تجاوز إلى المحتوى

من «يتيمة الدهر» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

الْبَاب الأول من الْقسم الأول فِي فضل شعراء الشَّام على شعراء سَائِر الْبلدَانِ وَذكر السَّبَب فِي ذَلِك

فيه ٩ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

لم يزل شعراء عرب الشَّام وَمَا يقاربها أشعر من شعراء عرب الْعرَاق وَمَا يجاورها فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَالْكَلَام يطول فِي ذكر الْمُتَقَدِّمين مِنْهُم فَأَما المحدثون فَخذ إِلَيْك مِنْهُم العتابي ومنصورا النمري والأشجع السّلمِيّ وَمُحَمّد بن زرْعَة الدِّمَشْقِي وَرَبِيعَة الرقي على أَن فِي الطائيين اللَّذين انْتَهَت إِلَيْهِمَا الرِّئَاسَة فِي هَذِه الصِّنَاعَة كِفَايَة وَهَا هما

وَمن مولدِي أهل الشَّام المعوج الرقي والمريمي والعباسي المصِّيصِي وَأَبُو الْفَتْح كشاجم والصنوبري وَأَبُو المعتصم الْأَنْطَاكِي وَهَؤُلَاء رياض الشّعْر وَحَدَائِق الظّرْف

فَأَما العصريون فَفِيمَا أسوقه من غرر أشعارهم أعدل الشَّهَادَات على تقدم أَقْدَامهم

وَالسَّبَب فِي تبريز الْقَوْم قَدِيما وحديثا على من سواهُم فِي الشّعْر قربهم من خطط الْعَرَب وَلَا سِيمَا أهل الْحجاز وبعدهم عَن بِلَاد الْعَجم وسلامة ألسنتهم من الْفساد الْعَارِض لألسنة أهل الْعرَاق لمجاورة الْفرس والنبط ومداخلتهم إيَّاهُم وَلما جمع شعراء الْعَصْر من أهل الشَّام بَين فصاحة البداوة وحلاوة الحضارة ورزقوا ملوكا وأمراء من آل حمدَان وَبني وَرْقَاء هم بَقِيَّة الْعَرَب والمشغوفون بالأدب والمشهورون بالمجد وَالْكَرم وَالْجمع بَين أدوات السَّيْف والقلم وَمَا مِنْهُم إِلَّا أديب جواد يحب الشّعْر وينتقده ويثيب على الْجيد مِنْهُ فيجزل ويفضل انبعثت قرائحهم فِي الإجادة فقادوا محَاسِن الْكَلَام بألين زِمَام وأحسنوا وأبدعوا مَا شَاءُوا

وَأَخْبرنِي جمَاعَة من أَصْحَاب الصاحب أبي الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن عباد أَنه كَانَ يعجب بطريقتهم المثلى الَّتِي هِيَ طَريقَة البحتري فِي الجزالة والعذوبة والفصاحة والسلاسة ويحرص على تَحْصِيل الْجَدِيد من أشعارهم ويستملي الطارئين عَلَيْهِ من تِلْكَ الْبِلَاد مَا يَحْفَظُونَهُ من تِلْكَ الْبَدَائِع واللطائف حَتَّى كسر دفترا ضخم الحجم عَلَيْهَا وَكَانَ لَا يُفَارق مَجْلِسه وَلَا يمْلَأ أحد مِنْهُ عينه غَيره وَصَارَ مَا جمعه فِيهِ على طرف لِسَانه وَفِي سنّ قلمه فطورا يحاضر بِهِ فِي مخاطباته ومحاوراته وَتارَة يحله أَو يُورِدهُ كَمَا هُوَ فِي رسائله فَمن ذَلِك قَول الْقَائِل

سَلام على تِلْكَ الْمعَاهد إِنَّهَاشَرِيعَة وردي أَو مهب شمَالي
ليَالِي لم نحذر حزون قطيعةوَلم نمش إِلَّا فِي سهول وصال
فقد صرت أرْضى من سواكن أرْضهَابخلب برق أَو بطيف خيال

وَقَول الآخر

إِذا دنت الْمنَازل زَاد شوقيوَلَا سِيمَا إِذا بَدَت الْخيام
فلمح الْعين دون الْحَيّ شهروَرجع الطّرف دون السّير عَام

وَقَول الآخر من

فسقى الله بَلْدَة أَنْت فِيهَاكدموعي عِنْد اعْتِرَاض الْفِرَاق
وأرانيك فالصبا قد ترقتيَا بروحي إِلَى أعالي التراقي

وَقَول الآخر

وَوَاللَّه لَا فَارَقت عقدَة ودهوَلَا حلت مَا عمرت عَن حفظ عَهده
وَلَا بُد أَن الدَّهْر كاشف أَهلهوَيظْهر للْمولى مُوالَاة عَبده

وَكَانَ أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ فِي ريعان عمره وعنفوان أمره قد دوخ بِلَاد الشَّام وَحصل من حَضْرَة سيف الدولة بحلب فِي مجمع الروَاة وَالشعرَاء ومطرح الغرباء الْفُضَلَاء فَأَقَامَ مَا أَقَامَ بهَا مَعَ أبي عبد الله بن خالويه وَأبي الْحسن الشمشاطي وَغَيرهمَا من أَئِمَّة الأدباء وَأبي الطّيب المتنبي وَأبي الْعَبَّاس النامي وَغَيرهمَا من فحول الشُّعَرَاء بَين علم يدرسه وأدب يقتبسه ومحاسن أَلْفَاظ يستفيدها وشوارد أشعار يصيدها وانقلب عَنْهَا وَهُوَ أحد أَفْرَاد الدَّهْر وأمراء النّظم والنثر وَكَانَ يَقُول مَا فتق قلبِي وشحذ فهمي وصقل ذهني وأرهف حد لساني وَبلغ هَذَا الْمبلغ بِي إِلَّا تِلْكَ الطوائف الشامية واللطائف الحلبية الَّتِي علقت بحفظي وامتزجت بأجزاء نَفسِي وغصن الشَّبَاب رطيب ورداء الحداثة قشيب وَمَا كَانَ أَكثر مَا ينشدني ويكتبني مِمَّا يضن بِهِ على غَيْرِي من تِلْكَ الْغرَر الَّتِي تجْرِي مجْرى السحر وَالْملح الَّتِي يقطر مِنْهَا مَاء الظّرْف وَأَنا أَكتبهَا فِي أماكنها من أَبْوَاب هَذَا الْقسم الأول بِمَشِيئَة الله تَعَالَى

وَمِمَّنْ خرجته تِلْكَ الْبِلَاد وأخرجته وَكَلَامه مَقْبُول مَحْبُوب آخذ بِمَجَامِع الْقُلُوب القَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز الْجِرْجَانِيّ فَإِنَّهُ جنى ثمارها واستصحب أنوارها حَتَّى ارْتقى إِلَى الْمحل الْعلي وتطبع بطبع البحتري

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «يتيمة الدهر»