أنها لما لم تكن عنده لم تكن من عشيرته وقومه فلذلك أخذتها
العكبري: الْمَعْنى هَذِه المتوفاة هى عمته توفيت على الْبعد مِنْهُ فَلَعَلَّ الْأَيَّام ظنت أَن كل من لم يكن عِنْده من عشيرته وَقَومه لَيْسَ من حزبه أى أَهله فَلذَلِك أخذت هَذِه
٥وَأَنَّ مَن بَغدادُ دارٌ لَهُ
لَيسَ مُقيماً في ذَرى عَضبِهِ
الواحدي: يقول لعل الأيام ظنت أنها لما كانت ببغداد ولم تكن بحضرته لم تكن في كنف سيفه وممن يحميه سيفه فلذلك تعرضت لها
٦وَأَنَّ جَدَّ المَرءِ أَوطانُهُ
مَن لَيسَ مِنها لَيسَ مِن صُلبِهِ
الواحدي: يقول ولعلها ظنت أنها لما لم تكن مستوطنةً معه في بلده لم تكن من صلب جده فلهذا اجترأت عليها ومعنى قوله وإن جد المرء أوطانه أي ظنت أن أقاربه الذين يساكنونه في الوطن هم عشائره وإن البعيد عنه وطنا ولا يكون من عشيرته ويروي وإن حد المرء بالحاء على معنى أن حريمه وطنه فمن لم يكن مستوطنا معه لم يكن في حريمه وعلى هذا الضمير في صلبه عائد على المرء
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى صلبه رَاجع إِلَى الْمَرْء الْمَعْنى يَقُول لَعَلَّ الْأَيَّام ظنت أَن هَذِه المتوفاة لما لم تكن عنْدك فى بلدك لم تكن من صلب جدك فَلهَذَا اجترأت عَلَيْهَا الْمنية وظنت أَنه لَا نِسْبَة بَيْنكُمَا فَلهَذَا أقدمت عَلَيْهَا وظنت أَن أَقَاربه الَّذين يساكنونك فى الوطن هم عشائره وَأَن من بعد عَن وَطنه لَا يكون من عشريته وأسرته وَمن روى بِالْحَاء فَالْمَعْنى أَن حريمه وَطنه فَمن لم يكن مستوطنا مَعَه لم يكن من عشيرته
٧أَخافُ أَن تَفطُنَ أَعداؤُهُ
فَيُجفِلوا خَوفاً إِلى قُربِهِ
الواحدي: يقول أخاف أن يعلم اعداؤه هذا وهو أن الأيام لا ترزأ من تحرم بجواره وقربه فيسرعوا إلى حضرته خوفا من الأيام وطلبا للسلامة بحصولهم في ذمته واشتمالهم بعزه
٨لا بُدَّ لِلإِنسانِ مِن ضَجعَةٍ
لا تَقلِبُ المُضجَعَ عَن جَنبِهِ
الواحدي: يقول لا بد للإنسان من اضطجاع في القبر لا يقلبه ذلك الاضطجاع عن جنبه يعني يبقى كما اضطجع ولو قال لن بدل لا كان احسن لان لن تدل على التأبيد
٩يَنسى بِها ما كانَ مِن عُجبِهِ
وَما أَذاقَ المَوتُ مِن كَربِهِ
الواحدي: يقول يترك بتلك الضجعة اعجابه بنفسه وبما إذاقه الموت من كربه يعني أنه إذا ذاق كرب الموت وأضجع في القبر نسي العجب والإعجاب وما معطوف على الضمير في بها ويجوز أن يكون عطفا على ما كان فيك في محل النصب وذلك إن من مات واضجع في قبره نسي ما مر به من شدائد الموت وكربه
١٠نَحنُ بَنو المَوتى فَما بالُنا
نَعافُ مالا بُدَّ مِن شُربِهِ
الواحدي: يقول نحن أبناء للأموات ولا بد لنا منه أي فكما مات من تقدمنا من آبائنا فكذلك نحن على أثرهم وهذا من قول أبي النواس، ألا يا أبن الذين فنوا وبادوا، أما والله ما بادوا لتبقى، وأصله قول متمم بن نويرة، فعددت آبائي إلى عرق الثرى، فدعوتهم فعلمت أن لم يسمعوا، ولقد علمت ولا محالة أنني، للحادثات فهل تراني أجزع، وهذا كما روى أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عمرو بن عبيدة يعزيه عن أبيه أما بعد فإنا أناس من أهل الآخرة أسكنا في الدنيا أمواتا آباء وأبناء أموات فالعجب لميت يكتب يعزيه عن ميت والسلام
١١تَبخَلُ أَيدينا بِأَرواحِنا
عَلى زَمانٍ هِيَ مِن كَسبِهِ
الواحدي: يقول تمسكنا بأرواحنا بخلا بها على الزمان والأرواح مما كسبه الزمان فقد فسر هذا فيما بعد فقال
العكبري: الْمَعْنى يَقُول تبخل أَيْدِينَا بأرواحنا وَتمسك بهَا بخلا بهَا على الزَّمَان والأرواح مِمَّا أكسبه الزَّمَان وَهَذَا الْكَلَام من كَلَام الْحَكِيم قَالَ إِذا كَانَ تناشؤ الْأَرْوَاح من كروز الْأَيَّام فَمَا لنا نعاف رُجُوعهَا إِلَى أماكنها
١٢فَهَذِهِ الأَرواحُ مِن جَوِّهِ
وَهَذِهِ الأَجسامُ مِن تُربِهِ
الواحدي: إنما قال هذا لأن الإنسان مركب من جوهر لطيف وهو الروح وجوهر كثيف وهو البدن فجعل اللطيف من الهواء والكثيف من التراب
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن الْإِنْسَان مركب من هذَيْن من جَوْهَر لطيف وجوهر كثيف فالأرواح من الجو والأجسام من الأَرْض فَجعل اللَّطِيف من الْهَوَاء والكثيف من التُّرَاب وَهَذَا من قَول الْحَكِيم حَيْثُ يَقُول اللطائف سَمَاوِيَّة والكثائف أرضية وكل عنصر عَائِد إِلَى عنصر
١٣لَو فَكَّرَ العاشِقُ في مُنتَهى
حُسنِ الَّذي يَسبيهِ لَم يَسبِهِ
الواحدي: يقول لو تفكر العاشق لعلم أن منتهى حسن المعشوق إلى الزوال فلم يعشقه ولم يملك المعشوق قلبه
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن العاشق للشئ المستهام بِهِ لَو تفكر فى مُنْتَهى حسن المعشوق وَأَنه يصير إِلَى زَوَال لم يعشقه وَلم يملك الْعِشْق قلبه وَهَذَا يطرد فى كل شئ لَو فكر الْحَرِيص الذى يعدو وَيقتل فى نَفسه ويعادى على جمع المَال أَن آخِره إِلَى زَوَال أَو أَنه يَمُوت عَنهُ لما حرص على جمعه وَهَذَا الْبَيْت // من أحسن الْكَلَام // الذى يعجز عَن مثله المجيدون وَهُوَ من قَول الْحَكِيم حَيْثُ يَقُول النّظر فى عواقب الْأَشْيَاء يزِيد فى حقائقها والعشق عمى الْحس عَن دَرك رُؤْيَة المعشوق
١٤لَم يُرَ قَرنُ الشَمسِ في شَرقِهِ
فَشَكَّتِ الأَنفُسُ في غَربِهِ
الواحدي: هذا مثل ومعناه أنه لابد لكل حادث من الفناء كالشمس من رآها طالعة عرفها غاربة كذلك الحوادث منتهاها إلى الزوال لأن الحدوث سبب الهلاك
العكبري: الْغَرِيب قرن الشَّمْس أول مَا يَبْدُو مِنْهَا الْمَعْنى يُرِيد أَنه لابد من الفناء وَهَذَا مثل يُرِيد أَن الشَّمْس من رَآهَا طالعة عرفهَا غاربة كَذَلِك الْحَوَادِث مُنْتَهَاهَا إِلَى الزَّوَال لِأَن الْحُدُوث سَبَب الزَّوَال
١٥يَموتُ راعي الضَأنِ في جَهلِهِ
مَوتَةَ جالينوسَ في طِبِّهِ
الواحدي: يعني أن الموت حتم على كل أحد جاهلا كان أو عالما فالراعي الجاهل يموت كما يموت الطبيب الحاذق
العكبري: الْغَرِيب السرب هُنَا النَّفس وَقد روى بِفَتْح السِّين وَهُوَ المَال الراعى وَلَا معنى لَهُ الْمَعْنى يُرِيد أَن رَاعى الضَّأْن رُبمَا زَاد عمرا على جالينوس وَكَانَ آمنا نفسا وَولدا على جَهله وَقلة عمله وَهَذَا كُله يُرِيد أَن الْمَوْت حتم على جَمِيع الْخلق
١٦وَرُبَّما زادَ عَلى عُمرِهِ
وَزادَ في الأَمنِ عَلى سِربِهِ
الواحدي: وربما يزيد عمر راعي الضأن على عمر جالينوس الطبيب وكان آمن سربا منه أي نفسا وولدا ومن روى سربه بفتح السين فالسرب المال الراعي ولا معنى له ههنا
١٧وَغايَةُ المُفرِطِ في سِلمِهِ
كَغايَةِ المُفرِطِ في حَربِهِ
الواحدي: أي الذي افرط في السلم والمودة كالذي افرط في الحرب والمعاداة لأن كلا منهما إلى نفاد وفناء
١٨فَلا قَضى حاجَتَهُ طالِبٌ
فُؤادُهُ يَخفِقُ مِن رُعبِهِ
الواحدي: أي إذا الهلاك متيقنا فلم يخاف الإنسان من الموت ويجزع رعبا منه ولهذا دعا عليه فقال لا أدرك حاجته من خاف من الموت ويجوز أن يكون الهاء في رعبه للفؤاد
١٩أَستَغفِرُ اللَهَ لِشَخصٍ مَضى
كانَ نَداهُ مُنتَهى ذَنبِهِ
الواحدي: يقول كان غاية ذنبه إسرافه في العطاء والإسراف اقتراف وورد النص في النهي عن الإسراف
العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدى كَانَ غَايَة ذَنبه إسرافه فى الْعَطاء والإسراف اقْتَرَف وَورد النهى عَن الْإِسْرَاف فَلهَذَا قَالَ أسْتَغْفر الله وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد أَنه لَا ذَنْب عَلَيْهِ بعد الْإِحْسَان فَلَا ذَنْب لَهُ إِلَّا كرمه فَلَا ذَنْب إِذا لَهُ
٢٠وَكانَ مَن عَدَّدَ إِحسانَهُ
كَأَنَّهُ أَفرَطَ في سَبِّهِ
الواحدي: يقول من جدد ذكر إحسانه كان عنده كالمسرف في سبه لأنه كان يكره أن تحصى فواضله
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد انه كَانَ يكره أَن تحصى فواضله تناسيا للمعروف ليتخلص من الْمَنّ فَكَانَ الذى يعدد إحسانه قد بَالغ فى سبه
٢١يُريدُ مِن حُبِّ العُلى عَيشَهُ
وَلا يُريدُ العَيشَ مِن حُبِّهِ
الواحدي: أي إنما كان يهوى البقاء لكسب العلى لا لحب الحيوة
٢٢يَحسَبُهُ دافِنُهُ وَحدَهُ
وَمَجدُهُ في القَبرِ مِن صَحبِهِ
الواحدي: الذي يدفنه يظن أنه يدفن شخصا واحدا وقد دفن معه المجد والعفاف والبر والمجد أحد من صحبه ودفن معه
