من «الإبانة عن سرقات المتنبي» لأبي سعد العميدي (ت ٤٣٣هـ)
الجزء الأول أَول الكتاب
أنشدنا ثقة من أهل الأدب بحلب لعبد السلام بن زُعبان الحمصي الملقب بديك الجنّ من قصيدة له أولها:
طَلَل تَوَهَّمَه فصاح مُسَلّماأضَنىً به أم ضَنّ أن يتكلما
دِعصٌ يُقل قضيبَ بان فوقهشمسُ النهار تُقِلّ ليلاً مظلما
قال المتنبي في قصيدة أولها:
كُفىّ أراني ويك لومك ألْوماهَمٌّ أقام على فؤاد أنْجَما
غُصْن على نَقَوَىْ فلاة نابتٌشمس النهار تُقِلّ ليلاً مظلما
مثل هذا البيت تسميه أصحابُه التوارد، ويسميه خصمُهم النسخَ والتعمدّ، وأنا أعرف أنه تعب في نظم هذا البيت فله فضيلة التعب.
قال ابن الرومي في قصيدة أولها:
أرضى بصورته وضنّ فأغضبافغدا المحبُّ منعَّما ومعذّبا
أغناه حسنُ الجيد عن لُبس الحُلَيوكفاه طِيبُ الخلق أن يتطيبا
قال المتنبي في أرجوزة يمدح بها أبا عليّ الأوارجي أولها:
ومنزل ليس لنا بمنزل
يصف فيها الظبي:
أغناه حسنُ الجيد عن لُبس الحُلِيوعادة العرى عن التفضل
قال العلوي الكوفي المعروف بالحِمّانى في أول قصيدة له يصف بريّةً أولها:
أعاده من عقابيل الصبا عيدوعاد للّوم فيه اليوم تفنيد
تيهاء لا يتخطاها الدليل بهاإلا وناظره بالنجم معقود
قال المتنبي:
عقدت بالنجم طرفي في مفاوزهوحُرَّ وجهي بحرّ الشمس إذ أفلا
وقال دعبل في هذا المعنى، وأبلغ وأوجز وزاد على من تقدم:
ودويّة أنضيت فيها مطيتيوجيفاً وطرفي بالسماء موكل
وفي هذه القصيدة يقول دعبل:
سمعت به للجنّ في كل ساعةعزيفاً كأن القلب منه مُخبَّل
قال المتنبي:
لو كنتَ حشوَ قميصي نُمرِقهاسمعت للجن في حافاتها زَجلا
وهذا مأخوذ من قول الأعشى في قصيدته:
ودّع هريرة إن الركب مرتحل
يقول:
وَبَلْدَة مثل ظهر الترس موحشةللجنّ بالليل في حافاتها زجل
لكثير عزة:
رمتني بسهم ريشه الهُدبُ لم يُصبظواهر جلدي وهو للقلب صادع
أبو الشيص يقول:
يُصْمين أفئدة الرجال بأسهمقد راشَهُنّ الكُحل والتهذيب
قال المتنبي:
راميات بأسهم ريشها الهدبُ تشقّ القلوب قبل الجلود
قال ابن الرومي:
إذا تمشّى يكاد يُقعدهرِدفٌ كمثل الكثيب رَجراجُ
قال المتنبي:
بانوا بخرعوبة لها كفلٌيكاد عند القيام يقعدها
لبعض العرب ذكره ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار:
لي همة فوق السماكِ وباب رزقي الدهرَ مُغلق
هل ينفع الحرصُ الكثييرُ لصاحب الرزق المُضَيَّق
إن امرأ أمِن الزمان لمستغرّ العقل أحمق
قال المتنبي:
فالموت آتٍ والنفوس نفائسٌوالمستغر بما لديه الأحمق
ابن الرومي:
شكوى لو أنّىَ أشكوها إلى جبلأصمّ ممتنع الأركان لانفلقا
قال المتنبي:
ولو حُمّلتْ صُمُّ الجبال الذي بناغداة افترقنا أوشكت تتصدّع
لم يقصر المتنبي؛ أبدل الانفلاق بالتصدّع.
أبو تمام من قصيدة أولها:
أما إنه لولا الخليط المودَّعوربعٌ عفا منه مصيفٌ ومربع
له منظر في العين أبيضُ ناصعٌولكنه في القلب أسود أسفع
العطويّ في معناه:
أبعدك الله من بياضبيّضت من عينيَ السوادا
المتنبي:
أبعد بعدت بياضاً لا بياض لهلأنت أسود في عيني من الظلم
وقوله (أسود) في النحو ركيك، لم يسمع إلا في أبيات شواذَّ نوادر.
نصر الخبزأرزي:
وأسقمني حتى كأني جفونُهوأثقلني حتى كأني رَوَادفه
محمد بن أبي زُرعة الدمشقي، كان في أيام ديك الجن له من قصيدة:
أسقمني طرفة وحمَّلَنيمن الهوى ثِقلَ ما تحوى مآزره
للمئزر في هذا البيت حلاوة وطلاوة وطراوة.
ابن الرومي من قصيدة:
فكأن ليلَتَنا عليه لطُولهاثبتت تمخض عن صباح الموقف
لغيره:
يا ليل هل لك من صباحْأم هل لنجمك من براحْ
محمد بن هاشم، وهو المكَنَّى بأبي نبقة الشاري:
سَهِرت لَيْلِى فنوم العين متبولكأن لَيْلِى بيوم الحشر موصول
لغيره:
ألا يا ليل هل لك من براحِكأنك قد خُلِقت بلا صباح
قال المتنبي:
من بعد ما كان ليلى لا صباح لهكأن أولَ يوم الحشر آخرُه
وأعاد المتنبي فقال:
لُيَيْلتنا المنوطة بالتناد
ديك الجن:
تغدو إلى سيد يُحصَى الحصى عدداًفي الخافقين ولا تحصى فواضله
محمد بن حازم الباهلي أبو جعفر:
يُحصى الحصى ويُعد الرمل أصغرهولا تُعد ولا تحصى معاليه
قال المتنبي:
حُلوٍ خلائقه شوسٍ حقائقهتحصى الحصى قبل أن تحصى مآثره
العلوي الحِماني من أبيات له:
والسيف إن قسته يوماً بنا شَبَهاًفي الروع لم تدر عزماً أيّنا السيف
ربيع بن ثابت الرقى:
لست أدري أعزمةُ الدهر أمضىفي الأعادي أم كيدهُ أم حسامهُ
محمد بن مهدي العكبري أبو جعفر:
تشابه الأمر لا ندري أعزمتهسيفٌ أم السيف يوم الروع عزمته
قال المتنبي:
همام إذا ما فارَقَ السيفُ غمدهوعايَنْتَه لم تَدْرِ أيهما النصل
البحتري:
وملأت أحشاء العدو بلابلافأرتدّ يحسد فيك من لم يحسد
العبرتاي:
قمّع أحشاء حاسديه ولميتب غليل الحَشا من الحسد
قال المتنبي:
قطعتهم حسداً أراهم ما بهمفتقطعوا حسداً لمن لا يحسد
أبو هفّان:
تعجبت دُرُّ من شيبي فقلت لهالا تعجبي فطلوع البدر في السدَف
وزادها عجباً أن رحت في سَمَلوما درتُ درُّ أن الدُّرَّ في الصدف
الخبزأرزي:
حصلت منكم على ما ليس يقنعنيوكيف يُقنع سوءُ الكيل والحشف
وليس سكناي نقصاناً لمنزلتيفيكم كما الدرّ لا يزرى به الصدف
قال المتنبي:
لو كان سُكْنَايَ فِيكَ منقصةلم يَكُنِ الدرّ ساكنَ الصَّدَف
أبو بكر النحوي المعروف ببرمة:
وبيض تسافر ما إن تقيم لا في الرقاب ولا في القُرُب
بطئ رضاهن لكنهاغداةَ اللقاءِ سراعُ الغضب
ابن الرومي:
ما ضمّ سيفاً له غمد ولا برحتضريبتاه من الأعناق والجَزَر
قال المتنبي:
وبيضٍ مسافرة مَا يُقمْنَ لا في الرِّقاب ولا في الغمود
لقد تصبب عرقاً، وتقلب أرقاً، حتى أستنبط هذا المعنى البديع.
قال البحتري:
جَلّ عن مَذْهَب المديح فقد كاد يكونُ المديحُ فيه هجاَء
الخبزأرزي:
أنا في بحر جَدْواهغريقٌ بين أمواج
ومن قِلة ما أثنىعليه صرت كالهاجي
قال المتنبي:
وعُظم قدرك في الآفاق أوهمنيأني بقلة ما أثنيتُ أهجوكا
ابن الرومي:
أقسمت بالله ما استيقظتم لخناًولا وُجدتم عن العليا بنوّام
بشار بن برد:
وسهرتمُ في المكرمات وَكَسْبِهاسهراً بغير هَوىً وغيرِ سَقام
قال المتنبي:
كثيرُ سهادِ العين من غير علّةيؤرّقه فيما يشرّفه الذِّكر
ابن الرومي:
وقد سَارَ شعري الأرضَ شرقاً ومغرباًوغَنَّى به الحَضْر المقيمون والسَّفْر
قال المتنبي:
همُ الناس إلا أنهم من مكارميُغَنّى بهم حَضْر ويحدو بهم سَفْر
أبو حوية السكسكسي:
وينظر في العواقب غيرَ غِرّبعلم غدٍ وأحداثٍ الزمان
ابن قتيبة أنشد لبعض العرب أبياتاً منها:
بصير بأعقاب الأمور برأيهكأن له في اليوم عيناً على غد
قال المتنبي:
ماضي الجَنَان يُرِيه الحزمُ قبلَ غدٍبقلبه ما ترى عيناه بعد غد
وله أيضاً:
ترى عينه في يومه ما يرى غدا
المتبول الجزري:
يجود مَالاً على العافي سحابُهموتُمطِرُ الدّمَ أسيافٌ لهم قُضُب
محمود بن الحسين الورّاق الكوفي أبو الحسن النخاس:
إذا أروت الأرضَ أسيافُهممن الدم خِلتَ سحاباً همع
ابن الرومي:
سماءٌ أظلت كل شيء وأعملتسحائبَ شتى صوبُها المالُ والدمُ
قال المتنبي:
قوم إذا أمطرت موتاً سيوفُهمحسبتها سحباً جادت على بَلَد
ابن الرومي من قصيدة أولها:
الحب ريحان الفؤاد وراحه
يغدو فتكثرُ باللحاظ جِرَاحُنافي وجنتيه وفي القلوب جراحهُ
قال المتنبي:
ما باله لاحظته فتضرّجتوجناته وفؤاديَ المجروح
ابن الرومي:
طوفانُ نوحٍ دون هذا الندىفأبقَ بقاَء المصطفى نوحِ
وله أيضاً:
يجود حتى يقول المادحون لهقد كاد أن يَخْلُف الطوفانَ طوفانُ
قال المتنبي:
وخشيت منك على البلاد وأهلِهاما كان أنذرَ قومَ نوح نوحُ
أبو القوافي الأسدي:
ردّت صنائعهُ عليه حياتَهفكأنه من نشرها منشورُ
مؤنس بن عمران البصري:
طوته المنايا والثناء كفيلُهبردّ حياة ليس يُخْلقها الدهر
قال المتنبي:
كفل الثناء له بردّ حياتهلما انطوى فكأنه منشور
بشار بن برد:
وإذا أقلّ لي البخيل عَذَرْتهإن القليل من البخيل كثير
ولآخر:
قليل منك يكفيني ولكنقليلك لا يقال له قليل
قال المتنبي:
وقنعت باللقيا وأولِ نظرةإن القليل من الحبيب كثير
ابن الرومي:
وأعوامٌ كأن العام يوموأيامٌ كأن اليوم عام
أبو تمام من قصيدة أولها:
دِمَنٌ ألَمَّ بها فقال سلامُ
أعْوامُ وصلٍ كاد يُنْسى طولَهاذكرُ النَّوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أعقبتنجوى أسىً فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلهافكأنها وكأنهم أحلام
قال المتنبي:
إن أيامَنا دهورٌ إذا غبتَ وساعاتنا القصار شهور
ومشرع هذا المعنى كثير الورّاد.
قال أبو تمام:
فما تترك الأيام من أنت آخذوما تأخذ الأيام من أنت تارك
المعوّج الرقي:
ما يُفسدُ الدهرُ شيئاً أنت تُصْلحهوليس يصلح شيئاً أنت تفسده
قال المتنبي:
وما تفتق الأيام ما أنت راتقولا ترتق الأيام ما أنت فاتق
أبو البيد البصري من قصيدة أولها:
أضاء لنا الأفق المظلمُبِيُمْنك وأفتُتِح المبهَمُ
مكارم تملأ سَمْعَ الأصمّعجباً فينكرها الأبكم
عمرو بن عروة بن العبد الكلبي:
أوضَحْتَ من طرق الآداب ما اشْتَكَلتدهراً وأظْهرتَ إغراباً وإبداعا
حتى فتحت بإعجاز خُصصتَ بهللعمى والصم أبصاراً وأسماعا
قال المتنبي:
أنا الذي نظر إلى الأعمى إلى أدبيوأسمعَتْ كلماتي من به صم
وبين أبيات الكلبي وبين هذا بون بعبد في النقد.
أبو العتاهية من قصيدة فيها:
هوّن عليك خطوبَ الدهر أجمعَهافالدهر في حالتيه السم والعسل
قد كنتُ صنتُ دموعي قبل فرقتهفاليوم كل مصون فيه مبتذل
ولآخر:
كل مَصُون فيك مبذولوكل قلب فيك مشغول
وكل ذي رأي وذي فطنةبسيف ألحاظك مقتول
معوّج الرقي:
هان من بعد بعدك الدّمعُ والصَّبْرُ وكانا أعَزّ خَلْق مصون
قال المتنبي:
قد كنت أشفق من دمعي على بصريواليوم كل عزيز بعدكم هانا
معقل العجلي أخو أبي دلف وكان يعمل أشعاراً ويلحنها مخارق:
ما في الملابس مفخر لذوي النهىإن لم يَزِنْها الجود والإحسان
ليس اللئم تزينُه أثوابهُوالميت ليس تزينه الأكفان
قال المتنبي:
لا يُعجبنّ مَضيماً حسنُ بِزَّتهوهل يروق دَفِيناً جودةُ الكفن
الخبزأرزي:
من فرط أشواقي ورقة عبرتيإني أغار عليك من مَلَكَيْكا
ولو استطعت حجبتُ لفظَك غَيرةًإني أراه مقبلاً شفنيكا
قال المتنبي:
أغار من الزجاجة حين تجريعلى شفة الأمير أبي الحسين
وهذا الكلام لا يخرج إلا من سوء أدب وقلة معرفة بخدمة الملوك لأن الغيرة تكون من المحب على المحبوب فأما من المملوك على المالك ومن المادح على الممدوح فضرب من قلة التمييز لا غير.
ولجابر بن الطائي السنبسي مليح الشعر من أبيات مشهورة:
خيل شوازب أمثال الصقور لهافوارس لا يخافون الردى بُسُل
كأنهم خلقوا والخيل تحتهموهم أسود وفي أنيابها الأجل
قال المتنبي:
وكأنها نُتجَتْ قياماً تحتهموكأنهم خلقوا على صهواتها
أبو تمام من قصيدته المعتصمية:
لو لم يقد جحفلا يوم الوغى لغدامن نفسه وحدها في جحفل لجب
قال المتنبي:
الجيش جيشك غير أنك جيشهفي قلبه ويمينه وشماله
وأظن هذا البيت مما قال النبي ﷺ إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحراً.
السيد الحميري:
قوم نِبالهمُ ليست بطائشةوفيهم لفساد الدين إصلاح
ويفصحون عن المعنى بألسنةكأنما هي أسياف وأرماح
البحتري:
وإذا تألق في الندىّ كلامه المصقول خلت لسانه من عضبه
قال المتنبي:
كأن ألسُنَهم في النطق قد جعلتعلى رماحهم في الطعن خُرْصَانا
والرماح والخرصان بمعنى واحد وإن اختلف اللفظان، وهذا من سوء العبارة والبيان.
المعوج الرقي من قصيدة أولها:
ليست مغازلة الغزلان من عمليفعاشق المجد يأبى طعنة الغزل
أعطيت ملكاً جليلا لا انتقال لهما البدر عن فلكه يوما بمنتقل
قال المتنبي:
أعيا زوالك عن محل نلتهلا تخرج الأقمار عَنْ هالاتها
امرؤ القيس بن حجر:
ألم تر أني كلما جئت طارقاًوجدت بها طيباً وإن لم تَطَيب
بشار بن برد:
وزائرة ما مَست الطيبَ برهةًمن الدهر لكنْ طيبُها الدهرَ فائح
الخليع الأول:
وزائرة ما ضمّخَتْ قطُّ ثوبَهابمسك ومن أثوابها المسك يسطع
ينمّ عليها ريقها وحُليُّهاوغُرّتها في الليل والليل ادرع
قال المتنبي:
وزائرة ما خامر الطيبُ ثوبهاوكالمسك من أردانها يتضوع
ابن الرومي:
لو أبى الراغبون يوماً نداهلدعاهم إليه بالترغيب
وله أيضاً:
له نائل ما زال طِلْبَةَ طالبومرْتَادَ مرتاد وخاطِبَ خاطِبِ
الخبزأرزي:
وينفق أمواله في طلاب طُلاَّبها طائعاً مستديما
قال المتنبي:
وعطاءُ مال لو عَدَاه طالِبٌأنفقتَه في أن يلاقي طالبا
قَيْلٌ بمَنْبِجَ مثواه ونائلُهفي الأفق يَسْأل عمن غَيْرَه سألا
وله في هذا المعنى:
لو اشتَهت لحم قاريها لَبَادَرَهاخَرَادلٌ منه في الشِيزى وأوصالُ
وهو يعيد هذا المعنى في مواضع كثيرة وأعاده في مواضع شتى بألفاظ مختلفة تنبئ على قدرته في الكلام وقوّته على إبداع النظام وبينهما بون.
الخبزأرزي:
صدعُ الزجاجة صدعٌ غير ملتئمبحيلة وكذاك الصدع في الكبد
كأنما كل ثكلى وهي باكيةتبكي بعيني وَتَضْنى من ضنى جسدي
قال المتنبي:
تلح جفوني بالدموع كأنماجفوني لِعَيْنَي كُلّ باكيةٍ خدّ
البنديجي الكاتب:
أنت في الدهر كالطّرِيّ من الورد وفي الشعر كالبديع الغريب
فيك بِشْرٌ يُدنى النجاح من الراجي ويَقْضى بالنيل للمطلوب
قال المتنبي:
ذُكِرَ الأنامُ لنا فكانَ قصيدةًكنتَ البديعَ الفردَ من أبياتها
العوني:
مضى الربيع وجاء الصيف يقدمهجيش من الحر يرمى الأرض بالشرر
كأن بالجوّ ما بي من جوى وهوىومن شحوب فلا يخلو من الكدر
المتنبي:
كأن الجو قاسى ما أقاسيفصار سواده فيه شحوبا
قال الهمذاني:
ونغّص دهر الشيب عيشي ولم يكنينغصه إذ كنتُ والرأس أسود
يُخَصّ زمانُ الشيب بالذم وَحْدَهوأيّ زمان يا بثينةُ يحمد
قال المتنبي:
من خصّ بالذم الفراقَ فإننيمن لا يرى في الدهر شيئاً يُحْمد
ابن حماد الكاتب وهو بغدادي مطبوع كان في أيام أبي نواس يعمل أبياتاً ينحلها إليه ليغري به العوام:
لم تنبُ عن غرض مشاقصهيوماً ولم تعدل ولم تثب
حسن الإصابة ليس يخطئ فيوضع الهناء مواضع النقب
فسهامها مما انتظمن قناًلولا النصولُ وموضع العَقَب
قال المتنبي:
يصيب ببعضها أفواق بعضفلولا الكسر لاتصلت قضيبا
لمحمد بن كناسة الأسدي وكان مليح الشعر من أبيات رواية الكميت:
ترى خيلهم مربوطة بقبابهموفي كل قلب من سنابكها وقع
قال المتنبي:
قيام بأبواب القباب جيادهموأشخاصهم في قلب خائفهم تعدو
جابر بن رَألان السنبسي:
وإذا انحنت مثل الضلوع قناتهفي الحرب ثقفها بصدر مغاور
كم طعنةٍ في أثنين قد نفذت لهسلكي فخاطت أولاً بالآخر
قال المتنبي:
ولربما أطر القناةَ بفارسوثنى فقوّمها بآخرَ منهم
معوج الرقي:
أشتاقه فإذا بداأطرقت من إجلاله
لا خيفةً بل هيبةًوصيانةً لجماله
وأذم طيفاً لم يَطُفحولي زمانَ وصاله
ومن البلية أننيمغرى بحبّ خياله
قال المتنبي:
إني لأبغض طيف من أحببتهإذ كان يهجرنا زمان وصاله
ومنها:
وكأنما قَذِىَ النهارُ بِنَقْعهإذ غضّ عنه الطرف من إجلاله
ديك الجن:
أخا الرأي والتدبير لا تركبِ الهوىفإن الهوى يُرديك من حيث لا تدري
ولا تثقَنْ بالغانيات وإن وفتوفاءُ الغواني بالعهودِ من الغَدْر
أبو تمام:
ولا تحسبا هنداً لها الغَدْرُ وحدَهاسجيةُ طبعٍ كلُّ غانية هند
فإن حقدت لم يبق في نيلها رضىوإن رَضيت لم يبق في قلبها حقد
قال المتنبي:
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدهاومن عهدها ألا يدوم لها عهد
لعلي بن يحيى المنجم من أبيات يغنى بها:
وجه كأن البدرَ ليلةَ تِمِّهمنه استعار النورَ والإشراقا
وأرى عليه حديقةً أضحى لهاحَدَقي وأحداقُ الأنام نطاقا
قال المتنبي:
وخصر تثبت الأبصار فيهكأن عليه من حدق نطاقا
لقد أبدع المتنبي حتى أتعب.
