تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب في أشعار الخلفاء والقضاة والفقهاء

من ذلك قول أبي بكر الصديق ﵁ قالوا: واسمه عبد الله ابن عثمان، ويقال: عتيق لقب له قال في غزوة عبيدة بن الحارث، رواه ابن إسحاق وغيره:

أمن طيف سلمى الدمائثأرقت، أوامر في العشيرة حادث؟؟
ترى من لؤي فرقة لا يصدهاعن الكفر تذكير ولا بعث باعث
رسول أتاهم صادق فتكذبواعليه، وقالوا: لست فينا بماكث
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبرواوهروا هرير المجحرات اللواهث
فكم قد متتنا فيهم بقرابةوترك التقى شيء لهم غير كارث
فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهمفما طيبات الحل مثل الخبائث
للشاعر أبو بكر الصديق، من قصيدة «أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث»
وإن يركبوا طغيانهم وضلالهمفليس عذاب الله عنهم بلابث
للشاعر أبو بكر الصديق، من قصيدة «أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث»
ونحن أناس من ذؤابة غالبلنا العز منها في الفروع الأثائث
للشاعر أبو بكر الصديق، من قصيدة «أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث»
فأولى برب الراقصات عشيةحراجيج تخدى في السريح الرثائث
للشاعر أبو بكر الصديق، من قصيدة «أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث»
كأدم ظباء حول مكة عكفيردن حياض البئر ذات النبائث
لئن لم يفيقوا عاجلاً من ضلالهمولست إذا آليت قولا بحانث
للشاعر أبو بكر الصديق، من قصيدة «أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث»
لتبتدرنهم غارة ذات مصدقتحرم أطهار النساء الطوامث
للشاعر أبو بكر الصديق، من قصيدة «أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث»
تغادر قتلى تعصب الطير حولهمولا يرأف الكفار رأف ابن حارث
فأبلغ بني سهم لديك رسالةوكل كفور يبتغي الشر باحث
للشاعر أبو بكر الصديق، من قصيدة «أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث»
فإن شعثوا عرضي على سوء رأيهمفإني من أعراضهم غير شاعث

ومن شعر عمر بن الخطاب ﵁ وكان من أنقد أهل زمانه للشعر وأنفذهم فيه معرفة ويروى للأعور الشني:

هون عليك فإن الأموربكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيهاولا قاصر عنك مأمورها
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «وهون عليك فإن الأمور»

ومن شعره أيضاً وقد لبس برداً جديداً فنظر الناس إليه وقد روى لورقة بن نوفل في أبيات:

ولا شيء مما ترى تبقى بشاشتهيبقى الإله ويفنى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنهوالخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
للشاعر زيد بن عمرو بن نفيل، اقرأ القصيدة
ولا سليمان؛ إذ تجرى الرياح لهوالجن والإنس فيما بينها ترد
حوض هنالك مورود بلا كذبلا بد من ورده يوماً كما وردوا
للشاعر ورقة بن نوفل، اقرأ القصيدة

ومن شعره أيضاً ﵁:

توعدني كعب ثلاثاً يعدهاولا شك أن القول ما قال لي كعب
وما بي خوف الموت؛ إني لميتولكن خوف الذنب يتبعه الذنب

ومن شعر عثمان بن عفان ﵁:

غنى النفس يغني النفس حتى يكفهاوإن عضها حتى يضر بها الفقر
وما عسرة فاصبر لها إن لقيتهابكائنة إلا سيتبعها يسر

ومن شعر علي بن أبي طالب ﵁ وكان مجوداً ما قاله يوم صفين يذكر همدان ونصرهم إياه:

ولما رأيت الخيل ترجم بالقنانواصيها حمر النحور دوامي
وأعرض نقع في السماء كأنهعجاجة دجن ملبس بقتام
ونادى ابن هند في الكلاع وحميروكندة في لخم وحي جذام
تيممت همدان الذين هم همإذا ناب دهر جنتي وسهامي
فجاوبني من خيل همدان عصبةفوارس من همدان غير لئام
فخاضوا لظاها واستطاروا شرارهاوكانوا لدى الهيجا كشرب مدام
فلو كنت بواباً على باب جنةلقلت لهمدان: ادخلوا بسلام
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ولما رأيت الخيل تقرع بالقنا»

وهو القائل بصفين أيضاً:

لمن راية حمراء يخفق ظلهاإذا قلت قدمها حضين تقدما
فيوردها في الصف حتى يرد بهاحياض المنايا تقطر الموت والدما

فهؤلاء الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم: ما منهم إلا من قال الشعر، وخامسهم الحسن بن علي ﵀، وهو القائل وقد خرج على أصحابه مختضباً رواه المبرد:

نسود أعلاها، وتأبى أصولها،فليت الذي يسود منها هو الأصل

ومن شعر معاوية بن أبي سفيان رحمة الله عليه ما رواه ابن الكلبي عن عبد الرحمن المدني، قال: لما حضرت معاوية الوفاة جعل يقول:

إن تناقش يكن نقاشك يارب عذاباً، لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت رب رءوفعن مسيء ذنوبه كالتراب

وروى في غير موضع واحد:

فقدت سفاهتي، وأزحت غييوفي على تحلمي اعتراض
على أني أجيب إذا دعتنيإلى حاجاتها الحدق المراض
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة

ومن قوله ايضاً، وهو لائق به، دال على صحة ناقله:

إذا لم أجد بالحلم مني عليكمفمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم!؟
خذيها هنيئاً واذكري فعل ماجدحباك على حرب العداوة بالسلم
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة

وأما يزيد بن معاوية فمن بعده فكثير شعرهم مشهور.

ومن شعر الحسين بن علي ﵄، وقد عاتبه أخوه الحسن ﵀ في امرأته:

لعمرك إنني لأحب داراًتحل بها سكينة والرباب
للشاعر الحسين بن علي، من قصيدة «لعمرك إنني لأحب دارا»
أخبهما وأبذل جل ماليوليس للائمي عندي عتاب

وليس من بني عبد المطلب رجالاً ونساء من لم يقل الشعر، حاشا النبي ﷺ: فمن ذلك قول حمزة بن عبد المطلب ﵀ يذكر لقاءه أبا جهل وأصحابه في قصيده تركت أكثرها اختصاراً:

عشية صاروا جاشدين وكلنامراجله من غيظ أصحابه تغلي
فلما تراءينا أناخوا فعقلوامطايا وعقلنا مدى غرض النبل
وقلنا لهم: حبل الإله نصيرناوما لكم إلا الضلالة من حبل
فثار أبو جهل هنالك باغياًفخاب، ورد الله كيد أبي جهل
وما نحن إلا في ثلاثين راكباًوهم مائتان بعد واحدة فضل

وأما العباس فكان شاعراً مغلقاً حسن التهدي: من ذلك قوله ﵀ يوم حنين يفتخر بثبوته مع رسول الله ﷺ:

ألا هل أتى عرسي مكري وموقفيبوادي حنين والأسنة تشرع
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ألا هل أتى عرسي مكري وموقفي»
وقولي إذا ما النفس جاشت لها قدىوهام تدهدى والسواعد تقطع
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ألا هل أتى عرسي مكري وموقفي»
وكيف رددت الخيل وهي مغيرةبزوراء تعطى باليدين وتمنع
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ألا هل أتى عرسي مكري وموقفي»
نصرنا رسول الله في الحرب سبعةوقد فر من قد فر عنه فأقشعوا
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ألا هل أتى عرسي مكري وموقفي»

ومن شعر عبد الله بن عباس ﵁:

إذا طارقات الهم ضاجعت الفتىوأعمل فكر الليل والليل عاكر
للشاعر ابن الطيب الشرقي الفاسي، اقرأ القصيدة
وباكرني في حاجة لم يجد بهاسواي ولا من نكبة الدهر ناصر
للشاعر ابن الطيب الشرقي الفاسي، اقرأ القصيدة
فرجت بمالي همه من مقامهوزايله هم طروق مسامر
للشاعر ابن الطيب الشرقي الفاسي، اقرأ القصيدة
وكان له فضل علي بظنهبي الخير؛ إني للذي ظن شاكر
للشاعر ابن الطيب الشرقي الفاسي، اقرأ القصيدة

ومن شعر جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين ﵁ قوله يوم مؤتة وفيه قتل رحمة الله عليه:

يا حبذا الجنة واقترابهاطيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابهاعلي إذا لاقيتها ضرابها

وشعر أبي سفيان بن الحارث مشهور في الجاهلية والإسلام. فأما أبو طالب ومن شاكله فلم أذكر لهم شيئاً، خلا بيتين لعبد الله بن عبد المطلب أنشدهما القاضي أبو الفضل، وهما:

وأحور مخضوب البنان محجبدعاني فلم أعرف إلى ما دعا وجها
بخلت بنفسي عن مقام يشينهافلست مريداً ذاك طوعاً ولا كرهاً

وكانت فاطمة ﵂ تقول الشعر، رويت لها أشياء كثيرة.

ثم نرجع إلى الخلفاء المرضيين: قال عمر بن عبد العزيز، رواه الأوزاعي عن محمد بن كعب:

أيقظان أنت اليوم أم أنت حالم؟وكيف يطيق النوم حيران هائم؟
فلو كنت يقظان الغداة لحرقتجفونا لعينيك الدموع السواجم
نهارك يا مغرور سهو وغفلةوليلك نوم، والردى لك لازم
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة
وتشغل فيما سوف تكره غبهكذلك في الدنيا تعيش البهائم

ومما أثبته حماد الرواية من شعره:

إنه الفؤاد عن الصباوعن انقيادك للهوى
فلعمر ربك إن فيشيب المفارق والجلا
لك واعظاً لو كنت تتعظ اتعاظ ذوي النهى
حتى متى لا ترعوي؟وإلى متى؟ وإلى متى؟
بلى الشباب وأنت إنعمرت رهن للبلى
وكفى بذلك زاجراًللمرء عن غي، كفى

ومن شعره أيضاً أنشده ابن داود القياسي في كتابه:

ولولا النهى ثم التقى خشية الردىلعاصيت في حب الصبا كل زاجر
صبا ما صبا فيما مضى ثم لا ترىله صبوة أخرى الليالي الغوابر

ومن قول عبد الله بن الزبير قوله وقد ولي الحرمين مدة، ودعي بأمير المؤمنين ما شاء الله حتى قتل، رحمة الله عليه وقد روي لعبد الله بن الزبير بفتح الزاي وكسر الباء:

لا أحسب الشر جاراً لا يفارقنيولا أحز على ما فاتني الودجا
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة
وما لقيت من المكروه منزلةإلا وثقت بأن ألقى لها فرجا

ومن قوله المشهور عنه:

وكم من عدو قد أراد مساءتيبغيب، ولو لاقيته لتندما
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة
كثير الخنا حتى إذا ما لقيتهأصر على إثم وإن كان أقسما

وحسبك من القضاة شريح بن الحارث: كان شاعراً مجوداً، وقد استقضاه عمر بن الخطاب ﵁، كتب إلى مؤدب ولده وقد وجده وقت

الصلاة يلعب بجرو كلب، وأودع الأبيات رقعة وأنفذها مع ولده مختومة إلى المؤدب:

ترك الصلاة لأكلب يسعى بهاطلب الهراش مع الغواة الرجس
للشاعر شريح بن الحارث القاضي، اقرأ القصيدة
فليأتينك غدوة بصحيفةكتبت له كصحيفة المتلمس
فإذا هممت بضربه فبدرةوإذا بلغت به ثلاثاً فاحبس
واعلم بأنك ما أتيت فنفسهمع ما يجرعني أعز الأنفس

فهذا شريح، وهلم جرا إلى حيث شئت، ومن الفقهاء عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال في امرأة من هذيل قدمت المدينة ففتن بها الناس ورغبوا فيها خاطبين:

أحبك حباً لو علمت ببعضهلجدت ولم يصعب عليك شديد
للشاعر عبيد الله بن مسعود الهذلي، اقرأ القصيدة
وحبك يا أم الوليد مولهيشهيدي أبو بكر فنعم شهيد
ويعلم وجدي قاسم بن محمدوعروة ما أخفي بكم وسعيد
ويعلم ما ألقى سليمان علمهوخارجة يبدي بنا ويعيد
متى تسألي عما أقول تخبريفلله عندي طارف وتليد

هؤلاء الستة الذين ذكرهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله صاحب هذا الشعر هو سابعهم، وهم فقهاء المدينة، وأصحاب الرأي الذين هم عليهم المدار.

وقد كان جماعة من أصحاب مالك بن أنس يرون الغناء بغير آلة جائزاً، وهو مذهب جماعة من أهل مكة والمدينة، والغناء حلة الشعر إن لم يلبسها طويت، ومحال أن يحرم الشعر من يحل الغناء به.

وأما محمد بن إدريس الشافعي فكان من أحسن الناس افتناناً في الشعر، وهو القائل:

ومتعب العيس مرتاحاً إلى بلدوالموت يطلبه في ذلك البلد
وضاحك والمنايا فوق مفرقهلو كان يعلم غيباً مات من كمد
من كان لم يؤت علماً في بقاء غدماذا تفكره في رزق بعد غد
للشاعر الإمام الشافعي، اقرأ القصيدة

ومن قوله أيضاً في غير هذا المعنى:

الجد يدني كل شيء شاسعوالجد يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدوداً حوىعوداً فأورق في يديه فصدق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»
وإذا سمعت بأن محروماً أتىماء ليشربه فجف فحقق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»
وأحق خلق الله بالهم امرؤذو همة يبلى برزق ضيق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»
ولربما عرضت لنفسي فكرةفأود منها أنني لم أخلق

وهذا باب لو تقصيته لاحتمل كتاباً مفرداً ولكني طبقت المفصل، وذكرت بعض المشاهير من الناس.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.