٢٣وَيُظهَرُ التَذكيرُ في ذِكرِهِ
وَيُستَرُ التَأنيثُ في حُجبِهِ
الواحدي: أي كانت ذكرا من طريق المعنى لأنها كانت تفعل فعل الرجال من الصنائع الجميلة وإيثار المعروف فيغلب المعنى في ذكرها على الظاهر ويذكر بلفظ التذكير لفظ التأنيث
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا كَانَت فى الْمَعْنى ذكرا تفعل فعل الرِّجَال من الصَّنَائِع الجميلة من إِيثَار الْمَعْرُوف فيغلب الْمَعْنى فى ذكرهَا على الظَّاهِر فَتذكر بِلَفْظ التَّذْكِير وَيتْرك لفظ التَّأْنِيث وَيجوز أَن يكون تفعل فعل الْخَيْر من الصّلاح وَالْأَمَانَة وَالْعَدَالَة الَّتِى هى مُخْتَصَّة بِالرِّجَالِ وَيسْتر التَّأْنِيث فى حجبه أى هى أُنْثَى على الْحَقِيقَة ولصونها وعفتها إِذا حلت فى حجبها لَا يَرَاهَا أحد إِلَّا ذُو محرم فهى تُعْطى التَّأْنِيث حَقه من السّتْر والعفاف
٢٤أُختُ أَبي خَيرٍ أَميرٍ دَعا
فَقالَ جَيشٌ لِلقَنا لَبِّهِ
الواحدي: أي هي أخت عضد الدولة وهو خير أمير دعا إلى نفسه فقال الجيش للرماح أجيبيه يعني أنهم أجابوه بعدتهم لما دعاهم ويجوز أن يكون المعنى دعا جيش فقال عضد الدولة للقنا لب الجيش يعني أنه يجيب الصارخ ويغيث المستغيث
العكبري: الْإِعْرَاب أُخْت خبر لمبتدإ مَحْذُوف تَقْدِيره هى أُخْت أَبى خير أَمِير الْمَعْنى يَقُول هى أُخْت أَبى الممدوح والممدوح خير أَمِير دَعَا إِلَى نَفسه فَقَالَ الْجَيْش للرماح أجيبيه وَيجوز أَن يكون دَعَاهُ جَيش فَقَالَ الممدوح للقنا لب الْجَيْش يُرِيد أَنه يُجيب الصَّارِخ وَصرح بعد الْكِنَايَة لما قَالَ أسْتَغْفر الله لشخص ثمَّ قَالَ أُخْت أَبى خير أَمِير وكنى عَن الممدوح ثمَّ صرح بِهِ بعد
٢٥يا عَضُدَ الدَولَةِ مَن رُكنُها
أَبوهُ وَالقَلبُ أَبو لُبِّهِ
الواحدي: يفضله على أبيه ويضرب لهما المثل بالقلب والعقل جعل اللب مثلا له والقلب مثلا لأبيه واللب أشرف من القلب كذلك هو أشرف من أبيه
٢٦وَمَن بَنوهُ زَينُ آبائِهِ
كَأَنَّها النورُ عَلى قُضبِهِ
الواحدي: جعل ابناء عضد الدولة زينا لآبائه واعرض عن ذكره ذهابا إلى استغنائه بمزية علائه عن أ، يتزين بأبنائه والمعنى أنهم يزينون أباك كما يزين النور القضيب
العكبري: الْغَرِيب النُّور بِفَتْح النُّون هُوَ الزهر يُقَال نورت الشَّجَرَة وأنارت أخرجت نورها الْمَعْنى أَنه جعل أَوْلَاده زينا لِآبَائِهِ وَلم يجعلهم زينا لَهُ ذَهَابًا إِلَى استغنائه بمزية علائه عَن أَن يتزين بأبنائه وهم يزينون أجدادهم كَمَا يزين النُّور قضبه جمع قضيب
٢٧فَخراً لِدَهرٍ أَنتَ مِن أَهلِهِ
وَمُنجِبٍ أَصبَحتَ مِن عَقبِهِ
الواحدي: أي جعل الله فخرا لدهر من أهل ذلك الدهر يعني أن الدهر يفتخر بكونه من أهله وأبوه الذي ولده نجيبا يفتخر به والمنجب الذي يلد النجيب وعقب الرجل أولاده الذين يأتون بعده
العكبري: الْإِعْرَاب انتصب فخرا على الْمصدر وَقيل بل بِفعل مُقَدّر تَقْدِيره جعلت فخرا أَو صرت فخرا الْغَرِيب المنجب الذى يلد النجباء الْمَعْنى يُرِيد جعلك الله فخرا لدهر صرت من أَهله لِأَن الدَّهْر يفتخر بِهِ إِذْ هُوَ من أَهله وَأَبوهُ لما وَلَده نجيبا افتخر بِهِ وعقب الرجل أَوْلَاده الَّذين يأْتونَ من بعده قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبه﴾
٢٨إِنَّ الأَسى القِرنُ فَلا تُحيِهِ
وَسَيفُكَ الصَبرُ فَلا تُنبِهِ
الواحدي: يعني الحزن كالقرن المغالب لك فلا تحيه بإعانته على نفسك وصبرك الذي تغالب به الأسى بمنزلة السيف فلا تجعله نابيا كليلا
العكبري: الْغَرِيب الأسى الْحزن وَهُوَ مَقْصُور مَفْتُوح وَمثله المدواة والعلاج والإساء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ الدَّوَاء بِعَيْنِه وَمثله الأطبة جمع آس مثل رَاع ورعاء والقرن من قارنك وماثلك فى السن والقرن من النَّاس أهل زمَان وَاحِد قَالَ الشَّاعِر (إِذا ذَهَبَ القَرْن الذى أنتَ فيهمُ ... وخُلِّفْتَ فى قَرْن فأنْتَ غَرِيبُ) والقرن ثَمَانُون سنة وَقيل ثَلَاثُونَ سنة ونبا السَّيْف إِذا لم يقطع وَيعْمل فى الضريبة ونبا بصرى عَن الشئ أى كل ونبا بزيد منزله إِذا لم يُوَافقهُ وَكَذَلِكَ فرَاشه الْمَعْنى يُرِيد أَن الْقرن هُوَ المغالب والحزن هُوَ قرن لَك فَلَا تحيه بإعانته على نَفسك وصبرك الذى تغالب بِهِ الْحزن بِمَنْزِلَة السَّيْف فَلَا تَجْعَلهُ نابيا كليلا وَهَذَا استعارات حَسَنَة
٢٩ما كانَ عِندي أَنَّ بَدرَ الدُجى
يوحِشُهُ المَفقودُ مِن شُهبِهِ
الواحدي: جعله كالبدر وأهله وعشائر كالنجوم حول البدر أي يجب أن لا يغتم لفقد احدهم والشهب جمع شهاب وهو الكوكب
٣٠حاشاكَ أَن تَضعُفَ عَن حَملِ ما
تَحَمَّلَ السائِرُ في كُتبِهِ
الواحدي: أراد بالسائر الفيج الذي يسير بالكتاب يقول يجب أن لا تضعف عن تحمل ما يحمله الفيج مكتوبا إليك في الكتاب أي إذا كان الفيج يطيق حمل ذكر وفاتها فأنت يجب أن تكون أشد اطاقةً له وهذا في الحقيقة مغالطة وإنما اراد تسكينه فتوصل إليه من كل وجه
العكبري: الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح السائر الذى حمل إِلَيْهِ الْكتاب بوفاتها يَقُول إِذا كَانَ هَذَا قد أطَاق حمل ذكر وفاتها فَحكم قَلْبك أَن يكون أَشد طَاقَة لَهُ وَهَذِه مغالطة وَإِنَّمَا أَرَادَ تسكينه فتوصل إِلَيْهِ بِكُل وَجه وَكَذَا نَقله الواحدى حرفا حرفا
٣١وَقَد حَمَلتَ الثِقلَ مِن قَبلِهِ
فَأَغنَتِ الشِدَّةُ عَن سَحبِهِ
الواحدي: يقول قد حملت الأمر الثقيل قبل هذا الحادث فأغنتك قوتك عن جر ذلك الثقل وذلك أن حامل الثقل إذا عجز عن حمله جره على الأرض كما قال عتاب بن ورقاء، وجره إذ كل عن محملهِ، ونفسه من حتفهِ على شفا، والمعنى أنك حمول صبور على تحمل الشدائد فلا تجزع عن حمل هذه الرزيئة
٣٢يَدخُلُ صَبرُ المَرءِ في مَدحِهِ
وَيَدخُلُ الإِشفاقُ في ثَلبِهِ
الواحدي: الإشفاق الخوف والجزع يحسن عنده الصبر ليرغب فيه ويقبح الجزع ليحذره والثلب العيب
العكبري: الْغَرِيب ثلبه ثلبا إِذا صرح بِالْعَيْبِ فِيهِ وتنقصه قَالَ الراجز (لَا يحسنُ التَّعريضُ إِلَّا ثَلْبا ... ) والمثالب الْعُيُوب الْوَاحِد مثلبة والأثلب فتات الْحِجَارَة وَالتُّرَاب يُقَال بِفِيهِ الأثلب والثلب بِالْكَسْرِ الْجمل الذى انْكَسَرت أنيابه من الْهَرم والإشفاق الْخَوْف والجزع يحسن عِنْده الصَّبْر ليرغب فِيهِ ويقبح الْجزع ليحذره لِأَن الصَّبْر يعد من الْمَدْح والجوزع يعد من الْعَيْب
٣٣مِثلُكَ يَثني الحُزنَ عَن صَوبِهِ
وَيَستَرِدُّ الدَمعَ عَن غَربِهِ
الواحدي: الصوب القصد والصوب النزول والغرب مجرى الدمع يقول أنت تقدر على صرف الحزن وغلبته بالنصر إذا قصدك وترد الدمع إلى قراره عن مجراه فتخلي مجراه عنه بأن تسترده عن المجرى
العكبري: الْغَرِيب الْغُرُوب مجارى الدمع وللعين غربان مقدمها ومؤخرها قَالَ الْأَصْمَعِي يُقَال بِعَيْنِه غرب إِذا كَانَ يسيل وَلَا يَنْقَطِع دموعها والغروب الدُّمُوع قَالَ الراجز (مَالك لَا تذكرُ أمّ عَمْرْو ... أما لعَيْنيك غروبُ تَجْرِى) والغروب حِدة الْأَسْنَان وماؤها وَاحِدهَا غرب قَالَ عنترة (إذْ تَسْتبيكَ بذى غَروب وَاضح ... عَذْبٍ مقبَّلُه لذيذِ المَطعَم) والصوب الْقَصْد والإصابة والصوب أَيْضا النُّزُول الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك تقدر على دفع الْحزن عَن قَصده وتغلبه بِالصبرِ وَترد الدمع إِلَى قراره وَمَجْرَاهُ بِأَن تصرفه على المجرى وَكَيف لَا تفعل هَذَا وَأَنت لَا شبه لَك
٣٤إيما لِإِبقاءٍ عَلى فَضلِهِ
إيما لِتَسليمٍ إِلى رَبِّهِ
الواحدي: أيما معناه أما أنشد ثعلب، يا ليتما أمناً شالت نعامتها، أيما إلى جنةٍ أيما إلى نارٍ، يقول يفعل ما ذكرت أما ليبقى على فضله فلا يهلك بالجزع وأما لتسليم الأمر إلى الله فإن له القضاء بما شاء في عباده
٣٥وَلَم أَقُل مِثلُكَ أَعني بِهِ
سِواكَ يا فَرداً بِلا مُشبِهِ
الواحدي: يقول لم أعنِ بقولي مثلك يثني الحزن غيرك لأنك الفرد الذي لا مثل له ولكن المثل يذكر في الكلام صلة ولا يراد به النظير كقوله عز وجل ليس كمثله شيء وهو كثير وقد تقدم لها نظائر والمعنى أني أردت نفسك لا غيرك
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.