الكميت بن زيد وهو أبو المستهل الأصم الكوفي من قصيدة طويلة:
ومستلئمات دارعات تشبهتبفرسانها في الحرب ليس لها ذعر
يخضن بحار الموت من غير ذلةتخال بها سكراً وليس بها سكر
قال المتنبي:
لها في الوغى زِيُّ الفوارس فوقهافكلُّ حصان دارعٌ متَلَثِّمُ
وما ذاك بخلا بالنفوس على القناولكن صدم الشر بالشر أحزم
وأما قوله صدم الشر بالشر أحزم فهو مركب على شعر كعب بن معدان، الأشقري من أشراف خراسان في قوله:
همام بحد السيف يحمى ذمارهفما جانب من عزه يتثلم
يهون عليه الموتُ خوف افتضاحهيرى أن صدم الموت بالموت أحزم
أو من قول هشام أخي ذي الرمة:
ولم ينسني أوفى المصيبات بعدهولكن نَكْأ القرح بالقرح أوجع
لزبينا النصراني أبي إسحاق من رأس العين:
وما انتضينا السيوفَ يومَ وغىًإلا وفي الرأس نحن نغمدها
قال المتنبي:
لعلمها أنها تصير دماًوأنه في الرقاب يغمدها
قال الخبزأرزي:
فوا عجبا حتّامَ يُمطر نَاظِريإذا هو أبدى من ثناياه لي برقا
وقد سبقه بشار في قوله:
إذا ابتسمت جفوني بوابلمن الغيث أجرته بُرُوقُ المباسم
قال المتنبي:
تبلّ خديّ كلما ابتسمتمن مطر بَرْقُه ثناياها
لعبد الصمد بن المعدل:
يعطيك فوق المنى من فضل نائلهوليس يعطيك إلا وهو يعتذر
قال المتنبي:
يعطيك مبتدئاً فإن أعجلتهأعطاك معتذراً كمن قد أجرما
صالح بن أبي حيان الحلبي الطائي:
صَبَرت ومن يصبر يجد غِبَّ صبرهألذَّ وأحلى من جني النحل في الفم
قال المتنبي:
فثب واثقاً بالله وثبة ماجديرى الموتَ في الهيجا جني النحل في الفم
أبو تمام:
لو حار مرتاد المنية لم يجدإلا الفراق على النفوس دليلا
قال المتنبي:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدتلها المنايا إلى أرواحنا سبلا
لأبي ثروان السعدي:
عش بجهل تصبح وأنت غنيأو بعقل تصبح وأنت فقير
أبو مسلم محمد بن صبيح صديق الجمار:
فعيش ذي العقل في هم وفي نكدوذو الجهالة في خصب وفي فرح
أبو الفتح الإسكندراني:
اختر من الكسب دوناًفإن دهرك دون
زَجّ الزمان بحمقإن الزمان زبون
لا تُكْذَبَنّ بعقلما العقل إلا جنون
لمحمد البجلي الكوفي:
هذا الزمان مشومكما تراه غشوم
الجهل فيه جميلوالعقل غثّ ملوم
والمال طيف ولكنعلى اللئام يحوم
قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهوأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
لمحمد البيدق الشيباني من أهل نصيبين:
إني لأنصف من إخائك دائماًحاشاك من ظلم فلم لا تنصف
الظلم طبعك والعفاف تكلفوالطبع أقوى والتكلف أضعف
قال المتنبي:
والظلم من خلق النفوس فإن تجدذا عفة فلعلة لا يظلم
لنصر بن سيار بن رافع وقد تقلد خراسان وكان شاعراً لطيفاً:
ولربما نفع العدو بعقلهولربما ضرّ الصديق الجاهل
قال المتنبي وقد ملح الأبيات:
وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني كامل
هذا والله أحسن، وأخذه في قصيدة أخرى:
ومن العداوة ما ينالك نفعهومن الصداقة ما يضر ويؤلم
وبين أبيات نصر والمتنبي للمتأمل بون بعيد.
أبو العتاهية:
الصدق إيمان وربّتماعند الضرورة ينفع الكذب
والحلم من خلق الكرام وكمنَزَق به يتسهّل الصعب
قال المتنبي:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونهإذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
لأبي الحسن علي بن المهدي الكردي من قصيدة له:
ما أنس يوم تعانقنا وعلّلنيمن ريقه صَافياً ما شَابَهُ كُدَرَ
أبصرته فرأيت الشمس طالعةًوالشمس تغشى فيغشى دونها البصر
هذا على أن حول الشمس من شَعَرٍليلٌ يقال له الأصداغ والطرر
أنا القتيل وطرفي قاتلي ودميما بين طرفي ومن عُلِّقْته هدر
لدعبل:
لا تأخذوا بظلامتي أحداًقلبي وطرفي في دمي اشتركا
قال المتنبي:
وأنا الذي أجتلب المنيةَ طرفُهفمن المطالِبُ والقتيلُ القاتلُ
لأشجع السلمي:
وعلى عدوّك يا بنَ عمّ محمدرَصَدان ضوءُ الصبح والإظلام
فإذا تنبّه رُعْتَه وإذا غفاسَلَّتْ عليه سيوفَك الأحلام
قال المتنبي:
يرى في النوم رُمْحَك في كُلاهويَخْشى أن يراه في السُّهاد
وإذا تأملت الأبيات رأيت بين كلام المتنبي وبين كلام السلمي بوناً بعيداً لأن المتنبي أراد بذكر السهاد اليقظة المطابقة النوم فأفسد المعنى لأن السهاد انتفاء الكرى ليلاً والمستيقظ في حاجته نهاراً لا يسمى ساهداً وهذا لقلة معرفته بأصول اللغة.
لأبي تمام:
شاب رأسي وما رأيت مشيب الرّأس إلا من فرط شيب الفؤاد
فنقل المتنبي الشيب من الفؤاد إلى الكبد وقال:
إلاّ يَشبْ فلقد شابَتْ له كبدٌشَيْباً إذا خَضَّبَتْه سَلْوَةٌ نصلا
لأبي نواس:
وما على الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
الناشئ في عليّ ﵁ وأرضاه:
وغير بدع أن نرى عالماًركبه الخالق في عالِم
قال المتنبي:
هديةٌ ما رأيت مُهْدِيَهاإلا رأيت الأنام في رجل
وكرّره في موضع آخر فقال:
يستجمع الخلق في تمثال إنسان
أبو تمام:
أفي الحق أن يُضْحى بقلبي مَأتَمٌمن الشوق والبلوى وعيناي في عرس
العوني:
تحت أضلاعي اللهيب وعينيفي رياض من الجمال تجول
قال المتنبي:
حشاي على جمر ذكي من الهوىوعيناي في روض من الحسن ترتع
ولو قال ترتعان كان أصوب وأبلغ لولا ضرورة القافية.
بشار بن برد:
فلا يُسَرُّ بمال لا يجود بهوليس يقنع إلا بالذي يهب
البحتري:
ما احتجّ يوماً كما احتجّ البخيل ولايحبّ من ماله إلا الذي يهب
قال المتنبي:
إذا حازَ مالاً فقد حازهفتى لا يسر بما لا يهب
قال البحتري:
وإذا اعتفاه المعتفون فإنهيهب العلا في نَيْله الموهوب
قال المتنبي:
إذا أكتسب الناس المعالي بالندىفإنك تعطى في نداك المعاليا
أبو العتاهية:
أحييت ذكراً طيباً نشرهتفصيله أذكى من المجمل
وأنت فرعٌ طيبٌ أصلُهلا بد للآخِرِ من أول
قال المتنبي:
أشرب ولذّ فللأمور أواخرأبداً إذا كانت لهن أوائل
قطري بن الفجاء:
حتى انصرفت وقد أصبتُ ولم أصَبْجذعَ البصيرة قارحَ الإقدام
قلبه البحتري فقال:
ملك له في كل يوم كريهةإقدامُ غِرٍّ واعتزام مجرب
وقلبه أبو تمام فقال:
ومجربون سقاهم من بأسهفإذا لقوا فكأنهم أغمار
وقال أيضاً:
كهل الأناة فتى الشدَاة إذا غداللحرب كان الماجد الغطريفا
قال المتنبي:
تدبيرُ ذي حُنَك يفكر في غدوهجومُ غِرٍّ لا يَخَاف عواقبا
لأبي نواس في صفة الكلب في طرديته:
يجمع قُطريه من أنضباره.
قال المتنبي:
يجمع بين متنه والكلكلوبين أعلاه وبين الأسفل
ثابت بن قطنة العتكي:
هدانا الله بالقتلى نراهامصلبة بأفواه الشعاب
قال المتنبي:
إذا سَلَكَ السَّماوةَ غيرُ هَادٍفقتلاهم لعينيه مَنارُ
أبو تمام:
ولطالما أمسى فؤادُك منزلاومَحِلَّة لظباء ذاك المنزل
وله أيضاً:
وقفت وأحشائي منازلُ للأسىبها وهي قفر قد تعفّت منازله
البحتري من قصيدة أولها:
نِعمّ المغاني يوم صحراء مرثد
منازل أضحت في الفؤاد منازلافأصبحت منها بين نُؤْى وموقد
المعوج الرقي:
كم وقفنا على الطلول وجُنابسحاب من الدموع يُهلّ
يا محل الآرام والعِين أهلالك في القلب منزل ومحلّ
قال المتنبي:
لك يا منازل في القلوب منازلأقفرت أنت وهن منك أواهل
لكثير عزة:
رمتني بسهم رِيشُه الهدبُ لم يُصبْظَواهِرَ جلدي وهو للقلب صادع
وقد مضى في موضع آخر في سرقة أخرى.
قال المتنبي:
رامياتٍ بأسهم رِيشُها الهدْبُ تشق القلوبَ قبل الجلود
لابن الرومي:
أخشى عليك اشتعال الذهن لا حَذَرا
قال المتنبي:
أشفق عند أتقاد فكرتهعليه منها أخاف يشتعل
أبو تمام:
ورحب صدر لو أن الأرض واسعةكوسعه لم يضق عن أهلها بلد
قال المتنبي:
تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبتكصدره لم تضق فيها عساكره
للناشئ:
لما عطفن رءوسهنإلى الظعائن في الكلل
قدرتهن لعشقهنّطلبن منهن القبل
قال المتنبي:
ويُغيرُني جذبُ الزمام لقلبهافَمَها إليك كطالب تقبيلا
البحتري:
تلقاه يقطر سيفُه وسنَانُهوبنانُ راحته دماً ونجيعا
قال المتنبي:
ملك سنان قناته وبنانهيتباريان دماً وعرفاً ساكبا
ابن الرومي:
أعندي منقضّ الصواعق منكماوعند ذوي الكفر الحيا والثرى الجعد
قال المتنبي:
ليت الغمامَ الذي عندي صواعقهيُزيلُهنّ إلى من عنده الدِّيَم
لبشار بن برد:
وكل موجود إذا ما نأىمَنْ أنا أهواهُ فمعدوم
قال المتنبي:
وجداننا كل شيء بعدكم عدم
لبشار بن برد:
إذا رضيتم بأن نُجْفَى وسَرَّكمقولُ الوشاة فلا شكوى ولا ضجرا
صالح غلام أبي تمام، ونسب هذا في غير موضع لابن الرومي:
إذا ما الفجائع يكسبن ليرضاك فما الدهر بالفاجع
قال المتنبي:
إن كان سرّكم ما قال حاسدنافما لجرح إذا أرضاكم ألم
دعبل بن علي الخزاعي:
ولست أرجو انتصافاً منك ما ذرفتعيني دموعاً وأنت الخصمُ والحكم
قال ابن الرومي:
غدا الدهر لي خصماً وفيَّ مُحَكَّمافكيف بخصم ضَالعٍ وهو يحكم
قد أعدت هذين البيتين فيما يجئ.
قال المتنبي:
يا أعدل الناس إلا في معاملتيفيك الخصام وأنت الخصم والحكمُ
لمعقل أخي أبي دلف العجلي:
إذا لم أميز بين نور وظلمةبعينيّ فالعينان زورٌ وباطل
ولمحمد بن أحمد بن أبي مرّة المكي:
إذا المرء لم يدرك بعينيه ما يُرىفما الفرق بين العُمى والبصراء
قال المتنبي:
وما انتفاع أخي الدنيا بناظرهإذا استوتْ عنده الأنوار والظُّلمَ
للعوني:
وإذا أشتكى الإنسان صرف زمانهوأراد ثروته فأنت الموعد
قد كنتُ مرحوماً لفرط خصاصتيفاليوم إذ قبّلت كفّكَ أحسَدُ
قال المتنبي:
أزل حسد الحسّاد عنّي بكبتهمفأنت الذي صيّرتهم لي حُسّدا
إذا سأل الإنسانُ أيامَه الغنىوكنتَ على بُعدٍ جعلتك موعدا
منصور بن سلمة بن الورقاني النمري:
إني مقرّ بالخطيئة عائذٌبجميل عفوك فأعفُ عني منعما
وإذا عفوت عن الكريم ملكتَهوإذا عفوت عن اللئيم تجرّما
قلدتني نعماً بها استعبدتنيورأيت إتيان المكارم مغنما
قال المتنبي:
إذا أنت أكرمتَ الكريمَ ملكتهوإن أنت أكرمتَ اللئيم تمرَّدا
وأما قوله وإن أنت فخطأ وإن جاز مثله للشاعر، ولقد تعب في مسخ هذا البيت قوّاه الله تعالى.
ولبعض العرب:
ولا يكشف الغمّاَء إلا ابن حرّةيرى غمرات الموت ثم يزورها
نقاسمهم أسيافَنا شرَّ قسمةففينا غواشيها وفيهم صدورها
قال المتنبي:
وكنتَ السيفَ قائمهُ إليهاوفي الأعداء حَدُّكَ والغِرارُ
للحسن بن عمرو الأباضي:
تولَّى والرماح تناوشتهوبين يديه نقع مستطار
وأيقن أن فلتَتَه حياةٌووقْفته هلاك أو إسار
وأحْصَنُ درعِه هربٌ وأوْقىسلاحٍ يستعين به الفرار
قال المتنبي:
إذا فاتوا الرماحَ تَنَاوَلَتْهمبأرماحٍ من العَطَشِ القِفَارُ
مركب على قوله تولّى والرماح تناوشته، ونهب الآخر في قوله:
ولذّهم الطراد إلى قتالأحدّ سلاحهم فيه الفرار
ومثل هذا يدل على ضعف البصيرة بالسرقة لأنه جاء بأبياته على روىّ الأباضي وقافيته.
أبو تمام في قصيدته المعتصمية المعروفة:
ضوءٌ من النارِ والظلماءُ عاكفةٌوظلمةٌ من دخان في ضُحىً شَحِبِ
قال المتنبي:
إذا صرف النهارُ الضوَء عنهمدَجَا ليلان ليلٌ والغبار
ولأبي تمام فيها:
غادرت فيهم بهيم الليل وهو ضحىيشله وسطها صبح من اللهب
قال المتنبي:
وإنْ جنحُ الظلام أنجاب عنهمأضاَء المشرفِيّةُ والنهار
للحسن بن أبي طلحة بن أبي البختري القرشي مات بطبرستان:
تُركت رءوس رءوسهممقسومةً بين الرياح
وتجرعوا ألم الجراح وما رأوا سمر الرماح
قال المتنبي:
تحمل الريحُ بينهم شَعَر ألْهام وتُذْرى عليهم الأوصالا
أبصروا الطعن في القلوب دراكاًقبل أن أبصروا الرماح خيار
أشهد أن المتنبي لم يقصر في جودة الأخذ والتحرز من ركوب القافية.
لزيد بن طرمة من الطائف لقيه الأصمعي وروى عنه:
ودّوا لو أن دروعهم من ثقلهاكانت عليهم قبل ذاك مدارعا
ورموا من الجزع السيوف فأصبحتلجميعهم عند الأسار جوامعا
قال المتنبي:
ينفض الروعُ أيدِياً ليس تَدْريأسيُوفاً حَمَلْن أم أغلالا
لقد أفسد ونقص من صنعة الرجل وملاحة كلامه.
أبو العتاهية:
وإذا الجبان رأى الأسنة شرعاعاف الثبات فإن تفرّد أقدما
قال المتنبي:
وإذا ما خلا الجبان بأرضطلب الطعن وحده والنزالا
لمسلم بن عياش العامري:
وخيل مؤدبة لا تزالقوائمها عالكاتِ اللجم
تحنّ إلى الحرب من غير أنتقاد وما أقلقتها الحُزُم
وقد ستر النقع أعرافهافآذانها كرءوس القلم
قال المتنبي:
قاد الجياد إلى الطعان ولم يقدإلا إلى العادات والأوطان
إن خُلّيَتْ رُبِطَتْ بآداب الوغىفدعاؤها يغنى عن الأرْسَان
في جحفل ستر العيونَ غبارُهفكأنما يبصرن بالآذان
لمحمد بن مسلم المعروف بابن المولى:
ما زلت تقرعهم في كل معتركضربا يحل محل الشيب باللمم
ترى الجماجم منه غير آمنةوسائر الجسم منها صار في الحرم
قال المتنبي:
خَصَّ الجماجمَ والوجوهَ كأنماجاءت إليك جسُومُهم بأمان
وقال الخليع الأكبر:
تعوّد البذلَ والإنعامَ في صِغرفليس ينفكّ في جود وأفضال
وجاد بالمال حتى قال سائلهكأنه ليس يدري قيمة المال
قال المتنبي:
حتى يقول الناسُ ماذا عاقلاويقول بَيْتُ المالِ ماذا مُسْلِمَا
بُكم الخرس أحسن من هذا الكلام العامي الغث، والنظام الفاسد الرث.
لعلي بن هارون المنجم:
كريم نهته النفس عن شهواتهاووفتْه أقساط المعالي بلا بَخْس
إذا لم تكن نفس ابن آدم حرّةًتحنّ إلى العليا فلا خير في النفس
قال المتنبي:
تلك النفوسُ الغالباتُ على العُلاوالمجدُ يغلبها على شهواتها
أبو تمام:
فإن لم يَفِد يوماً إليهن طالبٌوفدن إلى كُلّ امرئ غير وافد
وله أيضاً:
وَفَدتْ إلى الآفاق من نفحاتهنعم تسائل عن ذوي الإقتار
قال المتنبي:
وأنفسهم مبذولة لوفودهموأموالهم في دار من لم يفد وفد
لأبي عيينة بن المهلبي:
لك في المشكلات إن غال أمرٌوبدا من زَمانِ سوء عُرام
همة لا يفلّها صرفُ دهرٍواعتزامٌ لا يعتريه ظلام
قال المتنبي:
ليس عَزْماً ما مَرّضَ المرءُ فيهليس هَمّاً ما عاقَ عنه الظلام
لأبي تمام وإن سبق لهذا المعنى ولكنه زاد وملّح:
وقد ظُلِّلت عِقبانُ أعلامهِ ضحىًبِعقبان طير في الدماء نواهلِ
أقامت مع الرايات حتى كأنهامن الجيش إلا أنها لم تقاتلِ
والصنعة في هذين البيتين عجيبة جدّاً لا يعرفها إلا مبرز في صنعة الشعر.
قال المتنبي:
سحاب من العِقبان تزحف تحتهاسحابٌ إذا استسقت سَقَتْها صوارمه
ولم يسمع بأن السحابة تسقي ما فوقها إلا على طريق القلب والعكس وأراد الاستطعام فجعله استسقاء.
لأبي الهندي الرياحي:
لا تغبطن ذليلا في معيشتهفالموت أهون من عيش على مضض
لا يوجع الصخرَ نحتُ المرء جانبَهولا من الذل ذو لبّ بممتعض
قال المتنبي:
ذل من يغبط الذليل بعيشرب عيش أخف منه الحمام
من يهن يسهل الهوان عليهما لجرج بميت إيلام
لم يستحل المتنبي أن يسرق بيتاً واحداً فشفعه بآخر شرهاً.
للحصين بن حمام:
يطأن من القتلى ومِنْ قِصَدِ القناخياراً فلا يجرين إلا تجشما
قال المتنبي:
يطأن من الأبطالِ مَنْ لأحَمَلْنَهومِن قِصَد المُرَّانِ ما لا يقوّم
الوزنان واحد والرويان واحد إلا أن الحصين قال قصد القنا وقال المتنبي قصد المران فأتعب خاطره.
لأبي عمران الضرير الكوفي:
لست أدري كيف ابتليت بقوملا يخافون ربهم حُسّادِ
حسدوني على الحياة ومَنْ ليبحياة أنال فيها مرادي
قال المتنبي:
ولكني حسدت على حياتيوما خير الحياة بلا سرور
لأبي تمام:
كثرت خطايا الدهر فيّ وقد يُرىبِنَداكَ وهو إليّ منها تائب
قال المتنبي:
حالا متى علم ابن منصور بهاجاء الزمان إليّ منها تائبا
للمعوج الرقي (أستاذ الصنوبري):
نفسي فداءُ غَزَال قد برى جسديإيعاده وتلا الإيعادَ إعراض
ولّي فقلت له والنفس جازعةوالجسم أضنته آلامٌ وأمراضُ
تركتَنِي غرضَ الآفات قال كذاأفاضل الناس للآفاتِ أغراضُ
قال المتنبي:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن
لأبي مريم البجلي من شعراء خراسان:
وقفت بها والعين تحكى سحابةولكنها تهمى دماً متدفقا
أرَى نُؤْيَها جسمي نحولا ودِقَّةوسُفعَ الأثافي مثلَ قلبي تحرقا
قال المتنبي:
أثافٍ بها ما بالفؤاد من الصَّلَىونؤْىٌ كجسمي ناحلٌ متهدم
للبحتري:
كالرمح فيه بضعَ عشرةَ فقرةمُنْقَادةً تحت السنان الأصيد
قال المتنبي:
فكل أنابيب القنا مددٌ لهوما تَنْكتُ الفرسانَ إلا العوامل
تم الجزء الأول من كتاب الإبانة عن سرقات المتنبي لفظاً ومعنى ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى تأليف الإمام الفاضل أبي سعيد محمد بن أحمد العميدي رحمه الله تعالى وغفر له وللمسلمين آمين.
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٦١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع