تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب في الرد علي من يكره الشعر

روى عن النبي ﷺ أنه قال: " إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه "، وقد قال ﵊: " إنما الشعر كلام، فمن الكلام خبيث وطيب "، وقالت عائشة ﵂: الشعر فيه كلام حسن وقبيح، فخذ الحسن واترك القبيح، ويروي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بنى لحسان بن ثابت في المسجد منبراً ينشد عليه الشعر، وقال عمر بن الخطاب ﵁: الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أعلم منه، وقال

على بن أبي طالب ﵁: الشعر ميزان القول، ورواه بعضهم: الشعر ميزان القوم.

وروى ابن عائشة يرفعه قال: قال رسول الله صلى الله علية وسلم: " الشعر كلام من كلام العرب جزل، تتكلم به في بواديها، وتسل به الضغائن من بينها " وأنشد ابن عائشة قول أعشى بني قيس بن ثعلبة:

قلدتك الشعر يا سلامة ذافايش، والشيء حيث ما جعلا
والشعر يستنزل الكريم كماينزل رعد السحابة السبلا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «إن محلا وإن مرتحلا»

ويروى عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: مر الزبير بن العوام ﵁ بمجلس لأصحاب النبي ﷺ، وحسان ينشدهم، وهم غير آذنين لما يسمعون من شعره، فقال: مالي أراكم غير آذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة؟ لقد كان ينشد رسول الله ﷺ فيحسن استماعه، ويجزل عليه ثوابه، ولا يشتغل عنه إذا أنشده.

ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بحسان وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله ﷺ، ثم قال: أرغاء كرغاء البكر؟ فقال حسان: دعني عنك يا عمر، فوالله إنك لتعلم لقد كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك فما يغير علي ذلك، فقال عمر: صدقت.

وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: مر من قبلك بتعلم الشعر؛ فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب.

وقال معاوية ﵀: يجب على الرجل تأديب ولده، والشعر أعلى مراتب الأدب وقال: اجعلوا الشعر أكبر همكم، وأكثر دأبكم، فلقد رأيتني ليلة الهرير بصفين وقد أتيت بفرس أغر محجل بعيد البطن من الأرض، وأنا أريد الهرب لشدة البلوى فما حملني على الإقامة إلا أبيات عمرو بن الإطنابة:

أبت لي همتي وأبى بلائيوأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإقحامي على المكروه نفسيوضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشتمكانك تحمدي أو تستريحي
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»
لأدفع عن مآثر صالحاتوأحمي بعد عن عرض صحيح
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»

ويروى أن أعرابياً وقف على علي بن أبي طالب ﵁ فقال: إن لي إليك حاجة رفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله تعالى وشكرتك، وإن لم تقضها حمدت الله تعالى وعذرتك، فقال له علي: خط حاجتك في الأرض، فإني أرى الضر عليك، فكتب الأعرابي على الأرض إني فقير فقال له علي: يا قنبر؛ ادفع إليه حلتي الفلانية، فلما أخذها مثل بين يديه فقال:

كسوتني حلة تبلى محاسنهافسوف أكسوك من حسن الثنا حللا
للشاعر محمد بن عثيمين، اقرأ القصيدة
إن الثناء ليحيي ذكر صاحبهكالغيث يحيي نداه السهل والجبلا
لا تزهد الدهر في عرف بدأت بهفكل عبد سيجزى بالذي فعلا

فقال علي: يا قنبر، أعطه خمسين ديناراً، أما الحلة فلمسألتك، وأما الدنانير فلأدبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أنزلوا الناس منازلهم " وقيل لسعيد بن المسيب: إن قوماً بالعراق يكرهون الشعر، فقال: نسكوا نسكاً أعجمياً.

وقال ابن سيرين: الشعر كلام عقد بالقوافي، فما حسن في الكلام حسن في الشعر، وكذلك ما قبح منه.

وسئل في المسجد عن رواية الشعر في شهر رمضان وقد قال قوم: إنها تنقض الوضوء فقال:

نبئت أن فتاة كنت أخطبهاعرقوبها مثل شهر الصوم في الطول

ثم قام فأم الناس، وقيل: بل أنشد:

لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاًولو رضيت رمح أسته لاستقرت

وقال الزبير بن بكار: سمعت العمري يقول: رووا أولادكم الشعر؛ فإنه يحل عقدة اللسان، ويشجع قلب الجبان، ويطلق يد البخيل، ويحض على الخلق الجميل.

وسئل ابن عباس: هل الشعر من رفث القول؟ فأنشد:

وهن يمشين بنا هميساإن تصدق الطير ننك لميسا

وقال: إنما الرفث عند النساء، ثم أحرم للصلاة.

وكان ابن عباس يقول: إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب؛ فإن الشعر ديوان العرب. وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد فيه شعراً.

وكانت عائشة ﵂ كثيرة الرواية للشعر. يقال: إنها كانت تروي جميع شعر لبيد.

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين ".

وكان أبو السائب المخزومي على شرفه، وجلالته، وفضله في الدين والعلم يقول: أما والله لو كان الشعر محرماً لوردنا الرحبة كل يوم مراراً. والرحبة: الموضع الذي تقام فيه الحدود، يريد أنه لا يستطيع الصبر عنه فيحد في كل يوم مراراً ولا يتركه.

فأما احتجاج من لا يفهم وجه الكلام بقوله تعالى: " والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون " فهو غلط، وسوه تأول؛ لأن المقصودين بهذا النص شعراء المشركين الذين تناولوا رسول الله ﷺ بالهجاء، ومسوه بالأذى، فأما من سواهم من المؤمنين فغير داخل في شيء من ذلك، ألا تسمع كيف استثناهم الله ﷿ ونبه عليهم فقال: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا " يريد شعراء النبي ﷺ ينتصرون له، ويجيبون المشركين عنه، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة. وقد قال فيهم النبي ﷺ: " هؤلاء النفر أشد على قريش من نضح النبل "، وقال لحسان بن ثابت " اهجهم يعني قريشاً فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام، في غلس الظلام، اهجهم ومعك جبريل روح القدس، وألق أبا بكر يعلمك تلك الهنات " فلو أن الشعر حرام أو مكروه ما اتخذ النبي ﷺ شعراء يثيبهم على الشعر، ويأمرهم بعمله، ويسمعه منهم.

وأما قوله ﵊: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى

يريه خير له من أن يمتلئ شعراً " فإنما هو من غلب الشعر على قلبه، وملك نفسه حتى شغله عن دينه وإقامة فروضه، ومنعه من ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، والشعر غيره مما جرى هذه المجرى من شطرنج وغيره سواء. وأما غير ذلك ممن يتخذ الشعر أدباً وفكاهة وإقامة مروءة فلا جناح عليه وقد قال الشعر كثير من الخلفاء الراشدين، والجلة من الصحابة والتابعين، والفقهاء المشهورين، وسأذكر من ذلك طرفاً يقتدي به في هذا الباب، إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.