من «الإبانة عن سرقات المتنبي» لأبي سعد العميدي (ت ٤٣٣هـ)
الجزء الثاني
﷽
على الله ﷿ توكلي.
لأبي أحمد الخراساني رحمه الله تعالى من قصيدة له:
فكم مهمهٍ قد جبته بعد مهمهٍوكم مسلك وَعْر وكم مسلك قَفْر
يلين بعزمي كلُّ صَعب أرُومُهوهل خَطْبُ دهر لا يُهَوِّنه صبري
قال المتنبي:
قد هوّن الصبر عندي كل نازلةولَيَّن العزمُ حدّ المرْكَب الخشن
لبشر بن هدبة الفزاري:
أرى الحربَ في عينيّ مثلَ عقيلةيُؤَنّسُني غِشيانُها وعناقُها
ومن لؤم طبع الجاهلين اجتنابهمورودَ المنايا وهي أريٌ مذاقها
قال المتنبي:
يرى الجبناءُ حبَّ الموتِ جهلاوتلك خديعة الطبع اللئيم
للمعوّج الرقي:
يُفنى المواهب كي تبقى محامدهويُخْلص الجودَ من مَنٍّ ومن كدر
تلقاه إن وهب الدنيا بأجمعهالسائل خَجِلا في زيّ معتذر
قال المتنبي:
إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذىفلا الحمد مكسوباً ولا المال باقيا
لسابق البربري:
جني السفيهُ جناياتٍ فحلّ بمنلم يجنها ما أحل الشيبُ باللّمَمِ
وللجهالة عَدْوى يستضرّ بهاذو العقل إن لم يُجَانِب موضع التهم
قال المتنبي:
وجرم جرّه سفهاء قومفحلّ بغير جانيه العقاب
وأفصح من هذا قول ابن كعب:
جانيك من يجني عليك وقديُعدى الصحاحَ مباركُ الحُرب
وهذا كلام متداول مأخوذ من قول الله تعالى: (أتهلكنا بما فعل السفهاء)؟
للناشئ من قصيدة له:
من يحتمل ثقل من يأتيه معتفياًلم يتّجه نحوه ذم ولم يُعَب
ومن عَلَت في اكتساب المجد همتُهولم يساعده جَدّ بات في تعب
قال المتنبي:
وأتْعبُ خلق الله مَنْ زاد همّهوقَصّر عما تشتهي النفس وُجْدُه
لمطيع بن إياس الكندي يهنئ جعفر بن أبي جعفر المنصور عند بُرْئه من علته:
يا بن الجحاجحة القروم السادةِ الغرِّ الكرام
والمستضاء برأيهوبوجهه وابن الإمام
لا تشك عارض علةولي ولم يك ذا عُرام
فالله جَلّى ما تراكم من سحائبها العظام
وكساك عاجل صحةوسلامة طولُ السقام
والبدر يكسبه المحاق سنا الإضاءة والتمام
للبحتري في عبد الله المعتز في حبسه:
وقد هذبتك الحادثات وإنماصَفَا الذّهَبُ الإبريز قبلَكَ بالسَّبْك
قال المتنبي:
لعل عَتْبَكَ محمودٌ عواقبُهفربما صَحت الأجسامُ بالعلل
لعبيد الله بن طاهر بن الحسين الخراساني:
إذا كَرُمت نفسُ الفتى عَفَّ قلبهوساعده عيناه واليد والفم
وغير جميل أن يُرَى المرءُ مُطْرِقاًوفي قلبه نار من الشر تَضْرَم
قال المتنبي:
وإطراق طرف العين ليس بنافعإذا كان طرفُ القلب ليس بمطرق
طرف القلب من اللفظ البارد العامي.
لبشار بن برد:
تنفست شوقاً كلما ذكروا نجداًولم يَرْقَ دمعي بَعْدَ بُعْدهم وَجْدا
إذا جمع الإنسان رأياً ونجدةونفسا عزوفاً ساد واحتقب المجدا
ورب امرئ يُكْفَى قِتَالَ عدوهبآرائه والسيف ما فارق الغمدا
ثم يقول في آخر القصيدة:
فما زلت ذا رأي تحوز به العلاولا زلت عن عقل تشيد به مجدا
قال المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعانهو أوّل وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرّةبلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانهبالرأي قبل تطاعن الأقران
قد لمح هذه الأبيات المتنبي، فألتقط جواهرها ونظمها في قصيدة (في عقد).
لأبي العتاهية:
بدني ناحل وصبري بدينواعتزامي ماض وجسمي حسير
ومن الموت قد سلمتُ ولكنبعد هذا إلى الممات أصِيرُ
يا خليلي كيف يخدعني الدهر وإني به بصير خبير
سَقيِّاني من قبل أن يتقضىأملٌ ارتجى وعمرٌ قصير
قال المتنبي:
فإن أمْرَض فما مرض اصطباريوإن أحْمَمْ فما حمَّ اعتزامي
وإن أسلم فما أبقى ولكنسلمت من الحمام إلى الحمام
تمتع من سهاد أو رقادولا تأمن كرىً تحت الرجام
فإن لثالث الحالين معنىسوى معنى انتباهك والمنام
لمهيرِ بن العبدي جد أبي هفان في قصيدة يعزّى بها صديقاً له:
تَسَلّ ولا تحزن عليه فإننيأرى الحزن يُرْدى الجسم عند التهجم
وسَرِّ فللنفس الشريفة نفرةعن الجسم لولا الإلف لم تتلعثم
قال المتنبي:
إلف هذا الهواء أوْقَع في الأنفُسِ أنّ الحمامَ مُرّ المذاق
لأبي جعفر محمد بن بشير البصري المعروف بزريق:
فلا تحسبوا الإقتارَ عاراً عليكموأعداؤكم مُثْرون بين المحافل
كذا عادةُ الدهر الخئونِ ولم يزليُخَلّط في الأحكام حقّاً بباطل
رأيت الغنى عند الأراذل محنةعلى الناس مثلَ الفقرِ عند الأفاضل
قال المتنبي:
والغنى في يد اللئيم قبيحمثل قبح الكريم في الإملاق
بانت سعاد وكانت بيضةَ البلدِفقلت قد فارقت روحي من الجسد
يا أكرمَ الناسِ أخلاقاً وأوفرَهمعقلا وأسبقَهم فيه إلى الأمد
أصبحت أفضل من يمشي على قدمبالرأي والعقل لا بالبطش والجلد
لئن ضَعُفْت وأضناك السقامُ فلمتضعف قوى عقلك الصافي ولم تمد
لو كان أفضل ما في الخلق بطشهمدون العقول لكان الفضل للأسد
وإنما العقل شيء لا يجود بهللناس غيرُ الجواد الواحد الصمد
قال المتنبي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغمأدنى إلى شرف من الإنسان
لابن إدريس الأعور وهو من أولاد مروان بن أبي حفصة مولى بني أمية يرثي عبد الله ابن طاهر:
أجيلُ طرفي فما ألْقى سوى جَدَثٍوَأرَى محاسنَ ذاك المنظر البهج
وتربةٍ ما رأتها عينُ غانيةإلا سَخَتْ بدم بالدمع ممتزج
وسوّدَتْها بنِقسٍ بعد غاليةوبدّلت حمرة التفاح بالسبج
قال المتنبي:
وأبرزتِ الخدورُ مُخبَآتيَضَعن النِقسْ أمكنة الغوالي
لمروان بن سعيد من أولاد المهلب بن أبي صفرة من غلمان الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى:
نَظَرتْ بعَينَي جؤذر، فتقطعتكبدي عليها ساعَةَ الإعْراض
لهوى القلوب سريرة مكتومةما إن تبينُ كسائر الأعراض
قال المتنبي:
لهوى القلوب سريرةٌ لا تُعْلمُعَرَضاً نظرت وخلت أني أسْلَمُ
لبكر بن النطاح وكان يخدم أبا دلف العجلي (مليح الشعر).
ولو لم يكن في كفه غير روحهلجاد بها فليتق الله سائله
ولبشار بن برد:
ويسبق إنجازُه وعدَهوليس يحيل على باطل
يرى أنه أبخلُ الباخلينإذا جاد بالرّوح للسائل
ومبتسمٌ ضاحكٌ وجههُإذا صال كلُّ فتىً باسل
ومستحقر معضلاتِ الأمورفلا يرجع الطرفَ عن هائِل
قال المتنبي:
إنك من معشر إذا وَهَبواما دونَ أعمارهم فقد بَخِلوا
وأخذ مصراعَ بشار في قصيدته:
إلامَ طَماعيةُ العاذل
فقال:
فلا يزعُ القلب عن مُقْدَمولا يَرْجِعُ الطَّرفَ عن هائل
إلا أنه جنّس وما قصر.
لأبي نواس:
ملك تَصَوّر في القلوب مثالُهفكأنه لم يخلُ مِنه مَكَان
كثير عزة:
أريد لأنْسى ذِكرَها فكأنماتَمَثل لي ليلى بكل مكان
قال المتنبي:
صدق المخَبِّرُ عنك دونَكَ وصْفُهمن بالعراق يراك في طَرْسُوسَا
وقال أيضاً في موضع آخر:
هذا الذي أبصرتَ منه حاضراًمثلُ الذي أبصرتَ منه غائبا
هذا فصل الخطاب الذي قال عنه أبو سعيد.
أبو تمام:
تعود بَسْطَ الكفّ حتى لو أنهأراد انقباضاً لم تطعه أنامله
ابن الرومي:
تعودَّتِ المواهبَ والعطاياأناملُ فيضُ راحتِها انسجامُ
فليس لها عن الحمد انفراجوليس لها على المال انضمام
قال المتنبي:
عجبا له حفظ العنان بأنملما حفظها الأشياء من عاداتها
فأفسد اللفظ والمعنى جميعاً.
لأبي العكوك في طاهر بن الحسين:
عجبت لحرّاقة ابن الحسينكيف تعوم ولا تغرق
وبحران من تحتها واحدٌوآخرُ من فوقها مُطْبِق
وأعجب من ذاك عيدانهاوقد مسّها كيف لا تُورقِ
ولأبي البيداء:
هو المشترى الحمدَ الجزيلَ بمالهوفي يده للسّائلين سحاب
ولو مَطرت كفّاه أرضاً لأخصبتوأوْرق صفوانٌ عليه تراب
قال المتنبي:
وعجبت من أرضٍ سَحابُ أكُفِّهممن فَوْقِها وصخورُها لا تورق
لأبي عيينة المهلبي:
وقلت لأصحابي هي الشمسُ ضوءهاقريبٌ ولكنْ في تَنَاوُلها بُعْدُ
الخبزأرزي:
هو البدر مبسوط على الأرض نوره
البحتري:
عطاءٌ كضوء الشمس غَمْر فَمَغرِبٌيكون سواءً في سناه ومَشْرِقُ
قال المتنبي:
كالبدر من حيث ألتفَتَّ رأيتَهيُهْدى إلى عينيك نوراً ثاقبا
أبو تمام:
ومن خدم الأقوام يرجو نَوالَهمفإنّي لم أخْدُمْك إلا لأخْدما
قال المتنبي:
وما رغبتي في عسجد أستفيدهولكنها في مَفْخَر أستَجدّه
وأعاد أيضاً فقال:
فسرت إليك في طلب المعاليوسار سواي في طلب المعاش
ولم يسمع بلفظ عامي أسخف من هذا:
ابن المعتز:
وأرى الثريا في السماء كأنهاخُرُدٌ تبدّت في ثياب حداد
للمعوج الرقي:
كأن بنات نعش حين لاحتنوائحُ واقفاتٌ في حداد
قال المتنبي:
كأنّ بناتِ نعشٍ في دجاهاخرائدُ سافراتٌ في حداد
لبشار بن برد:
وظنّ وهو مُجِدّ في هزيمتهما لاح قدّامه شخصاً يسابقه
أبو نواس:
فكل كفّ رآها ظنها قدحاًوكل شيء رآه ظنّه الساقي
قال المتنبي:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهمإذا رأى غير شيء ظنه رجلا
هذا المعنى هو السحر الحلال الذي رزقه وحرمه غيره.
لأبي المستورد:
حلّ المشيب بمفرقيفكأنه سيف صقيل
أقبح بضيف قال ليلما أتى قَرُب الرحيل
قال المتنبي:
ضيف ألمّ برأسي غير محتشموالسيف أحسن فعلا منه باللّمم
وقد سبق إلى هذا المعنى البحتري فأجاد وأحسن حيث قال:
وددت بياض السيف يوم لقيتنيمكان بياض الشيب حلّ بمفرقي
وله أيضاً:
سماحاً وبأساً كالصواعق والحياإذا اجتمعا في العارض المتراكم
قال المتنبي:
فتى كالسحاب الجون يرجى ويتقىيرجّى الحيا منه وتخشى الصواعق
أبو تمام:
عطاء لو اسطاع الذي يستميحهلأصبح من بين الورى وهو عاذله
قال المتنبي:
وكنت أعيب عَذْلا في سَمَاحٍفها أنا في السماح له عذول
الخليع الأكبر:
وخير بلاد الله عندي بلدةأنال بها عِزّاً وأحوى بها حمدا
البحتري:
وأحب أقطار البلاد إلى الفتىأرض ينال بها كريم المطلب
قال المتنبي:
وكل امرئ يُولى الجميل محببٌوكلُّ مكان يُنبت العزَّ طيب
أبو زرعة الدمشقي:
في محل بين الوصال وبين الهجر أرجو طوراً وطوراً أخاف
قال المتنبي:
وأحلى الهوى ما شَكَّ في الوصل رَبُّهوفي الهجرِ فهو الدهْرَ يرجو ويَتَّقى
النابغة الجعدي:
وتُنكر يوم الروع ألوانَ خيلنامن الطعن حتى تحسب الجون أشقرا
لأبي المهاجر البجلي الكوفي:
وخاضت عِتاقُ الخيل في حومة الوغىدماء فصارت شهبُ ألوانها دهما
قال المتنبي:
جَفَتْنى كأنّي لست أنْطَقَ قَومِهاوأطعَنَهم والشهبُ في صورة الدُّهم
قال أبو نواس:
وإذا المطيّ بنا بلغن محمداًفظهورهن على الرجال حرام
قال المتنبي:
وتعذُّرُ الأحرارِ صَيَّر ظَهرهاإلاّ إليك عَلىَّ فرجَ حرامِ
قال الأسيلي:
غزا ابن عمير غزوةً تركت لهثناءً كريح الجورب المتعَرّق
قال المتنبي:
تستغرق الكَفُّ فَوْديه وأخدعهوتكتسي منه ريحَ الجورَبَ العَرِق
لوزير العروض (مولى طيفور).
قد صار قلبي وإن أذْواه بُعدُكمقلبَ امرئ بخلوص الود مرتهن
لو كان رأيي صحيحاً ما وثقت بكموالحبُّ يفسد رأيَ العاقل الفَطِنِ
قال المتنبي:
ولا أرى في الحبّ للعاقل
لقدامة بن موسى الجمحي:
شجاع يرى الإحْجَام كُفراً فيتقىوسمح يرى الإفضال فرضاً فيفضل
وما يتناهى القوم في وصف مدحهولكنني أبغي اختصاراً فأجمل
قال المتنبي:
هو الشجاعُ يَعُدّ البخلَ من جُبُنوهْوَ الجوادُ يَعُدّ الجبنَ من بَخَل
ولقدامة أيضاً في هذه القصيدة يصف القلم:
وأصفَرَ يَخْفى شخصه مِنْ نحولهيداوى كما يُدْوي ويقضي فيفصل
يخب بلا رجل ويسطو بلا يَدٍويبكي بلا عين ويدري ويجهل
قال المتنبي ونقله إلى صفة الموت:
وما الموت إلا سارق دَقَّ شَخْصُهيصول بلا كفّ ويسعى بلا رجل
للمراغي يمدح زهير بن بلال بعد ما هجاه:
قد جمع الفضل وكم صورةٍواحدةٍ تجمع أوصافا
يستقبل الضيف بترحيبهويسلف السؤَّال إسعافا
قال المتنبي:
ومن اللفظ لَفْظةٌ تجمع الوصفَ وذاكَ المطَهَّمُ المعروفُ
لعثمان بن عمارة الخزيمي:
لا تطلب العزّ إلا بالحسام وذرعُذْرَ الجبانِ وما يأتي به القدر
فالمرء ما لم ينل مما يحاولهبعضَ المرادِ فصافى عيشِه كَدَرُ
قال المتنبي:
وما الحياةُ ونفسي بعدَ ما عَلِمَتْأنّ الحياةَ كما لا تشتهي طَبَعُ
لرزين العروضي من قصيدة أولها:
جرت دموعي فصَدّتْني عن النظرلم أقض منها لباناتي ولا وطرى
إلى أن يقول فيها:
ولا جناح على وافٍ بذمتهما لم يخن صاحباً في السمع والبصر
الله يعلم أنى مذ خلوت بهالم أبغ ما الذنب فيها غير مغتفر
مع اقتداري عليها ما مسست لهاثوباً بفاحشة في النوم والسهر
قال المتنبي:
يردّ يداً عن ثوبها وهو قادرويعَصِى الهوى في طيفها وَهْو راقد
لإبراهيم البنديجي الكاتب في قصيدة له يمدح الحسن بن وهب، وقد مدحه كثيراً، ثم هجاه.
أرى آل وهب في المكارم سادواوقد فعلوا فعل الكرام وزادوا
أحاول أمراً والقضاء يعوقهفبيني وبينَ الدهرِ فيه طِرادُ
ولولا الذي حاولتُ صعباً مَرامُهلساعدني قوم عليه شِدَادُ
قال المتنبي:
أهم بشيء والليالي كأنهاتطاردني عن كونه وأطارد
وحيد من الخلان في كل بلدةإذا عظم المطلوب قل المساعد
أبو تمام:
أيا ويل الشجيّ من الخليّويا للدمع من إحدى بليّ
لمحة بن أبي الرعد، وقد كان ينتحل شعر ابن الرومي أيام حياته، ويتكسب به، وابن الرومي يهجوه دائماً ويسبّه، فقال في قصيدته التي يذكر فيها حديث صاحب الزنج:
لقد عاود الجفنَ العليلَ سباتُونيلت من القومِ اللئامِ ترات
فساق إليه الله من آل هاشمشجاعاً له يوم الفِرار ثَبات
فجرّعه كأساً من الموت مرّةوفي قتله للعالمين حياة
وأبو تمام والبحتري سبقا إلى هذا المعنى في قصائد كثيرة تعريضاً لا تصريحاً. وللناشئ وهو أوضح وأفصح من قصيدة:
إليكم بني العباس عنى فإننيإلى الله من ميلي إليكم لتائب
تركتم طريق الرشد بعد اتضاحهوأقصتكم عنه ظنون كواذب
سيظفر أهل الحق بالحق عاجلاوتُبعدكم سُمْر القنا والقواضِبُ
أترضون أن تُطْوَى صحائفُ عُصبةكرامٍ لهم في السابقين مراتب
ألم تعلموا أن التراثَ تراثهُموهم أظهروا الإسلامَ والكفرُ غالبُ
فلا تذكروا منهم مثالب إنمامثالبُ قومٍ عند قوم مناقِب
قال المتنبي:
بذا قضت الأيام ما بين أهلهامصائب قوم عند قوم فوائد
لأبي جعفر محمد بن يزيد الجزري، خدم موسى بن عيسى وعاتبه ومدحه وهجاه بأبيات منها:
استغن بالعلم إن أصبحت مفتقراًفالعلمُ ما عشتَ لا تَبْلى جلالته
وهل يذِلُّ امرؤٌ والعقلُ مَرْكَبُهأم هل يضيع فتىً والعلمُ آلته
رذيلة النفس عقلُ المرءِ يسترهاكما الفضيلةُ تطويها جهالته
وهذه كلها أبيات مختارة.
قال المتنبي:
فإن قليل الحب بالعقل صالحوإن كثيرَ الحبِّ بالجهل فاسد
لأبي بكر بن إبراهيم الفقيه المعروف بمكيكة صاحب أبي العيناء وإبراهيمَ بن المدبر يُعِزّي:
يا من رماه الدهرُ عن قوسِهبأسهمٍ عاقِرُها قاتل
من ذا الذي لم يُصْمِه سَهْمُهيوماً ولم ينزل به نازل
صبراً وإن حُمِّلْت من ثقلهأعباَء لا يحملها الكاهل
يستقبل العاقلُ صرْفَ الرّدىبمثل ما يستدبر الجاهل
قال المتنبي:
إذا استقبلت نفسُ الكريم مُصَابَهابخُبْثٍ ثنت فاستَدْبرتْه بِطِيب
وهذا متكلف جدَّا والأول أملح وأوضح.
لأبي بكر المعروف ببرمة النحوي يقول في أبيات له:
ولست أشكو اعتلالي في محبتكمأنا القتيل فما خوفي من العلل
وهل أؤَمّل بُرْءاً من ضنى جسدٍتسوقه عِلَل تترى إلى الأجل
قال المتنبي:
والهجر أقتل لي ممن أراقبهأنا الغريق فما خوفي من البلل
التمثيل تمثيل الرجل لولا أنه غرق في بحر خرافته.
لبعضهم في أبيات معروفة ذكرها الأصبهاني في كتاب الأغاني من أبيات أولها:
سقى الله نجداً كلما ذكروا نجدافذكرى لأهليها يُهَيِّجُ لي وجدا
ومنها:
وما شرقي بالماء إلا تذكراًلبرد ثناياها وإن مُنِعَتْ وردا
قال المتنبي:
وما شرقي بالماء إلا تذكراًلماء به أهلُ الحبيبِ نُزول
لمحمد بن عيينة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي:
قوم يظنون الفناء بَقاءهميوم الوغى والهُلكَ في الإحجام
والموت يجفل عن صدور جيادهمإجفال سيّقة من الأنعام
قال المتنبي:
ضَرَبْتَهُ بصدور الخيل حاملةًقوماً إذا تَلِفُوا قُدْما فقد سَلِموا
تَجَفَّل الموج عن لَبَّات خيلهمكما تَجفَّلَ تَحتَ الغارةِ النَّعَمُ
لو سمع ابن عيينة بهذا لقال:
هذه بضاعتنا ردت إلينا.
للمخيم الراسبي:
سقطت جسومهم غداة لقيتهمبعد الثبات وطارت الأرواح
والجوّ من وقع السيوفِ وحرِّهافَيْحُ الجحيم وفي القلوب أحاح
قال المتنبي:
فكان أثبت ما فيهم جسومهميسقطن حولك والأرواح تنهزم
إذا توافقت الضربات صاعدةتوافقت قمم في الجو تصطدم
لمعبد بن طوق البصري وهو شاعر مجيد ذكره المرزباني في جملة الشعراء المجيدين المفحمين من قصيدة له:
دعوت بالسيف أجساماً عصت فجرىقبل الجواب دمٌ يستصغر الدّيَما
يا من أعَدّ لتمهيد الممالك إنخَطْبٌ عرا ولصرف الدهر إن دَهِما
سيفاً بحدّيه أمرُ الملكِ منتظمٌلا يستحيل وشكراً يُثْبِت النِّعَما
بقيت ما شئت والأعداء فانيةمن قبل أن يكبروا أو يبلغوا الهرما
ومنها:
وكنت أحسب ما بيني وبينكممن الصداقة قربى توجب الذمما
قال المتنبي وقد لمح هذا البيت في قوله:
لا يأمُلُ النَّفَسَ الأقصى لمهجتهفَيَسرقُ النَّفَسَ الأدنى ويغتنم
وأخذ البيت الآخر بقوله:
مقلداً فوقَ شُكْر الله ذا شُطَبلا تُسْتدام بأمْضَى منهما النّعم
والبيت الآخر بقوله:
ألقت إليك دماءُ الرومِ طاعَتَهافَلَوْ دعوْتَ بلا ضَرْب أجابَ دمُ
والبيت الآخر بقوله:
يسابق القتلُ فيهم كلَّ حادثةفما يصيبهم موتٌ ولا هَرَمُ
نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
للمعوج الرقي:
قد أتتني من بني العباس يوم المهرجان
خلع تثنى عليه الدهرَ من غير لسان
لم يزل من نائبات الدهر في ثوب أمان
قال المتنبي:
تُنشد أثوابُنَا مدائحَهُبألْسُنٍ ما لهن أفواه
أبو العتاهية:
إذا اغتاظ لم يقلق وإن صال لم يحموإن قال لم يهجر ولم يتأثّم
قال المتنبي:
وأوْحَدَتْه وما في قلبه قلقٌوأغْضَبَتْهُ وما في لَفْظِه قَذَعُ
لأبي نُخيلة السعدي وهو الملقب بأبي الجنيد وأبي الفراس وأمه عجمية وهو راجز يمدح في أرجوزة له طويلة:
حَلَلْتَ فوق الشمس في السناءترغب في الحمد وفي الثناء
كم قلعةٍ في صخرة صَمَّاءفتحتها بالعزم والدّهَاء
والرأي والفطنة والذكاءوصارم أمضى من القضاء
ذي شطب مَوْشِيّة خشناءتحكي مدبّ النمل في الخفاء
ثم يصف الحرب فيها:
والطيرُ في الملحمة القتماءحائمةٌ عوداً على إبداء
تكاد أن تغيب في السماءكأنها كواكب الجوزاء
إذا رأت معترك الهيجاءومصرع الأبطال في الفضاء
وكثرة القتلى لدى اللقاءهوت إلى الأرض من الهواء
تحسبها الرّجومَ في الظلماءتنهش فيها جثث الأعداء
من شدة الحرص على الغذاءوكثرة الشرب من الدماء
تكاد أن تطمع في الأحياء
وإنما جئت بهذه الأرجوزة لحسنها، ولما رأيت المتنبي سرق منها في قوله:
يُطَمّع الطيرَ فيهم طولُ أكلهمحتى تكادَ على أحيائهم تقع
وفي قوله:
من كان فوق محل الشمس موضعهفليس يرفعه شئ ولا يضع
لابن الرومي من قصيدة دالية مطولة يمدح بها صاعداً:
بجهل كجهل السيف والسيف منتضىًوحلم كحلم السيف والسيف مغمد
قال المتنبي:
له من كريم الطبع في الحرب منتضومن عادة الإحسان والصفح غامد
لأبى راسب البجلى، ودعبل يروى شعره. قال في قصيدته المعروفة:
ولولا انتقادُ الدهر لم يَكسْ قاسماًجلالا ولم يسلب سواه المعاليا
قال المتنبي:
ولما رأيت الدهر دون محلهتيقنت أن الدهر للناس ناقد
ولأبي راسب أيضاً في قصيدته التي أولها:
بكيت فلم أطلب معيناً ومسعداًوأنكرت ربع الدار لما تأبّدا
ولو كنت تحوى عمر من قد نهبتهبسيفك في الدنيا لكنت مخلّدا
قال المتنبي:
نهبت من الأعمار ما لو حويتهلهنِّئتِ الدنيا بأنك خالد
البحتري:
أرى الحلم بُؤْسَي في المعيشة للفتىوما العيش إلا ما حباك به الجهل
قال المتنبي:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمنيخلو من الهم أخلاقهم من الفطن
لبعضهم:
ويبتسمون عن البارقاتإذا المرء عن ناجذيه أبتسم
ويحتلمون بفتح البلادإذا غيرهم بالنساء أحتلم
قال المتنبي:
قوم بلوغ الغلام عندهمطَعْنُ نحورِ الكماةِ لا الحُلُم
لمبشر بن هذيل الفزاري من قصيدة له:
إني امرؤ ليس يثني عزمتي فشلعما أؤمل فيه النصر والظفرا
أسرى بليل كأني السرّ يكتمنيظلامه فإذا أصبحت قد جهرا
قال المتنبي:
وكنتُ إذا يممتُ أرضاً بعيدةسَرَيْتُ فكنتُ السرَّ والليلُ كاتمه
المعوّج الرقي:
يا من به تمت المعاليوما له في الجلال ندّ
أيامه كالربيع حسناًلو أن زهر الربيع ورد
قال المتنبي:
لو كنت عَصْراً مُنْبتاً زَهَراًكنتَ الربيعَ وكانت الوَرْدا
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسلم الأنصاري:
يا قاتَلَ اللهُ قوماً عن مساءتهمنمنا فما غفلوا عنا ولا ناموا
وليلة سَتَرَتْ سِرّى حنادسُهاحتى افترقنا وضوءُ الصبح نمّامُ
صدّت فأذرت دموعاً وهى منشدةويلي على العمر إن العمر أحلام
قال المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع ليوانثنى وبياض الصبح يغري بي
الخبزأرزي:
كم جاهل وادع في عيشه فرحوعاقل شفّه الإقتار والتعب
يرى الغنى عند قوم لا غَنَاء لهموالجَدُّ ينفرُ ممن عنده الأدب
دعبل:
وقد علمتُ وما لي ما أعيش بهأن التي أدركتني حرفة الأدب
الحمدوني:
إن المقدّم في علم بصنعتهأنّى توجّه منها فهو محروم
قال المتنبي:
وما الجمع بين الماء والنار في يديبأصعب من أن أجمع الجدّ وألفهما
للعوني:
كم هموم كشفتها بكلاممؤيس مطمع له أشياع
وخطاب لو كان شتماً صريحاًما نبت عن سماعه الأسماع
المتنبي:
وأسمع من ألفاظِه اللُّغَةَ التييَلَذُّ بها سمعي وإن ضُمّنَتْ شَتْمي
بشار بن برد من قصيدته المشهورة التي تقدمت:
إذا ما اجتداه مُجْتدٍ قلت ما لهشقي ثمود ريع من صيحة البكر
للمستهل بن الكميت الأسدي:
يَرَى البحرُ بحراً من عطاياه مُزْبِداًفيعجب من آذيّه المتدفق
وينعب في أمواله جود كَفّهنعيب غراب البين يوم التفرق
قال المتنبي:
مالٌ كأنّ غرابَ البين يرقُبُهفكلما قيل هذا مجتَد نَعَبا
أبو العتاهية:
شيم فتحت من المجد ما قدكان مستغلقاً على المُدّاح
قال المتنبي:
وعلّموا الناس منك الجود واقتدرواعلى دقيق المعاني من معانيكا
أبو تمام:
أحدّ اللفظ ينطق عن سواهفيُفْهم وهو ليس بذي سماع
المتنبي:
يمجُّ ظلاماً في نهارٍ لسانُهويُفْهم عمن قال ما ليس يَسْمَع
الحسن بن مالك مؤدب العباس بن المأمون (وهو أبو العالية الشامي):
أنارت بك الأوقات حتى تبسمتورقت حواشيها وطاب نسيمها
فخذ ما صفا منها وعش في سعادةفليس بباق لهوها ونعيمها
المتنبي:
أنْعَمْ ولَذَّ فللأمور أواخرٌأبداً إذا كانت لهن أوائل
وقال أيضاً:
لقد حسنت بك الأيام حتىكأنك في فم الدهر ابتسام
أبو العتاهية:
إن المطايا تشتكيك لأنهاقطعت إليك سباسباً وقفارا
المتنبي:
قُصدتَ من شرقها ومغربهاحتى اشتكَتْك الركاب والسُّبل
أبو تمام:
يوم أفاضَ جوىً أغاض تعزّياًخاض الهوى بحري حجاه المزبد
المتنبي:
وكلما فاض دمعي غاض مُصْطبريكأنّ ما فاض من جفنيّ من جلدي
وللحسن بن داود الجعفري في هذا المعنى وهو أطبع وأملح:
جرت عبرتي فاستجرت الصبر والأسىففاضا جميعاً وأشتكى خَطْبَها القلب
سأبكى ولو أبكي دماء لأن ليلهيبَ جوىً بين الجوانح لا يخبو
سعيد الخطيب كان في أيام المعتصم مطبوع الشعر:
تسرى بنا أرحبيات مذللةمثلُ القداح سليماتٌ من العلل
يطوين كل فلاة لا أنيس بهاطيّ الليالي مع الأيام للأجل
قال المتنبي:
من بَنَات الجديلِ تمشى بنا في البيد مَشْىَ الأيام في الآجال
لجرير:
إن كان شأنُكم الدلالَ فإنهحَسَنٌ دلالُكِ يا أميم جميلُ
قال المتنبي:
وأرى تدلّكِ الكثيرَ مُحَبَّباوأرى قليل تَدَلُّلٍ مملولا
للسيد الحميري:
وعصبة فتشت عني وعن حسبيفزادها حسَداً بحثٌ وتفتيشُ
تخفى على أغبياءِ النّاس مَعْرفتيأنّي النهار وهم فيه الخفافيش
قال المتنبي:
وإذا خفيت على الغبيّ فعاذرألاّ تراني مقلة عمياء
قيس بن ذريح:
فما هو إلا أن أراها فجاءةفأسكت حتى ما أكاد أجيب
لغيره:
وإذا بدا منع الشكاية حبُّهوبقيت منقطعاً كأني أبكم
المتنبي:
الحب ما منع الكلام الألسنا
وأما قوله: وألذّ شكوى عاشق ما أعلنا. فمن قول أبى نواس:
ولا خير في اللّذّاتِ من دونها سِتْر
ابن الرومي:
لا تغفلوا عن أعاديكم فإن لهمظلماً يبين لكم في القول والعمل
وما الرسائل في الأعداء مغنيةعن السيوف وأطراف القنا الذبل
قال المتنبي:
وهل تغنى الرسائل في عدوإذا ما لم يَكُنّ ظُباً رِقاقا
العطوي:
وإني امتحنت الناسَ طرّاً فعِفْتهممَوَدّتُهم ممزوجةٌ بنفاق
فما وثقت نفسي بهم وتركتهموما فيهم مجني وطيبُ مذاق
الخبزأرزي من قصيدة له:
لا يخدعنك فودُهخدع ومذهبه نفاق
ما إن تظل على كذوب مثلِه السبعُ الطِّباق
قال المتنبي:
إذا ما الناس جرّبهم لبيبفإني قد أكلتُهمُ وذَاقا
فلم أر وُدَّهم إلا خداعاًولم أرَدِينَهم إلا نفاقا
العوني من قصيدة له:
يا صاحبيَّ بَعُدتما فتركتماقلبي رهينَ صبَابةٍ وتَصَابى
أبكى وفاَءكما وعهدَكما كمايبكى المحبّ مَعاهِد الأحباب
المتنبي في أول بيت من السيفيات:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسِمُهبأن تُسْعِدا والدمعُ أشفاهُ ساجِمه
والله لو أوقد الإنسان ألف شمعة ليستضئ بنورها إلى استنباط غوامض هذا البيت
مع قلة الفائدة فيه لصعب عليه، وهو معنى بيت العوني محمود بن الحسين الوراق الكوفي من قصيدة:
سيد طالَ وما فيوَعْدِه الصّادقِ طولُ
وله في الجود والمجدِ فروعٌ وأصولُ
سئمته البيض والسمر وملّته الخيول
فهو للأهوال في الحرب إذا اشتد حَمُول
جابر بن أحمد الشعباني، كان في أيام المعتصم يصف فرساً:
وأغرّ إلا أن باقي جسمهأمسى بسربَالِ الدُّجى مُتَقَمّصا
يمشى ويمرح في اللجام كأنهنشوانُ أطْرِب فاشتهى أن يرقصا
قال المتنبي:
طربت مراكبنا فخلنا أنهالولا حياءٌ عاقَها رَقَصَتْ بِنَا
أبو نواس:
فأجابني والسكر يُفْسِدِ نُطْقَهُبتلجلج كتلجلج الفأفاء
قال المتنبي:
يَتعثّرن بالرءوسِ كما مَرَّبتاءاتِ نُطْقه التمتام
للعوني من قصيدة له في أهل البيت رضي الله تعالى عنهم:
ألا مُسعِدٌ يَبْكى بشَجْوي فأننيلَمُسْتعذِبٌ مَاَء البكاء ومُسْتحلي
أحِبّ ابن بنتِ المصطفى وأزورُهزيارةَ مهجورٍ يحنُّ إلى الوصل
وما قدمي في سعيها نحو قبرهبأفضل منها رتبة مركز العقل
قال المتنبي:
خير أعضائنا الرءوسُ ولكنفضلتها بقصدك الأقدام
البحتري:
أغتنم فرصة من الدهر وأطربليس شيء من الجديدين باق
وزمان السرور يمضى سريعاًمثلَ طيبِ العِنَاق عند الفراق
قال المتنبي:
للهو آونة تمر كأنهاقُبَلٌ يزوّدها حبيب راحل
المنصور النمري:
رضيت بأيام المشيب وإن مضىشبابي حميداً والكريمُ ألوفُ
ولست أعاف الموتَ إن جاء زائراًوربّي لطيف بالعباد رءوفُ
قال المتنبي:
خلقت ألوفاً لو رحلت إلى الصبىلفارقت شيبي موجع القلب باكيا
الميّاس العابدي واسمه مهر بن النعم مخضرم:
ويومَ القادسية قد دعتناإلى تبديد شَمْلِهم دَوَاع
لقيناهم ونحن على عِتَاقتُجاري الريحَ حبّاً للقِراع
تجاذبنا الأعنة وهى تجريكأنا قابضون على أفَاع
فحكّمنا الأسنة في طُلاهموكايلناهم صاعاً بصاع
فلما أن ملكناهم عفوناوحسنُ العفوِ في كرم الطباع
وأبنا غانمين وليس يَحْظَىبما يرتاد ذو حزم مضاع
وإنما جئت بأكثر هذه الأبيات لحسنها.
قال المتنبي:
تُجاذِبُ فُرسَانَ الصّباحِ أعنّةًكأن على الأعْنَاقِ منها أفاعيا
ولا أقول إلا (من سَلّ سيفَ البغي قُتِلَ به).
لعبيد الله بن طاهر رحمه الله تعالى:
إن الفتوح على قدر الملوك وهمّاتِ الوُلاةِ وإقدامِ المقَاديم
لسليمان بن عيسى الكوفي:
وليس يَقْنَع ذو فضلٍ بمنْزلَةحقيرةٍ ولأهل الفضل أقْدار
ولعلي بن أمية الكاتب:
ولقد شُغِفْتَ ببذل مالِك في المفاخر والمغارم
شغف الأفاضل بالفضائل والأكارم بالمكارم
قال المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائموتأتي على قدر الكرام المكارم
البحتري:
تَعْنو له وزراءُ الملك خاضعةًوعادةُ السيفِ أن يَسْتَخدِم القَلَما
ابن الرومي وقد قلب المعنى وأجاد:
كذا قضى الله للأقلام مذ خلقتأنّ السيوفَ لها مذ أرْهِفَتْ خدم
قال المتنبي وعكس المعنى:
حتى رَجَعت وأقلامي قَوَائلُ ليالمجد للسيف ليس المجد للقلم
أكْتب بنا أبداً بعدَ الكتابِ بهفإنما نحن للأسيافِ كالخدم
وهذا النسخ لا السلخ:
البحتري:
أضرّت بضوء البدر والبدر طالعوقامت مقام البدر لما تغيّبا
الخبزأرزي:
وما حاجة الركب السراة إذا بدالهم وجهُهُ ليلا إلى طَلْعَة البدر
قال المتنبي:
وما حاجةُ الأظعانِ حولَكَ في الدجىإلى قمرٍ ما واجدٌ لك عادمه
لقد تكلف وتعسف.
لعمران بن حطان:
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفهما الناس بعدك يا مرداس بالناس
قال المتنبي:
إنما الناس حيث أنت وما الناس بناس في موضعٍ منك خال
بُكم الخرس أحسن من هذا النطق.
للعلوي الحمّاني:
أُعْدُد ثلاثَ خلالٍ قد جُمِعْنَ لههل سبّ من أحد أم سُب أو بخلا
لأبي عيينة المهلبي:
مُغْرىً بكسب المكرمات وابتناء المجد طَبّ
ما إن يَذُم ولا يُذَمّ ولا يَسُبّ ولا يُسبّ
قال المتنبي:
ولكن نفاها عنه غير كريمةكريم الثنا ما سَب قط ولا سُبّا
لبشار بن برد:
لا الطير تلقط حبّاً في سباسبهاولا تهب السوافي في أقاصيها
قال المتنبي:
تَصُدُّ الرياحُ الهوجُ عنها مخافةًوتفزَع منها الطيرُ أن تَلْقُطَ الحبّا
أبو تمام:
حَلّمتني زَعمْتُمُ وأرانيقبلَ هذا التَّحليم كنتُ حليما
محمد بن الفضل الجرجراي الكاتب:
أدينُ بالله لا أبْغي به بدلاومذهبي العدلُ والإفضالُ والجودُ
لا الحلم فيّ بديع أنني حدثالحلم في الشيب والشبان موجود
قال المتنبي:
فما الحداثةُ من حِلْم بمانِعَةٍقد يوجدُ الحلم في الشُّبان والشيب
لعلي بن جبلة:
قمر نَمّ عليه نورُهكيف يُخِفى الليلُ بدراً طلعا
الشعباني:
وإذا فزعتَ من الرّقيب فلا تَزُرفالبدر يفضح كلَّ ليلٍ مُظْلم
قال المتنبي:
أمن ازديارَكِ في الدجى الرُّقباءإذ حيثُ كنتِ من الظلام ضياءُ
أبو تمام:
مقيمُ الظنّ عندَكَ والأمانيوإن قَلِقَتْ ركابي في البلاد
قال المتنبي:
وأني عنك بعد غد لغادٍوقلبي عن فنائك غير غاد
أبو تمام:
وما سافرت في الآفاق إلاومن جدواك راحلتي وزادي
المتنبي:
محبّك حيث ما اتجهت ركابيوضيفك حيث كنتُ من البلاد
هذان البيتان يناديان في البوادي، ويستغيثان من المتنبي:
قال البحتري:
ولم أرَ في رَنْق الصَّرى لي موردافحاولْتُ وِرْدَ النيلِ عند احتفاله
وللكسروي:
وما أنا تاركٌ بحراً نميراوأطمعُ في الجداول والسّواقي
إذاً لجحدتُ ما أوْليتَنِيهمن النُّعمى ومُتُّ على النفاق
للعطوى:
أأمتاحُ من بئرٍ قليلٍ معينُهاوأقعدُ عن بحرٍ زُلالٍ مشاربُه
قال المتنبي:
قواصدَ كافورٍ تواركَ غيرهومَنْ قَصَد البحرَ استقَلّ السواقيا
لأبي حويه السكسكي:
ألا فاصطنعني وأطّرح كل مدّعٍيَبِن لك من يَشْأء ومن يتأخّر
أنا السيف إن جرّدتَه لضريبةٍتبيَّن منه في الغِرَارين جوهر
قال المتنبي:
وكن في اصطناعي مُحسِناً كمجَرّبٍيَبِنْ لك تقريبُ الجوادِ وشَدُّه
وما الصارمُ الهنديُّ إلا كَغيْرهإذا لم يُفارقْه النجادُ وغِمْده
للهرمزي من قصيدة يمدح بها أبا الحسن عبيد الله بن يحيى يقول فيها:
يبكى السحابُ إذا ابتسمت فلا ترىإلا ثَرىً يَندى وأرضاً تُخْصِب
(لبعضهم):
إذا ما رأيت ابتسامَ الأميرِفي الجدبِ فأبشر بصَوبِ المطر
قال المتنبي في تهنئة سيف الدولة ببرء من علة لحقته:
وَلاَحَ برقُكَ لي من عارِضَيْ مَلِكٍما يَسْقط الغَيثُ إلا حيثُ يَبْتَسِم
وهذا لمح منه:
تَبُلُّ خَدَّيَّ كلما ابتسمتمن مَطَرٍ برقُه ثناياها
لمحمد بن يحيى الأسدي يمدح ابن نوبخت عامل الخراج بكسكر يقول من قصيدة فيه:
لا انْقَضَى عمرُكَ يا مَنْما لجَدْواه انقِضَاءُ
أنت في الدهر ربيعٌلم يعاقبه شتاء
عش كما تهوى وللأعداء لا كانوا الفناءُ
قال المتنبي:
ما ينقضي لك في أيامه كَرَمٌولا انقضى لك في أعوامه عُمُرُ
ما الدهر عندك إلا روضةٌ أنُفٌيا من شمائله في دهره زَهَرُ
ومن كان له طبع صقيل عرف الفرق بين الطبعين.
ليحيى بن هلال العبدي يمدح الرشيد، من قصيدة:
حجب النقع أعين الخيل عنهمفهمُ من ثباتها في أمان
ضل فيها الدليل من هبوة القسطل لا يهتدي إلى النيران
قال المتنبي:
وأنّى اهتدى هذا الرسولُ بأرضهوما سكَنَتْ مُذْ سِرتَ فيها القساطل
لدعبل بن علي:
ولما وردنا ماء بيشة لم يكنتَكَدّرَ إلا من دماء الترائب
سقينا عتاق الخيل منه فلم تذقسوى مذقة لم تُرْوِ غُلّة شارب
للناشئ بن الحسن يرثى أهل البيت ﵈:
منعوا الماء والخنازيرُ تُروىمنه لم يرحموا بكاَء النساء
كيف نسقى من الفراتِ جياداًماؤه شِيبَ منهمُ بالدماء
قال المتنبي:
ومن أيّ ماء كان يَسْقِى جيادَهُولم تَصْفُ من مَزْج الدماء المناهل
لإسحاق بن سماعة المعيطي الرقي شاعر مبدع من قصيدة له:
لما أتاك أتاه الجبن وانفصلتمنه المفاصل ذعراً والتوى العنق
فكان أقصرَ ما في نفسِه أملٌوكان أصغرَ ما في رأسه الحَدَق
قال المتنبي:
أتاك كأنّ الرأس يجحَدُ عُنْقَهوتنْقَدُّ تحت الذُّعرِ منه المفاصل
ولو سمع إسحاق هذا لقال: هذه بضاعتنا ردت إلينا.
لجهم بن عوف من قصيدة:
ودوّيَّة ما إن يطيرُ بها القطاولا يعرف الأقطارَ منها عُقَابها
تعشّقتها والليل كُدْرٌ نجومهوضاقت على الخرّيت فيها رحابها
على شُزَّب قبّ البطون كأنمايلين لها بين الفيافي صعابها
فما تغتذي غير الرياح وطالماكفاها عن الماء الزلال سرابها
ومنها:
فَزَارةُ لما أبصرتك تخاذلتجماجمها ذلا وذلت رقابها
ولولاك لم تصغر كبار نفوسهاولم يخل من سُودِ الضراغم غابها
والقصيدة طويلة، اقتصرت على هذا القدر لما تعلق منها بأبيات المتنبي.
قال عفا الله عنه:
إذا ما سرتَ في آثار قومتخاذَلَتِ الجماجمُ والرقابُ
وخيلا تغتذي رِيحَ المواميويَكْفِيها من الماءِ السَّراب
ومثل هذا الأخذ ينبئ عن افتضاحه.
لعلي بن عاصم الأصفهاني الكسروي:
قارَعْتَ دهرَك فاسترجعت ما عَصَبتأيامُه وأعدْت الملكَ منتظما
وإن أرضاً من الأنْواءِ قد نَهِلَتْعَلّلْتها من رءوس الجاحدين دما
ولجعد الرقاشي (أحد الشُّراة):
وأعجبُ من أرضٍ سقاها حسامُهولم تُرْو يوماً من عزالي السحائب
قال المتنبي:
سقتها الغمامُ الغرُّ قبلَ نزولِهفلما دنا منها سَقَتْها الجماجم
طريدةُ دهرٍ ساقها فَرَدَدْتَهاعلى الدين بالخَطّىّ والدهرُ راغمُ
وهذا المعنى متداول، قد تصرف فيه الشعراء، فأكثروا.
إبراهيم بن عيسى من دير قطني، كاتب مليح الشعر يقول من أبيات له يعاتب:
يا وارثَ المجد التليد وبنَى الكرم الأصيل
ما لي أراك قَبِلت أقوالَ الوُشَاة بلا دليل
صدّقتهم في كل ماخلقوه من قال وقيل
ونظرت نحوي نظرةًدلّتْ على رأىٍ عليل
قد كنتُ أحسَبُ أنّنيأحظى بنائلك الجزيل
حتى رأيتُ وسائليخَلَقت وضاعت في السبيل
فعلمت أنى قد غلطت وتهتُ في خطب طويل
ولقد أتيتك آنفاًأرجوك في أمر قليل
أنْصِف فإنك منصفإلا لخادمك الذليل
إمّا إزاحةُ عِلَّةٍفيها الشفاء من الغليل
أم لا فَقُوتٌ ما أعيشُ يصونُ وجهي عن بخيل
أم لا فَإذْنٌ استَقلُّ به على وجه جميل
من لم يعنك على المُقَام فقد أعان على الرحيل
وإذا تأملت هذه الأبيات علمت أن المتنبي لمح جميعها وسلخ البيت الأخير منها في قوله:
إذا ترحَّلْت عن قوم وقد قَدَرواألا تفارقهم فالراحلون هم
للعبدي من أبيات قليلة له:
جلستَ فقامَ الدهرُ فيما تريدهونمتَ عن الأشْغال والجَدُّ ساهر
وأنت لأرباب المكارم كُلِّهمإمامٌ وإن غابوا فإنك حاضر
المتنبي:
ودانت له الدنيا فأصبح جالساًوأيامُه فيما يريد قيام
وكل أناس يتبعون إمامهموأنت لأهل المكرمات إمام
أترى يخفى على النساء دون الرجال هذا وما يجرى مجراه سرقة؟ فما معنى أصحابه يدّعون التوارد؟ لولا المكابرة والجحود.
أبو خلد محمد بن المهلب بن المغيرة المهلبي يعاتب صاحباً له:
أصْفيه وُدّي باختياري وهو يصحبني اضطرارا
وإذا جني أظهرتُ ليمنه احتجاجاً واعتذارا
ومن العجائب أن أصادِقَ من يعاديني جهارا
أبو العتاهية:
وإذا صفا ودّي لهزادتْ مودتُه كدوره
فكأنما مات الوفاءُ فلست مرتجياً نُشُورَه
والحُرّ يُظْهر للعدوّ صَدَاقةً عند الضروره
أبو نواس
إذا أمتحن الدنيا لبيب تكشفتله عن عدوّ في ثياب صديق
قال المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرىعدوّاً له ما من صداقته بدّ
مثقال الواسطي صاحب ابن الرومي من قصيدة له يعزى ابن أبي طاهر:
إذا ما صفا مجدُ الكريم من القَذىأتاه الرَّدى من حيثُ يدرى ولا يدرى
تَسَلَّ بفكرٍ في النبيين واعتبربهم واستعن عند المصيبة بالصبر
أبو تمام:
بنات نعشٍ ونعشٌ لا كسوف لهاوالشمسُ والبدرُ منه الدهرَ في الرقم
والحادثات عدو الأكرمين فماتعتامُ إلا امرأً يشفى من القرم
قال المتنبي:
كأنَّ الردى عَادٍ على كلّ ماجدٍإذا لم يعوّذْ مجدَه بعيوب
تَسَلَّ بفكرٍ في أبيك فإنمابَكَيْتَ فكان الضِحْك بعد قريبِ
عبيد الله بن محمد الرقي المكنى بابن حُمران يعزى صديقاً له:
صِينَتْ ظهورُ مطاياه لغَيْبَتهفليس يركبُها من بعده أحدُ
من يصحبِ الدهرَ لم يأمن تقلُّبهيعيش حيران حتى يَنْفَدَ الأمد
قال المتنبي:
نزلنا عن الأكْوار نمشى كرامَةًلمن بان عنا أن نُلمّ به ركبا
ومن صحب الدنيا طويلا تقلبتعلى عينه حتى يرى صدقها كذبا
عبد الله بن سلام:
تذكرتُ أيامَ الوصالِ فلم أجدلها لذّة إذْ طارَ عنى غُرابها
وكانَتْ أيادي الدهرِ عندي حميدةًلألفَتنا حتى تبدّى انقضابها
قال المتنبي وقد لمح البيت الأول:
ذكرتُ به وصلا كأنْ لَمْ أفُزْ بهوعيشاً كأني كنتُ أقطَعُه وثبا
ولمح البيت الثاني فقال:
ولولا أيادي الدهر في الجمع بينناغفلنا فلم نشعر له بذنوبِ
مثقال الواسطي من قصيدة له:
وجيش تَزَعْزَع منه الجبالوتهتزّ كالغُصُنِ الناعم
ترى الشمسَ يحجبها نقْعُهفتبرزُ في مِدْرَع قاتم
قال المتنبي:
وجيشٌ يُثَنّى كلَّ طَوْدٍ كأنهخَريقُ رياحٍ واجَهَتْ غُصُنَا رَطْبا
كأنّ نجومَ الليل خافَتْ مُغَارَهفَمدَّتْ عليها في عَجاجَته حُجْبا
أبو عمرو محمد بن العمراوي البصري يقول في عبيد الله بن يحيى:
وما بلد في الأرض ناءٍ مرامهعلى الناسِ إن حاولته ببعيد
وهبتَ فما أبقيتَ في الأرض سائلاوحُزْتَ ثناءً لم يكن بزهيد
قال المتنبي:
وكاتَبَ من أرض بعيدٍ مَرامُهاقريبٍ على خيل حوالَيْك سُبَّقِ
ولمح البيت الآخر فقال:
لقد جُدْتَ حتى جدت في كل مِلّةٍوحتى أتاك الحمدُ من كل منطق
وترديده جدت وجدت ومنطق غث جدّاً.
إسماعيل بن محمد الراذاني من أهل جرجان يمدح الحسن بن وهب:
كأنما الناس مخلوقون من ظُلَموأنت وحدك مخلوق من النور
تهتزّ كالغصن عندَ الجودِ من طَربٍوتستعين بقلب غير مذعور
المتنبي:
فلو خُلقَ الناس من دهرهملكانوا الظلامَ وكنتَ النهارا
أشدهُمُ في ندىً هِزّةًوأبعدُهم في عدُوّ مُغارا
وأبيات الجرجاني مع سخافتها أسلم من أبيات المتنبي لتركه الإطباق فيها.
أبو عبد الله أحمد بن محمد الجهمي شاعر خبيث اللسان، كان في أيام المتوكل يقول:
قلعت قلاعاً لو طلبت رجالهالألْقتهم طُرّاً إليك بلا عهد
ولما رآك الناسُ وحدَكَ أيقنوابأنك بين الخلق واسطةُ العقد
فهانوا ولانوا واستكانوا وأشرفواعلى خطة تُوهي صفا الحازم الجلد
قال المتنبي ولمح هذه القصيدة:
تَمَلّ الحصونُ الشمُّ طولَ نزالنافَتُلقى إلينا أهلها وتزول
ولما وحدَه قبل جيشِهدَرَوْا أن كلَّ العالمين فُضُول
أبو جعفر محمد بن بشر الحميري:
وليس ينال المجد غيرُ ابن حُرَّةفَتىً لا يبالي بالمنايا وبالقتل
إذا الناس سادوا باتفاق فإنماتَحَمَّلْتَ أعباَء السيادةِ بالفضل
قال المتنبي:
فإن تكنِ الدَّوْلاتُ قِسْماً فإنهالمن وَرَدَ الموتَ الزؤامَ تَدُول
لِمنْ هَوَّنَ الدنيا على النفس ساعةًوللبِيضِ في هَامِ الكُمَاة صليل
لأبي السمراء الغساني نديم عبد الله بن طاهر من قصيدة له:
هو البحر إلا أنه ليس يُتَّقىحصاهُ كبارُ الدُّرِ مشرَبُه عذب
هو الدهر إلا أن في صرفه الغِنَىوفي حكمه الإنصافُ والبشرُ والرُّحبُ
قال المتنبي:
ومن كنتَ بحراً له يا عليُّلم يقبَلِ الدرَّ إلا كبارا
وهو بيت عاميّ متكلف جدّاً.
أبو أيوب سليمان بن عبد الله بن طاهر وهو أديب شاعر يقول:
يا طبيباً لكل داءٍ وسُقْمٍكيف تشكو الأدواء والأسقاما
أترى ما ملِلْت خوضَ المناياكلَّ يوم أو ما تريد جمَاما
لست تعتدّ من حياتك يوماًلم تُثِر فيه للقتال قَتَاما
قال المتنبي:
وكيف تُعِلُّك الدنيا بشيءٍوأنت لعلّة الدنيا طبيبُ
مللت مُقَامَ يوم ليسَ فيهطِعانٌ صادقٌ ودمٌ صَبيبُ
وما بك غيرُ حبكَ أن تراهاوعثيرهَا لأرْجُلها جَنِيبُ
وللهرمزي صاحب يمدح الحسن بن مخلد من قصيدة له:
قالوا أشتكيتَ فقلتُ عُوفى من بهتؤْسَى الكُلوم وَيُجْيَرُ المنهاضُ
عمت سلامتُك الكرامَ وكلَّ منيهوى بقاَءكَ واللئامُ مراضُ
وله أيضاً في علي بن يحيى:
سقم المجد مذ سقمت ويَبْرَاحين تَبْرا وبالأعادي السَّقام
وإذا ما سلمتَ فالناسُ طرّاًسَلِموا مثل ما سلمت وقاموا
قال المتنبي:
المجد عوفي إذ عوفيت والكرموزال عنك إلى أعدائك الألم
أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النّظام البصري، وهو شاعر رقيق الشعر يقول:
فلا تبغ أمراً لست مضطلعاً بهفينقَضّ منه أولَ الأمر آخرُه
ومن يتكلفْ ما يخالفُ طبعهيَبِنْ عجزه فيه وتعْمى بصائره
قال المتنبي:
وأسرع مفعول فعلت تغيّراًتكلف شيء في طباعك ضده
أبو تمام من قصيدة له:
هنّ البحاري يا بجيرأهدى لها الأبؤسَ الغويرُ
في عصبة إن سرت فجنّأو يممت شقة فَطيرُ
قال المتنبي:
نحن ركب مِلْجِنّ في زيّ ناسفَوقَ طير لها شخوصُ الجِمَال
مثقال الواسطي صاحب ابن الرومي:
أكنتَ حَسِبْتَني يوم القتالِضعيفَ القلبِ أن دُعيَتْ نَزَالِ
وفيها:
أبِيتُ وهمتي فوقَ الثريَّاعديمَ المثل في شَرفِ الفعال
ولَستُ أُسئ بالأيام ظَنّيإذا أصبحت محمود الخصَال
قال المتنبي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونهوصدّق ما يعتاده من توهم
أبو تمام:
إذا أنا لم ألمْ عثراتِ دهرٍأُصبْتُ به الغداة فمن ألوم
قال المتنبي:
إذا أتت الإساءةُ من وضيعٍولم ألُمِ المسيَء فمنْ ألوم
قد أخذ الوزن والمعنى جميعاً، وأصحابه يسمون هذا التوارد.
لسعيد الخطيب.
وما كنت أدرى أن في كفّكَ الغنىوأنك قد أصبحت للمجد عنصرا
وقد كنتُ في ليلٍ من الشكّ مظلمإلى أن بدا صبحُ اليقين فأسفرا
تبرعتَ بالأموالِ في غير كُلْفةًوحزتَ بها عنى الثناء المحبَّرا
قال المتنبي:
وعادَى محبّيه بقولِ عُداتهوأصبح في ليل من الشك مظلم
البحتري يقول من قصيدة له معروفة:
وأكون طوراً مشرقاً للمشرق الأقصى وطوراً مغرباً للمغرب
المستهل بن الكميت من قصيدة له:
وإني وإن أُلبسْتُ ثوبَ خصاصةفلستُ لعمري للبخيل بمادح
ومن رام مدحَ الباخلين فإنهضعيفُ أساس العقل بادي القبائح
نصحتك لا تكرم عدوّاً ولا تُهِنصديقاً لك الخيراتُ فأقبل نصائحي
وما أرَبى في العيش لولا محبتيلنفع محبّ أو مَضَرّةِ كاشح
قال المتنبي:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بهاسرورَ محبٍّ أو مساءة مجرم
ترك الإطباق وأفسد.
لمنصور الفقيه:
لو أن ما فيه من جود تقسَّمَهأولادُ آدمَ عادوا كلهم سمحا
للقاسم بن محمد بن عبد الله النميري المكنّى بأبى الطيب نديم المعتز:
ملكٌ أبْرَأ بالإنعام أجساماً عليله
وشفى من كل ضدٍّلا يُواليه غليلَه
لو كما فرّق في الناسِ عطاياه الجزيله
فرّق الجود لما غادَرَ ذا نفس بخيله
قال المتنبي:
لو فرّق الكرمَ المفرِّقَ مالَهفي الناس لم يكُ في الأنامِ شحيحُ
أبو الحسن ابن بنت الحارثي، هو شاعر ظريف، يمدح محمد بن عبد الله بن طاهر:
إني امرؤٌ لا أبالي بالخطوب ولاأخاف من صَرْفِ دهري الحرَب والحَرَبا
عزمي يرى أبعد الأشياء أقربهاإليه إن رامه بالجدّ أو طلبا
قال المتنبي:
إذا فَلَّ عزمي عن هوى خوفُ بعدِهفأبعدُ شئٍ ممكنٌ لم يجد عزما
للمعوج الرقي:
بنفسي زائرٌ في غير وَعْدٍيواصلني اختياراً لا اضطرارا
خلوت به أقبله وأبكيوأشرب من ثناياه عُقارا
فأسْبَلَ دمعه خجلا وولّىوصار شقيقُ خدّيه بَهَارا
قال المتنبي:
وقد صارت الأجفانُ قَرْحَى من البكاوصار بَهاراً في الخدود الشقائِقُ
هشام بن إبراهيم الكرماني، وله مع عبد الصمد بن المعذل أخبار وهو الذي يقول:
ولي في غنى نفسي مُرادٌ ومذهبٌإذا انصرفَتْ عنى وجوه المذاهب
إذا كنت تدري أن عمرَك ذاهبٌفلا تَنِ يوماً عن طلاب المراتب
وأيقن بأن العزَّ صعبٌ مرامُهوأنّ العُلا بينَ القَنَا والقواضِبِ
قال المتنبي:
ذر النفس تأخذْ وُسْعَها قبل بَيْنِهافمفترقٌ جاران دَارُهما العُمْر
البحتري:
إذا ما الجرح رُمّ على فسادتببّن فيه تفريط الطبيب
قال المتنبي:
فإن الجرح يَنْفِرُ بعد حينٍإذا كان البناء على فساد
أبو العتاهية:
يا جامع المال والآمال تخدعهخوفاً من الفقر هذا الفقر والعدم
أسأت ظنك بالله الذي خضعتله الرقاب فشابَتْ قلبَكَ الظلم
ابن الرومي:
ومن راح ذا فقر وبخلٍ فإنهفقيرٌ أتاه الفقرُ من كل جانب
قال المتنبي:
ومن ينفِقِ الساعات في جمع مالهمخافةَ فقرٍ فالذي فعلَ الفقرُ
أحمد بن بهران الكاتب:
أتاني كتاب منك فيه بلاغةٌيعظمها عجباً بها كُلُّ كاتب
معانٍ كأخلاق الكرام حميدةٌصحاحٌ وألفاظٌ كزُهر الكواكب
قال المتنبي:
كأن المعاني في فصاحةِ لفظهانجومُ الثريا أو خلائِقك الزهرُ
لعبيد الله بن طاهر رحمه الله تعالى:
قد بلوناه مرة بعد أخرىفوجدناهُ صالحَ الآثار
واختبرنا منه خلائق زُهْراًصغرت ما أتَى على الأخبار
قال المتنبي:
واستكبر الأخبار قبل لقائهفلما التقينا صغر الخبرَ الخبرُ
ابن الرومي:
جِيَف أنْتَنَتْ فَأضحتْ على اللجةِ والدُّرُ تحتها في حجاب
وغثاءٌ علا عُبَاباً من الْيَمّ وغاصَ المرجَان تحتَ العُباب
قال ابن الرومي:
إذا ما الفجائع أكسبتنيرضاك فما الدهر بالفاجع
قال المتنبي:
إن كان سركم ما قال حاسدنافما لجرح إذا أرضاكم ألم
ابن الرومي:
غدا الدهر لي خصماً وفىّ محكماًفكيف بخصم ضالع وهو الحكم
المتنبي:
يا أعدل الناس إلا في معاملتيفيك الخصام وأنت الخصم والحكم
عاصم بن محمد المدني، كنيته أبو صالح، شاعر من أولاد رافع مولى عمر بن الخطاب ﵁:
قد هدّه الفقر وقد بانَ مِنأحوالِه الرّثَّة إعوازه
كأنّه من حيرة دائماًأعمى ضعيفٌ ضاع عكّازُه
قال المتنبي:
ويرى أنه البصير بهذاوهو في العمى ضائعُ العكاز
تم الجزء الثاني من كتاب الإبانة عن سرقات المتنبي، يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث.
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٦١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع