تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب في منافع الشعر ومضاره

قد أكثر الناس في هذا الفن، ولا بد مع ذلك أن آتي منه بنبذ يقتضيها ترسيم الكتاب وحق التأليف، وليست علي مطالبة، ولا قبلي حجة، في ذكر مضاره بعد منافعه أو معها؛ إذ كانت الرغبة في تحسين الحسن ليتزيد منه، وتقبيح القبيح لينتهى عنه.

وقد فرط في أول الكتاب من قول عائشة ﵂ وقول سواها من الصحابة ومن التابعين رحمة الله عليهم ورضوانه في الشعر ما فيه كفاية: من أنه كلام يحسن فيه ما يحسن في الكلام، ويقبح منه ما يقبح في الكلام وبقدر حسنه وقبحه يكون نفعه وضرره، والله المتعال.

حكى أبو العباس المبرد أن المأمون سمع منشداً ينشد قول عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:

أأترك إن قلت دراهم خالدزيارته؟ إني إذاً للثيم
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

فقال: أو قد قلت دراهم خالد؟ احملوا إليه مائتي ألف درهم، فدعا خالد بعمارة، فقال: هذا مطر من سحابك، ودفع إليه عشرين ألفاً.

ووجد أبو جعفر المنصور على أحد الكتاب وأمر به ليضرب، فقال:

ونحن الكاتبون وقد أسأنافهبنا للكرام الكاتبينا

فخلى سبيله إعجاباً ببديهته.

وحمل بعض العمال إلى يزيد بن معاوية مالاً جليلاً، فقطع عليه قسيم الغنوي فأخذه، وأمر يزيد بطلبه، فلما حصل بين يديه قال: ما حملك على الخروج علينا وأخذ مال يحمل إلينا؟ قال: إذنك يا أمير المؤمنين أعزك الله، قال: ومتى أذنت لك؟ قال: حين قلت وأنا أسمعك:

اعص العواذل وارم الليل عن عرضبذي سبيب يقاسي ليله خببا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «إعص العواذل وارم الليل عن عرض»
كالسيد لم ينقب البيطار سرتهولم يدجه ولم يقطع له لببا
حتى تصادف مالاً أو يقال فتىلاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا
للشاعر سهم الغنوي، اقرأ القصيدة

فعصيت عواذلي، واسهرت ليلي، وأعلمت جوادي، فأصبت مالاً قال: قد سوغناكه فلا تعد.

وكان جميل بن محفوظ وأبو دهمان من عمال يحيى بن خالد، فوفد عليهما مرةً أبو الشمقمق واسمه مروان بن محمد فأكرمه أبو دهمان وأساء إليه جميل، فقال:

رأيت جميل الأزد قد عق أمهفناك أبو دهمان أم جميل

وتناظرا بعد ذلك في مال بين يدي يحيى بن خالد، فاستعلى جميل على أبي

دهمان في الخطاب، فقال له أبو دهمان: احفظ الصهر الذي جعله بيننا أبو الشمقمق، فضحك يحيى بن خالد حتى فحص الأرض برجليه، وترك المال الذي تشاجرا فيه.

وأتى مصعب بن الزبير بأسارى من أصحاب المختار، فأمر بقتلهم بين يديه، فقام إليه أسير منهم فقال: أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك المليح الذي يستضاء به فأتعلق بك وأقول: يا رب، سل مصعباً فيم قتلني، فاستحيا مصعب وأمر بإطلاقه، فقال: أيها الأمير، اجعل ما وهبت من حياتي في خفض ودعةٍ من العيش، قال: قد أمرت لك بثلاثين ألف درهم، قال: أشهدك أيها الأمير أن شطر هذا المال لعبد الله بن قيس الرقيات، قال: ولم ذلك؟ قال: لقوله:

إنما مصعب شهاب من الله تجلت عن وجهه الظلماء

فضحك مصعب وقال: اقبض ما أمرنا لك به، ولابن قيس عندنا مثله، فما شعر عبد الله بن قيس إلا وقد وافاه المال.

وحكى عن ابن شهاب الزهري قال: دعاني يزيد بن عبد الملك، وقد مضى شطر الليل، فأتيته فزعاً وهو على سطح، فقال: لا بأس عليك اجلس؛ فجلست واندفعت جاريته حبابة تغني:

إذا رمت عنها سلوةً قال شافعمن الحب: ميعاد السلو المقابر
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «تذكر سلمى بعد ما حال دونها»
ستبقى لها في مضمر القلب والحشاسريرة حبً يوم تبلى السرائر
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «تذكر سلمى بعد ما حال دونها»

قال: لمن هذا الشعر؟ فقلت: للأحوص، قال: ما فعل الله به؟ قلت: محبوس بدهلكٍ، فكتب من ساعته بإطلاقه، وأمر له بأربعمائة دينار، وقدم إليه فأحسن جائزته.

وممن ضره الشعر وكل من عند الله ﷿ وبمشيئته ومقدوره

علي بن العباس بن جريج الرومي: كان ملازماً لأبي الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، مخصوصاً به، فاتصل ذلك بعبيد الله وسمع هجاءه، فقال لولده أبي الحسين: أحب أن أرى ابن روميك هذا، فجمع بينهما فرأى رجلاً لسانه أطول من عقله، فأشار عليه بإبعاده، فقال: أخافه، قال: لم أرد إقصاءه ولكن بيت أبي أبي حية النميري:

فقلنا لها في السر نفديك لا يرحصحيحاً وإلا تقتليه فألممي

فحدث أبو القاسم ابن فراس بما كان من أبيه وكان ابن فراس من أشد الناس عداوة لابن الرومي فقال له: أنا أكفيكه، فسم له لوزينجة فمات، وسبب ذلك كثرة هجائه وبذاءته.

ودعبل بن علي الخزاعي: كان هجاء للملوك، جسوراً على أمير المؤمنين، متحاملاً، لا يبالي ما صنع، حتى عرف بذلك، وطار اسمه فيه، فصنع على لسانه بكر بن حماد التاهرتي، وقيل: غيره ممن كان دعبل يؤذيه ويهاجيه:

ملوك بني العباس في الكتب سبعةولم تأتنا عن ثامن لهم كتب
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «بكى لشتات الدين مكتئب صب»
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعةكرام إذا عدوا، وثامنهم كلب
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «بكى لشتات الدين مكتئب صب»

وقال قوم:

بل صنعها دعبل نفسه، وكان المعتصم يعرف بالثامن وبالمثمن أيضاً، فبلغه ذلك، فأمر بطلبه، ففر منه إلى بلد بالسودان بناحية المغرب وهي التي تعرف الآن بزويلة بني الخطاب فمات بها وهنالك قبره، وإلى جانبه قبر عبد الله ابن شيخنا أبي عبد الله محمد بن جعفر النحوي ﵀، هكذا يروى أصحابنا. وأما شعر البحتري فيشهد بخلاف هذا، وذلك أنه رثي دعبلاً وأبا تمام حبيباً الطائي فقال في أبيات هجا فيها الخثعمي الشاعر:

جدث على الأهواز يبعد دونهمسرى النعي، ورمة بالموصل
للشاعر البحتري، من قصيدة «قد زاد في كمدي وأضرم لوعتي»

فالذي بالموصل أبو تمام حبيب لا شك لأنه مات بها وهو يتولى البريد للحسن بن وهب، وكان يعنى به كثيراً، والآخر دعبل، ورأيت من يرويه:

شلو بأعلى عقر قوف تلفههوج الرياح، ورمة بالموصل

والأول أعرف وأشبه بالصواب.

ووالبة بن الحباب: ذكر أن الرشيد أو غيره سأل من القائل:

ولها ولا ذنب لهاحب كأطراف الرماح
للشاعر والبة بن الحُباب الأسدي ، اقرأ القصيدة
في القلب يجرح دائباًفالقلب مكلوم النواح

فقال له بعض من حضر من العلماء: ذلك والبة بن الحباب يا أمير المؤمنين، وأين تذهب عن معرفته؟ والله ما رأيت أرق منه شعراً، ولا أطيب نادرة، ولا أكثر رواية، ولا أجزل معرفة بأيام العرب منه، فقال: لم يمنعني منه إلا بيتا شعر قالهما وهما:

قلت لساقينا على خلوةأدن كذا رأسك من رأسيا
للشاعر والبة بن الحُباب الأسدي ، اقرأ القصيدة
ونم على وجهك لي ساعةإني امرؤ أنكح جلاسيا

أتحب أن ينكحنا لا أم لك؟ قال: فغسلت أثوابي عرقاً من شدة الحياء.

ويزيد ابن أم الحكم الثقفي: عهد له الحجاج على فارس، فأتاه يودعه، فقال له: أنشدني، وقدر أنه يمدحه، فأنشده:

وأبى الذي سلب ابن كسرى رايةبيضاء تخفق كالعقاب الطائر
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

فاسترد العهد منه، وقال لحاجبه: إذا رده عليك فقل له: أورثك أبوك مثل هذا؟ فقال له الحاجب ذلك، فقال يزيد: قل للحجاج:

وورثت جدي مجده وفعالهوورثت جدك أعنزاً بالطائف
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

وبمثل هذا السبب غضب سليمان بن عبد الملك على الفرزدق، وذلك أنه استنشده لينشده فيه أو في أبيه، فأنشده مفتخراً عليه:

وركب كأن الريح تطلب عندهملها ترة من جذبها بالعصائب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وركب كأن الريح تطلب عندهم»
سروا يخبطون الريح وهي تلفهمإلى شعب الأكوارذات الحقائب
إذا استوضحوا ناراً يقولون: ليتهاوقد خصرت أيديهم نار غالب

فتبين غضب سليمان، وكان نصيب حاضراً فأنشده:

أقول لركب قافلين رأيتهمقفا ذات أو شال ومولاك قارب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»
قفوا خبروني عن سليمان؛ إننيلمعروفه من أهل ودان طالب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»

فقال: يا غلام، أعط نصيباً خمسمائة دينار، وألحق الفرزدق بنار أبيه، فخرج الفرزدق مغضباً يقول:

وخير الشعر أكرمه رجالاًوشر الشعر ما قال العبيد

وممن ضره الشعر وأهلكه سديف؛ فإنه طعن في دولة بني العباس بقوله لما خرج محمد بن الحسن بالمدينة على أبي جعفر المنصور في أبيات له:

إنا لنأمل أن ترتد ألفتنابعد التباعد والشحناء والإحن
للشاعر سديف بن ميمون، من قصيدة «إن الحمامةَ يوم الشعب من حضن»
وتنقضي دولة أحكام قادتهافينا كأحكام قوم عابدي وثن
للشاعر عبد الله بن مصعب، اقرأ القصيدة
فانهض ببيعتكم ننهض بطاعتناإن الخلافة فيكم يا بني الحسن

فكتب المنصور إلى عبد الصمد بن علي بأن يدفنه حياً، ففعل، ويقال: إن الأبيات لعبد الله بن مصعب نسبت إلى سديف وحملت عليه فقتل بسببها، وذلك أشد.

وأحمق الشعراء عندي من أدخل نفسه في هذا الباب أو تعرض له، وما للشاعر والتعرض للحتوف؟ وإنما هو طالب فضل، فلم يضيع رأس ماله؟ لا سيما وإنما هو رأسه، وكل شيء يحتمل إلا الطعن في الدول، فإن دعت إلى ذلك ضرورة مجحفة فتعصب المرء لمن هو في ملكه وتحت سلطانه أصوب، وأعذر له من كل جهة وعلى كل حال، لا كما فعل سديف.

وأبو الطيب لما فر ورأى الغلبة قال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبداً وأنت القائل:

الخيل والليل والبيداء تعرفنيوالطعن والضرب والقرطاس والقلم

فكر راجعاً فقتل، وكان سبب ذلك هذا البيت..

وكان كافور الإخشيدي قد وعد أبا الطيب بولاية بعض أعماله، فلما رأى تعاظمه في شعره وسموه بنفسه خافه، وعوتب فيه، فقال: يا قوم، من ادعى النبوة مع محمد ﷺ لا يدعي المملكة مع كافور؟! حسبكم.

وزعم أبو محمد عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي أن أبا الطيب إنما سمي متنبئاً لفطنته، وقال غيره: بل قال: أنا أول من تنبأ بالشعر، وادعى النبوة في بني القصيص.

والأخبار في هذا النوع كثيرة جداً، وإنما جئت بأقربها عهداً، وأشهرها في كتب المؤلفين، مما يليق بالموضع ذكره.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.