١بِغَيرِكَ راعِياً عَبِثَ الذِئابُ
وَغَيرَكَ صارِماً ثَلَمَ الضِرابُ
الواحدي: يريد عبث الذئاب بغيرك في حال رعيه وسياسته وثلم الضراب غيرك في حال قطعه أي إذا كنت أنت الراعي لم تعبث الذئاب بسوامك وإذا كنت أنت الصارم لم يثلمك الضرب والمعنى إذا كنت الحافظ لرعيتك لم يحم حولهم أحد بما يضرهم خوفا منك
العكبري: الْإِعْرَاب رَاعيا وصارما حالان وَقيل تمييزان الْمَعْنى يُرِيد إِذا كنت الْحَافِظ للرعية لم يقدر عَلَيْهِم أحد بضر لخوفهم مِنْك وبغيرك يعبث الذئاب فى حَال رعيه وسياسته ويثلم الضراب غَيْرك فى حَال قطعه وَإِذا كنت أَنْت الراعى لم يعبث الذئاب بسوامك وَإِذا كنت أَنْت الصارم لم يثلمك الضَّرْب
٢وَتَملِكُ أَنفُسَ الثَقَلَينِ طُرّاً
فَكَيفَ تَحوزُ أَنفُسَها كِلابُ
الواحدي: يقول أنت ملك الجن والأنس فكيف يكون لبنى كلاب ملك أنفسهم ثم ذكر عذرهم فقال
العكبري: الْإِعْرَاب طرا فى نَصبه وَجْهَان قوم يَقُولُونَ على الْمصدر وَقوم يَقُولُونَ على الْحَال الْمَعْنى أَنْت تملك الْجِنّ وَالْإِنْس فَكيف يكون لبنى كلاب أَن تملك نَفسهَا ثمَّ ذكر عذرهمْ فى الْبَيْت الذى بعده
٣وَما تَرَكوكَ مَعصِيَةً وَلَكِن
يُعافُ الوِردُ وَالمَوتُ الشَرابُ
الواحدي: أي إنما تركوك خوفا منك لا عصيانا لك يريد حين هربوا لما طلبهم
العكبري: الْإِعْرَاب مَعْصِيّة نصب على الْمصدر لِأَن تركوك فى معنى عصوك وَقيل هى حَال الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك لما طلبتهم انْهَزمُوا خوفًا مِنْك لَا عصيانا والورد هُوَ الْوُرُود وَإِذا كَانَ الشَّرَاب الْمَوْت كره وُرُوده
٤طَلَبتَهُم عَلى الأَمواهِ حَتّى
تَخَوَّفَ أَن تُفَتِّشَهُ السَحابُ
الواحدي: أي تتبعت أمواه البادية لطلبهم حتى خاف السحاب أن تفتشه تطلبهم عنده لما كان الماء في السحاب
العكبري: الْإِعْرَاب أَن فى مَوضِع نصب بتخوف تَقْدِيره تخوف السَّحَاب تفتيشك لِأَنَّك طلبتهم على كل مياه الْبَادِيَة فخافك السَّحَاب أَن تفتشه لِأَنَّهُ حَامِل المَاء
٥فَبِتُّ لَيالِياً لا نَومَ فيها
تَخُبُّ بِكَ المُسَوَّمَةُ العِرابُ
الواحدي: أي تعدو بك الخيل العربية المعلمة يعني ذوات الشيات في طلبهم
العكبري: الْغَرِيب المسومة المعلمة ذَوَات الشيات وتخب تعدو بك فى طَلَبهمْ لَا تعرف النّوم
٦يَهُزُّ الجَيشُ حَولَكَ جانِبَيهِ
كَما نَفَضَت جَناحَيها العُقابُ
الواحدي: شبه وهو في قلب الجيش والجيش حوله يضطرب للسير بعقابٍ تهز جناحيها
العكبري: الْغَرِيب الْعقَاب الطير من سِبَاع طير وَالْعِقَاب أَيْضا الرَّايَة والجيش الْجَمَاعَة وجيش فلَان جمع الجيوش واستجاشة طلب مِنْهُ جَيْشًا الْمَعْنى أَنه شبهه وَهُوَ فى قلب الْجَيْش بعقاب تهز جناحيها وَهُوَ فى وَسطهمْ والجيش يضطرب للسير
٧وَتَسأَلُ عَنهُمُ الفَلَواتِ حَتّى
أَجابَكَ بَعضُها وَهُمُ الجَوابُ
الواحدي: أي لم يكن هناك سؤال ولا جواب ولكنه جعل طلبه إياهم في الفلوات كسؤالها عنهم وجعل ظفره بهم كالجواب منهم
العكبري: الْمَعْنى جعل طلبه لَهُم كالسؤال عَنْهُم وَالظفر بهم كالجواب وهما استعارتان وَلَيْسَ ثمَّ سوال وَلَا جَوَاب // وَهَذَا مجَاز // والفلوات جمع فلاة وهى الأَرْض الواسعة وهى مَأْخُوذَة من فلوته بِالسَّيْفِ إِذا قطعته فَهِيَ على هَذَا تحْتَمل ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَن تكون لانقطاعها عَن النَّاس والثانى لِأَنَّهَا تفلى أَي تقطع وَالثَّالِث لِأَنَّهَا تقطع من سَار فِيهَا
٨فَقاتَلَ عَن حَريمِهِمِ وَفَرّوا
نَدى كَفَّيكَ وَالنَسَبُ القُرابُ
الواحدي: أراد أن ندى كفيه وقرب النسب قاما لهم مقام من يذب عنهم ويقاتل دونهم وذلك أنه ظفر بالنساء والحرم فأحسن اليهن وحماهن عن السبي لاجل النسب بينه وبينهن
العكبري: الْمَعْنى أَنهم لما فروا وهربوا وظفر بحريمهم حماهم ومنعهم من السبى فقاتل دون حريمهم ندى كفيك وَالنّسب القراب وَهُوَ الْقَرِيب الذى بَيْنك وَبينهمْ وَلم يكن ثمَّ قتال وَإِنَّمَا لما حماهم جعله قتالا عَنْهُم اسْتِعَارَة أى هَذَانِ رداك عَنْهُم
٩وَحِفظُكَ فيهِمِ سَلَفي مَعَدٍّ
وَأَنَّهُمُ العَشائِرُ وَالصِحابُ
الواحدي: يريد أنك حفظت فيهم القرابة التي بينك وبينهم من جانب ربيعة ومضر ابني نزار بن معد وأنهم عشائرك وأصحابك
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد وَقَاتل عَنْهُم حفظك فيهم سلفى معد يُرِيد ربيعَة وَمُضر لِأَنَّهُ من ربيعَة وَبَنُو كلاب من مُضر وَرَبِيعَة وَمُضر ابْنا نزار بن معد بن عدنان وهم عشائرك وهم الصحاب بِمَعْنى أَصْحَابك والصحاب جمع صَاحب
١٠تُكَفكِفُ عَنهُمُ صُمَّ العَوالي
وَقَد شَرِقَت بِظُعنِهِمِ الشَعابُ
الواحدي: أي تكف عنهم الرماح وقد امتلأت شعاب الجبال بظعنهم ونسائهم
١١وَأُسقِطَتِ الأَجِنَّةُ في الوَلايا
وَأُجهِضَتِ الحَوائِلُ وَالسِقابُ
الواحدي: أي لشدة ما لحقهم من العتب في الهرب اسقطت نساؤهم أولادهن في برادع الإبل وأسقطت نوقهم الإناث والذكور من أولادها والولايا جمع ولية وهي كساء يطرح على ظهر البعير وأجهطت الناقة ولدها رمت به سقطا والحوائل جمع حائل وهي الأنثى من أولاد الإبل والسقب الذكر منها
١٢وَعَمرٌ في مَيامِنِهِم عُمورٌ
وَكَعبٌ في مَياسِرِهِم كِعابُ
الواحدي: عمرو قبيلة ذهبت ذات اليمين وتفرقت فصارت عمروا وكعب ذهبت ذات اليسار وتفرقت فصارت كعابا كما قال معاوية بن مالك، فأمسى كعبها كعباً وكانت، من الشنان قد دعيت كعابا،
١٣وَقَد خَذَلَت أَبو بَكرٍ بَنيها
وَخاذَلَها قُرَيظٌ وَالضِبابُ
الواحدي: هؤلاء بطون بني كلاب وجعل أبا بكر بن كلاب قبيلة فلذلك أنث والمعنى أن بعضهم خذل بعضا لتشاغلهم بأنفسهم
١٤إِذا ما سِرتَ في آثارِ قَومٍ
تَخاذَلَتِ الجَماجِمُ وَالرِقابُ
الواحدي: قال ابن جنى أصل التخاذل التأخر وإذا تأخرت الجمجمة والرقبة فقد تأخر الإنسان أي لما سرت وراءهم كان رؤسهم تأخرت لادراكك إياهم وإن كانت في الحقيقة قد اسرعت قال أبو الفضل العروضي ما أبعد ما وقع من الصواب وتخاذل الجماجم والرقاب هو أن يضربها بالسيف فيقطعها ويفصل بينهما فتساقط فكأن كل واحد منهما خذل صاحبه وقد رجع أبو الفتح إلى نحو هذا القول فذكر قريبا من هذا وعندي في معنى هذا البيت غير ما ذكراه وهو أنه يقول أن الرؤوس تتبرأ من الأعناق والأعناق منها خوفا منك فلا يبقى بينهما التعاون كما قال أيضا، أتاك يكاد الرأس يجحد عنقه، البيت وقد مر وهذا المعنى اراد الخوارزمي فذكره في ثلاثة أبيات وقال، وكنت إذا نهدت لغزو قوم، وأوجبت السياسة أن يبيدوا، تبرأت الحيوة إليك منهم، وجاء إليك يعتذر الحديد، وطلقت الجماجم كل قحف، وأنكر صحبة العنق الوريد،
العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى التخاذل التَّأَخُّر وَإِذا تَأَخَّرت الجمجمة والرقبة تَأَخّر الْإِنْسَان أى لما سرت وَرَاءَهُمْ كَأَن رؤوسهم تَأَخَّرت لإدراكك إيَّاهُم وَإِن كَانَت فى الْحَقِيقَة قد أسرعت قَالَ أَبُو الْفضل العروضى مَا أبعد مَا وَقع من الصَّوَاب وتخاذل الجماجم والرقاب هُوَ أَن يضْربهَا بِالسَّيْفِ فيقطعها ويفصل بَينهمَا فتتساقط فَكَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا خذل صَاحبه وَقد رَجَعَ أَبُو الْفَتْح إِلَى مثل هَذَا القَوْل فَذكر قَرِيبا من هَذَا الْمَعْنى قَالَ الواحدى والذى عندى فى معنى هَذَا الْبَيْت غير مَا ذكرَاهُ وَهُوَ أَنه يَقُول إِن الرُّءُوس تتبرأ من الْأَعْنَاق والأعناق مِنْهَا خوفًا مِنْك فَلَا يبْقى بَينهمَا تعاون كَمَا قَالَ (أتاكَ يكادُ الرأسُ يَجحَدُ عُنْقَه ... ) وَهَذَا الْمَعْنى أَرَادَهُ الخوارزمى فَذكره فى ثَلَاثَة أَبْيَات فَقَالَ (وكنتَ إِذا نَهدتَ لغَزْوِ قَوْمٍ ... وأوْجَبَتِ السِّياسَة أَن يَبيدُوا) (تَبرَّأتِ الحَياة إلَيْكَ مِنهُمْ ... وجاءَ إلَيْكَ يَعْتَذِرُ الحَديدُ) (وطَلَّقَتِ الجماجِمُ كلّ قَحْفٍ ... وأنْكَرَ صُحْبَةَ العُنُقِ الوَرِيدُ) انْتهى كَلَامه وَقَالَ الْخَطِيب وَأَبُو الْعَلَاء أصل التخاذل التَّأَخُّر أى لما لقِيت سيوفك تَأَخَّرت وتخاذلت أى تساقطت لما ضربت بِالسُّيُوفِ وتخاذلت رجلا السَّكْرَان وَالشَّيْخ إِذا ضعفتا
١٥فَعُدنَ كَما أُخِذنَ مُكَرَّماتٍ
عَلَيهِنَّ القَلائِدُ وَالمَلابُ
الواحدي: الملاب ضرب من الطيب وهو فارسي معرب ومنه قول جرير، تطلي وهي سيئة المعرى، بصن الوبر تحسبه ملابا، يقول عادت النساء إلى أماكنهن لم يصب منهن شيء من حليهن وما عليهن من الطيب
العكبري: الْغَرِيب الملاب ضرب من الطّيب فارسى مُعرب قَالَ جرير (تطلَّى وَهْىَ سيِّئة المُعَرَّى ... بصِنِّ الوَبْرِ تحسَبه مَلابا) الْمَعْنى يُرِيد أَن نسَاء بنى كلاب لما ظفر بهم أَخذ نِسَاءَهُمْ فرجعن مكرمات عَلَيْهِنَّ قلائدهن وطيبهن لم يذهب مِنْهُنَّ شئ وعدن إِلَى أماكنهن مكرمات عَن السبئ
١٦يُثِبنَكَ بِالَّذي أَولَيتَ شُكراً
وَأَينَ مِنَ الَّذي تولي الثَوابُ
الواحدي: يشكرنم بإحسانك إليهن وأين موقع الثواب مما توليه أي أن إحسانك لا يقابل بشيء
العكبري: الْمَعْنى أَنَّهُنَّ يشكرنك على مَا أوليتهن من الْإِحْسَان وَأَيْنَ موقع الثَّوَاب مِمَّا تَوْلِيَة لِأَن إحسانك لَا يُقَابل بشئ بل هُوَ أعظم من ذَلِك
١٧وَلَيسَ مَصيرُهُنَّ إِلَيكَ شَيناً
وَلا في صَونِهِنَّ لَدَيكَ عابُ
الواحدي: ويروي سبيا ويروي كونهن أي صيانتك إياهن لم تعبهن
١٨وَلا في فَقدِهِنَّ بَني كِلابٍ
إِذا أَبصَرنَ غُرَّتَكَ اِغتِرابُ
الواحدي: يقول لا غربة عليهن إذا رأينك وأن بعدن عن أزواجهن وأقاربهن
١٩وَكَيفَ يَتِمُّ بَأسُكَ في أُناسٍ
تُصيبُهُمُ فَيُؤلِمُكَ المُصابُ
الواحدي: يقول لا يتم فيهم بأسك لأنك متى أصبتهم بمكروه آلمك ذلك وإذا كانت الحالة هذه فإصابتك إياهم إصابة نفسك وهذا كقول الحارث بن وعلة، ولئن سطوت لأوهنن عظمي، وكقول العديل بن الفرج، وإني وأن عاديتهم وجفوتهم، لتألم مما عض أكبادهم كبدي، وكقول قيس بن زهير، وإن أك قد بردت بهم غليلي، فلم أقطع بهم إلى بناني،
العكبري: الْمَعْنى يَقُول كَيفَ يتم بأسك يتعجب من هَذَا أى لَا يتم بأسك فى قوم إِذا نالهم مَكْرُوه نالك فَلَا ترى أَن تصيبهم بمكروه لأَنهم قَوْمك فَإِذا أصبتهم بمكروه أصبت بِهِ نَفسك وَهَذَا الْمَعْنى كثير وَأول من اخترعه قيس بن زُهَيْر العبسى فَقَالَ (فإنْ أكُ قدْ بردْتُ بِهم غَليلى ... فَلَمْ أقْطَعْ بِهِمْ إلَاّ بَنانِى) وَقَالَ الْحَارِث بن وَعلة من أَبْيَات الحماسة (قَوْمى همُ قَتَلُوا أميمَ أخِى ... فَلئنْ رَمَيْتُ يَصِيبُنِى سَهْمى) (فَلئنْ عَفَوْتُ الأَعْفُوَنْ جَللاً ... ولئنْ سَطَوْتُ لأُوهِننْ عَظْمِى) وَقَالَ العديل (وإنى وإنْ عاديتهم آو جَفَوْتُهم ... لتألْم مِمَّا علّ أكبادَهم كِبْدِى) وَأحسن فِيهِ على الْجَمِيع النميرى بقوله (فإنَّكَ حِينَ تَبْلُغهم أذاة ... وإنْ ظَلموا المحترِقُ الضَّميرِ)
٢٠تَرَفَّق أَيُّها المَولى عَلَيهِم
فَإِنَّ الرِفقَ بِالجاني عِتابُ
الواحدي: يقول ارفق بهم وإن جنوا فإن من رفق بمن جنى عليه كان ذلك الرفق عتابا وذلك أن الرفق بالجاني والصفح عنه يجعله عبدا لك كما قال، وما قتل الأحرار كالعفو عنهم،
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَنهم إِن كَانُوا جنوا وأخطأوا فترفق بهم فَإِن من رفق بِمن جنى عَلَيْهِ كَانَ رفقه عتابا والرفق بالجانى وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ يَجعله عبدا لَك فَهُوَ كَقَوْلِه (وَما قَتَلَ الأحْرارَ كالعَفْوِ عنهُمُ ... )
٢١وَأَنتَ حَياتُهُم غَضِبَت عَلَيهِم
وَهَجرُ حَياتِهِم لَهُمُ عِقابُ
الواحدي: أي أنت الذي بك بقاؤهم فإذا غضبت عليهم فقد غضبت عليهم حياتهم ولا عقوبة فوق هجر الحياة
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن حياتهم برضاك عَنْهُم فَإِذا غضِبت عَلَيْهِم غضِبت عَلَيْهِم الْحَيَاة وَلَا عُقُوبَة فَوق هجر الْحَيَاة وَهَذَا من أحسن مَا يكون
٢٢وَما جَهِلَت أَيادِيَكَ البَوادي
وَلَكِن رُبَّما خَفِيَ الصَوابُ
الواحدي: يقول لم يجهلوا بعصيانك سوابق نعمك ولكن قد يخفى الصواب على الإنسان فيأتي غير الصواب
العكبري: يُرِيد أَن هَؤُلَاءِ البوادى مَا جهلوا نعمك بعصيانك والبوادى أهل البدو هُوَ فَاعل جهلت وَلَو كَانَت البوادى صفة للأيادى لَكَانَ حَقّهَا النصب وَسَأَلت شَيخنَا أَبَا مُحَمَّد عبد الْمُنعم النحوى عِنْد قراءتى عَلَيْهِ عَن هَذَا الْبَيْت وَقلت لَهُ يجوز أَن يكون البوادى نعتا للأيادى والبوادى فى نصف الْبَيْت فَكَأَنَّهُ عَنى الْوَقْف وَهُوَ مَوضِع وقف كَقَوْلِك أجب الداعى وَقد يُوقف على قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْمئِذٍ يتبعُون الدَّاعِي﴾ بِالسُّكُونِ وَيكون فَاعل جهلت مضمرا فِيهَا فَقَالَ لى أَنْت مقرئ وَقد قست وَمَعَ هَذَا أَنْت حفى فصوب مَا قلت وَيكون البوادى على هَذَا السابقات الَّتِى بَدَت إِلَيْهِم وَقَوله (ولكِنْ رُبمَا خَفَى الصَّوَابُ ... ) من أحسن مَا قيل وَهُوَ من إعجاز نبوته الَّتِى أعجزت غَيره وَقد ذَكرنَاهَا جملَة عِنْد قَوْله (وبِضدّها تتَبَيَّنُ الأشْياءُ ... )
٢٣وَكَم ذَنبٍ مُوَلِّدُهُ دَلالٌ
وَكَم بُعدٍ مُوَلِّدُهُ اِقتِرابُ
الواحدي: يقول قد يتولد من الدلال الذنب فيأتي صاحبه بذنب وهو يحسبه دلالا وقد يكون بعد سببه القرب وهذا اعتذار لهم أي أنهم أدلوا عليك لفرط إحسانك إليهم فأتوا في ذلك بما صار ذنبا وجناية منهم
العكبري: الْمَعْنى يَقُول الذَّنب يتَوَلَّد من الدَّلال والبعد يأتى من الْقرب وَذَلِكَ أَن صَاحب الذَّنب يأتى بذنب وَهُوَ يَظُنّهُ دلالا وَقد يكون بعد سَببه الْقرب وَهُوَ من أحسن الْأَشْيَاء وَهُوَ حِكْمَة من أحسن الْكَلَام وَقد جمع فِيهِ معانى
٢٤وَجُرمٍ جَرَّهُ سُفَهاءُ قَومٍ
وَحَلَّ بِغَيرِ جارِمِهِ العَذابُ
الواحدي: يقو لكم جرم جناه السفهاء فنزل العذاب بغير من جنى كما قال الآخر، جنى ابن عمك ذنبا فابتليت به، إن الفتى بابن عم السوء مأخوذ، وقال البحتري، تصد حياء أن تراك بأعين، جنى الذنب عاصيها فليم مطيعها،
العكبري: الْإِعْرَاب وجرم مَعْطُوف على ذَنْب تَقْدِيره وَكم جرم وَقيل هُوَ مجرور بِرَبّ الْمقدرَة أى وَرب جرم الْغَرِيب السُّفَهَاء جمع سَفِيه كفقيه وفقهاء وهم الْجُهَّال وَمن لَا عقل لَهُ والجرم الذَّنب يُقَال جرم وأجرم الْمَعْنى يُرِيدكُمْ جرم أَو رب جرم وَهُوَ الذَّنب وَالْجِنَايَة جناه سَفِيه فَنزل الْعَذَاب بِغَيْرِهِ وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وَالْحكمَة وَهُوَ مَنْقُول من قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة﴾ وَقَالَ الْحجَّاج وَالله لأخذن المحسن بالمسئ والطائع بالعاصى وَقَالَ هَذَا الْمَعْنى جمَاعَة مِنْهُم امْرُؤ الْقَيْس (وقاهُم جَدُّهم ببَنى أبِيهم ... وبالأشْقيَنَ مَا كانَ العقابُ) وَقَالَ آخر (رأيتُ الحرْبَ يَجْنيها رِجالٌ ... ويَصلَى حَرَّها قوْمٌ بَراءُ) وَقَالَ آخر (جَنى ابْن عمك ذَنْبا فابْتُلِيْتَ بِهِ ... إنّ الفَتى بِابْن عمّ السَّوْءِ مأخوذُ) وَقَالَ آخر (نصدّ حَياءً أَن نَراكَ بأعْيُنٍ ... جَنى الذَّنبَ عاصيها فلِيمَ مُطيعُها) وَقَالَ النَّابِغَة (كذى العَرّ يُكْوَى غيرُه وَهُوَ راتعُ ... ) وَقَالَ البحترى (وَلَا عُذْر إِلَّا أنّ حِلْم حليمِها ... يُسَفَّه فى شرّ جَناهُ خليعُها)
٢٥فَإِن هابوا بِجُرمِهِمِ عَلِيّاً
فَقَد يَرجو عَلِيّاً مَن يَهابُ
الواحدي: يقول إن خافوه بسبب جرمهم فإنه يرجى كما يهاب لأنه جواد مهيب
٢٦وَإِن يَكُ سَيفَ دَولَةِ غَيرِ قَيسٍ
فَمِنهُ جُلودُ قَيسٍ وَالثِيابُ
الواحدي: يقول إن لم يكن سيف دولتهم فهو ولي نعمتهم لأن جلودهم تنبت بإنعامه عليهم واكتسوا بما خلع عليهم من الثياب
٢٧وَتَحتَ رَبابِهِ نَبَتوا وَأَثّوا
وَفي أَيّامِهِ كَثُروا وَطابوا
الواحدي: الرباب غيم يتعلق بالسحاب من تحته يضرب إلى السواد ومنه قول الشاعر، كأن الرباب دوين السحاب، نعام تعلق بالأرجل، يعني أنهم تربوا بنعمته ونشؤوا في إحسانه كالنبت إنما يلتف بماء السحاب واثوا من الأثاثة يقال نبت أثيث وشعر أثيث
٢٨وَتَحتَ لِوائِهِ ضَرَبوا الأَعادي
وَذَلَّ لَهُم مِنَ العَرَبِ الصِعابُ
الواحدي: أي إنما تمكنوا من الأعداء بحشمته وانتسابهم إلى خدمته حتى انقاد لهم من العرب الذي لا ينقادون لأحد
العكبري: الْمَعْنى يَقُول بنسبتهم إِلَيْهِ وَإِلَى خدمته قهروا الأعادى وذلت لَهُم الْعَرَب الصعبة وانقاد لَهُم من الْعَرَب مَا لَا ينقاد لأحد كل هَذَا بِهِ وبخدمته وأسكن الْيَاء من الأعادى ضَرُورَة أَو لِأَنَّهَا فى نصف المصراع آخِره
٢٩وَلَو غَيرُ الأَميرِ غَزا كِلاباً
ثَناهُ عَن شُموسِهِمِ ضَبابُ
الواحدي: يذكر قوتهم وشوكتهم وأن غير سيف الدولة لو أتاهم لما ظفر بهم وكنى بالشموس عن النساء وبالضباب عن المحاماة دونهن لأن الضباب يستر الشمس ويحول عن النظر إليها ويجوز أن يكون هذا مثلا معناه لو غزاهم غيره لكان له مشغل بما يلقى منهم قبل الوصول إليهم وإباحة حريمهم ومعناه أنه كان يستقبله من قليلهم ما كان يمنعه من الوصول إلى الذين هم أكثر منهم فجعل الضباب مثلا للرعاع والشموس مثلا للسادة
٣٠وَلاقى دونَ ثايِهِمِ طِعاناً
يُلاقي عِندَهُ الذِئبَ الغُرابُ
الواحدي: الثأي جمع ثأية وهي الحجارة حول البيوت يأوي إليها الراعي ليلا وفيها مرابض الغنم ومبارك الإبل أي لم يكن يصل إلى هذا الموضع منهم وكان يلاقي قبل الوصول إليه طعانا يكثر به القتلى حتى يجتمع عليهم الذئب والغراب
العكبري: الْغَرِيب الثاى جمع ثاية وهى حِجَارَة تجْعَل حول الْبَيْت يأوى إِلَيْهَا الراعى لَيْلًا وهى مبارك الْإِبِل ومرابض الْغنم الْمَعْنى يُرِيد لَو غزاهم غَيره لثناه عَنْهُم ولاقى مَعْطُوف على ثناه أى للاقى دون وُصُوله إِلَى هَذِه الْحِجَارَة طعانا تكْثر الْقَتْلَى حَتَّى يلتقى الْغُرَاب عَلَيْهِم وَالذِّئْب فيجتمعان على لُحُوم الْقَتْلَى فَكيف لَهُ بالوصول إِلَى اسْتِبَاحَة حريمهم وَذهب قوم إِلَى أَن الذِّئْب لَا يَأْكُل إِلَّا مَا افترسه بِخِلَاف الضبع وَالْكَلب وأنشدوا فى ذَلِك (ولكُلّ سَيِّد مَعْشَرٌ مِن قَوْمِه ... دَعَرٌ يدنِّس عِرْضَه ويعيبُ) (لَوْلا سِوَاهُ تَجزّرَت أوصَالَهُ ... عُرْجُ الضِّباعِ وصَدّ عَنهُ الذيبُ)
٣١وَخَيلاً تَغتَذي ريحَ المَوامي
وَيَكفيها مِنَ الماءِ السَرابُ
الواحدي: أي لقي خيلا تعودت قطع المفاوز على غير علف وماء حتى كأن غذاءها الريح وماؤها السراب لأنها عراب مضمرة معودة قلة العلف والماء
العكبري: الْإِعْرَاب وخيلا تغتذى عطف على قَوْله طعانا أى ولاقى خيلا الْغَرِيب الموامى وَاحِدهَا موماة وهى الْمَفَازَة قَالَ ابْن السراج كَانَ أَصْلهَا موموة على فعللة وَهُوَ مضاعف قلبت واوه ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا الْمَعْنى وَكَانَ يلاقى خيلا عرابا مضمرة قد تعودت قطع المفاوز على غير علف وَمَاء حَتَّى كَأَن غذاءها الرّيح وماءها السراب وَقَوله (من المَاء السراب ... ) أى بَدَلا مِنْهُ إِذا رَأَتْ مثل لون المَاء اكتفت بِهِ وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿لجعلنا مِنْكُم مَلَائِكَة فِي الأَرْض يخلفون﴾ أى بَدَلا مِنْكُم وَقَوله (يكفيها من المَاء ... إِلَى آخِره ... ) من أحسن الْأَشْيَاء
٣٢وَلَكِن رَبُّهُم أَسرى إِلَيهِم
فَما نَفَعَ الوُقوفُ وَلا الذَهابُ
الواحدي: أي ما نفعهم الوقوف في ديارهم للدفاع والمحاماة ولا الذهاب للهرب لأنهم أن وقفوا قتلوا وإن هربوا أدركوا
٣٣وَلا لَيلٌ أَجَنَّ وَلا نَهارٌ
وَلا خَيلٌ حَمَلنَ وَلا رِكابُ
الواحدي: أي لم يسترهم عنه ليل ولا أخفاهم نهار ولا حملتهم خيل ولا ركاب لأن سيف الدولة طلبهم هذا كقوله، تخاذلت الجماجم والرقاب،
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن سيف الدولة لما سرى خَلفهم لطلبهم تحيروا فَلَا ليل سترهم وَلَا نَهَار وَلَا حملتهم خيل وَلَا إبل فهم لهيبته متحيرون مَا نجاهم نَهَار وَلَا سترهم ليل
٣٤رَمَيتَهُمُ بِبَحرٍ مِن حَديدٍ
لَهُ في البَرِّ خَلفَهُمُ عُبابُ
الواحدي: جعل جيشه كبحر حديد لكثرة ما عليه من الأسلحة ثم جعلهم يموجون خلفهم في سيرهم وراءهم
العكبري: الْمَعْنى جعل جَيْشه بحرا من حَدِيد لِكَثْرَة لابسى الْحَدِيد فِيهِ وجعلهم يموجون خَلفهم فى سيرهم كموج الْبَحْر وَهُوَ عبابه
٣٥فَمَسّاهُم وَبُسطُهُمُ حَريرٌ
وَصَبَّحَهُم وَبُسطُهُمُ تُرابُ
الواحدي: أي أتاهم مساؤهم يفترشون الحرير فبيتهم وقتلهم ليلا حتى جدلوا على الأرض مقتولين مع الصباح
٣٦وَمَن في كَفِّهِ مِنهُم قَناةٌ
كَمَن في كَفِّهِ مِنهُم خِضابُ
الواحدي: أي صار الرجال كالنساء تخاذلا وانقيادا وإعطاء باليد
٣٧بَنو قَتلى أَبيكَ بِأَرضِ نَجدٍ
وَمَن أَبقى وَأَبقَتهُ الحِرابُ
الواحدي: يريد ما كان من أبي الهيجاء والد سيف الدولة مع بني كلاب من الحرب
٣٨عَفا عَنهُم وَأَعتَقَهُم صِغارا
وَفي أَعناقِ أَكثَرِهِم سِخابُ
الواحدي: يريد أن والدك قتل آباءهم وعفا عن الأبناء فأعتقهم وهم صغار متقلدو قلائد والسخاب قلادة من قرنفل يلبسها الصبيان
٣٩وَكُلُّكُمُ أَتى مَأتى أَبيهِ
فَكُلُّ فَعالِ كُلِّكُمُ عُجابُ
الواحدي: أي هم تقيلوا آباءهم في الخطأ وأنت تقيلت أباك في العفو ففعلهم عجب حين عصوك ولم يعتبروا بآبائهم وفعلك أيضا عجب في المن عليهم والإبقاء على باقيهم
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.