من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)
باب احتماء القبائل بشعرائها
كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم. وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج: فممن حمى قبيلته زياد الأعجم، وذلك أن الفرزدق هم بهجاء عبد القيس، فبلغ ذلك زياداً وهو منهم، فبعث إليه: لا تعجل وأنا مهد إليك هدية، فانتظر الفرزدق الهدية، فجاءه من عنده:
فما ترك الهاجون لي إن هجوتهمصحاً أراه في أديم الفرزدق
ولا تركوا عظماً يرى تحت لحمهلكاسره أبقوه للمتعرق
سأكسر ما أبقوا له من عظامهوأنكت مخ الساق منه وانتقي
فأنا وما تهدي لنا إن هجوتنالكالبحر مهما يلق في البحر يغرق
فلما بلغته الأبيات كف عما أراد، وقال: لا سبيل إلى هجاء هؤلاء ما عاش هذا العبد فيهم.
وهجا عبد الله بن الزبعري السهمي بني قصي، فرفعوه برمته إلى عتبة بن ربيعة؛ خوفاً من هجاء الزبير بن عبد المطلب، وكان شاعراً مفلقاً شديد العارضة مقذع الهجاء، فلما وصل عبد الله إليهم أطلقه حمزة بن عبد المطلب وكساه، فقال:
لعمرك ما جاءت بنكر عشيرتيوإن صالحت إخوانها لا ألومها
فرد جناة الشر؛ إن سيوفنابأيماننا مسلولة لا نشيمها
فإن قصياً أهل مجد وعزةوأهل فعال لا يرام قديمها
هم منعوا يومي عكاظ نساءناكما منع الشول الهجان قرومها
وكان الزبير غائباً بالطائف، فلما وصل إلى مكة وبلغه الخبر قال:
فلولا نحن لم يلبس رجالثياب أعزة حتى يموتوا
ثيابهم سمال أو طماربها ودك كما دسم الحميت
ولكنا خلقنا إذ خلقنالنا الحبرات والمسك الفتيت
وهجا رجل من بني حرام الفرزدق، فجاء به قومه يقودونه إليه، فقال الفرزدق:
ومن يك خائفاً لأذاة شعريفقد أمن الهجاء بنو حرام
هم قادوا سفيههم وخافواقلائد مثل أطواق الحمام
وهجا الأحوص بن محمد الأنصاري رجلاً من الأنصار يقال له ابن بشير وكان مكثراً فاشترى هدية، ووفد بها على الفرزدق مستجيراً به، فأجاره، ثم قال: أين أنت من الأحوص بن محمد؟ فقال: هو الذي أشكو، فأطرق الفرزدق ساعة ثم قال: أليس الذي يقول:
ألا قف برسم الدار فاستنطق الرسمافقد هاج أحزاني وذكرني نعمى
قال: بلى، قال: والله لا أهجو شاعراً هذا شعره، فاشترى ابن بشير أنفس من الهدية الأولى وقدم بها على جرير، فاستجاره فأجاره، ثم قال له: ما فعل ابن عمك الأحوص بن محمد؟ قال: هو صاحبي الذي هجاني، قال: أليس القائل:
تمشى بشتمي في أكاريس مالكيشيد به كالكلب إذ ينبح النجما
قال: بلى، قال: والله لا أهجو شاعراً هذا شعره، فاشترى أكثر من الهديتين وأهداها إلى الأحوص وصالحه.
ولهذا وأمثاله قال جرير لقومه يعاتبهم في قصيدة خاطب فيها أباه وجده الخطفي ممتناً عليهم بنفسه:
بأي نجاد تحمل السيف بعد ماقطعت القوى من محمل كان باقياً؟
بأي سنان تطعن القرن بعد مانزعت سناناً من قناتك ماضياً؟
ألا لا تخافا نبوتي في ملمةوخافا المنايا أن تفوتكما بيا
فقد كنت ناراً يصطليها عدوكموحرزاً لما ألجأتم من ورائيا
وباسط خير فيكم بيمينهوقابض شر عنكم بشماليا
وإني لعف الفقر مشترك الغنىسريع إذا لم أرض جاري انتقاليا
جريء الجنان لا أهاب من الردىإذا ما جعلت السيف من عن شماليا
وليست لسيفي في العظام بقيةولا السيف أشوى وقعة من لسانيا
وهذا الباب اكثر من أن يستقصى، ورغبتي في الاختصار، وإنما جئت منه ومن سواه بلمحة تدل على المراد، وتبلغ في ذلك حد الاجتهاد.
النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع