تجاوز إلى المحتوى

من «قشر الفسر» لأبي سهل الزوزني (ت ٤٤٥هـ)

قافية الدال

وقال في قصيدة أولها:

(ما سدِكتْ عِلَّةُ بمورودِ ..................)

وإنْ صَبَرْنا فإنَّنا صُبَرٌوإنْ بكيْنا فغيرُ مردودِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

قال أبو الفتح: أي إن صبرنا فالصبر سجيتنا، وإن جزعنا فلعظم مصابنا.

قال الشيخ: معنى المصراع الأول كما فسر، وأما الثاني فلا، فلأنه يقول: وإن بكينا فغير مردود، وما هو عبارة عن عظم مصابنا، وإنما هو عبارة عنه غير مردود إلينا الجزع، إن جزعنا، يعني أبا وائل، كقول عمرو بن معدي كرب:

ما إنْ جزِعتُ ولا هلِعتُ ولا يردُّ بكايَ زيداً
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ليس الجمال بمئزر»

وكما يقول:

علينا لكَ الإسعادُ إن كانَ نافعاًبشقِّ قلوبٍ لا بشَقَّ جُيوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»
وإنْ جزِعْنا لهُ فلا عجبٌذا الجَزْرُ في البحرِ غيرُ معهودِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

قال أبو الفتح: أي إنما يُعرف الجزر في غير البحر، وإذا جُزر البحر فذاك أمر عظيم. ضرب ذلك مثلاً شبه موته بجزر البحر، ويجوز أن يكون المعنى البحر يجزر، أي: يجزر ما يتصل به، ولكن مثل هذا الجزر العظيم لأي: الأحوال تنتقل؟ والمعنى إن المصائب قد تقع، ولكن على مثل هذه المصيبة ما رأينا.

قال الشيخ: في الفصل الأول خللان، وذلك أنه قال: إنما يعرف الجزر في غير البحر، والجزر إنما يعرف في البحر لا في غيره، فإذا جُزر فذلك أمر عظيم، وما جزره بأمر عظيم، فإن البحر بجزر كل يوم مرتين، حتى قيل في أهل البصرة: (إن البحر يزورهم كل يوم مرتين فإن شاءوا آذنوه وإن شاءوا حجبوه). والذي ذكره بعد هذا الفصل الأول عندي لغط لا غلط، وبعيد من معنى البيت، فإن ما فسره نفي وإثبات ونقض وإبرام، ولفظ هراء بل هباء بل هواء. والمعنى أنه يقول: إن جزعنا له فلا عجب، قال: ذلك البحر، وأراد بالبحر: سيف الدولة، غير معهود، أي: لم تجسر الحوادث على العبور ببابه والمرور بجنابه، فكيف بانتقاص أقاربه وأصحابه؟ فلا عجب من جزعنا له، فإنَّا نرى ما لم نعهده ولم نعتده، وشديد على الإنسان ما لم يُعود.

وقوله: (ذا الجزر) إشارة إلى موت أبي وائل، وإذا كان الجزر ذلك، كان البحر سيف الدولة لا غير.

لا ينْقُصُ الهالكونَ منْ عددِمنهُ عليٌّ مُضَيَّقُ البِيدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

قال أبو الفتح: أي إذا هلك هالك من عددٍ منه عليٌّ سيف الدولة لم ينقص ذلك العدد، لأن البيد تضيق عنه، أي: عن كرمه وبُعد وصيته، فإذا سلم فلا تُبل من مات.

قال الشيخ: هذا كما فسره إلى قوله: (لأن البيد)، وبعده من المعنى بعيد. وقوله: (مضيق البيد) ليس بكرمه وبُعد وصيته بل كفاءته وجنوده، كما قال فيه:

فربَّ كتابٍ عن جوابٍ بعثتَهوعنوانُه للنَّاظرينَ قَتامُ
حروفُ هجاءِ النَّاس فيه ثلاثةٌجوادُ ورمحُ ذابلُ وحسامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»
تضيقُ به البيداءُ من قبلِ نشرهِوما فُضَّ بالبيداءِ عنهُ خِتامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

وبعد، فإن البيد لا تُوصف بالضيق عن الكرم وبُعد الصيت، وإنما يوصف الزمان به والعمران.

مهما يُعزَّ الفتى الأميرُ بهِفلا بإِقدامه بالبيداءِ ولا الجودِ

قال أبو الفتح: أي إذا سلم له إقدامه وجوده هان فقد ما سواهما.

قال الشيخ: يقول إذا عُزِّي سيف الدولة بأبي وائل فإنما يُعزَّى لقرابته منه لا لعدمه جوده وإقدامه، فإن عدمه إياه غير مؤثر في معاليه، فإن جوده وإقدامه خلَّفاً عن كل تالف وعوضاً عن كل ماضٍ.

وقال في قصيدة أولها:

(عواذلُ ذات ِ الخالِ فيَّ حواسدُ ..................)

وتُسعِدُني في غَمرَةٍ بعدَ غَمرَةٍسَبوحٌ لها منها عليها شواهدُ
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «بنفسي هيفاء المعاطف ناهد»

قال أبو الفتح: وقوله لها منها عليها شواهد، كأنه من كلام الصوفية، وهو صحيح،

أي: إنه إذا نظر أحد إلى استواء خلقها وتناسب أعضائها علم أنها كريمة سابقة، فكأنه قال: لها شواهد من خلقها على كرمها.

قال الشيخ: عندي أنه يصفها بالعتق والإقدام وخوض الغمرات واقتحام الهبوات وشدة المراح والصبر على الجراح، فيقول: تُساعدني سبوح بهذه الصفات، لها من تلك الغمرات شواهد عليها، أي: على عتقها وصبرها على مض الجراحات ووقع الضربات والطعنات والرشقات، وقيل لها: للغمرة من السبوح على الغمرة شواهد بخوضها لها وحسن بلائها فيها، وقتل فارسها من أنيابها وأسره من إنشائها وخروجه عنها، وإذا كان فارسها بها ملك حتى أهلك وقدر حتى صدر فكأنها تفعلها، ولعمرك هي شواهد صوادق، وقيل لها، أي للغمرة، من السبوح على السبوح شواهد نحو منها لها ولقاؤها الشدائد فيها ومعاناتها لنزاع البلايا في مجاريها وخروجها بكثرة جراحها عنها، وهذا هو الأول غير أن الهاء في الأول راجع إلى السبوح، وفي هذا القول راجع إلى الغمرة والجميع حسن جميل. ويدلك على صحة ما يتلوه: تثنى على قدر الطعان، أي: تدربت به وتجربت ومرنت عليه واعتادته حتى عرفته، فهي تتعطف على

مقاديره، وقوله:

إذا لم تُشاهد غير حُسنِ شِياتهاوأعضائِها فالحُسنُ عنكَ مُغَيَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

يدلك عليه أيضاً، لأن حُسن الخيل في عتقها وكرمها وإقدامها وصبرها على الجراح واقتحامها دون شياتها وأعضائها.

وقرأت في كتاب (التاجي) أن فرس ذي القرنين، المعروف بذي الرأسين، كان يقاتل بيده حين قتاله عليه، وإنما سُمي ذا الرأسين لأنه كانت به ملقة في جنبه الأيسر تُشبه رأس الفرس، وكان كُميتاً، وقلنا: إن لكل قائل في كل بيت غرضاً واحداً لا زيادة. وعندنا أن الوجه الأول من الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في هذا البيت هو المقصود، لكنا ذكرنا الوجهين لمقاربة بعضها بعضاً.

وألحقَ بالصَّفصافِ سابورَ فانهوَىوذاق الرَّدى أهلاهُما والجلامدُ

قال أبو الفتح: الصفصاف وسابور حصنان لهم معروفان،

وقوله: فانهوى، يقال: هوى النجم، وانهوى غريبة، أي: ألحقت هذا الحصن بالأول قبله، فهلكت أهلاهُما والجلامد، لأنك طحنت بعض الصخر ببعض لكثرة الرمي وشدته، أي: أهلكت الصخر أيضاً.

قال الشيخ: هذا التفسير ليس ببعيد، إلا أن فيه زيادة، وانهوى سابور حتى لحق بالصفصاف من الانهواء والانهدام، وهلك أهلاهما والجلامد التي بُنيا عليها، وكانت حواليها برضِّ الخيل لها، والجلامد التي بُنيا منها، لأنها رُضت بالمجانيق حتى صارت رقاقاً في الطريق كقول القائل:

بجمعٍ تضلُّ البُلقُ في حُجُراتهِترى الأُكمَ فيه سُجّداً للحوافرِ
فإنَّ قليل الحبِّ بالعقلِ صالحٌوإنَّ كثيرَ الحبِّ بالجهلِ فاسدٌ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

قال أبو الفتح: أي أنا أحبك بعقل، فتنتفع بي وغيري يحبك بجهلٍ، فلا تنتفع به.

قال الشيخ: فسره فعسره، فإن الرجل يقول: أحبك لفضلك لا لنيلك، وذلك الحب

حب العقل الذي قليله خيرٌ من كثير حب الجهل، فإن قليله نافع، وكثير ذلك ضائر، وهو شطر مما يقول الناس: عدوٌّ عاقلٌ خيرٌ من صديقٍ جاهلٍ. وليس يقول: أحبك حباً قليلاً، يقول: أحبك من طريق العقل الذي قليلُ حبه صالح، فكيف كثيره؟

وقال في قصيدة أولها:

(لكلِّ امرئٍ مِن دهرهِ ما تعوَّدا ..................)

وربَّ مريدٍ ضرَّه ضرَّ نفسَهوهادٍ إليه الجيش أهدى وما هدَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال أبو الفتح: هاد: أي قائد، وباعث إليه الجيش، فإنما أهداه إليهم من الهدية.

لا من الهداية، ولم يرشد الجيش بل أضله، ببعثه إياه وقصد سيف الدولة.

قال الشيخ: ما في البيت ولا معناه إضلال، وإن كان في لفظ الهداية والضلال تطبيق فقوله: بل أضله لغوُ، فإن معناه: رب من أراد لسيف الدولة ضراً، وهيأ أسبابه، فناله الضرر دونه ونابه، ورب مرشد إليه جيشه، فكان مُهدياً إليه الجيش لا هادياً، ومُغنماً له ذلك لا باعثاً كقوله:

أغرَّكمُ طولُ الجيوشِ وعَرضُهاعليٌّ شَروبُ للجيوشِ أَكولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»
فإنِّي رأيتُ البحرَ يعثرُ بالفتىوهذا الذي يأتي الفتى متعّمِّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال أبو الفتح: أي ليس إغناء البحر من يغنيه عن قصد وتعمد، وهذا يتعمد بالغنى

من يغنيه، وذلك لفظ العرب الذي يُعتاد في ذكر الخير والشر.

قال الشيخ: فسر نصفاً، وأغفل نصفاً، وبه يختل المعنى، فلا يستبين بتمامه، ولا يستنير عن أكمامه، فإنه يقول: فإني رأيت البحر يعثر بالفتى، أي: يعثره ويفرقه، وهذا يغني متعمداً له متصوراً لما يعلمه.

ذَكيٍَ تظنِّيه طليعةُ عينهِيرى قلبُه في يومهِ ما ترى غدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال أبو الفتح: أي لصحة رأيه وفرط ذكائه إذا ظن شيئاً رآه بعينه لا محالة. ويجوز أن يكون معنى البيت غير هذا، أي يحفظ نفسه مخافة الحديث الباقي.

قال الشيخ: المعنى هو الأول، لكنه غير مشبعٍ ولا مستوفىً. والثاني وجوه: أحدها أن يقول: يرى في يومه بالفكر ما يرى في غده بالبصر، فكيف ترى عينه الحديث الباقي، وهو عين الثاني على أن الحديث من أخبار السمع دون العين؟ ومعناه أنه يرى في يومه الكائن في غده. وروايته: (طرفه).

عرضتَ له دونَ الحياةِ وطرْفِهِوأبصرَ سيفَ اللهِ منكَ مجرَّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال أبو الفتح: أي لما رآك لم تسع عينه غيرك لعظمك في نفسه، وحلت بينه وبين حياته فصار كالميت في بطلان حواسه إلا منك.

قال الشيخ: هذا التفسير عندي فاسد، لأنه لو حال بينه وبين حياته لأهلكه، ومعلوم أنه نجا سالماً في هذه الكرة. والقصيدة ناطقة به، ولو بطلت حواسه لما

انقطعت أنفاسه، ولو لم يدرك بها شيئاً سيف الدولة. والمعنى عندي، إنه يقول: عرضت دون حياته وطرق نجاته سيف الله مجرداً كاد يهتك جثته ويسفك مهجته حتى احتال في لبس المسموح والمشي بالعكاز ودخول الدير كالراهب المنحاز ونزل إلى القنوات، وانساب بينهما انسياب الحيات حتى نجا بحُشاشته، وطاب نفساً عن أبنه وجيشه بجراحته.

فأصبح يجتابُ المسوحَ مخافةًوقد كان يجتابُ الدِّلاصَ المُسَرَّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال أبو الفتح: يجتابُها: يدخل فيها ويلبسها، لأنه ترهب. درع دلاص وأدراع دلاص، فأراد بالدلاص هنا الجمع من الدروع، فلذلك ذكر، ويجوز أن يكون أراد الدرع الواحدة، لأنه يذكر ويؤنث. أي: ترك الحرب، وهرب إلى الترهب.

قال الشيخ: هذا شرح ما ذكرناه. وما ترهب، بل تزيا بزيهم حتى أفلت وذهب.

فذا اليومُ في الأيَّامِ مثلُكَ في الوَرىكما كنتَ فيهم أوحداً كانَ أوحدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال أبو الفتح: أي أوحدك الناس، فتركوك وحدك.

قال الشيخ: لا والله ما درى ما التفسير والخطب العسير. والمعنى إنه يقول: هذا اليوم في الأيام مثلك في الأنام، فكما لا شبيه لك فيهم لا شبيه له فيها.

هوَ الجَدُّ حتَّى تفضلَ العينُ أُختَهاوحتَّى يكونَ اليومُ لليومِ سيِّدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: أي بلغ من حكم الجد أن تفضل العين أختها، وإن كانت في الأصل سواء، ويسود اليوم اليوم، وكلاهما ضوء الشمس لما يعرض هناك، فكذلك هذا اليوم ساد الأيام التي قبله، لأنه عيد، وإنما خص العيد دون الأيام المشتملة عليه، لأن العيد اجتمع له أمران: أحدهما، وهو الأكبر يشتمل عليه كالأيام، والأخر: إنه يوم العيد، وأراد به التنبيه على اختلاف حظوظ أهل الدنيا.

قال الشيخ: المعنى كما ذكر أولاً وأخراً دون إخلاط في البين، غير أنه أغفل نكتة فضل العين على أختها بحال ما كانتا سواء، والأصل أن الجد بالجد والحظ بالبخت، والأمور عليه تدور حتى تفضل أختها، ويسود اليوم مثله وإلا فلا موجب له. لكن المتنبي لم يحسن الاستشهاد عليه بالعين، فإنها لا تفضل أختها إلا بآفةٍ وما الأيام مثلها.

فوا عَجَبا مِن دائلٍ أنتَ سيفُهأما يتوقَّى شفرتَي ما تقلَّدا؟

قال أبو الفتح: الدائل أسم الفاعل من دال يدول، ويريد هنا الدولة، فتعجب من عظم همة الدولة إذا تقلدته، ومعناه في الحقيقة الخليفة، ويجوز أن يكون أخرج الدائل مخرج التَّامر واللابن، أي ذو دولة.

قال الشيخ: ما أدري والله ما تراءى له في هذا المعنى الواضح حتى أبهمه، تخطاه وما أفهمه، والرجل يتعجب من صاحب دولة تقلد سيفاً صارماً لا يحذر غربيه ولا يتوقى حديه أن يوقعا به. يعظم شأنه ويُفخم سلطانه ويشيد بقدرته وكثرة عدته وأنه أعلى يداً من متخلفه وأبعد في الأمر أمداً من متألِّفه، ولو أراد لبهره وقهره واستأثر دونه بالأمر، وكان صاحب العصر، ويدل عليه:

ومَنْ يجعلِ الضِّرغامَ للصيَّدِ بازّهُتصيَّده الضّرغامُ فيما تصيّدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح بعدما ذكر ما فيه من النحو: أي إنك فوق من تُضاف إليه يا سيف الدولة.

قال الشيخ: مضى شرحه قبله، وما هذا بشيء ولعله تحامى تفسيره بحضرة الخلافة، وإن لم يكن على عهد ذلك الخليفة، وإلا فمعناه لا يذهب على صبي، فكيف على إمامٍ رضيٍّ؟

رأيتُكَ محضَ الحلم في محضِ قُدرةٍِولو شئتَ كانَ الحلمُ منكَ المُهنَّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال أبو الفتح: أي حلمك عن الجهَّال عن قدرة، ولو شئت لسللت عليهم السيف.

قال الشيخ: المعنى ما ذكره غير أن هذا مبني على النسق الأول ومعناه، وهذه الأبيات متناسبة متناصفة متواصلة متراصفة دالة على أنه كان ورد على سيف الدولة من حضرة الخلافة ما رأته من ملامة أو عتاب أو استبطاء في باب أو مؤاخذة بمالٍ ضمانٍ أو مضايقةٍ في شأنٍ وما أشبهه، فالرجل يقول: رأيتك حليماً قادراً تجر على أمثالها أذيال حلمك واحتمالك، ولو شئت لدفعتها ببأسك وقتالك، فما بك عجز عن دفعها، ولكن حلم يستأني بك عن قطعها.

وقال في قصيدة أولها:

(أهلاً بدارٍ سباكَ أغيدُها ..................)

أشدُّ عصْفِ الرِّياحِ يَسبقُهتحتِيَ منْ خطوِها تأيُّدُها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

قال أبو الفتح: يريد شدة عدوه.

قال الشيخ: لا بل شدة مشيه، وما للعدو هنا وجه.

لهَ أيادٍ إليَّ سابقةٌأُعَدُّ منها ولا أُعدِّدُها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

قال أبو الفتح: أنا إحداها كقول الجمَّاز:

لا تنتفنِّي بعدما رشتَنيفإنَّني بعضُ أياديكا

يريد أنه قد وهب له نفسه، وليس يحصي مواهبه كثرة. قال الشيخ: ليس كما فسره، لأنه إذا وهب له نفسه كان ذلك هبة منه إلى الممدوح لا من الممدوح له، وهذا أوضح من أن يحوج إلى بيان، لكنه يقول: أُعد من تلك الأيادي لأني فيها تربيت وبها عشت وتمنيت ووفيت وأبيت، فنفسي تُعد من تلك الأيادي إذ هي إحداها بهذه الصفة.

إذا أضلَّ الهُمامُ مهجتَهيوماً فأطرافُهنَّ تَنشُدُها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

قال أبو الفتح: أي إذا فقد الهمام مهجته، فإنما يسأل أطراف هذه السيوف عنها، لأنها مغراةٌ بها.

قال الشيخ: لست أعرف ما هذا الشرح الشائن والفسر المتباين، أي سؤال هاهنا لفظاً ومعنى؟ والرجل يقول: إذا فقد الهمام مهجته، فأطراف سيوف الممدوح تنشُدها، أي تعرفها، وتقول: هي عندنا ونحن أخذناها، ولا نخاف عقباها.

وقال في قصيدة أولها:

(كم قتيلٍ كما قتلتُ شهيدِ ...................)

أهلُ ما بي منَ الضَّنا بَطَلٌ صِيْدَ بتصفيفِ طُرَّةٍ وبجيدِ

قال أبو الفتح: أي أنا أهل ذلك وحقيق به لحسن ما رأيت، وأنا بطل صيد بتصفيف طرة وبجيد، ويجوز أن يكون (أهل) مرفوعاً بالابتداء، و (بطل) خبره.

قال الشيخ: ليس كذلك، فإنه لو أراد أنه حقيق بذلك الضنا لحسن ما رأى لما قال بعده: بطل صيد بكذا وكذا، فإنه لا يلائمه بحال، وإنما يعير نفسه ويوبخها، فيقول: أنا حقيق بما بي من الهزال حتى لم يُصد بطل مثلي من الأبطال بطُرَّة وجيد.

ولعلِّي مؤمِّلٌ بعضَ ما أبلُغُ باللُّطفِ منْ عزيزٍ حميدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

قال أبو الفتح: أي في عزمي أن أبلغ أمراً عظيماً والآن لعليّ مؤمل بعض ذلك الذي أبلغه.

قال الشيخ: هذا جائز، والأحسن عندي غيه أنه يُحمل على القلب، أي: لعليّ بالغ

بعض ما

أؤمل، فإن استعمال لعل فيما يؤمل أحسن منه هو من القلب والنفس، والدليل عليه قوله:

أبداً أقطَعُ البلادَ ونجميفي نُحوسٍ وهمَّتي في سُعودِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

وقال في قصيدة أولها:

(اليومَ عهدُكمُ فأينَ الموعدُ؟ ..................)

أبرجتَ يا مِرضَ الجفونِ بِمُمْرَضٍمرضَ الطَّبيبُ له وعِيدَ العُوَّدُ

قال أبو الفتح: أبرحت، أي: تجاوزت الحد، ويعني بالممرض جفنها، ومرض الطبيب له وعيد العود مثلٌ، ولا طبيب هناك ولا عود، ولكنه لما جعل للجفون مرضاً، جعل لها طبيباً وعوداً، أي: إذا نظر الإنسان إلى عينها مرض من عشقها، أي: تجاوزت يا مرض الجفون الحد حتى أحوجته إلى الطبيب والعود، يبالغ في شدة مرض جفونها.

قال الشيخ: هذا التفسير كله فاسد، لأنه وصفه بمرض الجفون، فما معنى صفته بأنه يُمرض جفونه؟ فكيف يبرح بجفونه؟ ومرض الجفون لا يحتاج له إلى الطبيب والعود، فإنه فتور فيها مستحب لا مرض، وإنما المرض فيها لفظ مستعار كناية عن الفتور والضعف، فإنهما من صفات الممرض، وإنما يقول للرجل: أبرحت ببمرضٍ، أي: أوقعته في برحٍ، والبرح: الشدة، وأراد بالممرض: نفسه، لأنه أدنفه بحبه، ثم وصف شدة حال الممرض، فقال: مرض طبيبه وعُوَّاده حتى عيدوا.

في كلِّ معتركٍ كُلىً مفريَّةٌيذمُمْنَ منه ما الأسنَّةُ تَحمَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال أبو الفتح: أي يذممن منه جودة الشق، وهو الذي تحمده الأسنة.

قال الشيخ: المعنى قريب، والعبارة فاسدة،، ولا فائدة في ذكر جودة الشق، فإن الكُلى لا يحتاج معها إلى كل هذا الإجادة في الشق، وإنما يقول: يذممن منه، أي: يده التي تقربها، والأسنة تحمدها لأنها تستقيها.

حتَّى انثَنوا ولوَ أنَّ حرَّ قُلوبهمْفي قلبِ هاجرةٍ لذابَ الجملدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال أبو الفتح: أي لذاب الصخر لشدة الحر، وجعل للهاجرة قلباً لما ذكر قلوبهم تمثيلاً.

قال الشيخ: ما وفى حقه، فإنه يقول: حتى رجعوا بحر غيظٍ لو كان ذلك الحرُّ في قلب هاجرة لذاب صخرها، وما صبر عليه. وأراد بقلب الهاجرة: وسطها، وهو أشد حراً من طرفيها، وما هو كما قال: وجعل للهاجرة قلباً لما ذكر قلوبهم، لأن له معنى مفيداً، وكما أن

مكان الغيظ من الإنسان قلبه كذلك مكان أشد الحر من الهاجرة قلبها ووسطها.

بقَيتْ جموعُهمُ كأنَّك كلُّهاوبقيتَ بينهُمُ كأنَّك مُفرَدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال أبو الفتح: أي كنت وحدك مثلهم كلهم، لأن أبصارهم لا تقع إلا عليك، فشغلت وحدك أعينهم، فقمت مقام الجماعة، وقوله: مفرد، أي: نظير لك فيهم، فكأنه لا أحد معك منهم.

قال الشيخ: عندي أنه يقول: بقيت جموعهم حيارى حواليك خوفاً وغيظاً وحسداً وكمداً كأنهم أشباح ما لها أرواح، كأنك كلها، لأن إمارات الحياة لم تكن إلا معك ولك. وبقيت كأنك مفرد بينهم، لأنك كنت الحي فيهم، وهم كالأموات بهذه الصفات، ولا يكون هو مثلهم، لأن أبصارهم لا تقع إلا عليه، وبأن يشغل هو وحده أعينهم، لا يقوم مقام الجماعة، وبأن لا يكون نظير له فيهم لا ينبغي كون أحد معه منهم.

كنْ حيثُ شئتَ تسرْ إليكَ ركابُنافالأرضُ واحدةٌ وأنتَ الأوحدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال أبو الفتح: يقول: الأرض واحدة، أي للسفر علينا مشقة لإلفنا إياه.

قال الشيخ: كيف ذهب عليه الشرح على اتضاحه وإسفار صباحه، وليس تبطل مشقة السفر بكون الأرض واحدة، ولا الإلف يُبطلها زيادة، وعندي أنه يقول: كن كيف شئت دانياً أو قاصياً أو قريباً أو بعيداً تسر إليك ركابُنا فالأرض واحدة، يهون قطعها للقائد، وأنت الأوحد فيها، لا قصد إلا إلى فنائك ولا أمل إلا في جنابك.

وصُنِ الحُسامَ ولا تُذِلهُ فإنَّهيشكو يمينَك والجماجمُ تشهدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال أبو الفتح: يشكو يمينك، أي: من كثر ما تضرب به، والإزالة ضد الصون وقوله: صنه، أي: به يدرك الثأر، ويُحمي الذِّمار.

قال الشيخ: النصف الأول من تفسيره صحيح، والثاني سقيم، لأن قوله: يدرك الثأر، ويحمي الذِّمار لا يُوجب صيانته، فإن السيف لهما ولمثلهما يُراد، وفيهما يُذال

ويُهان، ولا يُدَّخر عنهما، ولا يُصان، فما هو بمرآة الفردوس ولا سلوة النفوس إلا من هذه الجهة كما قيل:

...............ففي السِّيفِ مولىً لا يَنامُ وصاحِبُ

وكما قيل:

............... ...... والسَّيفُ يحميه منَ الجِيَفِ

وكما قيل:

......... فنفَرةٌإلى سلَّةٍ من صارمٍ الغَرِّ باتِكِ

وكما قيل:

ويركبُ حدَّ السَّيف من أن تضيمَهإذا لم يكن من شفرةِ السَّيفِ مَرحَلُ
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

وقوله:

أيقُتُلني والمشر فيُّ مضاجعيومسنونةٌ زرقُ كأنيابِ أغوالِ؟

في أشباه لها كالليل والسيل. وعندي أنه يقول: صُن الحسام من أعدائك ولا تذله بهم، فإن غيظهم منك وخوفهم عنك ينوبان عن الحسام في اجتياحهم وإتيان دونه على أرواحهم، فما حاجتك إلى إذالته بهم، كما قال:

يرى في النَّومِ رُمحَكَ في كُلاهُويخشى أن يراهُ في السُّهادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

وقوله:

شننتَ بها الغاراتِ حتَّى تركتَهاوجفنُ الذي خلفَ الفرنجةِ ساهدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

وقوله:

فإن كان خوفُ القتلِ والأسرِ ساقَهُمفقد فعلوا ما القتلُ والأسرُ فاعِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»
فخافوكَ حتَّى ما لقتلٍ زيادةٌوجاءوكَ حتى ما تُرادُ السَّلاسلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

وقوله:

لا يأملُ النَّفَسَ الأقصى لمهجتهِفيسرقُ النَّفَسَ الأدنى ويغتنمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

وكما قيل في الأمثال:

فلانٌ ميتٌ كمَدَ الحُبارى ..................

حيٌّ يُشارُ إليكَ ذا مولاهُمُوهمُ الموالي والخليقةُ أعبُدُ

قال أبو الفتح: جلهمة حي يُشار إليك أيها المخاطب بأن شجاعاً هذا الممدوح مولاهم، وهم مع هذا موالي الخلق والناس عبيدهم، وهم عبيده.

قال الشيخ: يقول: جلهمة حي يشار إلى الممدوح أنه مولاهم، وهم مواليه وعُتقاؤه والناس عبيده، جعلهم من حيث أنهم قومه وعشيرته مواليه، والناس عبيده، فجعله للأقارب فضلاً عن الأباعد، والذي فسره من هذا المعنى أبلغ في المدح وإن كان أبعد من الحق.

وقال في قصيدة أولها:

(ما الشَّوقُ مقتنعاً منِّي بذا الكَمَدِ ..................)

ولا الدّيارُ التي كانَ الحبيبُ بهاتشكو إليَّ ولا أشكو إلى أحدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

قال أبو الفتح: أي لم يبق في فضل للشكوى، ولا في الديار أيضاً فضل لها، لأن الزمان أبلاها، ألا تراه قال ما بعده:

ما زالَ كلُّ هزيمِ الودقِ يُنحِلُهالشَّوقُ يُنحُلني حتَّى حكت جسدَي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال الشيخ: هذا معنى محتمل، وعندي أنه يقول: ما الشوق مقتنعاً مني بهذا الكمد، ولا الديار التي كان الحبيب بها تقتنع مني به. ثم قال: تشكو إليّ الديار زيادة في منّي وفي كمدي ببلائها ودروسها، ولا أشكو أنا إلى أحد، وأنفرد ببثي وحزني، فيجتمع عليَّ كمد العشق وصبابة الشوق وشكوى الديار والتفرد بها وترك الشكوى لها.

وقال في مطلع قصيدة:

أُحادٌ أم سداسٌ في أُحادِلُيَيْلُتنا المنوطةُ بالتَّنادِ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

قال أبو الفتح: كأنه قال: أواحدة ليلتنا أم ست، لأن ستاً في واحدة ستٌّ؟ والمشهور عنهم أن هذا البناء لا يتجاوز به الأربعة، نحو أحادٍ وثناءٍ وثلاثٍ ورُباعٍ، وقيل: العشار. وصغر ليلة على لفظها، ومعنى التحقير هنا التعظيم لطولها. والتنادي، يريد: تنادي أصحابه بما يهم به، وحذف همزة الاستفهام.

قال الشيخ: لست أرى فيما ذكره تفسيراً، وما معنى قوله: واحدة ليلتنا أم ست؟ فماذا فيه من جميع المعاني؟ وهل هو إلا باطل وكلام عاطل؟ وتفسير التنادي شر من هذا. وعندي أنه يقول: هذه الليلة واحدة أم ست مع واحدة لتمام الأسبوع، وهو ما تركَّبُ عنه الشهور والأعوام إلى يوم القيامة، وحاصل المعنى أن هذه الليلة ليلة واحدة أم ممتدة إلى يوم التنادي لطولها، كقوله:

من بعدما كانَ ليلي لا صباحَ لهُكأنَّ أوَّلَ يومِ الحشرِ آخرهُ
أفكِّرُ في معاقرةِ المناياوقَوْدِ الخيلِ مُشرفَةَ الهوادي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

قال أبو الفتح: أي طالت هذه الليلة بما أفكر في ملازمة المنايا وقود الخيل إلى الأعداء، ومشرفة الهوادي: طول الأعناق.

قال الشيخ: ما بين ليلته والتفكير علاقة، وإنما التفكير ابتداء فيما ذكره.

وقال في قصيدة أولها:

(أحُلماً نرى أم زماناً جديداً؟ ..................)

رَأينا ببدرٍ وآبائهِلبدرٍ وَلُوداً وبدراً وليدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

قال أبو الفتح: البدر الأول في هذا البيت: اسم الممدوح، والبدران القمران، والولود: الوالد، والوليد: المولود. أي: لما رأينا بدراً، هذا الممدوح وأباه رأينا أباه قد ولد منه قمراً في الحسن والبهاء، فكأنه قد صار للقمر والداً، وتقديره ولوداً لبدرٍ، أي: والداً له، وهذا طريف، لأن القمر لا يكون مولوداً، لكنه أراد الإغراب في قوله وحُسن صنعته وتداخلها، فكأنه بعد هذا قال: أنت قمر، وأبوك أبو القمر.

قال الشيخ: خلط الصواب بالخطأ في هذا التفسير، فإنه جعل أباه قمراً، ولد قمراً، وما هو كذلك بحال، وإنما قال: رأينا ببدرٍ، أي: بهذا الممدوح الذي أسمه بدراً، وآبائه، أي: لبدر، أي: لهذا الممدوح ولوداً أو قمراً وليداً، وليس أبوه بمثابة بدرٍ ولا في هذا البيت ما يدل على ذلك.

مُهَذَّبةٌ حلوةُ مُرةٌحقرْنا البحارَ بها والأُسُودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

قال أبو الفتح: حلوة، أي: كل أحد يعشقها ويستحسنها، ومرة: لأن الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس، وحقرنا البحار لإفراط سخائك والأسود لإفراط إقدامك.

قال الشيخ: النصف الأول سقيم، وهو تفسيره حلوة ومرة كما فسرهما، وهما عندي كما قيل:

ممقرٌ مُرٌّ على أعدائهِوعلى الأدنين حُلوٌ كالعسل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وقوله:

وله طعمانِ أريٌ وشَريٌ ..................

وكقوله:

...............أغرَّ حلوٍ مُمِرٍّ لِّينٍ شَرِسِ

وقوله:

تحلو مَذَاقُته حتَّى إذا غضِبا ..................

وأما قوله: الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس فعندي فاسد.

وقال في قصيدة أولها:

(أقلُّ فَعالي بَلْهَ أكثرَه مجدُ ..................)

إذا شئتُ حفَّتْ بي على كلِّ سابحٍرجالٌ كأنَّ الموتَ في فمِها شَهْدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

رواه أبو الفتح في بعض النُّسخ التي خطه عليه: (خفت) بالخاء المعجمة.

قال الشيخ: روايتي بالحاء غير معجمة، فلعله أراد بقوله: خفت بالخاء

معجمة حملت بحملتي على الأعداء، وفي معناه وهن، وهو أنهم يخفون به في الحملة لا هو يخف بهم، وهذا عيب ونقص في الشجاعة. وأما بالحاء فمعناه: أحدقت بي أعوان وأنصار، هذه صفتها.

ويأمنُه الأعداءُ مِنْ غيرِ ذِلَّةٍولكنْ على قَدرِ الذي يُذنبُ الحِقدُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: أي ليس يؤاخذ المذنب بقدر جرمه، وإنما يؤاخذ على قدر المذنب نفسه، ولا قدر عنده لمن أجرم، فهو لا يعبأ بأحدٍ من أعدائه، لأنه أكبر قدراً من أن يعاقب مثلهم.

قال الشيخ: هذا هو والله محض الهجاء، لأنه عدم الحمية والإباء والإغضاء على اعتراض الأقذاء، والمتنبي يصفه بالعدل والنزاهة عن الاعتداء، أعداؤه تأمنه ما لم تبدر منهم زلة، فإن بدرت فحقده على قدر ذنبهم، ولا يُعاقب غير المذنب، ولا يُجاوز بالعقاب قدر المذنب. وروايتي: (من غير ذلة) و (يُذنب).

وقال:

أمَّا الفراقُ فإنَّه ما أهدُهوَ توأمي لو أنَّ بيناً يُولَدُ

قال أبو الفتح: أي لم يولد معه آخر فيضعفه، وقوله: لو أن بيناً يُولد تحرُّز واحتياط في الصنعة، ولو أطلقه، ولم يقيِّده لكان معروفاً.

قال الشيخ: لا والله ما درى ما فسره غير أن معنى البيت أنه ولد هو والفراق معاً، فهما توأمان لا يفترقان، لو كان الفراق يولد، لأنه منذ ولد صاحبه.

وقال في قصيدة أولها:

(لقدْ حازَني وجدٌ بمَنْ حازَهُ بُعْدُ ..................)

بمَنْ تشخَصُ الأبصارُ يومَ ركوبهِويُخرَقُ منْ زخْمٍ على الرَّجُلِ البُرْدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

قال أبو الفتح: أي يزدحم الناس للنظر إليه لجلالته. وبمن متعلقة إن شئت بتروي، وإن شئت بينبت، والتقدير بجود من أو بسبب من.

قال الشيخ: ما أغنى الناس وهذا البيت عن هذا الإغراب في الإعراب، ومعناه: يتزاحم الناس على رؤيته لجلاله وجماله حتى يكثر الاضطراب، وتُخرق فيه الثياب.

وعندي قًباطيُّ الهُمامِ ومالُهوعندهمُ ممَّا ظفِرتُ بهِ الجَحْدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

قال أبو الفتح: وقوله وعندهم مما ظفرت به الجحد دعاء عليهم بأن لا يُرزقوا شيئاً، حتى إذا قيل لهم: هل عندكم خيرُ أو برٌّ من هذا الممدوح؟ قالوا: لا، فذلك هو الجحد، لأن لا حرف نفي هنا، أو لجحد ما رُزقوا إن كانوا رُزقوا شيئاً ليكون ذلك سبيلاً لانقطاع الخير عنهم.

قال الشيخ: هذا المعنى معطوف على ما قبله، وهو قوله:

فلا زلتُ ألقَى الحاسدينَ بمثلِهاوفي يدِهم غَيظٌ وفي يديَ الرِّفدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

وعندي حباء الممدوح وماله، وعندهم جحد ما أُعطيته وإباء الإقرار به من الغيظ، وما فيه دعاء عليهم بأن لا يُرزقوا ولا يُرزقوا.

وقال في أرجوزة، أولها:

(وشامخٍ منَ الجبالِ أقودِ ..................)

يَنشُدُ من ذا الخِشْفِ ما لمْ يفقِدِوثارَ منْ أخضرَ ممطورٍ ندِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وشامخ من الجبال أقود»

قال أبو الفتح: ينشد: أي يطلب من هذه الخشفان مل لم يفقده، فوضع الخِشفَ مكان الخشفان، أي: فثار من مكان أخضر.

قال الشيخ: ما معنى وضع الواحد مكان الجمع، ولم يذكر إلا واحداً؟ وما هذا التعسف؟ وهو يقول: يطلب من ذا الخِشفَ ما لم يفقده، فإن النِّشدان للضالة والمفقود، وهذا الكلب ينشده، ولما يفقده.

كأنَّه بَدْءُ عِذارِ الأمردِفلمْ يكدْ إلاَّ لحتفٍ يهتدي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وشامخ من الجبال أقود»

قال أبو الفتح: أي كأن نبت هذا الموضع شعر في خد أمرد، أي: فهو مُحيِّن، فلا يهتدي إلا لحتفه، فكأنه يطلب حتفه لسرعة مُضيه إليه.

قال الشيخ: شبه خضرة ذلك المزار بخضرة بدء العذار، وتفسير الثاني فاسد، لأنه إن كان

يصف به الكلب، فهو لا يجوز بحالٍ، فإن الخشف لولا الكلب ما اهتدى لحتفٍ، وإن كان يصف الخشف لم يمض إلى الكلب، وإن أراد سرعة الكلب، فهو أفسد، فأنه بلا كأنه يطلب حتفه، ويُسرع إليه. ومعناه: إن الخشف لم يكد يهتدي لما ثار من مريضه إلا لحتفه وحينه إذ صاده الكلب، وما اهتدى لنجاةٍ وخلاص.

وقال في قصيدة أولها:

(أَودُّ منَ الأيَّامِ ما لا تَودُّهُ ..................)

بِوادٍ به ما بالقُلوبِ كأنَّهوقدْ رَحلُوا جْيدٌ تناثرَ عِقْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال أبو الفتح: أي قد بقي الوادي عُطلاً متوحشاً لرحيلهم عنه كالجيد إذا

سقط عقده. وقوله: ما بالقلوب، أي: قد قتله الوجد لفقدهم، كقوله:

لا تحسبوا ربعَكُم ولا طلَله ..................

ويجوز أن يكون شبه تفرق الحُمول والظعن بدّرٍّ قد تناثر، فتفرق.

قال الشيخ: لم يبعُد من المعنى إلا أنه لم يحسن العبارة، وهو يقول: بوادٍ، فيه من الكآبة والوحشة والألم لفراقهم ما بالقلوب، وذلك أنه كان آهلاً مؤنساً بحلولهم، فصار قفراً موحشاً برحيلهم، وكانوا زينة ذلك الوادي وحليته، وكالعقد للجيد، فتناثرت جواهره بفراقهم.

تولَّى الصِّبا عنِّي فأخلفتَ طيبَهوما ضرَّني لَّما رأيتُكَ فَقْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال أبو الفتح: أي سروري بك سروري بأيام الصِّبا، فإذا رأيتك فما أُبالي إن زال عني الصِّبا.

قال الشيخ: ليس فيه شيء من المبالاة، ومعناه: إذا أخلفت عليَّ من الميعة والنشاط والمرح والاغتباط ما ذهبت به الأيام

مع الصبا، وما ضرني فقد الصبا لما رأيتك، لأن فوائده حصلت لي بلقائك، فما ضرني توليه، وقد أخلفت عليَّ مما حمدته فيه.

فإنْ نلتُ ما أمَّلتُ منكَ فربَّماشربتُ بماءٍ يُعجزُ الطَّيرَ وِردُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال أبو الفتح وجه المدح في هذا البيت: إنني بعيد المطالب شريفُها، فجئتك لأنك غاية الطالب، فإذا وصل إليك الطالب، فقد بلغ غاية المطلوب، وغير منكر لي أن أنال المطالب الشريفة حتى إنني لأقدر على شُرب ماء، لا يصل إليه الطير. والماء والمرعى إذا بعُدا، فإن ذلك أجمُّ لهما وأحمد لورودهما.

قال الشيخ: ما أدري هذا التفسير الذي لا يقبله عقل سليم، ولا اشتغلت بوجوه فساده لطال الكلام في إيراده، وإذا بيَّنَّا معناه تبين كل ما عناه، وهو يقول: فإن نلت أملي منك فبعد شدائد مارستها في قصدك ولابستُها حتى وصلت إليك وربما شربت بماءٍ تعجز الطير عن وروده في المهامه التي جُبتُها حتى وصلت إليك، كقوله: حلَّت الخمر، وكانت حراماً،

يصف المكاره التي أصابها والمهالك التي جابها حتى وصل إليه، ويجعلها حقاً له عنده وذريعة إلى نيل أمله منه.

وقال في قصيدة أولها:

(حسَمَ الصُّلحُ ما اشتهتْهُ الأعادي ..................)

وأشارتْ بما أتيتَ رجالٌكنتَ أهدى منها إلى الإرشادِ

قال أبو الفتح: أي أشار قوم عليك بالشِّقاق فعصيتهم، وكنت أرشد منهم.

قال الشيخ: إن كانت روايته أبيت بالباء من الإباء، فالتفسير صحيح كما فسره، وإن كانت كروايتنا بالتاء معجمة فتفسيره نقيض ما قاله الشاعر وعناه، فإنه صالح وما حارب، وأولها ينبئك عنه:

حسَمَ الصُّلحُ ما اشتهتْهُ الأعادي ..................

أي: أشار عليك قوم بالصلح الذي أتيت، وكنت لأمتن رأياً وأثقب بصيرة وأقوم بالإرشاد عنهم.

أو يكونَ الوليُّ أشقى عدوٍّبالذي تَذخرانهِ منْ عَتادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

قال أبو الفتح: أو أن يقتل بعضكم بعضاً بما تدَّخرون من السلاح ما يقع بينكم من الحرب فيصير من يشقى به عدواً، لأنه إنما يُعد السلاح للعدو لا للولي، فإذا قتل به بعضكم بعضاً صرتم أعداء.

قال الشيخ: لم أفهم والله ما هذا التفسير، وعندي أنه يقول: أعوذ بكما أن تستعملا عتادكما وسلاحكما بينكما، فإن رجالكما أولياء دولةٍ وأغصان دوحةٍ، فيصير الولي أشقى عدوٍّ.

وقال في قصيدة أولها:

(عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ؟ ..................)

لم يتركِ الدَّهرُ من قلبي ومنْ كبدِيشيئاً تتيِّمُه عينٌ ولا جيدُ
للشاعر فهد العسكر، من قصيدة «يا عيد عدت فأين الروض والعود»

قال أبو الفتح: أي فقد زال الغزل عني، وأفضت بي الأمور إلى الجد والتشمير.

قال الشيخ: هذا معنى،

وعندي أنه يقول: أفنى الدهر بضروب صروفه ومنكوده دون معروفه قلبي وكبدي، وأكلهما حتى لم يبق فضل فيهما للعشق، وكأنه ينظر إلى قوله:

رماني الدَّهر بالإزراءِ حتَّىفُؤادي في غشاءٍ من نبالِ
فصرتُ إذا أصابتني سِهامٌتكسَّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ
للشاعر جرمانوس فرحات، من قصيدة «أخفت بمنظري كلا فأجرى»

والدليل عليه قوله بعده:

يا ساقييَّ أخمرٌ في كؤوسكما؟أم في كؤوسكما همٌّ وتسهيدُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
أصخرةٌ أنا مالي لا تُغيِّرنيهذي المدامُ ولا هذي الأغاريدُ؟

وهذه ليست من الجد في شيء.

مِنْ كلِّ رِخوِ وِكاءِ البطنِ منفتقٍِلا في الرِّجال ولا النِّسوانِ معدودُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: الوكاء ما يُشد به القربة ونحوها، ومنفتق، أي رخوُ مسترخٍ بُدناً وترارةً. ورفع معدوداً على أنه من جملة ثانية، كأنه قال: لا هو معدود في الرجال ولا النساء.

قال الشيخ: هذا الاسترخاء الذي ذكره صحيح في وكاء البطن والانفتاق أيضاً، فأما في البُدن والترارة فلا، وقد يكون في السُّودان بُدن، فأما الترارة فلا، فإنها السمن في البضاضة ونضارة اللون، وشتان الحبشية والنُّوبة، وهذه الصفة محبوبة. وقد صرح المتنبي ما أورده. ولعل الشيخ أبا الفتح تنزه عن شرح ذلك، وإلا فهو أبين من أن يرتاب فيه، فقد وصفه برخاوة وكاء البطن وإنفتاقه حتى لا يقدر وكاؤه على إمساك ما فيه وإيثاقه، فهو يسيل دائماً بما فيه، وقد يكثر في الخدم مثله.

وقال في قصيدة أولها:

(جار نيروزُنا وأنتَ مُرادُه ..................)

ينثني عنك آخرَ اليومِ منهُناظرٌ أنتَ طرْفُه ورقُادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال أبو الفتح: أي إذا انصرف عنك في آخر اليوم خلف عندك طرفه ورقاده، فبقي عندك بلا لحظٍ ولا نومٍ إلى أن يعود إليك.

قال الشيخ: ليس يريد تخليف الطرف والرُّقاد، فإنه محال، وإنما يرجع عنك ناظر منه آخر اليوم، أنت لحظته وسنته وراحته، فيبقى بعدك حيران بلا تصرف ولا مستلذ حتى يعود

إليك، وفي شعره:

مضى اللَّيلَّ والفضلُ الذي لكَ لا يمضيورُؤياكَ أحلى في الجفونِ منَ الغُمضِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي»

وللبحتري:

فإن تكلَّفتُ صبراً عَنك أو مُنيتنفسي به فهوَ صبرُ الطَّرفِ عن وَسَنِه
للشاعر البحتري، من قصيدة «رحلت عنك رحيل المرء عن وطنه»
نحنُ في أرضِ فارسٍ في سرورٍذا الصَّباحُ الذي يُرَى ميلادُهْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: أي فكأنه لنا في كل يوم ميلاد، فنحن كل يوم في سرور، لأن الصباح كل يوم يُرى. يريد اتصال سروره.

قال الشيخ: عندي أن معنى البيت مما ذكره على أبعد مسافة، فإن شرحه له أحاديث خرافة، ولست أفهم معنى قوله، أي: فكأنه لنا في كل يوم ميلاد، ولا معنى قوله: لأن الصباح كل يوم يُرى، فخياله مما خبط فيه وافترى.

ومعناه عندي: أنا في سرور بفارسٍ للنيروز وإقامة آيينه والمتاع بتزايينه، ثم قال: ذا الصباح، أي: صباح يوم النيروز ميلاد هذا السرور.

كيف يَرتدُّ منكبي عنْ سماءٍوالنِّجادُ الذي عليه نِجادُهْ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال أبو الفتح: كان قد حمل إليه فيما حباه به سيفاً ذا قيمة نفيساً. يريد طول حمائل سيفه لطوله.

قال الشيخ: هذا والله طول فاحش بارد. سمعت لأبي نؤاس:

وموفٍ على هامِ الرِّجالِ كأنِّمايُناطُ نجادا سيفهِ بلواءِ

ولم أسمع: نجادا سيفه بسماء. إن كان هذا طول ابن العميد، فيا له من طول، وإن طال المتنبي بتقلد سيفه، فيا له من كلام مدخول ومعناه عندي: إن منكبي لا يرتد عن سماء ومزاحمتها عزّاً ومنعةً وشرفاً وأبَّهةً، وحمالة سيفه عليه كم يُقال: فلان يأخذ عنان السماء، ويزاحم منكب الجوزاء في نظائر لها.

مثَّلُوهُ في جفنهِ خَشيةَ الفقْدِ ففي مِثْلِ أُثْرهِ إغمادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال أبو الفتح: كان جفن السفينة مغشى فضة منسوجة عليه، فكأنهم حلوه بهذه الفضة التي على جفنه صوناً له من الفقد لئلا يأكل جفنه، أي: هو يُغمد من الفضة في مثل أثره.

قال الشيخ: قوله إلى حيث قال: (صوناً له) سديد، ثم ما بعده من المعنى بعيد، لأن قوله: يأكل جفنه عبارة عن صيانة الجفن لا عن صيانة السيف، ومعنى قوله: خشية الفقد، أن

ذلك السيف يُعرف بجفنه المُحلى كفرنده فيما بين سائر السيوف، فيُصان ولا يُذال ولا يُهان، ويحرس عن وصول الافتقاد إليه والضياع والاستراق وسائر أنواع الافتراق، فيبقى بمكانه لنفاسته وتفرده بجفنه لحراسته.

فرَّستْنا سوابقٌ كنَّ فيهِفارقتْ لِبْدَهُ وفيها طِرادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال أبو الفتح: أي جعلتنا فرساناً وسوابق، يعني خيله التي قادها إليه. وقوله: كن فيه، أي: في نداه، أي: كان في جملة ما أعطانا خيل سوابق، وفارقت لبده، أي: انتقلت إلى سرجي، وفارقت سرج ابن العميد، وفيها طِراده، أي: صرت معه كأحد من في جملته، فإذا سار إلى موضع سرت معه، وطاردت بين يديه، فكأنه هو المطارد عليها، لن ذلك بأمره، وطلب الحظوة عنده قوله فيها، أي عليها.

قال الشيخ: هذا التفسير إلى قوله: (وفيها طِراده) سديد، وما بعد الطراد طرادٌ طريد، ومعناه عندي: فارقت سرجه ولبده، وفيها أدبه ورياضته كقوله له:

وقد علَّمتُ نفسي القولَ فيهمكتعليمِ الطِّرادِ بلا سنانِ

وكقوله:

تثنَّى على قدر الطِّعان كأنَّمامفاصُلها تحتَ الرِّماحِ مراودُ
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «بنفسي هيفاء المعاطف ناهد»
هل لُعذري إلى الهُمامِ أبي الفضلِ قَبولٌ سَوادُ عيني مِدادُهْ؟

قال أبو الفتح: أي قد رضيت أن يجعل المداد الذي يكتب به قبول عذري سواد عيني حباً له وتقرباً منه واعترافاً له بالتقصير.

قال الشيخ: هذا الذي ذهب إليه لا بأس به لو لم يكلف الممدوح أن يكتب إليه بقبول عذره، فيكون سواد عينه مداد كتبه قبول عذره. وهذا مع ما فيه من امتهان الممدوح أساطير الأولين على أن عبارة التفسير بعيدة من البيت. والمعنى عندي أنه يقول: على وجه الدعاء سواد عيني كان مداده عذري إليه عن تقصيري في خدمته ومدحته.

رُبَّ ما لا يُعبِّرُ اللَّفظُ عنهوالذي يُضمِرُ الفُؤادُ اعتقادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال أبو الفتح: أي ورب حسن من لفظك لا يلحقه لفظي، وإن كنت أقرُّ به بقلبي.

قال الشيخ: لفظ البيت لا يؤدي شيئاً مما ذكره. البيت في وادٍ وتفسيره في وادٍ،

وعندي أنه يقول: ربما لا يعبر اللفظ عن ذات نفسه ولا يفصح بودائع صدره، فيكون اللفظ قاصراً

بعينه على أداء تمام العبارة واعتقاد الفؤاد ما يضمره. والمعنى: إن لفظي قاصر عن أداء الواجب في وصف فضائلك واعتذاري عن قصوري في خدمتك، فاللفظ لا يبين عنه فيورده، والقلب يضمره ويعتقده.

عَددُ عشتَه يَرى الجسمُ فيهأَرَباً لا يراهُ فيما يُزادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال أبو الفتح: أي والأربعون عدد السنين التي إذا تجاوزها الإنسان نقص عما يعهد من أحواله في جسمه وتصرفه، فلذلك اخترت أن جعلت هذه القصيدة أربعين بيتاً، ولم أزد على ذلك.

قال الشيخ: سقت إليك من الأبيات عدد سنِّك في السنوات، وهي عدد اجتماع الأشد، يرى الجسم فيه أرباً من الصحة والقوة والمنعة والشدة والنهية والقدرة وجودة الخاطر وحدة الذكاء، ما لا يراه فيما يُزاده عليها، فإن وراءها نقائض هذه الأحوال، فاقتصرت في مديحك عليها لما لها من الفضائل وفي الزيادة عليها من النقائض.

وقال في قصيدة أولها:

(نَسيتُ وما أنسى عِتاباً على الصَّدِّ ..................)

فإمَّا تريْني لا أُقيمُ ببلدةٍفآفةُ غِمدي في دُلوقِيَ منْ حدِّي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: الدُّلوق سرعة انسلال السيف، وسيف دلوق ودالق، إذا كان سريع السَّلَّة، أي: إن الذي ترينه من شحوبي وتغيري إنما هو لمواصلتي السير وتطواف البلاد لبعد همتي وتنائي مطلبي كما أن السيف الحاد إذا كثر سلُّه وإغماده أكل جفنه.

قال الشيخ: ما كنت أتعرض لرد اللُّغات المدخولة في هذا الكتاب غير أنه إذا رأيت ما يناقض موضوعه عليه فلابد من ذكري صحته وصوابه، وهو يقول: الدُّلوق سرعة انسلال السيف، وسيف دلوق إذا كان سريع السَّلَّة. وليس في موضوع اللغة ولا شيء من السَّل والانسلال، وإنما الدَّلق والدُّلوق خروج الشيء من مخرجه سريعاً، يُقال: دلق السيف من غمده، إذا خرج وسقط من غير أن يُسل، واندلق السيف من جفنه إذا شقه حتى يخرج منه، وتهذيب اللغة ناطق به، والرجل ليس يقول: فإما تري شحوبي وتغيُّر لوني، فإنما يقول: إما تري قلة مقامي ببلدةٍ، وما في هذا مما ذكره شيء،

ومعناه عندي أنه لا تسع همتي بلدة، بل تضيق عنها حتى أرحل منها. وما في تلك البلدة عيب ولا آفة غير أنها لا تحتمل همتي،

فتضيق عنها كما أنه ليس لغمد السيف الدُّلوق آفة، وإنما آفته مضاءُ السيف وحدَّته.

وليسَ حياءُ الوجهِ في الذِّئبِ شيمةًولكنَّه مِنْ شيمةِ الأسَدِ الوَرْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال أبو الفتح: أي وحياء الوجه ليس بمزرٍ بهم ولا غاضٍّ منهم كما أنه لا يعيب الأسد حياؤه، وإنما القِحة في الذئب لخبثه، يصفهم بشدة الإقدام مع إفراط الحياء.

قال الشيخ: ما في هذا البيت من معناه شيء من الإزراء والغض فنفاه عنهم، وما كان الحياء مزرياً بأحد قط، وهي من الأخلاق المحمودة، ولهذا قال النبي ﷺ: (الحياءُ منَ الإيمانِ). وقيل:

فلا واللهِ ما في العيشِ خيرٌولا الدُّنيا إذا ذهبَ الحياءُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إذا جاريت في خلق دنيئا»

ومعناه استشهاد لما تقدم إذ يقول:

وأوجهُ فتيان حياءً تلثَّموا ..................

ثم قال: حياؤهم لكرمهم وإقدامهم كحياء الأسد ورئاسته بخلاف قحة الذئب وخساسته.

إذا ما استحينَ الماَء يعرضُ نفسَهكرَعْنَ بِسبْتٍ في إناءِ من الوّرِدْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: يقول إذا مرت هذه الإبل بالمياه التي غادرتها السيول فلكثرتها صارت كأنها تعرض أنفسها عليها، فتشرب منها، فكأنها مستحيية منها لعرضها نفوسها عليها، وإن كان لا عرض هناك ولا استحياء في الحقيقة. وكرعن: شربن من إدخال أكارع الشَّاربة في الماء للشرب، ويعني بالسِّبت: مشارفها للينها ونقائها، وجعل الموضع المتضمن للماء لكثرة الزهر فيه كإناء له من ورد.

قال الشيخ: في هذه الرواية خطيئتان فاحشتان، إحداهما استحين، وهو استجبن لا غير،

والثانية بسبتٍ، وهو بشيبٍ لا غير. والشيخ أبو الفتح لم يسمع منه (العميديَّات) وما بعده، لأنه لم يلقه بعد خروجه من بغداد، إلى فارس، فهاتان وأخواتهما وقعت من هذه الجهة، فكيف يتصور الاستحياء من الإبل، ولِم إذا عرض نفسه وجب أن يستحي منه هذا الاستحياء؟ من أين يلزم الإبل للماء؟ وأين الإبل من الاستحياء؟ والرجل يقول: إذا ما استجبن عارضاً نفسه عليها كرعن بشيبٍ فيه، وهو صوت مشافر الإبل عن الشرب، وعرض الماء نفسه عليها اعتراضه لها في طريقها، كأنه يدعوها إلى نفسه باعتراضه لها، واستجابتها له ورودها مناقعه المحفوفة بزهر الربيع، فهذا معنى العرض والدعاء والإجابة،

والشِّيب كثير في وصف شرب الإبل، كما قال ذو الرُّمَّة:

تداعينَ باسمِ الشِّيبِ في مُتَثَلَّمٍجوانبهُ من بَصرَةٍ وسِلامِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حييا بالزرق دار مقام»

في نظائر لها كثيرة.

وتنسُبُ أفعالُ السُّيوفِ نفوسَهاإليهِ وينسُبْنَ السُّيوفَ إلى الهنْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال أبو الفتح: الهاء في نفوسها تعود إلى الأفعال، وذلك أن أفعال السيوف أشرف من السيوف، أي: من هذه الحدائد، فأفعال السيوف تتشبه بأفعاله في مضائه وحدته. وينسُبن السيوف إلى الهند، أي: ينسبن هذا الحديد إلى الهند، إلا ترى أنه

يقال: سيف هندي، ووسيف يمانٍ، وفعل السيف أشرف منه، فكذلك أنت أشرف من الهند.

قال الشيخ: قوله فأفعال السيوف تتشبه بأفعاله في مضائه وحدته مشتبه عليَّ، لا أعرف معناه، ولست أفهم ما أراد بما أفرده وأبداه، غير أن المعنى عندي أن ضرباته تُباين ضربات غيره حتى كل من رآها عرف أنه صاحبها، فكأنه لشهرتها تُنسب إليه، فهذا معنى نسبته أفعال السيوف نفوسها إليه. وينسبن، أي: هذه الأفعال تُنسب سيوفها إلى الهند لجودة مضائه وجودة الضربات وسعة الجراحات، فكل من رآها تبين أن الضربات عميدية، والسيوف هندية، فكأن تلك الضربات تعرف ضاربها ومضاربها.

إذا الشُّرفاءُ البيضُ مَتُّوا بقَتْوهِأتى نسَبٌ أعلى منَ الأبِ والجَدِّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال أبو الفتح: أي إذا انتمى الكرام إلى خدمته كان أشرف لهم من انتمائهم إلى آبائهم.

قال الشيخ: المعنى ما ذكره، غير أنه عرج عن إظهاره بتمامه، فكأنه أراد به شرف النسب، والعبارة عن الشرفاء بالكرام فاسد، وقد قيدها بالأب والجد، وهذا لا يُخفى على أحد.

يُغيِّرُ ألوانَ اللَّيالي على العِدابمنشورةِ الرَّاياتِ منصورةِ الجندِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت و ما أنسى عتابا على الصد»

قال أبو الفتح: من عادة الليل أن يكون أسود، فإذا سار فيها بعساكره وائتلق بريق الحديد عليه بما يُسايره من النيران إما للاستضاءة وإما لإحراق ديار أعدائه، فانجابت الظلُّمة، فتغير لون الليل ببريق الحديد. وقوله على العِدا، أي: يقصد بجيوشه ديار عدوه.

قال الشيخ: فسر من البيت نصفاً، وأغفل نصفاً، وأراد بالليالي هاهنا: الليالي والأيام ليس الليالي وحدها كما قال ابن الرُّومي:

خصيمُ اللَّيالي والغواني مُظلَّمُوعهدُ الغواني واللَّيالي مذمَّمُ
فظُلمُ اللَّيالي أنَّهنَّ أشَبنَنيلعشرينَ يحدوهنَّ حولٌ مجرَّمُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خصيم الليالي والغواني مظلم»
وظلمُ الغواني أنَّهنَّ صرمنَنيلظلمِ اللَّيالي إنَّني لمظلَّمُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خصيم الليالي والغواني مظلم»

وكقول المتنبي:

ونرتبطُ السَّوابقَ مُقرَباتٍوما يُنجينَ من خَبَبِ اللَّيالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

وهذا كثير في الكلام فاشٍ، فتغيير ألوان الليالي ما فسره غير أن ائتلاق الحديد

وبريقه فاسد، فإن الحديد لا يأتلق في الظلام بتةً، فأما النيران فنعم كما ذكره. تُضيء الليالي بكثرة نيران عسكره نزولاً

كما قال الأول:

وما خطبنا إلى قومٍ بناتِهمُإلاَّ بأرعنَ في حافاتهِ الخَرَقُ
للشاعر الأعشى، اقرأ القصيدة

وكثرة مشاعلهم وشموعهم سفراً، والأيام تغير ألوانها بكثافة الغبار وإثارة العجاج وكثرة الدخان كما قال:

والباعثُ الجيشِ قد غالت عجاجتُهضوَء النَّهار فصارَ الظُّهرُ كالطَّفَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

وكما قال:

ليُلها صُبحها منَ النَّار والإصباحُ ليلٌ منَ الدُّخانِ تِمامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا افتخار إلا لمن لا يضام»
حَثَتْ كلُّ أرضٍ تُربةٌ في غُبارهِفهُنَّ عليهِ كالطَّرائقِِ في البُرْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال أبو الفتح: أي إذا مرَّ هذا العسكر بأرضٍ سوداء علاه غبار أسود، وإذا مرَّ بأرضٍ حمراء علاه غبار أحمر، وإذا مر بتربة غبراء علاه غبار أغبر، فقد صارت عليه هذه الألوان

كطرائق وألوان في بردٍ، ويصفه أيضاً ببُعد السرية، لأنه يمر بأرضين وتُربٍ مختلفة الألوان.

قال الشيخ: قارب المعنى وفارقه، ثم سفسفه فخالفه، والرجل يقول: جيشه يعم المشرقين ويشمل الخافقين، فتثور تربة كل أرض بلونها من حوافر خيله، فترتفع في الهواء، فتصير عليه كطرائق البُرد كما قال:

خميسٌ بشرقِ الأرضِ والغربِ زحفُهوفي أُذُنِ الجوزاءِ منه زمامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

وكما قال:

تَساوت به الأقطارُ حتَّى كأنَّما ..................

وقال في قصيدة أولها:

(أَزائِرٌ يا خيالُ أم عائِدْ؟ ..................)

وممطرَ الموتِ والحياةِ معاًوأنتَ لا بارقٌ ولا راعدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

قال أبو الفتح: أي كنت تقتل أعداءك وتُحيي أولياءك، فكأنك سحاب تبرق وترعد، وليس في الحقيقة سحابٌ.

قال الشيخ: ليت شعري، ماذا في البرق والرعد من الإماتة والإحياء؟ وإن كان فيهما، فلمَ لم يشرح حالهما؟ ومعناه: إنك تمطرهما ولا تبرق ولا ترعد كالبارق: الرامي بالصواعق والراعد: الماطر للخلائق. وقريبٌ منه قوله:

فتىً كالسَّحابِ الجونِ يُخشى ويُتَّقىيُرجَّى الحيا منه وتُخشَى الصَّواعِقُ
سوافِكٌ ما يدعنَ فاصلةًبينَ طريِّ الدِّماءِ والجاسِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

قال أبو الفتح: كأنه قال: ما يدعن بضعة ولا مفصلاً إلا أسلنه دماً.

قال الشيخ: لم أفهم تفسيره، ومعناه عندي: إن رماحه تسفك مُهج أعدائه دائماً، ما يتركن فاصلة بين الدم والطَّري والجامد، بل يسفحنها دائماً بلا إجمام.

إذا المنايا بدتْ فدعوتُهاأُبدلَ نوناً بدالهِ الحائدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

قال أبو الفتح: أي يصير الحائد حائناً، أي: إذا جاءت المنية صار بُعدك عن الموت سبباً للوقوع فيه، ولم يكن لك بد من لقائه، فضعَّف أولاً رأي وهسوذان، ثم رجع كأنه يعذره بأنه إذا أتت المنية لم يكن منها بد، ولم يتجه لأحدٍ دفعها، وقوله فدعوتها، أي: هذا قولها استعار ذلك، ولا قول لها.

قال الشيخ: الذي فسره وجه، لكن عندي أن معناه إذا بدت المنايا كان دعاؤها أن يكون الحائد فيها حائناً بها.

يُقلقُهُ الصُّبحُ لا يَرَى مَعَهبُشرى بفتحٍ كأنَّه فاقدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

قال أبو الفتح: معناه إذا أصبح، ولم يرد عليه من يُبشره بفتحٍ، قلق، كأنه امرأة، فقدت ولدها.

قال الشيخ: عندي أن تشبيهه بامرأة فاقدٍ قبيح فاسد، وتشبيه الملوك بالنساء غير جميل ولا

جائز، وهو إذا أصبح لا يُبشر بفتحٍ قلق، كأنه فقد شيئاً عزيزاً عليه.

فالأمرُ للهِ رُبَّ مجتهدٍما خابَ إلاَّ لأنَّهُ جاهدْ
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «طارت لقلع القلاع زلزلة»

قال أبو الفتح: أي ما أهلكك إلا أنك طلبت المُلك بتعرضك لهؤلاء القوم كما أنَّا قد نرى من يكون سبب خيبته اجتهاده في طلب الشيء.

قال الشيخ: ليس في شيء من الهُلك، فأما طلب المُلك فمعناه ينبئ عنه، والرجل يقول: الأمر لله والرزق والحرمان إليه وبيديه، (قل اللَّهم مالكُ المُلكِ) الآية. ثم قال: رب مجتهد كانت خيبته في اجتهاده وحرمانه في حرصه على مراده، كما قال: الحرصُ شُؤمٌ والمحروصُ محرومٌ.

وقال في قطعة أولها:

(سيفُ الصّدودِ على أعلى مُقَلَّدهِ ..................)

قالتْ: عنِ الرِّفدِ طِبْ نفساً فقلتُ لها:لا يصدرُ الحُرُّ إلاَّ بعدَ موردْهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وشادن روح من يهواه في يده»

قال أبو الفتح: أي ليس مثلي من طلب أمراً، فرجع عنه غير ظافرٍ به، فلابد لي إذاً من بلوغ ما أطلبه.

قال الشيخ: مدح المادح تفسيره، والمعنى عندي مدح الممدوح، والرجل يقول: أمرني أهلي بالقعود وطيب النفس عن طلب العطاء،، فقلت: لا صدر للحرِّ إلا بعد مورد الممدوح، فإنه يُغني الكرام عن اللئام والأحرار عن العبيد، والحرُّ لا يهدأ إلا بعد أن يعزَّ بوروده ويستغني بجوده، فإن نفس الحرِّ لا تصبر على الذُّل والضُّر، كأنه ينظر إلى قول القائل:

فلا زلتَ تلقَى عن كريمٍ يدَ امرئٍلئيمٍ وتُغني عن أخِ النَّقصِ فاضِلا

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «قشر الفسر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.