١مُلِثَّ القَطرِ أَعطِشها رُبوعاً
وَإِلّا فَاِسقِها السَمَّ النَقيعا
الواحدي: الملث الدائم المقيم والمعنى يا سحابا دائم القطر أعطش هذه الربوع من ربوع أي لا تسقها وإن لا تعطشها فأسقها السم النقيع في الماء
٢أُسائِلُها عَنِ المُتَدَيِّريها
فَلا تَدري وَلا تُذري دُموعاً
الواحدي: اسائلها عن الذين اتخذوها دارا أي ذهبوا فلا تدري ذلك ولا تساعدني على البكاء والإذراء الإلقاء
العكبري: الْإِعْرَاب أضَاف إِلَى الضَّمِير وَالْأَصْل المتديرين فِيهَا أى متخذيها دَارا الْغَرِيب تذرى أى تلقى دموعا الْمَعْنى يَقُول إِذا سَأَلتهَا لَا تدرى مَا تَقول لِأَنَّهَا جماد لَا تبكى على من كَانَ بهَا فهى لَا تساعدنى على الْبكاء وَلَا ترد لى لجواب
٣لَحاها اللَهُ إِلّا ماضِيَيها
زَمانَ اللَهوِ وَالخَودَ الشُموعا
الواحدي: لحاها الله بمعنى قشرها من لحوت العود إذا قشرته ثم صار يستعمل في الدعاء على الشيء وقوله إلا ماضييها استثناء من غير الجنس ويجوز أن يكون جنسا لأن زمان اللهو والخود ربع الأنس فاستثنى ربع الأنس من ربع الأنس لاشتماله عليه والشموع اللعوب
العكبري: الْغَرِيب أصل اللحاء القشر وَمِنْه لحوت الْعود إِذا قشرته ثمَّ صَار يسْتَعْمل فى الدُّعَاء والخود الْمَرْأَة الناعمة وَالْجمع خود وشموع اللعوب المزاحة الْمَعْنى يَقُول لحا الله الدَّار يَدْعُو عَلَيْهَا إِلَّا ماضيها وَهُوَ اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يكون جِنْسا لِأَن زمَان اللَّهْو والخود ربع الْإِنْس فاستثناه مِنْهُ لاشْتِمَاله عَلَيْهِ فَدَعَا على الدَّار إِلَّا مَا كَانَ لَهُ بهَا من زمن الْإِنْس وَوصل الْجَارِيَة الناعمة المحبوبة قَالَ ابْن وَكِيع مَا ضياها يوجبان لَهَا الدُّعَاء بالسقيا كَقَوْل البحترى (فاذَا مَا السَّحابُ كانَ رُكاما ... فَسَقَى بالرَّبابِ دارَ الرَّبابِ)
٤مُنَعَّمَةٌ مُمَنَّعَةٌ رَداحٌ
يُكَلِّفُ لَفظُها الطَيرَ الوُقوعا
الواحدي: رداح ضخمة العجيزة وقال العديل، رداح التوالي إذا أدبرت، هضيم الحشا شختة الملتزم، يصفها بحسن اللفظ وعذوبة الكلام يقول إذا سمعت الطير لفظها وقفت وسقطت لحسنه
العكبري: الْغَرِيب الرداح ضخمة العجيزة قَالَ العديل (رَداحُ التَّوَالى إِذا أدْبَرَتْ ... هَضِيمُ الْحَشَى شَخْتَهُ الْمُلْتَزم) وَمِنْه كَتِيبَة رداح أى ثَقيلَة السّير لكثرتها والرداح الْجَفْنَة الْعَظِيمَة قَالَ أُميَّة بن أَبى الصَّلْت (إِلَى رُدُحٍ مِنَ الشِّيزَى مِلاءٍ ... لُبابَ الْبُرّ يُلْبَكُ بالشِّهادِ) الْمَعْنى يَقُول هى منعمة ممنعة لَا يقدر عَلَيْهَا أحد وكلامها عذب إِذا سَمعتهَا الطير تتكلف الْوُقُوع إِلَيْهَا لعذوبة كَلَامهَا وَهَذَا مثل قَول كثير (وأدْنَيْتِنى حَتَّى إِذا مَا مَلَكْتِنى ... بقَوْلٍ يُحِلُّ العُصْم سَهَلْ الأباطِحِ) وَمثله للْآخر وَهُوَ كثير (بعَيْنَينِ نَجْلاوَيْنِ لوْ رَقْرَقَتُهما ... لِنوءَ الثُّرَياَّ لاسْتَهَلَّ سَحَابها) أَخذه ابْن دُرَيْد فى مقصورته وَبعده أَبُو الطّيب فَقَالَ ابْن دُرَيْد (لَوْ ناجَتِ الأعْصَمَ لَا نْحَطَّ لَهَا ... طَوْعَ الْقِيادِ منْ شَمارِيخِ الذُّرى)
٥تُرَفِّعُ ثَوبَها الأَردافُ عَنها
فَيَبقى مِن وِشاحَيها شَسوعا
الواحدي: يريد بالوشاحين قلادتين تتوشح بهما المرأة ترسل أحداهما على جنبها الأيمن والأخرى على الأيسر يقول أردافها عظيمة سمينة شاخصة عن بدنها ثوبها وتمنعه عن أن يلاصق جسدها حتى يكون بعيدا عما توشحت به من القلائد
العكبري: الْغَرِيب الأرداف جمع ردف وهى العجيزة والوحاشان قلادتان تتوشح بهما الْمَرْأَة ترسل إِحْدَاهمَا على الْجنب الْأَيْمن وَالْأُخْرَى على الْأَيْسَر والشسوع الْبعيد الْمَعْنى يَقُول أردافها عَظِيمَة شاخصة عَن بدنهَا تمنع ثوبها وترفعه فَلَا يلاصق جَسدهَا حَتَّى يكون بَعيدا عَن قلائدها وَالْمعْنَى أَن أردافها تمنع الثَّوْب عَن أَن يلاصق بدنهَا وَهُوَ مَنْقُول من قَول بعض الكلابيين (أبَتِ الغَلائِلُ أنْ تَمَسَّ إذَا مَشَتْ ... مِنْها البُطُونَ وأنْ تَمَسَّ ظُهُورَها)
٦إِذا ماسَت رَأَيتَ لَها اِرتِجاجاً
لَهُ لَولا سَواعِدُها نَزوعا
الواحدي: يقول إذا ما مشت هذه المرأة متبخترةً رأيت لروادفها اضطرابا وحركةً نزوعا للثوب عنها لولا أن سواعدها تمسك عليها الثوب لدخولها في الكمين
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى لَهُ للثوب ونزوعا صفة للارتجاج الْغَرِيب ماست مشت متبخترة والارتجاج الِاضْطِرَاب وَالْحَرَكَة الْمَعْنى يَقُول إِذا تبخترت ارتج بدنهَا واضطرب حَتَّى يكَاد ينْزع عَنْهَا ثوبها لَوْلَا سواعدها يُرِيد أَن الكمين فى الساعدين يمنعان عَنْهَا نزع الثَّوْب لِكَثْرَة ارتجاجها وحركتها وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر (لَوْلا التَّمَنْطُقُ والسِّوَارُ مَعا ... والْحَجْلُ والدُّمْلُوجُ فِى الْعَضُدِ) (لَتَزَايَلَتْ مِنْ كُلّ ناحِيَةٍ ... لَكِنْ جُعِلْنَ لَهَا عَلى عَمْدٍ)
٧تَأَلَّمُ دَرزَهُ وَالدَرزُ لَينٌ
كَما تَتَأَلَّمُ العَضبَ الصَنيعا
الواحدي: التألم كالتوجع وهو لازم يقال تألم به أو له أو منه وعداه ههنا ضرورةً والدرز موضع الخياطة من الثوب والصنيع المصنوع المحكم العمل يصف نعومة بدنها وأنها تتوجع إذا اصابها موضع الخياطة من ثوبها مع لينه كما تتوجع من السيف يريد أن للدرز في بدنها تأثيرا كتأثير السيف
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى تتألم للْمَرْأَة فى الْمَوْضِعَيْنِ الْغَرِيب الدرز مَوضِع الْخياطَة المكفوفة من الثَّوْب والتألم التوجع والعضب السَّيْف وَجمعه عضوب والصنيع الْمُحكم الصقال والصنعة الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا رقيقَة ناعمة يوجعها درز الْقَمِيص كَمَا يوجعها السَّيْف لرقة بَشرَتهَا فَإِذا نَالَ جسمها مَوضِع الْخياطَة آلمها وأوجعها وَقد قيل فى مثل هَذَا إِن سَابُور لما حصر صَاحب الْحصن بعثت إِلَيْهِ بنت صَاحب الْحصن وَكَانَت من أجمل النِّسَاء إِن عاهدتنى أَنَّك تتَزَوَّج بى أسلمت إِلَيْك المفاتيح فعاهدها على ذَلِك فَسَكِرَ أَبوهَا لَيْلَة ونام فَدفعت المفاتيح إِلَى سَابُور فَأخذ الْمَدِينَة وَتزَوج بهَا فَبينا هى مَعَه ذَات لَيْلَة على فرَاش الْحَرِير تألمت وتوجعت وقلقت فَدَعَا بالشمع وَنظر إِلَى مضجعها فَرَأى ورقة ورد على الْفراش قد نَالَتْ جسمها فأثرت فِيهِ فقلقت لذَلِك فَقَالَ لَهَا مَا كَانَ يغذيك بِهِ أَبوك فَقَالَت لَهُ لب الْبر بالعسل وَالْخمر فَقَالَ وَكَانَ جَزَاؤُهُ مِنْك مَا جازيته فَأَخذهَا وَشد ضفائرها إِلَى أَذْنَاب الْخَيل وَلم يزل يطرد الْخَيل حَتَّى قطعتها قطعا
٨ذِراعاها عَدُوّا دُملُجَيها
يَظُنُّ ضَجيعُها الزَندَ الضَجيعا
الواحدي: يقول الدملج يضيق عن ذراعيها فتفصمه وتكسره لامتلائه بها وعظم ساعديها غليظ باللحم حتى يظن الضجيع زندها شخصا مضاجعا له
٩كَأَنَّ نِقابَها غَيمٌ رَقيقٌ
يُضيءُ بِمَنعِهِ البَدرَ الطُلوعا
الواحدي: شبه النقاب على وجهها بغيم رقيق على البدر يمنعه أن يبرز منه فذلك الغيم مضيء بصوء البدر تحته كذلك نقابها يشرق لاضاءة وجهها من تحته كما يشرق الغيم الرقيق فوق القمر ويضيء لازم
العكبري: الْإِعْرَاب يضئ لَازم لَا يتَعَدَّى والبدر مَنْصُوب بِالْمَصْدَرِ الْمُضَاف أى بِأَن يمْنَع الْبَدْر من الطُّلُوع الْمَعْنى يَقُول نقابها يشرق ضياؤها من تَحْتَهُ كَمَا يشرق الْبَدْر تَحت الْغَيْم الرَّقِيق شبه النقاب على وَجههَا بالغيم الرَّقِيق على الْبَدْر وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الدمينة (مُبَرْقَعَةٌ كالشَّمْسِ تَحْتَ سَحابَةٍ ... وكالبَدْرِ فِى جَنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلم) وَأَخذه التهامى وَأحسن فِيهِ بقوله (قَوْمٌ إذَا لَبِسُوا الدُّرُوعَ تَخالُهَا ... سُحُبا مُزَرَّرَةً عَلى أقْمارِ) وَقَالَ بشار (بَدا لَكَ ضَوْءُ مَا احْتَجَبْتَ عَلَيْهِ ... بُدُوَّ الشَّمْسِ مِنْ خَلَلِ الغَمامِ)
١٠أَقولُ لَها اِكشِفي ضُرّي وَقولي
بِأَكثَرَ مِن تَدَلُّلِها خُضوعا
الواحدي: لي خضوعي لها في قولي هذا أكثر من دلالها على كثرته
العكبري: الْإِعْرَاب قَالَ ابْن القطاع خضوعا تَمْيِيز تَقْدِيره بِأَكْثَرَ خضوعا الْمَعْنى خضوعى فى قولى أَكثر من تدللها على كثرته
١١أَخِفتِ اللَهَ في إِحياءِ نَفسٍ
مَتى عُصِيَ الإِلَهُ بِأَن أُطيعا
الواحدي: أي احياء النفس ما يتقلب به إلى الله تعالى وليس ما يخاف منه يعني أنك أن واصلتني كنت كأنك قد أحييتني واحياء النفس طاعة لله والله لا يعصي بالطاعة
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إحْيَاء النُّفُوس مِمَّا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يخَاف مِنْهُ وَمعنى إِذا وصلتنى كنت قد أحييتنى وإحياء النَّفس طَاعَة لله تَعَالَى وَالله لَا يعْصى بِالطَّاعَةِ وَمثله لآخر (مَا حَرَامٌ إحْياءُ نَفْسٍ وَلَكِنْ ... قَتْلُ نَفْسٍ بغيرِ نَفْسٍ حَرَامُ)
١٢غَدا بِكَ كُلُّ خِلوٍ مُستَهاماً
وَأَصبَحَ كُلُّ مَستورٍ خَليعا
الواحدي: أي أحياء النفس مما يتقلب به إلى الله تعالى وليس ما يخاف منه يعني أنك إن واصلتني كنت كأنك قد احييتني واحياء النفس طاعة لله والله لا يعصى بالطاعة
العكبري: الْغَرِيب الْخُلُو الخالى من هم الْمحبَّة والمستهام الهائم الذَّاهِب الْعقل والخليع الذى قد خلع العذار وتظاهر بالانتهاك فى الْمحبَّة الْمَعْنى يَقُول قد أصبح يحبك كل خَال من الْهوى محبا لَك مستهاما والمستور الذى كَانَ يخفى الْهوى انهتك وَافْتَضَحَ بمحبتك قَالَ ابْن وَكِيع لَو قَالَ (غَدَا بِكِ كُلُّ خِلْوٍ فِى اشْتِغالٍ ... وأصْبَحَ كُلُّ ذِى نَسْلٍ خَلِيعا) لَكَانَ أحسن فى الصَّنْعَة
١٣أُحِبُّكِ أَو يَقولوا جَرَّ نَملٌ
ثَبيراً وَاِبنُ إِبراهيمَ ريعا
الواحدي: أو معناه ههنا حتى وقد علق زوال حبه بما لا يجوز وجوده والمعنى لا أزال أحبك لأن الجبل لا يجره النمل والممدوح لا يرتاع ولايروعه شيء وثبير اسم جبل معروف
العكبري: الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح إِلَى أَن يَقُولُوا فَحذف أَن وأعملها وَهَذَا على مَذْهَبنَا وَقَالَ الواحدى حَتَّى يَقُولُوا وَقد علق زَوَال حبه بِمَا لَا يجوز وجوده وَالْمعْنَى لَا أَزَال أحبك الْغَرِيب ثبير جبل عَظِيم مَعْرُوف بالحجاز وَقد ذكره الشُّعَرَاء فى أشعارهم الْمَعْنى يَقُول أحبك إِلَى أَن يَقُولُوا جر النَّمْل ثبيرا أَو أخيف ابْن إِبْرَاهِيم وَهَذَا مُسْتَحِيل وَالْمعْنَى لَا أَزَال أحبك لِأَن الْجَبَل لَا يجره النَّمْل والممدوح لَا يرتاع
١٤بَعيدُ الصيتِ مُنبَثُّ السَرايا
يُشَيِّبُ ذِكرُهُ الطِفلَ الرَضيعا
الواحدي: الصيت والصات ذهاب الذكر الحسن بين الناس وخوف سراياه إذا ذكر اسمه الطفل الرضيع شابع خوفا منه
العكبري: الْغَرِيب الصيت الذّكر الْحسن والسرايا جمع سَرِيَّة الْمَعْنى يَقُول هُوَ كثير الغارات وسراياه مبثوثة فى الْآفَاق فَإِذا ذكر اسْمه للطفل شَاب وَهُوَ من قَول المهدى (أَلا شَغَلَتنا عَنكَ بالدَّارِ كَبَّةٌ ... يَشِيبُ لَهَا قَبْل الفِطامِ وَلِيدُها)
١٥يَغُضُّ الطَرفَ مِن مَكرٍ وَدَهيٍ
كَأَنَّ بِهِ وَلَيسَ بِهِ خُشوعا
الواحدي: الدهي والدهاء المكر يقول يخفى مكره ودهاءه بغض الطرف كأن به خشوعا وليس به ذلك الخشوع والخشوع الاستكانة والذل
العكبري: الْغَرِيب الدهى وَالْمَكْر إخفاء السوء والخشوع الذل الْمَعْنى يَقُول هُوَ يخفى مكره وَهُوَ يغض الطّرف حَتَّى يرى أَنه خاشع وَلَيْسَ بخاشع وَلَيْسَ فى هَذَا الْبَيْت مدح لِأَنَّهُ قَالَ يغض طرفه مكرا ودهاء وَإِنَّمَا الْمَدْح فى قَول الفرزدق (يُغْضِى من مهابته ... فَمَا يكلم إِلَّا حِين يبتسم ... ) وَقَول ابْن الرُّومِي فِي هَذَا جيد (ساه وَما يَتَّقى فىِ الرأىِ سَقطَتَهُ ... داهٍ وَما يَنطَوِى مِنهُ عَلى رَيبِ) (فَدَهْيُهُ للدَّوَاهى الرُّبدِ يَدْرَؤُها ... وَسِهوُهُ عَنْ عُيوبِ النَّاسِ والعَيْبِ) د
١٦إِذا اِستَعطَيتَهُ ما في يَدَيهِ
فَقَدكَ سَأَلتَ عَن سِرٍّ مُذيعا
الواحدي: قدك أي حسبك وكفاك يقول أن سألته جميع ماله كفاك ذلك السؤال كالمذيع إذا سألته عن سر فشا به ولم يكتمه كذلك هو يعطيك ما يملكه ولا يبخل به
١٧قَبولُكَ مِنَّهُ مَنٌّ عَلَيهِ
وَإِلّا يَبتَدِئ يَرَهُ فَظيعا
الواحدي: يقول إذا قبلت عطاءه فقد مننت عليه لاستلذاذه العطاء وإن لم يبتدىء بالعطاء قبل السؤال رأى ذلك منكرا
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لاستلذاذه الْعَطاء يرى قبولك عطاءه منا عَلَيْهِ وَإِن لم يَبْتَدِئ بالعطاء قبل المسئلة فَهُوَ عِنْده مَكْرُوه فظيع وَضرب هَذَا مثلا وَمثله لحبيب (يُعْطِى وَيَشْكُرُ مَنْ يأْتِيهِ يَسأَلُهُ ... فَشُكْرُهُ عِوَضٌ وَمالُهُ هَدَرُ)
١٨لِهونِ المالِ أَفرَشَهُ أَديماً
وَلِلتَفريقِ يَكرَهُ أَن يَضيعا
الواحدي: كانت الدراهم المجبية من وجوه الأجلاب حملت إلى الممدوح وبسط تحتها النطع على الرسم فيه فاعتذر له وقال ليس ذلك لكرامته عليه ولكن ليهينه في العطاء والتفريق وليس يكره ضياعه ليدخره إنما يكره ذلك ليفرقه على الشعراء والسؤال ثم احتج لهذا فقال
١٩إِذا ضَرَبَ الأَميرُ رِقابَ قَومٍ
فَما لِكَرامَةٍ مَدَّ النُطوعا
الواحدي: يقول ليس بسط الأنطاع لضرب الرقاب كرامة وإنما ذلك ليصان المجلس عن تلطيخه بالدم كذلك بسطه النطع للمال لم يكن كرامة للمال
٢٠فَلَيسَ بِواهِبٍ إِلّا كَثيراً
وَلَيسَ بِقاتِلٍ إِلّا قَريعا
الواحدي: القريع الفحل الكريم سمي بذلك لأنه يقرع الإبل ويسمى به السيد الشريف كما يسمى القرم
العكبري: الْمَعْنى هَذَا الْكَلَام لَهُ سَبَب وَذَلِكَ أَن هَذَا الممدوح جَاءَهُ حمل فِيهِ ذهب ودراهم ففرش نطوعا وَجعلهَا عَلَيْهِ فَاعْتَذر المتنبى لَهُ وَقَالَ لَيْسَ لكرامته فرشها وَإِنَّمَا هُوَ إهانة ليهينه فى الْعَطاء والتفرقة على القصاد وَمَا فعل هَذَا ليحفظه من الضّيَاع ويدخره وَإِنَّمَا يحفظه ليفرقه على السُّؤَال والقصاد ثمَّ احْتج لهَذَا بقوله (إِذا ضرب ... ) وَهُوَ قريب من قَول ابى الجهم (وَلا يَجْمَعُ الأمْوَالَ إلَاّ لِبَذْلِهَا ... كمَا لَا يُساقُ الهَدْىُ إلَاّ إِلَى النَّحْرِ)
٢١وَلَيسَ مُؤَدِّباً إِلّا بِنَصلِ
كَفى الصَمصامَةُ التَعَبَ القَطيعا
الواحدي: يقول أقام سيفه مقام سوطه في التأديب فقد أغنى السيف السوط عن التعب والقطيع السوط الذي يقطع من جلد البعير يصف شدته على المذنب والمريب وصعوبة سياسته للناس
العكبري: الْغَرِيب النصل حَدِيدَة السَّيْف والصمصامة السَّيْف والقطيع السَّوْط يقطع من جُلُود الْإِبِل والتعب مفعول ثَان وَالْمعْنَى يَقُول قد أَقَامَ سَيْفه فى التَّأْدِيب مقَام سَوْطه وَالسيف يغنى السَّوْط عَن التَّعَب // وَهَذَا مُبَالغَة // فى وَصفه بِشدَّة الْبَأْس على المذنبين
٢٢عَلِيٌّ لَيسَ يَمنَعُ مِن مَجيءِ
مُبارِزَهُ وَيَمنَعُهُ الرُجوعا
العكبري: الْمَعْنى يَقُول الممدوح واسْمه على مَا يمْنَع أحدا مَا يأتى لمبارزته وَلَكِن يمنعهُ الرُّجُوع سالما لشجاعته وفروسيته فَمَا يبارزه أحد فَيرجع عَنهُ سالما
٢٣عَلِيٌّ قاتِلُ البَطَلِ المُفَدّى
وَمُبدِلُهُ مِنَ الزَرَدِ النَجيعا
الواحدي: المفدى الذي يقول له الناس فدتك نفوسنا لما يرون من شجاعته وشدة بأسه ويبدله من لبوس درعه لبوسا من الدم والزرد حلق الدرع والنجيع الدم الطري
العكبري: الْغَرِيب المفدى الذى تفديه النَّاس بِأَنْفسِهِم لما يرَوْنَ من شجاعته وَشدَّة بأسه الْمَعْنى يَقُول هُوَ يقتل البطل الْكَرِيم عِنْد قَوْله ويسلبه درعه ويكسوه بدله دِمَاء
٢٤إِذا اِعوَجَّ القَنا في حامِليهِ
وَجازَ إِلى ضُلوعِهِمِ الضُلوعا
الواحدي: في حامليه يعني أهل الحرب الذين حملوا الرماح إلى الحرب وأراد بالإعوجاج الانحناء وذلك أن الرمح إذا طعن به اعوج والتوى وجاز إلى ضلوعهم الضلوعا أي نفذ من هذه إلى هذه كأنه شق الضلع من الجانبين قال المتنبي وكنت قلت وأشبه في ضلوعهم الضلوعا ثم أنشدت بيتا لبعض المولدين يشبهه فرغبت عنه يعني بيت البتحري، في مأزقٍ ضنكٍ تخال به القنا، بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا،
العكبري: الْغَرِيب إِذا اعوج أى انحنى وَذَلِكَ أَن الرمْح إِذا طعن بِهِ اعوج والتوى وَقَوله جَازَ إِلَى ضلوعهم يُرِيد نفذ من هَذِه كَأَنَّهُ شقّ الضلع من الْجَانِبَيْنِ قَالَ الواحدى قَالَ المتنبى كنت قلت وأشْبَهَ فِى ضُلُوعِهمِ الضُّلُوعا ... ) ثمَّ أنشدت بَيْتا لبَعض المولدين مثله فرغبت عَن قَوْله أشبه الْبَيْت للبحترى وَهُوَ (فى مأْزِقٍ ضَنْكٍ تَخالُ بِهِ الْقَنَا ... بينَ الضُّلُوعِ إذَا انْحَنَيْنَ ضُلُوعا)
٢٥وَنالَت ثَأرَها الأَكبادُ مِنهُ
فَأَولَتهُ اِندِقاقاً أَو صُدوعا
الواحدي: أن اندقت الرماح وتصدعت ي الأكباد لشدة الطعن وكأن الأكباد أدركت بذلك ثارا
٢٦فَحِد في مُلتَقى الخَيلَينِ عَنهُ
وَإِن كُنتَ الخُبَعثِنَةَ الشِحيعا
الواحدي: الخبعثنة من أوصاف الأسد ويروى الغضنفرة وهذا جواب قوله إذا اعوج القنا يقول إذا كان كذلك فحد عنه أي مقل وتباعد عنه وإن كنت شجاعا قوي القلب كالأسد وغلا هلكت
العكبري: الْإِعْرَاب فحد الْفِعْل عَامل فى الظّرْف وَهُوَ قَوْله (إِذا اعوج ... ) وَالتَّقْدِير إِذا اعوج القنا وَجَاز الطعْن إِلَى الضلوع ونالت الأكباد فحد عَنهُ وثنى الخيلين لإِرَادَة الجمعين الْغَرِيب الخبعثنة من أَوْصَاف الْأسد وَهُوَ الشَّديد والشجيع الشجاع الْمَعْنى إِذا التقى الْجَمْعَانِ فحد عَنهُ وتباعد وَإِن كنت قوى الْقلب كالأسد وَيُقَال إِن الخبعثنة النمر وَهُوَ أوقح السبَاع
٢٧إِنِ اِستَجرَأتَ تَرمُقُهُ بَعيداً
فَأَنتَ اِسطَعتَ شَيئاً ما اِستُطيعا
الواحدي: قال ابن جنى استجرأ الرجل بمعنى جرؤ أي صار جريئا يقول أن قدرت على النظر إليه في الحرب على البعد منه فقد قدرت على شيء لم يقدر عليه أحد وهو من قول أبي تمام، إما وقد عشت يوماً بعد رؤيته، فاذهب فإنك أنت الفارس النجد،
العكبري: الْإِعْرَاب أَرَادَ أَن ترمقه فَحذف وَرفع الْفِعْل وَلَو نَصبه على مذْهبه لَكَانَ جَائِزا وبعيدا حَال أى فى حَال بعْدك عَنهُ وَيجوز على إِسْقَاط الْخَافِض أى من بعيد الْمَعْنى إِن استجرأت أى صرت جريئا وقدرت على النّظر إِلَيْهِ فى الْحَرْب من بعيد فقد قدرت على شئ عَظِيم لم يقدر عَلَيْهِ أحد وَهُوَ من قَول الطائى (أمَّا وَقَدْ عِشْتَ يَوْما بَعْدَ رُؤْيَتِهِ ... فافْخَرْ فإنَّكَ أنْتَ الفارِسُ النَّجِدُ)
٢٨وَإِن مارَيتَني فَاِركَب حِصاناً
وَمَثِّلهُ تَخِرَّ لَهُ صَريعا
الواحدي: يقول ن لاججتني فيما أقول فاركب فرسا وصوره في نفسك كأنك تحاربه فإنك إذا فعلت ذلك سقطت على الأرض صريعا لهيبته وخوفك منه
العكبري: الْغَرِيب الحصان بِالْكَسْرِ الْكَرِيم من الْخَيل وسمى بذلك لِأَنَّهُ ضن بمائه فَلم ينز إِلَّا على كَرِيمَة ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سموا كل ذكر من الْخَيل حصانا الْمَعْنى يَقُول إِن مَا ريتني فى قولى والمماراة المجادلة فاركب فرسا وَمثل صورته فَإنَّك تَخِر صَرِيعًا قبل ملاقاته
٢٩غَمامٌ رُبَّما مَطَرَ اِنتِقاماً
فَأَقحَطَ وَدقُهُ البَلَدَ المَريعا
الواحدي: يقول هو غمام ندى ولكن الغمام قد يكون فيه صواعق مهلكة واحجار برد كذلك هو ربما مطر نقمة على الأعداء فصير مره البلد المريع قحطا والمريع بمنى الممرع وهو المخصب
٣٠رَآني بَعدَ ما قَطَعَ المَطايا
تَيَمُّمُهُ وَقَطَّعَتِ القُطوعا
الواحدي: القطوع جميع القطع وهي الطنفسة تحت الرحل يقول رآني بعد ما طال سفري حتى قطع رواحلي قصدي إياه وقطعت الرواحل طنافسها يعني أبلتها بكثرة السير وطول المسافة
٣١فَصَيَّرَ سَيلُهُ بَلَدي غَديراً
وَصَيَّرَ خَيرُهُ سَنَتي رَبيعا
الواحدي: أي ملأني العطاء كما يملأ السيل غديرا وأصلح لي دهري حتى صار كالربيع وهو فصل الخصب والأمطار
٣٢وَجاوَدَني بِأَن يَعطي وَأَحوي
فَأَغرَقَ نَيلُهُ أَخذي سَريعا
الواحدي: جعل العطاء من الممدوح والأخذ منه مجاودة على معنى أن أخذي منه كالجود مني عليه يقول لم يلحق أخذي اعطاءه حتى اغرق أخذي أي كان هو في الإعطاء أسرع مني في الأخذ
٣٣أَمُنسِيَّ السُكونَ وَحَضرَمَوتا
وَوالِدَتي وَكِندَةَ وَالسَبيعا
الواحدي: هذه أماكن بالكوفة سميت باسماء قبائل كانوا يسكنون هذه المحال يريد أن إحسانه ألهاه عن بلده وأهله وهذا من قول الراعي، رجاؤك أنساني تذكر إخوتي، ومالك أنساني بوهبين ماليا، وقال الطاءي، ومثل نداك أذهلني حبيب، وألبسني سلواً عن بلادي، ومثله لأبي الطيب، لولاك لم أترك البحيرة والغور دفىء وماؤها شبم،
٣٤قِدِ اِستَقصَيتَ في سَلبِ الأَعادي
فَرُدَّ لَهُم مِنَ السَلبِ الهُجوعا
الواحدي: يقول بالغت في سلب الأعداء فسلبتم كل شيء حتى النوم فرد ذلك النوم عليهم فإنهم لا يجدون النوم خوفا منك
العكبري: الْغَرِيب سلبت الشئ سلبا بِسُكُون اللَّام وَالسَّلب بِفَتْح اللَّام المسلوب والهجوع النّوم الْمَعْنى يَقُول قد بالغت فى قتل الأعادى وَأخذ سلبهم حَتَّى سلبتهم كل شئ تهب لَهُم النّوم فَإِنَّهُم لَا يقدرُونَ عَلَيْهِ خوفًا مِنْك
٣٥إِذا ما لَم تُسِر جَيشاً إِلَيهِم
أَسَرتَ إِلى قُلوبِهِمِ الهُلوعا
الواحدي: يقول إذا لم تغزهم بجيشك غزوتهم بالفزع فلا يزالون خائفين منك جزعين
٣٦رَضوا بِكَ كَالرِضا بِالشَيبِ قَسراً
وَقَد وَخَطَ النَواصِيَ وَالفُروعا
الواحدي: أي صبروا على الذل لك كارهين كما يصبر الإنسان على الشيب إذا جلل رأسه
٣٧فَلا عَزَلٌ وَأَنتَ بِلا سِلاحٍ
لِحاظُكَ ما تَكونُ بِهِ مَنيعا
الواحدي: العزل مصدر الأعزل وهو الذي لا سلاح معه ويقال منع الرجل يمنع مناعة فهو منيع يقول إذا كنت بلا سلاح قامت لحاظك ونظرك مقام السلاح لأنك إذا نظرت إلى عدوك قتلته هيبة لك فقامت لحاظك مقام سلاحك فصرت به منيعا والهاء ي به تعود إلى ما كأنه قال لحاظك الشيء الذي تكون به منيعا
العكبري: الْغَرِيب الأعزل الذى لَا سلَاح مَعَه والعزل مصدر الأعزل وَمنع الرجل يمْنَع مناعة فَهُوَ منيع الْمَعْنى يَقُول إِذا كنت أعزل بِلَا سلَاح فلحاظك يقوم مقَام السِّلَاح لِأَنَّك إِذا نظرت إِلَى عَدوك خافك هَيْبَة لَك فصرت منيعا بِهِ فَلَا تحْتَاج مَعَه إِلَى سلَاح // وَهَذِه مُبَالغَة // وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الآخر (لَحَظاتُ طَرْفِكَ فِى الْوَغَى ... تُغْنِيكَ عَنْ سَلّ السُيوفِ) (وَعَزِيمُ رأيِكَ فِى النُّهَى ... يَكْفِيكَ عاقِبَةَ الصُّرُوفِ) (وَسُيُولُ كَفِّكَ فِى الْوَرَى ... بَحْرٌ يَفِيضُ عَلى الضَّعِيفَ)
٣٨لَوِ اِستَبدَلتَ ذِهنَكَ مِن حُسامٍ
قَدَدتَ بِهِ المَغافِرَ وَالدُروعا
الواحدي: يصفه بالذكاء وحدة الفطنة حتى لو أخذها بدلاً من الحسام لقطع به المغافر والدروع على الأعداء
العكبري: الْغَرِيب المغافر جمع مغفر وَهُوَ مَا يكون على رَأس الْفَارِس من حَدِيد وَهُوَ من الغفر وَهُوَ التغطية والدروع جمع درع وَهُوَ مَا يكون على الْفَارِس من حَدِيد وَغَيره الْمَعْنى يَقُول لَو أخذت ذهنك بَدَلا من حسامك لقطع المغافر الَّتِى على الرُّءُوس والدروع الَّتِى على الْأَجْسَام يصفه بالذكاء والفطنة وحدة الذِّهْن
٣٩لَوِ اِستَفرَغتَ جُهدَكَ في قِتالٍ
أَتَيتَ بِهِ عَلى الدُنيا جَميعا
العكبري: الْمَعْنى يَقُول جهدك أى طاقتك لَو استفرغته فى قتال لأتيت على أهل الدُّنْيَا كلهم
٤٠سَمَوتَ بِهِمَّةٍ تَسمو فَتَسمو
فَما تُلفى بِمَرتَبَةٍ قَنوعا
الواحدي: قوله فتسموا يجوز أن يكون خطابا للممدوح أي كلما سمت همتك أزددت علوا ويجوز أن يكون خبرا عن الهمة يقول سموت بهمة وتلك الهمة تسمو بك أبدا فتسموا ولا تقنع بنيل مرتبة
العكبري: الْغَرِيب تسمو تعلو وتلفى تُوجد وَمِنْه قَوْله ﷾ ﴿مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ الْمَعْنى قد علت همتك فآنت لَا تقنع بمرتبة وَاحِدَة وَقَوله ﴿فتسموا﴾ يجوز أَن يكون خطابا لَهُ وَيجوز أَن يكون خَبرا عَن الهمة
٤١وَهَبكَ سَمَحتَ حَتّى لا جَوادٌ
فَكَيفَ عَلَوتَ حَتّى لا رَفيعا
الواحدي: يقول إحسب أن جودك محى اسم الجواد عن الناس فكيف محا ارتفاعك اسم الرفيع عن كل شيء والألف في رفيعا ليس بدلا من التنوين لأن لا تنصب النكرة بغير تنوين
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.