من «يتيمة الدهر» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الْبَاب الثَّانِي فِي ذكر سيف الدولة أبي الْحسن عَليّ بن عبد الله بن حمدَان وَسِيَاق قِطْعَة من أخباره وملح من أشعاره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
كَانَ بَنو حمدَان ملوكا وأمراء أوجههم للصباحة وألسنتهم للفصاحة وأيديهم للسماحة وعقولهم للرجاحة وَسيف الدولة مَشْهُور بسيادتهم وواسطة قلادتهم وَكَانَ ﵁ وأرضاه وَجعل الْجنَّة مَأْوَاه غرَّة الزَّمَان وعماد الْإِسْلَام وَمن بِهِ سداد الثغور وسداد الْأُمُور وَكَانَت وقائعه فِي عصاة الْعَرَب تكف بأسها وتنزع لباسها وتفل أنيابها وتذل صعابها وتكفي الرّعية سوء آدابها وغزواته تدْرك من طاغية الرّوم الثار وتحسم شرهم المثار وتحسن فِي الْإِسْلَام الْآثَار وحضرته مقصد الْوُفُود ومطلع الْجُود وقبلة الآمال ومحط الرّحال وموسم الأدباء وحلبة الشُّعَرَاء وَيُقَال إِنَّه لم يجْتَمع قطّ بِبَاب أحد من الْمُلُوك بعد الْخُلَفَاء مَا اجْتمع بِبَابِهِ من شُيُوخ الشّعْر ونجوم الدَّهْر وَإِنَّمَا السُّلْطَان سوق يجلب إِلَيْهَا مَا ينْفق لَدَيْهَا وَكَانَ أديبا شَاعِرًا محبا لجيد الشّعْر شَدِيد الاهتزاز لما يمدح بِهِ فَلَو أدْرك ابْن الرُّومِي زَمَانه لما احْتَاجَ إِلَى أَن يَقُول
ذهب الَّذين تهزهم مداحهمهز الكماة عوالي المران
كَانُوا إِذا امتدحوا رَأَوْا مَا فيهمملأريحية مِنْهُم بمَكَان
وَكَانَ كل من أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْفَيَّاض الْكَاتِب وَأبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الشمشاطي قد اخْتَار من مدائح الشُّعَرَاء لسيف الدولة عشرَة آلَاف بَيت كَقَوْل أبي الطّيب المتنبي
خليلي إِنِّي لَا أرى غير شَاعِرفَلم مِنْهُم الدَّعْوَى ومني القصائد
فَلَا تَعَجبا إِن السيوف كَثِيرَةوَلَكِن سيف الدولة الْيَوْم وَاحِد
لَهُ من كريم الطَّبْع فِي الْحَرْب منتضوَمن عَادَة الْإِحْسَان والصفح عَامِد
وَلما رَأَيْت النَّاس دون مَحَلهتيقنت أَن الدَّهْر للنَّاس ناقد
وَمن القصيدة المرقومة
فَلم يبْق إِلَّا من حماها من الظبالمى شفتيها والثدي النواهد
تبْكي عَلَيْهِنَّ الباطريق فِي الدجىوَهن لدينا ملقيات كواسد
بذا قَضَت الْأَيَّام مَا بَين أَهلهَامصائب قوم عِنْد قوم فَوَائِد
وَمن شرف الْإِقْدَام أَنَّك فيهمعلى الْقَتْل مرموق كَأَنَّك شاكد
وَأَن دَمًا أجريته بك فاخروَأَن فؤادا رعته لَك حَامِد
وكل يرى طرق الشجَاعَة والندىوَلَكِن طبع النَّفس للنَّفس قَائِد
نهبت من الْأَعْمَار مَا لَو حويتهلهنئت الدُّنْيَا بأنك خَالِد
فَأَنت حسام الْملك وَالله ضَاربوَأَنت لِوَاء الدّين وَالله عَاقد
أحبك يَا شمس الزَّمَان وبدرهوَإِن لامني فِيك السهى والفراقد
وَذَاكَ لِأَن الْفضل عنْدك باهروَلَيْسَ لِأَن الْعَيْش عنْدك بَارِد
وكقول السّري بن أَحْمد الْموصِلِي
أعزمتك الشهَاب أم النَّهَارأراحتك السَّحَاب أم الْبحار
خلقت منية وَمنى فأضحتتمور بك البسيطة أَو تمار
تحلي الدّين أَو تَحْمِي حماهفَأَنت عَلَيْهِ سور أَو سوار
سيوفك من شكاة الثغر برْءوَلَكِن للعدى فِيهَا بوار
وَكَفاك الْغَمَام الجون يسريوَفِي أحشائه مَاء ونار
يَمِين من سجيتها المناياويسري من عطيتها الْيَسَار
حَضَرنَا والملوك لَهُ قيامتغض نواظرا فِيهَا انكسار
وزرنا مِنْهُ لَيْث الغاب طلقاوَلم نر قبله ليثا يزار
فَكَانَ لجوهر الْمجد انتظاموَكَانَ لجوهر الْمَدْح انتثار
فعشت مُخَيّرا لَك فِي الْأَمَانِيوَكَانَ على الْعَدو لَك الْخِيَار
فضيفك للحيا المنهل ضيفوجارك للربيع الطلق جَار
وكقول أبي فراس الْحَارِث بن سعيد
أشدة مَا أرَاهُ فِيك أم كرمتجود بِالنَّفسِ والأرواح تصطلم
يَا باذل النَّفس وَالْأَمْوَال مُبْتَسِمًاأما يهولك لَا موت وَلَا عدم
لقد ظننتك بَين الجحفلين ترىأَن السَّلامَة من وَقع القنا تصم
نشدتك الله لَا تسمح بِنَفس علاحَيَاة صَاحبهَا تحيا بهَا أُمَم
إِذا لقِيت رقاق الْبيض مُنْفَرداتَحت العجاج فَلم تستكثر الخدم
تفدي بِنَفْسِك أَقْوَامًا صنعتهمووَكَانَ حَقهم أَن يفتدوك هم
من ذَا يُقَاتل من تلقى الْقِتَال بِهِوَلَيْسَ يفضل عَنْك الْخَيل والبهم
تضن بالطعن عَنَّا ضن ذِي بخلومنك فِي كل حَال يعرف الْكَرم
لَا تبخلن على قوم إِذا قتلواأثنى عَلَيْك بَنو الهيجاء دونهم
ألبست مَا لبسوا أركبت مَا ركبُواعرفت مَا عرفُوا علمت مَا علمُوا
هم الفوارس فِي أَيْديهم أسلفَإِن رأوك فأسد والقنا أجم
وكقول أبي الْعَبَّاس بن مُحَمَّد النامي
خلقت كَمَا أرادتك الْمَعَالِيفَأَنت لمن رجاك كَمَا يُرِيد
عَجِيب أَن سَيْفك لَيْسَ يرْوىوسيفك فِي الوريد لَهُ وُرُود
وأعجب مِنْهُ رمحك حِين يسقىفيصحو وَهُوَ نشوان يميد
وكقول أبي الْفرج الببغاء
نداك إِذا ضن الْغَمَام غماموعزمك إِن فل الحسام حسام
فَهَذَا ينيل الرزق وَهُوَ ممنعوَذَاكَ يرد الْجَيْش وَهُوَ لهام
وَمن طلب الْأَعْدَاء بِالْمَالِ والظباوبالسعد لم يبعد عَلَيْهِ مرام
وكقول أبي الْفرج الوأواء
من قَاس جدواك بالسحاب فَمَاأنصف بالحكم بَين شكلين
أَنْت إِذا جدت ضَاحِك أبداوَهُوَ إِذا جاد دامع الْعين
وكقول أبي نصر بن نباتة وَهُوَ من شعراء الْعرَاق
حاشاك أَن تدعيك الْعَرَب وَاحِدهَايَا من ثرى قَدَمَيْهِ طِينَة الْعَرَب
فَإِن يكن لَك وَجه مثل أوجههمعِنْد العيان فَلَيْسَ الصفر كالذهب
وَإِن يكن لَك نطق مثل نطقهمفَلَيْسَ مثل كَلَام الله فِي الْكتب
وَكَانَت غمائم جوده تفيض ومآثر كرمه تستفيض فتؤرخ بهَا أَيَّام الْمجد وتخلد فِي صَحَائِف حسن الذّكر
فصل فِي انفجار ينابيع جوده على الشُّعَرَاء
حَدثنِي أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْعلوِي الْحُسَيْنِي الْهَمدَانِي الْوَصِيّ قَالَ كنت وَاقِفًا فِي السماطين بَين يَدي سيف الدولة بحلب وَالشعرَاء ينشدونه فَتقدم إِلَيْهِ أَعْرَابِي رث الْهَيْئَة فَاسْتَأْذن الْحجاب فِي الإنشاد فأذنوا لَهُ فَأَنْشد
أَنْت عَليّ وَهَذِه حلبقد نفذ الزَّاد وانْتهى الطّلب
بِهَذِهِ تَفْخَر الْبِلَادوبالأمير تزهى على الورى الْعَرَب
وَعَبْدك الدَّهْر قد أضرّ بِنَاإِلَيْك من جور عَبدك الْهَرَب
فَقَالَ سيف الدولة أَحْسَنت وَللَّه أَنْت وَأمر لَهُ بِمِائَتي دِينَار
وَحكى ابْن لَبِيب غُلَام أبي الْفرج الببغاء أَن سيف الدولة كَانَ قد أَمر بِضَرْب دَنَانِير للصلات فِي كل دِينَار مِنْهَا عشرَة مَثَاقِيل وَعَلِيهِ اسْمه وَصورته فَأمر يَوْمًا لأبي الْفرج مِنْهَا بِعشْرَة دَنَانِير فَقَالَ ارتجالا
نَحن بجود الْأَمِير فِي حرمنرتع بَين السُّعُود وَالنعَم
أبدع من هَذِه الدَّنَانِير لميجر قَدِيما فِي خاطر الْكَرم
فقد غَدَتْ باسمه وَصورتهفِي دَهْرنَا عوذة من الْعَدَم
فزاده عشرَة أُخْرَى
وَكَانَ أَبُو فراس يَوْمًا بَين يَدَيْهِ فِي نفر من ندمائه فَقَالَ لَهُم سيف الدولة أَيّكُم يُجِيز قولي وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا سَيِّدي يَعْنِي أَبَا فراس
لَك جسمي تعلهفدمي لم تحله
لَك من قلبِي الْمَكَانفَلم لَا تحله
فارتجل أَبُو فراس وَقَالَ
أَنا إِن كنت مَالِكًافلي الْأَمر كُله
فَاسْتَحْسَنَهُ وَأَعْطَاهُ ضَيْعَة بمنبج تغل ألفي دِينَار
واستنشد سيف الدولة يَوْمًا أَبَا الطّيب المتنبي قصيدته الَّتِي أَولهَا
على قدر أهل الْعَزْم تَأتي العزائموَتَأْتِي على قدر الْكِرَام المكارم
وَكَانَ معجبا بهَا كثير الاستعادة لَهَا فَانْدفع أَبُو الطّيب المتنبي ينشدها فَلَمَّا بلغ قَوْله فِيهَا
وقفت وَمَا فِي الْمَوْت شكّ لواقفكَأَنَّك فِي جفن الردى وَهُوَ نَائِم
تمر بك الْأَبْطَال كلمي هزيمَةووجهك وضاح وثغرك باسم
قَالَ قد انتقدنا عَلَيْك هذَيْن الْبَيْتَيْنِ كَمَا انتقد على امْرِئ الْقَيْس بيتاه
كَأَنِّي لم أركب جوادا للذةوَلم أتبطن كاعبا ذَات خلخال
وَلم أسبأ الزق الروي وَلم أقللخيلي كري كرة بعد إجفال
وبيتاك لَا يلتئم شطراهما كَمَا لَيْسَ يلتئم شطرا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَكَانَ يَنْبَغِي لامرئ الْقَيْس أَن يَقُول
كَأَنِّي لم أركب جوادا وَلم أقللخيلي كري كرة بعد إجفال
وَلم أسبأ الزق الروي للذةوَلم أتبطن كاعبا ذَات خلخال
وَلَك أَن تَقول
وقفت وَمَا فِي الْمَوْت شكّ لواقفووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الْأَبْطَال كلمي هزيمَةكَأَنَّك فِي جفن الردى وَهُوَ نَائِم
فَقَالَ أيد الله مَوْلَانَا إِن صَحَّ أَن الَّذِي استدرك على امْرِئ الْقَيْس هَذَا كَانَ أعلم بالشعر مِنْهُ فقد أَخطَأ امْرُؤ الْقَيْس وأخطأت أَنا ومولانا يعلم أَن الثَّوْب لَا يعرفهُ الْبَزَّاز معرفَة الحائك لِأَن الْبَزَّاز يعرف جملَته والحائك يعرف جميلته وتفاريقه لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أخرجه من الغزلية إِلَى الثوبية وَإِنَّمَا قرن امْرُؤ الْقَيْس لَذَّة النِّسَاء بلذة الرّكُوب للصَّيْد وَقرن السماحة فِي شِرَاء الْخمر للأضياف بالشجاعة فِي منازلة الْأَعْدَاء وَأَنا لما ذكرت الْمَوْت فِي أول الْبَيْت أتبعته بِذكر الردى وَهُوَ الْمَوْت ليجانسه وَلما كَانَ وَجه الجريح المنهزم لَا يَخْلُو من أَن يكون عبوسا وعينه من أَن تكون باكية قلت
ووجهك وضاح وثغرك باسم
لأجمع بَين الأضداد فِي الْمَعْنى وَإِن لم يَتَّسِع اللَّفْظ لجميعها
فأعجب سيف الدولة بقوله وَوَصله بِخَمْسِينَ دِينَارا من دَنَانِير الصلات وفيهَا خَمْسمِائَة دِينَار
وَكَانَ أَبُو بكر وَأَبُو عُثْمَان الخالديان من خَواص شعراء سيف الدولة فَبعث إِلَيْهِمَا مرّة وصيفة ووصيفا وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بدرة وتخت من ثِيَاب مصر فَقَالَ أَحدهمَا من قصيدة طَوِيلَة وَهِي
لم يغد شكرك فِي الْخَلَائق مُطلقًاإِلَّا وَمَالك فِي النوال حبيس
خولتنا شمسا وبدرا أشرقتبهما لدينا الظلمَة الحنديس
رشأ أَتَانَا وَهُوَ حسنا يُوسُفوغزالة هِيَ بهجة بلقيس
هَذَا وَلم تقنع بِذَاكَ وَهَذِهحَتَّى بعثت المَال وَهُوَ نَفِيس
أَتَت الوصيفة وَهِي تحمل بدرةوأتى على ظهر الوصيف الْكيس
وبررتنا مِمَّا أجادت حوكهمصر وزادت حسنه تنيس
فغدا لنا من جودك الْمَأْكُولوالمشروب والمنكوح والملبوس
فَقَالَ لَهُ سيف الدولة أَحْسَنت إِلَّا فِي لَفْظَة المنكوح فَلَيْسَتْ مِمَّا يُخَاطب بهَا الْمُلُوك وَهَذَا من عَجِيب نَقده
حكى أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن هِلَال الصابي قَالَ طلب مني رَسُول سيف الدولة وَكَانَ قد قدم إِلَى الحضرة شَيْئا من شعري وَذكر أَن صَاحبه رسم لَهُ ذَلِك فدافعته أَيَّامًا ثمَّ ألح عَليّ وَقت الْخُرُوج فأعطيته هَذِه الثَّلَاثَة الأبيات وَهِي
إِن كنت خنتك فِي الْأَمَانَة سَاعَةفذممت سيف الدولة المحمودا
وَزَعَمت أَن لَهُ شَرِيكا فِي الْعلَاوجحدته فِي فَضله التوحيدا
قسما لَو أَنِّي حَالف بغموسهالغريم دين مَا أَرَادَ مزيدا
وَقَالَ فَلَمَّا عَاد الرَّسُول إِلَى الحضرة وَدخلت عَلَيْهِ مُسلما أخرج لي كيسا بِخَتْم سيف الدولة مَكْتُوبًا عَلَيْهِ اسْمِي وَفِيه ثَلَاثمِائَة دِينَار
نبذ من ذكر وقائعه وغزواته
حدث أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن خالويه قَالَ لما كَانَت الشَّام بيد الإخشيد مُحَمَّد مُحَمَّد بن طغج سَار إِلَيْهَا سيف الدولة فافتتحها وَهزمَ عساكره عَن صفّين فَقَالَ لَهُ المتنبي
يَا سيف دولة ذِي الْجلَال وَمن لَهُخير الخلائف والأنام سمي
أَو مَا ترى صفّين كَيفَ أتيتهافانجاب عَنْهَا الْعَسْكَر الغربي
فَكَأَنَّهُ جَيش ابْن حَرْب رعتهحَتَّى كَأَنَّك يَا عَليّ عَليّ
وَقَالَ أَبُو فراس من قصيدة طَوِيلَة
أَتَى الشَّام لما استذأب البهم واغتدتبهَا أذؤب الْبَيْدَاء وَهِي قساور
فثقف منآد وَأصْلح فَاسدوذلل جَبَّار وأذعر ذاعر
وَكَانَ ظهر رجل فِي الغرب يعرف بالمبرقع يَدْعُو النَّاس إِلَى نَفسه والتفت عَلَيْهِ الْقَبَائِل وافتتح مَدَائِن من أَطْرَاف الشَّام وَأسر أَبَا وَائِل تغلب بن دَاوُد بن حمدَان وَهُوَ خَليفَة سيف الدولة على حمص وألزمه شِرَاء نَفسه بِعَدَد من الْخَيل وَجُمْلَة من المَال فأسرع سيف الدولة من حلب يغذ السّير حَتَّى لحقه فِي الْيَوْم الثَّالِث بنواحي دمشق فأوقع بِهِ وَقَتله وَوضع السَّيْف فِي أَصْحَابه فَلم ينج إِلَّا من سبق فرسه وَعَاد سيف الدولة إِلَى حلب وَمَعَهُ أَبُو وَائِل وَبَين يَدَيْهِ رَأس الْخَارِجِي على رمح فَقَالَ أَبُو فراس يذكر ذَلِك
وأنقذ من مس الْحَدِيد وَثقلهأَبَا وَائِل والدهر أجدع صاغر
وآب وَرَأس القرمطي أَمَامهلَهُ جَسَد من أكعب الرمْح ضامر
وَهَذَا من أحسن مَا قيل فِي الرَّأْس المصلوب على الرمْح
ولبعضهم فِي مثل ذَلِك
وَعَاد لكنه رَأس بِلَا جَسَديسري وَلَكِن على سَاق بِلَا قدم
وَقَالَ أَبُو الطّيب فِي خلاص أبي وَائِل
وَلَو كنت فِي أسر غير الْهوىضمنت ضَمَان أبي وَائِل
فدى نَفسه بِضَمَان النضاروَأعْطى صُدُور القنا الذابل
ومناهم الْخَيل مجنوبةفجئن بِكُل فَتى باسل
كَأَن خلاص أبي وَائِلمعاودة الْقَمَر الآفل
دَعَا فَسمِعت وَكم سَاكِتعلى الْبعد عنْدك كالقائل
فلبيته بك فِي جحفللَهُ ضَامِن وَبِه كافل
وعدت إِلَى حلب ظافراكعود الْحلِيّ إِلَى العاطل
وَكَانَ سيف الدولة اصْطنع بني كلاب وأدناهم وآمن سربهم فقهروا الْعَرَب وعلت كلمتهم إِلَى أَن بدرت مِنْهُم جفوة أحفظته فَأسْرى إِلَيْهِم وأوقع بهم وَملك حرمهم وَأَمْوَالهمْ ثمَّ صفح عَنْهُم وكرم وَجمع الْحرم ووكل بِهن الخدم وَأفضل عَلَيْهِنَّ وَأحسن إلَيْهِنَّ فَقَالَ أَبُو الطّيب من قصيدة
فعدن كَمَا أخذن مكرماتعَلَيْهِنَّ القلائد والملاب
يثبنك بِالَّذِي أوليت شكراوَأَيْنَ من الَّذِي تولي الثَّوَاب
وَلَيْسَ مصيرهن إِلَيْك شيناوَلَا فِي صونهن لديك عَابَ
وَلَا فِي فقدهن بني كلابإِذا أبصرن غرتك اغتراب
وَكَيف يتم بأسك فِي أنَاستصيبهم فيؤلمك الْمُصَاب
ترفق أَيهَا الْمولى عَلَيْهِمفَإِن الرِّفْق بالجاني عتاب
هَذَا كَلَام مَا لحسنه غَايَة
وَعين المخطئين هم وَلَيْسوابِأول معشر خطئوا فتابوا
وَأَنت حياتهم غضِبت عَلَيْهِموهجر حياتهم لَهُم عِقَاب
وَمَا جهلت أياديك الْبَوَادِيوَلَكِن رُبمَا خَفِي الصَّوَاب
وَكم ذَنْب مولده دلالوَكم بعد مولده اقتراب
وجرم جَرّه سُفَهَاء قوموَحل بِغَيْر جارمه الْعَذَاب
كَأَنَّمَا اقتبسه من قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿أتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا﴾ وَنَحْو من هَذَا قَول زِيَاد فِي خطبَته البتراء وَالله لآخذن المحسن بالمسيء
وَلَو غير الْأَمِير غزا كلاباثناه عَن شموسهم ضباب
وَمَا أحسن مَا كني عَن الْحرم بالشموس وَعَن المحاماة دونهم بالضباب
وَلَكِن رَبهم أسرى إِلَيْهِمفَمَا نفع الْوُقُوف وَلَا الذّهاب
كَذَا فليسر من طلب الْمَعَالِيوَمثل سراك فَلْيَكُن الطلاب
وَكتب إِلَيْهِ أَبُو فراس فِي تِلْكَ الْحَال يداعبه
وَمَا أنس لَا أنس يَوْم المغارمحجبة لفظتها الْحجب
دعَاك ذووها بِسوء الفعاللما لَا تشَاء وَمَا لَا تحب
فوافتك تعثر فِي مرْطهَاوَقد رَأَتْ الْمَوْت من عَن كثب
وَقد خلط الْخَوْف لما طلعتدلّ الْجمال بذل الرعب
تسرع فِي الخطو لَا خفَّةوتهتز فِي الْمَشْي لَا من طرب
فَلَمَّا بَدَت لَك دون الْبيُوتبدا لَك مِنْهُنَّ جَيش لجب
وَمَا زلت مذ كنت تَأتي الْجَمِيلوتحمي الْحَرِيم وترعى الْحسب
وتغضب حَتَّى إِذا مَا ملكتأَطَعْت الرِّضَا وعصيت الْغَضَب
فَكنت حماهن إِذْ لَا حمىوَكنت أباهن إِذْ لَيْسَ أَب
فولين عَنْك يفدينهاويرفعن من ذيلها مَا انسحب
ينادين بَين خلال الْبيُوتلَا يقطع الله نسل الْعَرَب
أمرت وَأَنت المطاع الْكَرِيمببذل الْأمان ورد النهب
وَقد رحن من مهجات الْقُلُوببأوفر غنم وأغلى نشب
فَإِن هن يَا بن الْكِرَام السراةرددن الْقُلُوب رددنا السَّلب
وَقَالَ أَيْضا يمدحه وَيذكر نسْوَة بني كلاب
قد ضج جيشك من طول الْقِتَال بِهِوَقد شكتك إِلَيْنَا الْخَيل وَالْإِبِل
وَقد درى الرّوم مذ جَاوَرت أَرضهمأَن لَيْسَ يعصمهم سهل وَلَا جبل
فِي كل يَوْم تزور الثغر لَا ضجريثنيك عَنهُ وَلَا شغل وَلَا ملل
فَالنَّفْس جاهدة وَالْعين ساهرةوالجيش منهمك وَالْمَال مبتذل
توهمتك كلاب غير قاصدهاوَقد تكنفك الْأَعْدَاء والشغل
حَتَّى رأوك أَمَام الْجَيْش تقدمهوَقد طلعت عَلَيْهِم دون مَا أملوا
فاستقبلوك بفرسان أسنتهاسود البراقع والأكوار والكلل
فَكنت أكْرم مسئول وأفضلهإِذا وهبْنَ فَلَا من وَلَا بخل
وَيُقَال إِن سيف الدولة غزا الرّوم أَرْبَعِينَ غَزْوَة لَهُ وَعَلِيهِ فَمِنْهَا أَنه أغار على زبطرة وعرقة وملطية ونواحيها فَقتل وأحرق وسبى وانثنى قَافِلًا إِلَى درب موزار فَوجدَ عَلَيْهِ قسطنطين بن فردس الدمستق فأوقع بِهِ وَقتل صَنَادِيد رِجَاله وعقب إِلَى للدانه وَقد تراجع من هرب مِنْهَا فأعظم الْقَتْل وَأكْثر الْغَنَائِم وَقد عبر الْفُرَات إِلَى بلد الرّوم وَلم يَفْعَله أحد قبله حَتَّى أغار على بطن هنزيط فَلَمَّا رأى فردس بعد مغزاه وخلو بِلَاد الشَّام مِنْهُ غزا نواحي انطاكية فَأسْرى سيف الدولة يطوي المراحل لَا ينْتَظر مُتَأَخِّرًا وَلَا يلوي على مُتَقَدم حَتَّى عَارضه بمرعش فأوقع بِهِ وهزمه وَقتل رُؤُوس البطارقة وَأسر قسطنطين بن الدمستق وأصابت الدمستق ضَرْبَة فِي وَجهه وَأكْثر الشُّعَرَاء فِي هَذِه الْوَقْعَة فَقَالَ أَبُو الطّيب
لكل امْرِئ من دهره مَا تعوداوعادات سيف الدولة الطعْن فِي العدا
وَأَن يكذب الإرجاف عَنهُ بضدهويمسي بِمَا تنوي أعاديه أسعدا
وَرب مُرِيد ضره ضرّ نَفسهوهاد إِلَيْهِ الْجَيْش أهْدى وَمَا هدى
وَمِنْهَا
سريت إِلَى جيحان من أَرض آمدثَلَاثًا لقد أدناك ركض وأبعدا
فولى وأعطاك ابْنه وجيوشهجَمِيعًا وَلم يُعْط الْجَمِيع لتحمدا
وَمَا طلبت زرق الأسنة غَيرهوَلَكِن قسطنطين كَانَ لَهُ الفدا
وَقَالَ أَبُو فراس
وآب بقسطنطين وَهُوَ مكبلتحف بطاريق بِهِ وزرازر
وَولى على الرَّسْم الدمستق هَارِباوَفِي وَجهه عذر من السَّيْف عاذر
فدى نَفسه بِابْن عَلَيْهِ كنفسهوللشدة الصماء تقنى الذَّخَائِر
وَقد يقطع الْعُضْو النفيس لغيرهوتدفع بِالْأَمر الْكَبِير الْكَبَائِر
وَسَار سيف الدولة لبِنَاء الْحَدث وَهِي قلعة عَظِيمَة الشَّأْن فَاشْتَدَّ ذَلِك على ملك الرّوم فَجمع عُظَمَاء أهل مَمْلَكَته وجهزهم بالصليب الْأَعْظَم وَعَلَيْهِم فردس الدمستق ثائرا بِابْنِهِ قسطنطين فِي عدد لَا يُحْصى حَتَّى أحاطوا بعسكر سيف الدولة والتهبت الْحَرْب وَاشْتَدَّ الْخطب وَسَاءَتْ ظنون الْمُسلمين ثمَّ أنزل الله نَصره فَحمل سيف الدولة يخرق الصُّفُوف طلبا للدمستق فولى هَارِبا وَأسر صهره وَابْن بنته وَقتل خلق كثير من الرّوم وَأكْثر الشُّعَرَاء فِي هَذِه الْوَقْعَة فَقَالَ أَبُو الطّيب وَذكر الْحَدث
بناها فأعلى والقنا تقرع القناوموج المنايا حولهَا متلاطم
وَكَانَ بهَا مثل الْجُنُون فَأَصْبَحتوَمن جثث الْقَتْلَى عَلَيْهَا تمائم
تفيت اللَّيَالِي كل شَيْء أَخَذتهوَهن لما يَأْخُذن مِنْك غوارم
وَذكر ولد الدمستق فَقَالَ
وَقد فجعته بِابْنِهِ وَابْن صهرهوبالصهر حملات الْأَمِير الغواشم
مضى يشْكر الْأَصْحَاب فِي فَوته الظبابِمَا شغلتها هامهم والمعاصم
وَيفهم صَوت المشرفية فيهمعلى أَن أصوات السيوف أعاجم
يسر بِمَا أَعْطَاك لَا عَن جَهَالَةوَلَكِن مغنوما نجا مِنْك غَانِم
وَقَالَ السّري فِي بِنَاء الْحَدث
رفعت بِالْحَدَثِ الْحصن الَّذِي خفضتمِنْهُ الْحَوَادِث حَتَّى ذل جَانِبه
أعدته عدويا فِي مناسبهمن بعد مَا كَانَ روميا مناسبه
فقد وَفِي عرضه بالبيد واعترضتطولا على منْكب الشعرى مناكبه
مصغ إِلَى الجو أَعْلَاهُ فَإِن خَفَقتزهر الْكَوَاكِب خلناها تخاطبه
كَأَن أبراجه من كل نَاحيَةأبراجها والدجى وحف غياهبه
وَلأبي فراس فِي ذكرهَا
رأى الثغر مثغورا فسد بِسَيْفِهِفَم الدَّهْر عَنهُ وَهُوَ سغبان فاغر
ملح شعر سيف الدولة
وَمِمَّا أَنْشدني أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الإفْرِيقِي المتيم لسيف الدولة فِي وصف قَوس قزَح وَهُوَ أحسن مَا سَمِعت فِيهِ على كثرته
وسَاق صبيح للصبوح دَعوتهفَقَامَ وَفِي أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات الْعقار كأنجمفَمن بَين منقض علينا ومنفض
وَقد نشرت أَيدي الْجنُوب مطارفاعلى الجو دكنا والحواشي على الأَرْض
يطرزها قَوس الْغَمَام بأصفرعلى أَحْمَر فِي أَخْضَر تَحت مبيض
كأذيال خود أَقبلت فِي غلائلمصبغة وَالْبَعْض أقصر من بعض
وَهَذَا من التشبيهات الملوكية الَّتِي لَا يكَاد يحضر مثلهَا السوقة وَنَظِيره قَول ابْن المعتز فِي وصف الْهلَال
فَانْظُر إِلَيْهِ كزورق من فضَّةقد أثقلته حمولة من عنبر
وَقَول أبي فراس وَهُوَ مِمَّا يعرب عَن استخدامه نفائس الْفرس
وكأنما البرك الملاء تحفهاألوان ذَاك الرَّوْض والزهر
بسط من الديباج بيض فروزتأطرافها بفراوز خضر
وَقَوله من قصيدة
وَالْمَاء يفصل بَين زهر الرَّوْضفِي الشطين فصلا
كبساط وشي جردتأَيدي القيون عَلَيْهِ نصلا
وأنشدني أَبُو الْحسن الْعلوِي الْهَمدَانِي قَالَ أَنْشدني سيف الدولة لنَفسِهِ
وَأَنا أرَاهُ من قَوْله فِي صباه
أقبله على جزعكشرب الطَّائِر الْفَزع
رأى مَاء فأطعمهوَخَافَ عواقب الطمع
وصادف فرْصَة فَدَنَاوَلم يلتذ بالجرع
ينظر مَعْنَاهَا إِلَى قَول ابْن المعتز
فكم عنَاق لنا وَكم قبلمختلسات حذار مرتقب
نقر العصافير وَهِي خائفةمن النواطير يَانِع الرطب
ويحكى أَنه كَانَت لسيف الدولة جَارِيَة من بَنَات مُلُوك الرّوم لَا يرى الدُّنْيَا إِلَّا بهَا ويشفق من الرّيح الهابة عَلَيْهَا فحسدتها سَائِر حظاياه على لطف محلهَا مِنْهُ وأزمعن إِيقَاع مَكْرُوه بهَا من سم أَو غَيره وَبلغ سيف الدولة ذَلِك فَأمر بنقلها إِلَى بعض الْحُصُون احْتِيَاطًا على روحها وَقَالَ
راقبتني الْعُيُون فِيك فَأَشْفَقتوَلم أخل قطّ من إشفاق
وَرَأَيْت العذول يحسدني فِيكمجدا يَا أنفس الأعلاق
فتمنيت أَن تَكُونِي بَعيداوَالَّذِي بَيْننَا من الود بَاقٍ
رب هجر يكون من خوف هجروفراق يكون خوف فِرَاق
وأنشدني أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ قَالَ أَنْشدني ابْن خالويه بحلب لسيف الدولة
تجنى عَليّ الذَّنب والذنب ذَنبهوعاتبني ظلما وَفِي شقَّه العتب
وَأعْرض لما صَار قلبِي بكفهفَهَلا جفاني حِين كَانَ لي الْقلب
إِذا برم الْمولى بِخِدْمَة عَبدهتجنى لَهُ ذَنبا وَإِن لم يكن ذَنْب
يشبه هَذَا الْمَعْنى
وَإِذا مَا الْجفَاء جهر جَيْشًاسبقته طَلِيعَة من تجني
وَأنْشد أَبُو الْحسن أَحْمد بن فَارس قَالَ أَنْشدني شَاعِر يعرف بالمتيم لسيف الدولة
قد جرى فِي دمعه دَمهفَإلَى كم أَنْت تظلمه
رد عَنهُ الطّرف مِنْك فقدجرحته مِنْك أسهمه
كَيفَ يَسْتَطِيع التجلد منخطرات الْوَهم تؤلمه
وأنشدني غير وَاحِد لَهُ فِي أَخِيه نَاصِر الدولة أبي مُحَمَّد عِنْد وَحْشَة جرت بَينهمَا
رضيت إِلَيْك الْعليا وَقد كنت أَهلهَاوَقلت لَهُم بيني وَبَين أخي فرق
وَلم يَك بِي عَنْهَا نُكُول وَإِنَّمَاتجافيت عَن حَقي فتم لَك الْحق
وَلَا بُد لي من أَن أكون مُصَلياإِذا كنت أرْضى أَن يكون لَك السَّبق
وأنشدت لَهُ أَيْضا فِي وصف نَار الكانون
كَأَنَّمَا النَّار والرماد مَعًاوضوءها فِي ظلامه يحجب
وجنة عذراء مَسهَا خجلفاستترت تَحت عنبر أَشهب
نظيرهما فِي الْحسن قَول كشاجم
كَأَنَّمَا الْجَمْر والرماد وَقدكَاد يواري من ناره النورا
ورد جني القطاف أَحْمَر قدذرت عَلَيْهِ الأكف كافورا
وَقَول أبي طَالب المأموني
مَا ترى النَّار كَيفَ أسقمها القرفأصحت تخبو وطورا تسعر
وَغدا الْجَمْر والرماد عَلَيْهِفِي قَمِيص مَذْهَب ومعنبر
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع