من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)
باب شفاعات الشعراء، وتحريضهم
قال عبد الكريم: عرضت قتيلة بنت النضر بن الحارث للنبي ﷺ وهو يطوف، فاستوقفته وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه، وقد كان قتل أباها، فأنشدته:
يا راكباً أن الأثيل مظنةمن صبح خامسة، وأنت موفق
أبلغ به ميتاً بأن قصيدةما إن تزال بها الركائب تخفق
مني إليه، وعبرة مسفوحةجادت لمائحها وأخرى تخنق
فليسمعن النضر إن ناديتهأم كيف يسمع ميت لا ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشهلله أرحام هناك تشقق
قسراً يقاد إلى المنيه متعباًرسف المقيد وهو عانٍ موثق
أمحمد ها أنت نجل نجيبةٍمن قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت، وربمامن الفتى وهو المغيظ المحنق
والنضر أقرب من قتلت وسيلةوأحقهم إن كان عتق يعتق
فقال النبي ﷺ: لو كنت سمعت شعرها هذا ما قتلته.
ولما قتل الحارث بن أبي شمر الغساني المنذر بن ماءٍ السماء وهو المنذر الأكبر، وماء السماء أمه أسر جماعة من أصحابه، وكان فيمن أسر شاس بن عبدة في تسعين رجلاً من بني تميم، وبلغ ذلك أخاه علقمة بن عبدة الشاعر صاحب امرئ القيس، وهو معروف بعلقمة الفحل، فقصد الحارث ممتدحاً بقصيدته المشهورة التي أولها:
طحا بك قلب بالحسان طروببعيد الشباب عصر خان مشيب
فأنشده إياها، حتى إذا بلغ إلى قوله:
إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتيلكلكلها والقصريين وجيب
إليك أبيت اللعن كان وجيفهابمشتبهات هولهن مهيب
هداني إليك الفرقدان ولا حبله فوق أعلام المتان علوب
فلا تحرمني نائلاً على جنايةٍفإني امرؤ وسط القباب غريب
وفي كل حيً قد خبطت بنعمةٍفحق لشاس من نداك ذنوب
فقال الحارث: نعم وأذنبة، وأطلق له شاساً أخاه، وجماعة أسرى بني تميم، ومن سأل فيه أو عرفه من غيرهم.
وكان لأمية بن حرثان ولد اسمه كلاب، هاجر إلى البصرة في خلافة عمر ﵁، فقال أمية:
سأستعدي على الفاروق رباًله عمد الحجيج إلى بساق
إن الفاروق لم يردد كلاباًعلى شيخين هامهما زواقي
فكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري بإشخاص كلاب، فما شعر أمية إلا به يقرع الباب.
وما زالت الشعراء قديماً تشفع عند الملوك والأمراء لأبنائها وذوي قرابتها، فيشفعون بشفاعتهم، وينالون الرتب بهم.
ودخل العماني الشاعر وهو أبو العباس محمد بن ذؤيب الفقيمي على الرشيد، فأنشده أرجوزة يقول فيها:
قل للإمام المقتدي بأمهما قاسم دون مدى ابن أمه
فقد رضيناه فقم فسمه
فقال الرشيد: ما رضيت أن أسميه وأنا قاعد حتى أقوم على رجلي، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما أردت قيام جسم لكن قيام عزم، فأمر الرشيد بإحضار القاسم
ولده، ومر العماني في إنشاده يهدر، فلما فرغ قال الرشيد للقاسم: أما جائزة هذا الشيخ فعليك، وقد سألنا أن نوليك العهد، فأجبناه.
وشفع الطائي للواثق عند أبيه المعتصم في أن يوليه العهد، فقال:
فاشدد بهارون الخلافة؛ إنهسكن لوحشتها ودار قرار
بفتى بني العباس والقمر الذيحفته أنجم يعرب ونزار
كم العمومة والخئولة مجهسلفاً قريش فيه والأنصار
هو نوء يمن منكم وسعادةوسراج ليل فيكم ونهار
فاقمع شياطين النفاق بمهتدترضى البرية هديه والباري
ليسير في الآفاق سيرة رأفةويسوسها بسكينة ووقار
فالصين منظوم بأندلس إلىحيطان رومية فملك ذمار
ولقد علمت بأن ذلك معصمما كنت تتركه بغير سوار
واستعطف مالك بن طوق لقومه بني تغلب وكانوا أفسدوا في الطرق، فخافوه واستشفعوا بأبي تمام فقال في قصيدة مشهورة يخاطب بها مالكاً:
ورأيت قومك والإساءة منهمجرحى بظفر للزمان وناب
هم صيروا تلك البروق صواعقاًفيهم، وذاك العفو سوط عذاب
فأقل أسامة جرمها، واصفح لهاعنه، وهب ما كان للوهاب
رفدوك في يوم الكلاب، وشققوافيه المزاد بجحفل كلاب
وهم بعين أباغ راشوا للوغىسهميك عند الحارث الحراب
وليالي الثرثار والحشاك قدجلبوا الجياد لواحق الأقراب
فمضت كهولهم، ودبر أمرهمأحداثهم تدبير غير صواب
لا رقة الحضر اللطيف غذتهموتباعدوا عن فطنة الأعراب
فإذا كشفتهم وجدت لديهمكرم النفوس وقلة الآداب
لك في رسول الله أعظم أسوةوأجلها في سنة وكتاب
أعطى المؤلفة القلوب رضاهمكرماً، ورد أخائذ الأحزاب
فذكر أصحاب الأخبار أن هذه القصيدة وقعت من مالك أجل موقع فأجزل ثوابه عليها، وقبل شفاعته، ورد القوم إلى رتبتهم ومنزلتهم، من بعد اليأس المستحكم، والعداوة الشديدة.
وكان أبو قابوس الشاعر رجلاً نصرانياً من أهل الحيرة منقطعاً إلى البرامكة، فلما أوقع الرشيد بجعفر صنع أبو قابوس أبياتاً وأنشدها الرشيد يشفع عنده للفضل بن يحيى:
أمين الله هب فضل بن يحيىلنفسك، أيها الملك الهمام
وما طلبي إليك العفو عنهوقد قعد الوشاة به وقاموا
أرى سبب الرضا عنه قوياًعلى الله الزيادة والتمام
نذرت علي فيه صيام شهرفإن تم الرضا وجب الصيام
وهذا جعفر بالجسر تمحومحاسن وجهه ريح قتام
أما والله لولا خوف واشٍوعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمناكما للناس بالحجر استلام
وما أبصرت قبلك يا بن يحيىحساماً قده السيف الحسام
عقاب خليفة الرحمن فخرلمن بالسيف عاقبه الحمام
وقد اختلط هذا الشعر بشعرين في وزنه ورويه ومعناه: أحدهما لأشجع السلمي، والآخر لسليمان أخي صريع، فالناس فيه مختلفون، وهذه صحته. فانظر إلى تجاسره على مثل هذا الأمر العظيم من الشفاعة والرثاء.
واستعطف أبو الطيب سيف الدولة لبني كلاب وقد أغار عليهم فغنم الأموال
وسبى الحريم، فأتى بعضهم أبا الطيب يسأله أن يذكرهم له في شعره، ويشفع فيهم فقال في قصيدة له مشهورة يخاطبه:
ترفق أيها المولى عليهمفإن الرفق بالجاني عتاب
فإنهم عبيدك حيث كانواإذا تدعو لنائبة أجابوا
وعين المخطئين هم، وليسوابأول معشر خطئوا فتابوا
وأنت حياتهم غضبت عليهموهجر حياتهم لهم عقاب
وما جهلت أياديك البواديولكن ربما خفي الصواب
وكم ذنب مولده دلالوكم بعد مولده اقتراب
وجرم جره سفهاء قوموحل بغير جارمه العذاب
وهذا من أفعال الشعراء قديم مشهور. وقد افتخر به البحتري فقال في قصيدة له طويلة:
إن أبق أو أهلك فقد نلت التيملأت صدور أقاربي وعداتي
وغنيت ندمان الخلائف: نابهاذكرى، وناعمة بهم نشواتي
وشفعت في الأمر الجليل إليهمبعد الجليل، فأنجحوا طلباتي
وصنعت في العرب الصنائع عندهممن رفد طلاب وفك عناة
وكان أبو عزة كثيراً ما يستنفر المشركين، ويحرض على قتال النبي ﷺ، فأسر يوم بدر، وجيء به إلى النبي ﷺ، فشكا إليه الفقر والعيال، فرق له، وخلى سبيله بعد أن عاهده ألا يعين عليه بشعره، فأمسك عنه مدة، ثم عاد إلى حاله الأولى، فأسر يوم أحد، فخاطب النبي ﷺ بمثل خطابه الأول، فقال النبي ﷺ: " لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمداً مرتين " ثم قتله صبراً، وقال: " لا يلسع المؤمن من جحر مرتين ".
وقال أوس بن حجر يغري النعمان بن المنذر ببني حنيفة؛ لأن شمر بن عمرو السحيمي قتل المنذر، وهو حينئذ مع الحارث بن أبي شمر الغساني، وقال ابن جنى: إنما قتل ابن النعمان:
نبئت أن بني حنيفة أدخلواأبياتهم تامور قلب المنذر
ويروى أن بني سحيم فغزاهم النعمان، وقتل فيهم وسبى، وأحرق نخلهم، ويقال: إنما أغرى بهم عمرو بن هند.
ودخل سديف بن ميمون على أبي العباس السفاح، وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وابناه، وفي رواية أخرى سليمان بن مروان وولدان له، وفي رواية ثالثة إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك، فأنشده سديف:
لا يغرنك ما ترى من أناسإن بين الضلوع داءً دويا
فضع السيف وارفع السوط حتىلا ترى فوق ظهرها أمويا
فقال سليمان: قتلتني يا شيخ قاتلك الله. ونهض أبو العباس فوضع المنديل في عنق سليمان، وقتل من ساعته.
ودخل شبل بن عبد الله بن علي، وأنشده قصيدة له يقول فيها محرضاً على بني أمية، وعنده منهم ثمانون رجلاً:
أقصهم أيها الخليفة واقطععنك بالسيف شأفة الأرجاس
دلها أظهر التودد منهاولها منكم كحز المواسي
ولقد غاظني وغاظ سوائيقربها من نمارق وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها اللهـ بدار الهوان والإتعاس
واذكروا مصرع الحسين وزيدوقتيلاً بجانب المهراس
والقتيل الذي بحران أمسىثاوياً بين غربة وتناسي
فلما سمع بذلك تنكر، وأمر بهم فقتلوا، وألقى عليهم البساط، وجلس للغذاء وإن بعضهم يسمع أنينه لم يمت بعد، حكى ذلك جماعة من المؤلفين، واختلفوا في رواية الشعر وحده؛ فأكثر الروايات موضع البيت الأول:
لا تقيلن عبد شمس عثاراواقطعن كل رقلة وأواس
ويروي وغراس وبعضها على ما في النسخة، ولا أدري كيف صحة ذلك، وعبد الله لم يكن يدعى بالخلافة، اللهم إلا أن يكون ذلك حين أراد خلع المنصور. وأكثر الناس يروي هذه الأبيات لسديف بن ميمون يخاطب أبا العباس السفاح، غير أن في الرواية الأولى:
نعم شبل الهراس مولاك شبللو نجا من حبائل الإفلاس
وهو يشهد لما روي أولاً.
وحكى غيرهم قال: دخل العبدي الشاعر على عبد الله بن علي بفلسطين، وقد دعي به، وعنده من بني أمية اثنان وثمانون رجلاً، والغمر بن يزيد بن عبد الملك جالس معه مصلاه، قال العبدي: فاستنشدني عبد الله بن علي فأنشدته قولي:
وقف المتيم في رسوم ديار
وهو مصغ مطرق حتى انتهيت إلى قولي:
أما الدعاة إلى الجنان فهاشموبنو أمية من دعاة النار
وبنو أمية دوحة ملعونةولهاشم في الناس عود نضار
أأمي مالك من قرار فالحقيبالجن صاغرة بأرض وبار
ولئن رحلت لترحلن ذميمةوكذا المقام بذلة وصغار
قال: فرفع الغمر رأسه إلي، وقال: يا بن الزانية ما دعاك إلى هذا؟ وضرب عبد الله بقلنسوة كانت على رأسه الأرض، وكانت العلامة بينه وبين أهل
خراسان، فوضعوا عليهم العمد حتى ماتوا، وأمر بالغمر فضربت عنقه صبراً.
وكان ابن حزم أميراً على المدينة، فتحامل على الأحوص الشاعر تحاملاً شديداً، فشخص إلى الوليد بن عبد الملك، فأنشده قصيدة يمتدحه فيها، فلما بلغ إلى قوله كالذي يشتكي ابن حزم وظلمه:
لا ترثين لحزمي ظفرت بهيوماً ولو ألقي الحزمي في النار
الناخسين لمروان بذي خشبوالداخلين على عثمان في الدار
فقال له الوليد:
صدقت والله، لقد غفلنا عن حزم وآل حزم، ثم كتب عهداً لعثمان بن حيان المري على المدينة، وعزل ابن حزم، وأمر باستئصال أموالهم، وإسقاطهم جميعاً من الديوان.
ولما وثب إبراهيم بن المهدي على المأمون اقترض من التجار مالاً كثيراً، فكان فيه لعبد الملك الزيات عشرة آلاف دينار، فلما لم يتم أمره لوى التجار أموالهم، فصنع محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب فيها المأمون، منها قوله:
تذكر أمير المؤمنين قيامهبأيمانه في الهزل منه وفي الجد
إذا هز أعواد المنابر باستهتغنى بليلى أو بمية أو هند
ووالله ما من توبة نزعت بهإليك، ولا ميل إليك، ولا ود
وكيف بمن قد بايع الناس، والتقتببيعته الركبان غوراً إلى نجد!؟
ومن صك تسليم الخلافة سمعهينادي بها بين السماطين عن بعد
وأي امرئ سمى بها قط نفسهففارقها حتى يغيب في اللحد؟
وعرضها على إبراهيم وهو حينئذ خامل الذكر لم يتعلق بعد بالخدمة تعلقاً ينفع فسأله إبراهيم كتمانها، واستحلفه على ذلك، وأدى مال أبيه دون سائر التجار، ومثل ذلك كثير لو تقصي لطال به الكتاب.
النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع