تجاوز إلى المحتوى

قد علم البين منا البين أجفانا

المتنبيالبسيطالعصر العباسي

اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه

عن القصيدة

«قد علم البين منا البين أجفانا» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٤١ بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون.

بحر البسيط: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن · قصائد أخرى رويّها النون

من هذه القصيدة في كتب التراث

معنى قول المتنبي

قَد عَلَّمَ البَينُ مِنّا البَينَ أَجفانا

تَدمى وَأَلَّفَ في ذا القَلبِ أَحزانا

قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول قد علم البين اجفانا منا أي اجفاننا البين فما تلتقي سهرا كما قال، وفرق الهجر بين الجفن والوسن، وقوله تجمي من صفة الاجفان كأنه قال اجفانا دامية وجعل البين يؤلف الحزن إغراباً في الصنعة.

شرح القصيدة بيتًا بيتًا
  1. ١

    قَد عَلَّمَ البَينُ مِنّا البَينَ أَجفانا

    تَدمى وَأَلَّفَ في ذا القَلبِ أَحزانا

    الواحدي: يقول قد علم البين اجفانا منا أي اجفاننا البين فما تلتقي سهرا كما قال، وفرق الهجر بين الجفن والوسن، وقوله تجمي من صفة الاجفان كأنه قال اجفانا دامية وجعل البين يؤلف الحزن إغراباً في الصنعة.

  2. ٢

    أَمَّلتُ ساعَةَ ساروا كَشفَ مِعصَمِها

    لِيَلبَثَ الحَيُّ دونَ السَيرِ حَيرانا

    الواحدي: يقول رجوت حين ساروا أن تكشف معصمها أي تظهره عند ركوب الهودج ليراه الحي فيتحيروا عن السير ويقفوا.

  3. ٣

    وَلَو بَدَت لَأَتاهَتهُم فَحَجَّبَها

    صَونٌ عُقولَهُمُ مِن لَحظِها صانا

    الواحدي: يقول لو ظهرت لهم هذه المرأة لحيرتهم ولكن حجبها صون صان عقولهم عن لحظها يعني أنها صانت نفسها عن البروز والظهور وذاك الصون صان عقولهم عن لحظها واللحظ مصدر يجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل ويجوز أن يكون مضافا إلى المفعول أي لو لحظوها لطارت عقولهم ولو لحظتهم لأخذت عقولهم.

    العكبري: الْغَرِيب تاه يتوه ويتيه إِذا تحير وأتاهه غَيره وتيهه وتوهه والصون الْحِفْظ وصنته حفظته وأخفيته الْمَعْنى يَقُول لَو ظَهرت هَذِه المحبوبة لَهُم لحيرتهم وَلَكِن حجبها صون صان عُقُولهمْ من لحظها يُرِيد أَنَّهَا صانت نَفسهَا عَن البروز والظهور واللحظ مصدر يجوز أَن يكون هُنَا مُضَافا إِلَى الْفَاعِل ومضافا إِلَى الْمَفْعُول أَي لَو لحظتهم لأخذت عُقُولهمْ من لحظها أَو لحوظها لطارت عُقُولهمْ

  4. ٤

    بِالواخِداتِ وَحاديها وَبي قَمَرٌ

    يَظَلُّ مِن وَخدِها في الخِدرِ حَشيانا

    الواحدي: ياقل حشى الرجل يحشى حشى فهو حشيان إذا أخذه الربو يقول يفدي بالإبل الواخدة والذي يجدوها وبي قمر يظل من وخد الواخدات حشيان قد علاه البهر ويروي بالخاء أي أنها تخشى سرعة سير الإبل لم تسافر قط.

    العكبري: الْغَرِيب الواخدات الْإِبِل وأصل الوخد للنعام وَاسْتعْمل فِي سير الْإِبِل وخد الْبَعِير يخد وخدا ووخدانا وَهُوَ أَن يَرْمِي بقوائمه مثل مَشى النعام فَهُوَ وأخد ووخاد والخدر خدر الْمَرْأَة وَهُوَ مَا يكنها ويحجبها وحشى بِكَسْر الشين فَهُوَ حش وحشيان إِذا أَصَابَهُ الربو وعلاه البهر قَالَ الشماخ (تُلاعِبُنِي إذَا مَا شِْتُ خَوْدٌ ... عَلى الأنْماطِ ذَاتُ حَشىً قَطيِعِ) أَي ذَات نفس مُنْقَطع من سمنها وَأنكر بعض من لَا يعرف اللُّغَة على أبي الطّيب لَفْظَة حشيان وَقَالَ لم أسمعها وَلم يسمع قَول الآخر (فَنْهنَهْتُ أولى القومْ عني بِضَرْبَةٍ ... تَنَفَّسَ مِنها كُلُّ حَشْيانَ مُحْجِرِ) الْمَعْنى أفدى بِالْإِبِلِ الواخدات وبحاديها وبنفسي قمرا يظل من سير الْإِبِل حشيان لترفه وَلِأَنَّهُ لم يتعود السّير وَلَا ركُوب الْإِبِل قَالَ الواحدي ويروى خشيان بِالْخَاءِ أَي أَنه يخْشَى من سرعَة سير الْإِبِل وهزها لَهُ وَهُوَ غير متعود لذَلِك

  5. ٥

    أَمّا الثِيابُ فَتَعرى مِن مَحاسِنِهِ

    إِذا نَضاها وَيَكسى الحُسنَ عُريانا

    الواحدي: يقول إذا خلع الثياب عريت من محاسنه لأنه يزين الثياب بحسنه وإذا عرى عن الثوب كان مكسوا بالحسن يقال كسوته ثوبا أكسوه وكسى يكسي فهو كاسٍ إذا اكتسى قال، يكسي ولا يغرب مملوكها، إذا تهرت عبدها الهاريه،

    العكبري: الْغَرِيب نضا الشَّيْء عَنهُ خلعه وأزاله ونضا ثَوْبه خلعه قَالَ امْرُؤ الْقَيْس (فَجِئْتُ وَقدْ نضتْ لِنَوْمٍ ثِيابها ... لَدى السَّترِ إلَاّ لِبْسَةَ المُتَفَضلِّ) الْمَعْنى يَقُول إِذا خلع الثِّيَاب عريت من محاسنه لِأَنَّهُ يزين الثِّيَاب بحسنه وَإِذا عرى من الثِّيَاب كَانَ مكسوا بِحسن تَقول كسوته ثوبا وكسى يكسى فَهُوَ كاس

  6. ٦

    يَضُمُّهُ المِسكُ ضَمَّ المُستَهامِ بِهِ

    حَتّى يَصيرَ عَلى الأَعكانِ أَعكانا

    الواحدي: يقول إن المسك يحبه كالمستهام به ويلتف عليه حتى يصير المسك اعكانا على اعكان بطنها والإعكان الأطواء في بطن الجارية يقال عكنة وعكن واعكان وتعكن بطن الجارية.

    العكبري: الْغَرِيب الأعكان جمع عكنة وَهُوَ مَا يتكسر فِي أَسْفَل الْبَطن من الشَّحْم وَيجمع على عُكَن أَيْضا وَمِنْه الحَدِيث أَن رجلا كَانَ عِنْد أم سَلمَة وَكَانَ يُقَال إِنَّه من غير أولى الإربة فَقَالَ لعبد الله بن أبي أُميَّة أخي ام سَلمَة إِذا فتح الله عَلَيْكُم الطَّائِف أدلك على ابْنة غيلَان فَإِنَّهَا تقبل بِأَرْبَع وتدبر بثمان فَلَمَّا سَمعه رَسُول الله قَالَ لَا يدْخل هَذَا عليكن الْمَعْنى يَقُول إِن الْمسك المحبته لَهَا يضمها ضم المستهام بهَا حَتَّى يصير الْمسك أعكانا على أعكان بَطنا الْمَعْنى يَقُول كنت أَخَاف على عَيْني من الْبكاء فَلَمَّا افترقنا هان على كل عَزِيز لبعدكم وَهَذَا مَنْقُول من قَول أبي نواس الْحسن بن هانىء فِي الْأمين (وكُنْتُ عَلَيْهِ أحْذرُ المَوْتَ وَحْدَهُ ... فَلَمْ يَبْقَ لي شَيءٌ عَلَيْهِ أُحاذِرُ) وَأَخذه أَبُو نواس من قَول امْرَأَة من الْعَرَب (كُنْتَ السَّوادَ لنِاظرِي ... فَعَلَيْكَ يَبْكِي النَّاظِرُ) (مَنْ شَاءَ بَعْدَك فَلْيَمُتْ ... فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحاذِرُ)

  7. ٧

    قَد كُنتُ أُشفِقُ مِن دَمعي عَلى بَصَري

    فَاليَومَ كُلُّ عَزيزٍ بَعدَكُم هانا

    الواحدي: أي أنه يهون عليه فقد البصر في البكاء على فراقهم.

  8. ٨

    تُهدي البَوارِقُ أَخلافَ المِياهِ لَكُم

    وَلِلمُحِبِّ مِنَ التَذكارِ نيرانا

    الواحدي: البوارق السحاب ذات البرق والأخلاق الضروع واستعار للمياه اخلافا لأنها تغذو النبات كما تغذو الأم بالإرضاع الولد يقول هذه البوارق تهدي لكم المياه وتذكي نيران شوقي لأنها تلمع من جانبكم الذي ارتحلتهم إليه فيتجددبها شوقي وذكري.

    العكبري: الْغَرِيب البوارق جمع بارقة وَهِي الَّتِي تكون فِي السَّحَاب والأخلاف الضروع واستعار لَهَا أخلافا الأنها تَغْدُو النَّبَات كَمَا تَغْدُو الْأُم بالإرضاع وَلَدهَا الْمَعْنى يَقُول هَذِه البوارق إِذا برقتْ بشرتكم بالقطر فَهِيَ تهدي إِلَيْكُم المَاء وتنبت لكم الْكلأ وتهدي لمن يحبكم نيران الشوق بتذكركم لِأَنَّهَا تلمع من نحوكم الَّذِي ارتحلتم إِلَيْهِ فيتجدد عِنْدهَا الشوق وَالْعرب تذكر موَاضعهَا وديارها بلمع البروق وَهُوَ فِي أشعارها

  9. ٩

    إِذا قَدِمتُ عَلى الأَهوالِ شَيَّعَني

    قَلبٌ إِذا شِئتُ أَن يَسلاكُمُ خانا

    الواحدي: يقول قلبي يشيعني ويطيعني في كل شيء إلا على السلو وقدمتمعناه تقدمت وقدمت وردت.

    العكبري: العريب قدمت تقدّمت وقدمت وَردت وشيعني تَبِعنِي وَمِنْه شيعَة الرجل التابعون لَهُ الْمَعْنى يَقُول لي قلب يطيعني ويتبعني فِي كل هول إِلَّا على السلو فَإِنَّهُ لَا يطيعني بل يخوني وَفِيه نظر إِلَى قَول البحتري (أحْنُو عَلَيْكِ وَفي فُؤَادي لَوْعَةٌ ... وَأصُدُّ عَنْكِ وَوَجْهُ وُدّيَ مُقبِلُ) (وَإذا طَلَبْتُ وِصالَ غيرِكِ رَدَّني ... وَلَهٌ عَلَيْكِ وَشافعٌ لكِ أوَّلُ)

  10. ١٠

    أَبدو فَيَسجُدُ مَن بِالسوءِ يَذكُرُني

    وَلا أُعاتِبُهُ صَفحاً وَإِهوانا

    الواحدي: يقول من يذكرني بالسوء في غيبتي إذا ظهرت له عظمني وخضع لي وأنا أعرض عن عتباه اهانةً له وإنما قال أهوانا لأنه أخرجه على الأصل ضرورةً كما قال الآخر، صددت فأطولت الصدود وقلما، وصال على طول الصدود يدوم، يريد فأطلت فجاء به على الأصل.

    العكبري: الْغَرِيب أبدو أظهر وإهوانا جَاءَ بِهِ على الأَصْل أهونته إهوانا كَقَوْل آخر (صَدَدْتَ فاطْوَلتَ الصدُودَ وَقلَّما ... وِصالٌ عَلى طولِ الصدُّودِ يَدُومُ) الْمَعْنى يَقُول إِذا ظهرت للَّذي يذكرنِي بالسوء فِي غيبتي عظمني وخضع لي وَأعْرض عَنهُ وَعَن عتابه إهانة لَهُ واحتقار بِهِ لِأَنَّهُ لَا يقدر أَن ينظر إِلَى فِي حضرتي إِذا كنت شَاهدا

  11. ١١

    وَهَكَذا كُنتُ في أَهلي وَفي وَطَني

    إِنَّ النَفيسَ غَريبٌ حَيثُما كانا

    الواحدي: يقول كنت وأنا في وطني وفيما بين أهلي غريبا قليل الموافق والمساعد ثم قال وكذلك الرجل النفيس العزيز غريبٌ حيث كان كما قال أبو تمام، غربته العلي على كثرة الأهل فأضحى في الأقربين جنيبا، فليطل عمره فلو مات في مرو مقيماً بها لمات غريبا،

    العكبري: الْغَرِيب الوطن الْمنزل الَّذِي يتوطنه الْإِنْسَان والنفيس الْعَزِيز الْكَرِيم الْمَعْنى يَقُول أَنا فِي وطني وَبَين أَهلِي غَرِيب قَلِيل الْمُوَافق والمساعد وَالرجل الْعَزِيز الْكَرِيم غَرِيب فِي وَطنه وَهُوَ من قَول الطَّائِي (غَرَّبَتْهُ الْعلَا عَلى كَثرَتِ الأهْلِ ... فَأضْحَى فِي الأقْلَابِين جَنَيبا) (فَلْيَطُلْ عُمْرُهُ فَلَوْ ماتَ فِي مرْ ... وَمُقِيما بِها لَماتَ غِرِيبا)

  12. ١٢

    مُحَسَّدُ الفَضلِ مَكذوبٌ عَلى أَثَري

    أَلقى الكَمِيَّ وَيَلقاني إِذا حانا

    الواحدي: قوله مكذوب على أثري من قول البرح التغلبي، يغتاب عرضي خاليا، وإذا يلاقينا اقشعر، ومن قول سويد بن أبي كاهل، ويحييني إذا لاقيته، وغذا يخلوا له لحمي رتع، وتقدير الكلام مكذوب عليّ على أثري أي يكذب عليّ إذا قمت وخرجت من مشهد ومجمع والشجاع إذا حان حينه لقيني في المعركة.

    العكبري: الْإِعْرَاب رفع محسد على خبر ابْتِدَاء تَقْدِيره أَنا محسد الْفضل الْغَرِيب أثرى خَلْفي وَوقت خروجي من مشْهد والكمى الرجل الْمُسْتَتر بسلاحه وحان حِينه إِذا قرب أَجله وَوَقته قَالَت بثينة (وَإنَّ سُلُوّى عَنْ جَمِيلٍ لَساعَةٌ ... منَ الدَّهرِ مَا حانَتْ وَلا حَان حِينْها) الْمَعْنى يَقُول أَنا مَحْسُود لفضلى ومكذوب على إِذا خرجت من مَوضِع لخوفهم مني وَلَا يقدر أحد أَن يدركني والشجاع إِذا حَان وقته وأجله لَقِيَنِي فِي معركة وَصدر الْبَيْت من قَول التغلبي (يَغْتاب عِرْضِيَ خالِيا ... وَإذا يُلاقِينا اقْشَعَرْ) وَمن قَول سُوَيْد بن أبي كَاهِل (وَيُحَيِّيِي إذَا لاقَيْتُهُ ... وَإذَا يَخْلُو لَهُ لَحمِي رَتَعْ)

  13. ١٣

    لا أَشرئِبُّ إِلى ما لَم يَفُت طَمَعاً

    وَلا أَبيتُ عَلى ما فاتَ حَسرانا

    الواحدي: يقال اشرأب إلى الشيء إذا تطلع نحوه والحسران فعلان من الحسرة.

    العكبري: الْإِعْرَاب ذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَن همزَة أشرئب أَصْلِيَّة وَهِي تزاد فِي مثل هَذَا الْموضع كثيرا نَحْو قَوْله اطْمَأَن وازمأر إِذا تهَيَّأ لِلْقِتَالِ واشمأز من الشَّيْء إِذا تقبض وَهَذِه الْأَمَاكِن تشهد لَهَا بِالزِّيَادَةِ لَا سِيمَا وَالْعرب إِذا اضطرت همزت أفعالا فَقَالَت أحمأر واسوأد الْغَرِيب أشرئب أتطلع إِلَى الشَّيْء وحسران فعلان من الْحَسْرَة الْمَعْنى يَقُول لَا أتطلع إِلَى شَيْء وَلَا أتحسر على شَيْء فَلَا أتطلع إِلَى مَا لم يفت وَلَا أتحسر على مَا فَاتَ وَهُوَ من قَول عبد القدوس (إنَّ الغَنِيَّ الَّذِي يَرْضَى بِعِيشَتِهِ ... لَا منْ يَظَلُّ عَلى مَا فاتَ مُكْتئبا)

  14. ١٤

    وَلا أُسَرُّ بِما غَيري الحَميدُ بِهِ

    وَلَو حَمَلتَ إِلَيَّ الدَهرَ مَلآنا

    الواحدي: يقول لا أسر بما آخذه من غيري لأنه المحمود على إعطائه ولو ملأت إليّ الدهر عطايا.

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَا أفرح بِمَا آخذه من غَيْرِي لِأَنَّهُ هُوَ الْمَحْمُود على عطائه وَلَو مَلأ الدَّهْر لي عَطاء والحميد هُوَ الْمَحْمُود

  15. ١٥

    لا يَجذِبَنَّ رِكابي نَحوَهُ أَحَدٌ

    ما دُمتُ حَيّاً وَما قَلقَلنَ كيرانا

    الواحدي: أي لا أقصد أحدا ما حييت وما حركت ركابي اكوارها يعني لا يستحق أحد أن أقصده.

  16. ١٦

    لَوَ اِستَطَعتُ رَكِبتُ الناسَ كُلَّهُمُ

    إِلى سَعيدِ اِبنِ عَبدِ اللَهِ بُعرانا

    الواحدي: يقول لو قدرت لأظهرت ما وراء ظواهرهم من المعاني البهيمية وإظهار ذلك بأجرائهم مجرى سائر الحيوان بالركوب وإنما كنت أفعل ذلك لأنه لو عقل لم وبعرانا حال للناس وقال ابن عباد في هذا البيت أراد أن يزيد على الشعراء في ذكر المطايا فأتى باخرى الحزايا قال ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها وللممدوح أيضا عصبةٌ لا يحب أن يركبوا إليه وليس الأمر على ما قال لأن الشاعر إذا ذكر الناس فقد يخرج من جملتهم كثير من الناس كما قال، ألا إن خير الناس حيا وميتاً، أسير ثقيفٍ عندهم في السلاسل، لم يفضل السريّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهذا البيت وإن كان قد أكد بقوله حيا وميتا على أنه خصص في البيت الثاني وهو قوله:

    العكبري: الْإِعْرَاب بعرانا حَال من النَّاس الْغَرِيب الْبَعِير من الْإِبِل بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان من النَّاس يُقَال للجمل بعير وللناقة بعير وَحكى عَن بعض الْعَرَب صرعتي بَعِيري أَي نَاقَتي وشربت من لبن بَعِيري وَالْجمع أَبْعِرَة وأباعرة وبعران الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول لَو قدرت لأظهرت مَا وَرَاء ظواهرهم من الْمعَانِي الْبَهِيمَة وَإِظْهَار ذَلِك بإجرائهم مجْرى سَائِر الْحَيَوَان بالركوب وَإِنَّمَا كنت أفعل ذَلِك لِأَنَّهُ أَعقل لَهُم وَقَالَ ابْن عباد فِي هَذَا الْبَيْت أَرَادَ أَن يزِيد على الشُّعَرَاء فِي ذكر المطايا فَأَنِّي بأخزى الخزايا فَقَالَ مَا قَالَ وَمن النَّاس أمة فَهَل ينشط لركوبها وللمدوح عصبية لَا يحب أَن يركبهم إِلَيْهِ وَلَيْسَ الْأَمر على مَا قَالَ لِأَن الشَّاعِر إِذا ذكر النَّاس فَإِنَّهُ يخرج من جُمْلَتهمْ كثيرا من النَّاس كَمَا قَالَ السّري (إِلَّا أنَّ خَيْرَ النَّاسِ حَيَّاً ومَيتا ... أسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهُمْ فِي السَّلاسِلِ) لم يفضل السرى أحدا على رَسُول الله وَأَصْحَابه بِهَذَا الْبَيْت وَإِن كَانَ قد أكد بقوله حَيا وَمَيتًا وَقد خصص أَبُو الطّيب فِي الْبَيْت الثَّانِي

  17. ١٧

    فَالعيسُ أَعقَلُ مِن قَومٍ رَأَيتُهُمُ

    عَمّا يَراهُ مِنَ الإِحسانِ عُميانا

    الواحدي: قد ظهر في هذا البيت أنه إنما يمتطي من الناس اللئام الذين عموا عن طريق الإحسان فلم يروا منه ما رآه الممدوح

    العكبري: الْغَرِيب العيس الْجمال الْبيض يخالط بياضها شَيْء من الشقرة وَاحِدهَا أعيس وَالْأُنْثَى عيساء قَالَ الشَّاعِر (أقُولُ لِخازِبيْ هَمْدَانَ لَمَّا ... أثارَا صِرْمّةً حُمْراً وعِيسا) وَقَوله عميانا أفعل إِذا كَانَ وَصفا فَجَمعه على فعل كأحمر وحمر قَالَ الله تَعَالَى ﴿صم بكم عمي﴾ وَقد جَاءَ فِي جمع أَحْمَر وأقرع حمْرَان وقرعان وَكَذَلِكَ عُمْيَان وَقد نطق بِهِ أفْصح الْكَلَام فِي قَوْله صمًّا وعميانا الْمَعْنى أَنه لما ذكر الْإِبِل شفعه بتفضيل العيس على قوم رَآهُمْ عميانا عَمَّا يرَاهُ هَذَا الممدوح لَا يَهْتَدُونَ إِلَى فعله وَأَرَادَ أَنه يمتطي النَّاس اللئام إِلَى هَذَا الممدوح صَاحب الْإِحْسَان الَّذِي عمى عَنهُ هَؤُلَاءِ

  18. ١٨

    ذاكَ الجَوادُ وَإِن قَلَّ الجَوادُ لَهُ

    ذاكَ الشُجاعُ وَإِن لَم يَرضَ أَقرانا

    الواحدي: يعني ليس يمكننا أن نصفه في جوده بصفةٍ فوق الجواد وإن قل له هذا الإسم وهذه الصفة وهو الشجاع وإن لم يرض قرنا من الناس يعني أنه فوق كل شجاع وإن كان يوصف بهذا الوصف.

    العكبري: الْغَرِيب الْجواد الَّذِي يجود بِمَالِه والأقران جمع قرن بِالْفَتْح إِذا كَانَ على سنه وبالكسر إِذا كَانَ كفؤه فِي الْحَرْب الْمَعْنى يُرِيد أَنه فَوق كل جواد وَفَوق كل شُجَاع وَإِن قل أَن يُقَال لَهُ أَنْت الْجواد وَأَن الشجاع وَإِن لم يرض قرناؤه من النَّاس فَهُوَ فِي جوده وشجاعته لم يلْحقهُ جواد وَلَا شُجَاع

  19. ١٩

    ذاكَ المُعِدُّ الَّذي تَقنو يَداهُ لَنا

    فَلَو أُصيبَ بِشَيءٍ مِنهُ عَزّانا

    الواحدي: أي ما يجمعه من المال ويقتنيه إنما يقتنيه للشعراء والزائرين فلو أصيب بشيء من ذلك المال عزانا لأن ذلك المال لنا وإن كان في يده ويقال قنوت الشيء أقنوه قنوا.

    العكبري: الْغَرِيب الْمعد بِالْكَسْرِ الَّذِي يَجْعَل الْأَشْيَاء عدَّة والمعد بِالْفَتْح الَّذِي يَجْعَل عدَّة فَمن كسر فَهُوَ وصف للمدوح وَمن فتح كَانَ وَصفا لِلْمَالِ وقنوت الشَّيْء أقنوه قنوا وعزيت الرجل سليته عَن حزنه الْمَعْنى يَقُول مَاله لنا وَنحن أَحَق بِهِ وَهُوَ عدَّة لمن يَقْصِدهُ فَلَو أُصِيب بِشَيْء مِنْهُ صلح أَن يعزى العافين لِأَنَّهُ مَا لَهُم وَإِنَّمَا ذهب من أَيْديهم لَا من يَده وَقَوله عزانا مَاض مُرَاد بِهِ الْمُسْتَقْبل أَي يصلح أَن يغرينا كَمَا تَقول لمن وَقع فِي هلكة قد هلك فلَان وَلم يهْلك بعد وَإِنَّمَا قَارب الهلكة

  20. ٢٠

    خَفَّ الزَمانُ عَلى أَطرافِ أَنمُلِهِ

    حَتّى تُوُهِّمنَ لِلأَزمانِ أَزمانا

    الواحدي: يعني أن الزمان في يده وتحت تصرفه فهو يصرفه على إرادته فكأن أنامله أزمان للأزمان لتقليبها أياها والزمان يقلب الأحوال وأنامله تقلب الزمان فكأنها زمان للزمان.

    العكبري: الْغَرِيب الأنامل أَطْرَاف الْأَصَابِع الْوَاحِدَة أُنْمُلَة الْمَعْنى يَقُول إِن الزَّمَان فِي يَده وَفِي تصرفه فَهُوَ يصرفهُ على إِرَادَته فَكَأَن أنامله أزمان للأزمان لتقليبها إِيَّاه والأزمان يقلب الْأَحْوَال وأنامله تقلب الزَّمَان فَكَأَنَّهَا أزمان للأزمان

  21. ٢١

    يَلقى الوَغى وَالفَنا وَالنازِلاتِ بِهِ

    وَالسَيفَ وَالضَيفَ رَحبَ الباعِ جَذلانا

    العكبري: الْغَرِيب الوغى الْحَرْب والنازلات جمع نازلة وَهِي مَا ينزل بالإنسان من الْحَوَادِث وجذلانا فَرحا مُسْتَبْشِرًا الْمَعْنى يَقُول هُوَ شُجَاع جلد يلقى الْأَشْيَاء الصعبة فَرحا مَسْرُورا

  22. ٢٢

    تَخالُهُ مِن ذَكاءِ القَلبِ مُحتَمِياً

    وَمِن تَكَرُّمِهِ وَالبِشرِ نَشوانا

    الواحدي: متحتميا متوقدا شديد الحرارة أي لحدة قلبه كأنه متوقد ومن كرمه وظهور بشره كأنه سكران.

    العكبري: الْغَرِيب قَوْله محتميا يُرِيد موقدا شَدِيد الْحَرَارَة لحدة قلبه وذكائه والبشر طلاقة الْوَجْه وتهلله وَمِنْه سميت الْبشَارَة لِأَن الَّذِي يبشر يحسن وَجهه والنشوان السَّكْرَان من الْخمر وَرجل نشوان بَين النشوة وَقَالَ يُونُس يجوز فِيهِ النشوة بِالْكَسْرِ الْمَعْنى يَقُول تحسبه من توقد ذكائه متو قداو من كرمه وَظُهُور بشره كَأَنَّهُ سَكرَان

  23. ٢٣

    وَتَسحَبُ الحِبَرَ القَيناتُ رافِلَةً

    في جودِهِ وَتَجُرُّ الخَيلُ أَرسانا

    الواحدي: يريد أن جميع ما ينفقه من ماله فما يلبسه الجواري وترفل فيه من ثياب الحسن فهو من جوده وكذلك ما تجر خيلنا من الأرسان.

    العكبري: الْغَرِيب الحبر جم حبرَة وَهِي ثِيَاب تعْمل بِالْيمن جمعهَا حبر وحبرات والقينات جمع قينة وَهِي الْمُغنيَة ورفل فِي ثِيَابه يرفل إِذا أطالها وجرها متبخترا فَهُوَ رافل ورفل بِالْكَسْرِ رفلا خرق فِي لبسه فَهُوَ رفل والأرسان جمع رسن وَهُوَ الْحَبل الْمَعْنى يَقُول جَمِيع مَا نَحن فِيهِ من النعم وَمَا يلْبسهُ الْجَوَارِي وتجره الْخَيل من نعْمَته

  24. ٢٤

    يُعطي المُبَشِّرَ بِالقُصّادِ قَبلَهُمُ

    كَمَن يُبَشِّرُهُ بِالماءِ عَطشانا

    الواحدي: من بشره بالزوار والعفاة قبل اتيانهم يعطيه لبشارته كما يعطى من يبشره بالماء إذا كان عطشان يعني أنه يسر بالزائرين كما يسر بالماء عند العطش كما قال أبو تمام، يبشره خدامه بعفاته، كما بشر الظمآن بالماء واشله،

    العكبري: الْغَرِيب المبشر الَّذِي يَأْتِي بالبشارة والقصاد جمع قَاصد وَهُوَ الَّذِي يَقْصِدهُ لنواله الْإِعْرَاب نصب عطشانا على الْحَال من الممدوح الْمَعْنى يَقُول لكرمه ومحبته لمن يَقْصِدهُ إِذا بشره أحد بقدومه أعطَاهُ قبل مَا يعْطى القاصد وَيكون كمن بشره بِالْمَاءِ وَهُوَ فِي فلاة عطشان لفرحه بالقصاد وَهُوَ من قَول حبيب (تُبَشِّرُهُ خُدَّامُهُ بِعُفاتِهِ ... كَمَا بَشَّرَ الظَمْآنَ بالماءِ وَاشِلُهْ)

  25. ٢٥

    جَزَت بَني الحَسَنِ الحُسنى فَإِنَّهُمُ

    في قَومِهِم مِثلُهُم في الغُرِّ عَدنانا

    الواحدي: أي كانت الحسنى لهم جزاء فإنهم في قومهم مثل قومهم في عدنان الغر وعدنان بدل من الغر يعني أنهم خير قومهم وقومهم خير عدنان الغر وهذا من قوله تعالى فله جزاء الحسنى

    العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي مثلهم عَائِد على الْقَوْم وعدنان فِي مَوضِع جر لِأَنَّهُ لَا ينْصَرف وَهُوَ بدل من الغر الْغَرِيب بني الْحسن قَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ الممدوح من ولد الْحسن بن عَليّ ﵉ وَالْحُسْنَى الْجنَّة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى﴾ وَقَوله ﴿فَلهُ جَزَاء الْحسنى﴾ فِي قِرَاءَة حَفْص وَحَمْزَة وَعلي بِنصب الْمصدر وتنوينه وَتَقْدِيره فَلهُ الْحسنى جَزَاء والغر الْكِرَام الْمَعْنى يَقُول جَزَاء بني الْحسن الْجنَّة لأَنهم من قوم كرام فهم خير قَومهمْ وقرمهم خير بني عدنان الغر

  26. ٢٦

    ما شَيَّدَ اللَهُ مِن مَجدٍ لِسالِفِهِم

    إِلّا وَنَحنُ نَراهُ فيهِمِ الآنا

    الواحدي: يعني أنهم حماة المجد حاموا على شرف آبائهم وأحسابهم فلم يهدموه ولم يضيعوه حتى بقي فيهم.

    العكبري: الْغَرِيب شيد رفع والإشادة رفع الصَّوْت بالشَّيْء وأشاد بِذكرِهِ أَي رفع من قدره والسالف وَاحِد السّلف وهم الَّذين مَاتُوا والآن السَّاعَة وَالْوَقْت الَّذِي أَنْت فِيهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿آلآن وَقد عصيت﴾ الْآيَة الْمَعْنى يَقُول قد ورثرا مجد آبَائِهِم فَمَا رفع الله لِآبَائِهِمْ من مجد فَهُوَ لَهُم الْيَوْم نرَاهُ لأَنهم حاموا على شرف آبَائِهِم وأحسابهم فَلم يهدموه فَمَا اجْتمع فِي آبَائِهِم من الشّرف وَالْفضل فَهُوَ فيهم الْآن

  27. ٢٧

    إِن كوتِبوا أَو لَقوا أَو حورِبوا وُجِدوا

    في الخَطِّ وَاللَفظِ وَالهَيجاءِ فُرسانا

    الواحدي: هذا تفصيل ما اجمله في البيت الذي قبله يعين أنهم كتاب فضلاء شجعان كآبائهم فهم فرسان الكتابة والبلاغة والحرب وليس يريد بقوله لقوا ملاقاة الأقران في القتال لأنه ذكر الحرب بعده إنما يريد ملاقاة الأقران في الخطابة والمكالمة وقد فسر في المصراع الثاني.

  28. ٢٨

    كَأَنَّ أَلسُنَهُم في النُطقِ قَد جُعِلَت

    عَلى رِماحِهِمِ في الطَعنِ خِرصانا

    الواحدي: الخرصان جمع خرصٍ وهو حلقة السنان ويريد بها الأسنة هاهنا يريد أن أسنتهم ماضية نافذة فكأنها السنهم في النطق وهذا منقول من قول البحتري، وإذا تالق في الندى كلامه المصقولخلت لسانه من عضبه.

  29. ٢٩

    كَأَنَّهُم يَرِدونَ المَوتَ مِن ظَمَأٍ

    أَو يَنشَقونَ مِنَ الخَطِّيِّ رَيحانا

    الواحدي: أي لحرصهم على الموت وسهولة أمر الحرب عليهم صار الموت عندهم كالماء للظمآن وصارت الرماح كالريحان الذي يشم.

    العكبري: الْغَرِيب الظمأ الْعَطش ونشقت أنشق مثل شمت أَشمّ والخطى وَاحِد الرماح الخطية تنْسب إِلَى الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ الْمَعْنى يَقُول لسُهُولَة أَمر الْحَرْب عَلَيْهِم صَار عِنْدهم الْمَوْت كَالْمَاءِ العطشان والرماح كالريحان الَّذِي يشم كل هَذَا لحرصهم على الْمَوْت وَهُوَ من قَول البحتري (يَتَزَاحَمُونَ عَلى القِتالِ لَدَى الوَغَى ... كَتزَاحُمِ الإبِلِ العِطاشِ بمَوْرِدِ)

  30. ٣٠

    الكائِنينَ لِمَن أَبغي عَداوَتَهُ

    أَعدى العِدا وَلِمَن آخَيتُ إِخوانا

    الواحدي: نصب الكائنين على المدح كأنه قال أعني الكائنين فهو مثل قول البحتري، أخ لي لا يدني الذي أنا مبعدٌ، لشيء ولا يرضى الذي أنا ساخطه.

    العكبري: الْإِعْرَاب الكائنين نصب على الْمَدْح الْغَرِيب العدى جمع عَدو وطابق بَين الْعَدو وَالْأَخ يُقَال آخيت وواخيت الْمَعْنى يَقُول أعنى الكائنين أَي يكونُونَ لمن عاديت أَعدَاء وَلمن آخيت إخْوَانًا وَمثل هَذَا قَول أبي عبَادَة البحتري (أخٌ ليَ لايُدْني الَّذِي أَنا مُبْعِدٌ ... لِشَيْء وَلا يْرضَى الَّذِي أَنا ساخِطهْ)

  31. ٣١

    خَلائِقٌ لَو حَواها الزِنجُ لَاِنقَلَبوا

    ظَميَ الشِفاهِ جِعادَ الشَعرِ غُرّانا

    الواحدي: يريد بالخلائق الخلق جمع الخلقة وهي الخلق وليس يريد السجايا لأن السجايا الحسان قد تكون في الصور القبيحة والزنج لا يجتمع فيهم بياض الوجه مع جعودة الشعر ودقة الشفاه لن شفاههم غليظة وهم سود الألوان ومعنى ظمى الشفاه دقاق الشفاه كأنها لم ترتو فتغلظ والمعنى لو أن خلقهم للزنج لحسنوا مع جعودة شعورهم فكانوا احسن خلق الله تعالى هذا معنى قد ذكرناه إلا أن الخليقة بمعنى الخلقة لا تصح وإذا حملنا الخلائق على السجايا فسد معنى البيت لأن الخلقة لا تتغير بالسجية.

    العكبري: الْغَرِيب خلائق جَمِيع خَلِيقَة وَهِي الْخلق وَلَيْسَت من الْخِصَال لِأَن السجايا الحسان قد تكون فِي الصُّور القبيحة والزنج جنس من السودَان فهم أقبح السودَان وُجُوهًا وأغلظهم شفاها وظمى الشفاه دقاق الشفاه مَعَ سَمُرَة وَقيل هُوَ مثل اللمى وغران جمع أغر وَهُوَ الْأَبْيَض وَلَا تَجْتَمِع جعودة الشّعْر مَعَ بَيَاض الْوَجْه والزنج يُوصف بغلط الشفاه تَشْبِيها بمشافر الْجمل قَالَ الفرزدق (فَلوْ كُنْتَ ضَبيِّا عرَفْتَ قَرَابَتِي ... وَلكِنَّ زَنجِيا عَظِيمَ المشافِرِ) الْمَعْنى يَقُول لَو أَن خلقهمْ للزنج حسنت مَعَ جعودة شُعُورهمْ قَالَ الواحدي هَذَا القَوْل وَقَالَ كَانُوا أحسن خلق الله إِلَّا أَن الخليقة بِمَعْنى الْخلقَة لَا تصح وَإِذا حملت الخليقة على السجايا فسد معنى الْبَيْت لِأَن الْخلقَة لَا تَتَغَيَّر بالسجية انْتهى كَلَامه وَقَالَ ابْن القطاع قد أَخذ عَلَيْهِ فِي قَوْله خلائق الخ إِذْ كَأَنَّهُ قَالَ لَا نقلبوا من الجعودة إِلَى الجعودة لِأَن شُعُور الزنج جعاد وَالْمعْنَى أَنهم انقلبوا إِلَى جد الِاعْتِدَال لِأَن شُعُور الزنج زَائِدَة الجعودة وَالْمعْنَى أَنهم قوم لَهُم محامد وخصال جميلَة فَلَو حواها الزنج على قبح صورهم غطت قبائحها وصاروا عِنْد النَّاس لمحبتهم كمن خلقتهمْ خلقَة حَسَنَة وصاروا مَعَ سوادهم مثل الْبيض وَمَعَ غلظ شفاههم مثل ظمى الشفاه وَيدل على مَا قُلْنَاهُ مَا بعده

  32. ٣٢

    وَأَنفُسٌ يَلمَعِيّاتٌ تُحِبُّهُمُ

    لَها اِضطِراراً وَلَو أَقصَوكَ شَنآنا

    الواحدي: اليلمعي والألمعي الحاد الفطنة يقول لهم أنفس زكية وتحبهم لأجل أنفسهم ضرورة ولو أبعدوك بغضا لك يعني أن من عادوه يحبهم لما فيهم من الفطانة فحبهم ضرورة

    العكبري: الْغَرِيب اليلمعي والألمعي الحاد الفطنة وَهُوَ الَّذِي يظنّ الشَّيْء فَيصح ظَنّه وَقَوله اضطرارا هُوَ ضد الِاخْتِيَار ونصبه على الْحَال من الضَّمِير فِي تحبهم الْمَرْفُوع وأقصيت الشَّيْء أبعدته والشنآن البغض ويحرك ويسكن وبالتسكين قَرَأَ عبد الله بن عَامر وَأَبُو بكر عَن عَاصِم الْإِعْرَاب رفع أنفس عطف على خلائق وَهُوَ خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أَي لَهُم خلائق وأنفس وَنصب شنآنا لِأَنَّهُ يحْتَمل ثَلَاثَة أوجه أَن يكون مصدرا وَأَن يكون تمييزا وَأَن يكون مَفْعُولا لأَجله الْمَعْنى يَقُول لَهُم أنفس ذكية فطنة تحبهم لأَجلهَا ضَرُورَة وَلَو أبعدوك وأبغضوك

  33. ٣٣

    الواضِحينَ أُبُوّاتٍ وَأَجبِنَةٍ

    وَوالِداتٍ وَأَلباباً وَأَذهانا

    الواحدي: يريد بالأبوات الآباء يعني أن آباءهم معروفون وأنسابهم ظاهرة ويقال فلان واضح الجبين إذا كان حسن المنظر بهيا كما قال ابن غنمة، كأن جبينه سيف صقيل،

    العكبري: الْإِعْرَاب نصب الواضحين على الْمَدْح الْغَرِيب أبوات جمع أبوة وأجبنة جمع جبين وألبابا جمع لب وَهُوَ الْعقل والذهن الفطنة الْمَعْنى يَقُول هم معروفو الْآبَاء وأنسابهم ظَاهِرَة فهم وضاح الْوُجُوه وأحوالهم وأمورهم ظَاهِرَة غير مستترة وَفُلَان وَاضح الجبين حسن المنظر قَالَ (كأنَّ جَبِينَهُ سَيْفٌ صَقِيلُ ... )

  34. ٣٤

    يا صائِدَ الجَحفَلِ المَرهوبِ جانِبُهُ

    إِنَّ اللِيوثَ تَصيدُ الناسَ أُحدانا

    الواحدي: أحدان جمع واحد وأصله وحدان يقول أنت تصيد الجيش كله والليث يصيد واحداً فواحداً

    العكبري: الْغَرِيب الجحفل الْجَيْش الْعَظِيم والمرهوب الْمخوف أحدانا جمع وَاحِد وَالْأَصْل وحدان الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَنْت تصيد الْجَيْش كُله وَاللَّيْث يصيد النَّاس وَاحِدًا فواحدا وَكَذَا نَقله الواحدي حرفا حرفا

  35. ٣٥

    وَواهِباً كُلُّ وَقتٍ وَقتُ نائِلِهِ

    وَإِنَّما يَهَبُ الوَهّابُ أَحيانا

    العكبري: الْإِعْرَاب كل ابْتِدَاء وَخَبره الْوَقْت الثَّانِي الْغَرِيب النائل الْعَطاء وَأَحْيَانا جمع حِين والوهاب جمع واهب وَقد روى على التَّوْحِيد على وزن فعال بِفَتْح الْوَاو الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ الجوده وَقت مَحْدُود بل يجود كل الْأَوْقَات وَالْإِنْسَان إِنَّمَا يجود حينا بعد حِين

  36. ٣٦

    أَنتَ الَّذي سَبَكَ الأَموالَ مَكرُمَةً

    ثُمَّ اِتَّخَذتَ لَها السُؤآلَ خُزّانا

    الواحدي: سبك الأموال إي جمعها وصفاها واستخلصها ثم أتخذ السؤال خزانا مكرمةً أي سلمها إليهم كما يسلم المال إلى الخازن وهو من قول البحتري، جمل من لهى يشككن في القوم أهم مجتدوه أو خزانه،

    العكبري: الْغَرِيب سبك صفى وَجمع والخزان جمع خَازِن وَالسُّؤَال جمع سَائل الْمَعْنى يَقُول أَنْت الَّذِي جمع الْأَمْوَال وخلصها وصفاها ثمَّ أَعْطَاهَا لمن يَقْصِدهُ فكأنهم خزان لَهَا فتسلموها كَمَا يتسلمها الخازن وَهُوَ من قَول البحتري (جُمَلٌ مَنْ لُها يُشَكِّكْنَ فِي القَوْمِ ... أهُمْ مُجْتَدُوهُ أم خُزَّانُهْ)

  37. ٣٧

    عَلَيكَ مِنكَ إِذا أُخليتَ مُرتَقِبٌ

    لَم تَأتِ في السِرِّ ما لَم تَأتِ إِعلانا

    الواحدي: أخليت وجدت خاليا ويروى خليت أي صادفت مكانا خاليا أي كانك رقيب نفسك فلست تفعل في الخلا ما لا تفعله في الملا كما قال، والواحد الحالتين السر والعلن،

    العكبري: الْإِعْرَاب يرْوى أخليت أَي وجدت خَالِيا ويروى أخليت بِفَتْح الْهمزَة أَي وجدت مَكَانا خَالِيا يُقَال أكذبته صادفته كذابا وأجبنته صادفته جَبَانًا وأفحمته وجدته مفحما والمرتقب الرَّقِيب الْمَعْنى يَقُول أَنْت رَقِيب على نَفسك فلست تفعل فِي السِّرّ غير الَّذِي تَفْعَلهُ فِي العلن وَهَذَا من قَول عبد الله بن الدمينة (وَإني لأسْتَحْيِيكَ حَتَّى كأنَّما ... عَلىَّ بظَهْرِ الغَيْبِ مِنْكَ رَقِيبُ)

  38. ٣٨

    لا أَستَزيدُكَ فيما فيكَ مِن كَرَمٍ

    أَنا الَّذي نامَ إِن نَبَّهتُ يَقظانا

    الواحدي: يقول أن استزيدك كرما كنت كمن نبه يقظان واليقظان لا ينبه كذالك أنت لا تستزاد كرما.

  39. ٣٩

    فَإِنَّ مِثلَكَ باهَيتُ الكِرامَ بِهِ

    وَرَدَّ سُخطاً عَلى الأَيّامِ رِضوانا

    الواحدي: أي بمثلك أباهي الكرام وارضى به عن الأيام والمعنى أنك ترد الساخط على الأيام راضيا بإحسانك وانعامك.

    العكبري: الْغَرِيب المباهاة الافتخار وتباهوا تفاخروا ورضوان مصدر يُقَال بِضَم الرَّاء وَكسرهَا وبالضم قَرَأَ أَبُو بكر عَن عَاصِم الْمَعْنى يَقُول بمثلك أفاخر الْكِرَام وأرضى عَن الدَّهْر يُرِيد أَنَّك ترد الساخط على الْأَيَّام رَاضِيا بإحسانك وإنعامك وَهُوَ من قَوْله (أزَالَتْ بِكَ الأيَّامُ عَتْبِي ٠٠٠٠ الْبَيْت)

  40. ٤٠

    وَأَنتَ أَبعَدُهُم ذِكراً وَأَكبَرُهُم

    قَدراً وَأَرفَعُهُم في المَجدِ بُنيانا

    العكبري: الْإِعْرَاب ذكرا وَقدرا وبنيانا نصب على التَّمْيِيز الْمَعْنى يَقُول أَنْت أبعدهم ذكرا يُرِيد أَن ذكرك قد سَار إِلَى أبعد الْبِلَاد وَإِن قدرك فَوق أقدارهم وَإِن شرفك أَعلَى من شرفهم

  41. ٤١

    قَد شَرَّفَ اللَهُ أَرضاً أَنتَ ساكِنُها

    وَشَرَّفَ الناسَ إِذ سَوّاكَ إِنسانا

    الواحدي: قال ابن جنى لا يعجبني قوله سواك لأنه لا يليق بشرف الفاظه ولو قال انشأك أو نحوه كان اليق قال أبو الفضل العروضي فيما املاه عليّ سبحان الله أتليق هذه اللفظة بشرف القرآن ولا تليق بلفظ المتنبي يقول الله تعالى الذي خلق فسوى وقال بشرا سوياً ثم قال فسواك فعدلك وقال ثم سواك رجلا وقال ابن فورجة نهاية ما يقدر عليه الفصيح أن يأتي بألفاظ القرآن والفاظ الرسول أن ألفاظ الصحابة بعده ثم عدّ الأيات التي ذكرناها قال وعند أبي الفتح أنه يقدر على تبديل الفاظ هذا الشعر بما هو خير منه وقرأت على أبي العلاء المعري ومنزلته في الشعر ما قد علمه من كان ذا أدب فقلت له يوما في كلمةٍ ما ضر أبا الطيب لو قال مكان هذه الكلمة كلمة أخرى أوردتها فأبان لي عوار الكلمة التي ظننتها ثم قال لي لا تظنن أنك تقدر على إبدال كلمةٍ واحدةٍ من شعره بما هو خير منها فجرب إن كنت مرتابا وها أنا أجرب ذلك منذ العهد فلم أعثر بكلمة لو ابدلتها بأخرى كان اليق بمكانها وليجرب من لم يصدق يجد الأمر على ما أقول

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول ارْض أَنْت فِيهَا مُقيم قد شرفها الله على غَيرهَا وَشرف الله النَّاس إِذا كنت مِنْهُم قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو قَالَ عوض سواك أنشاك لَكَانَ حسنا ورد عَلَيْهِ الْخَطِيب وَقَالَ قد قَالَ الله تَعَالَى ﴿ثمَّ سواك رجلا وَنَفس وَمَا سواهَا﴾ وَقَالَ أَبُو الْفضل الْعَرُوضِي سُبْحَانَ الله أتليق هَذِه الْكَلِمَة بشرف الْقُرْآن وَلَا تلِيق بِلَفْظ المتنبي قَالَ الله تَعَالَى ﴿الَّذِي خلق فسوى﴾ وَقَالَ ﴿بشرا سويا﴾ وَقَالَ ﴿فسواك فعدلك ثمَّ سواك رجلا﴾ وَقَالَ ابْن فورجة نِهَايَة مَا يقدر عَلَيْهِ الفصيح أَن يَأْتِي بِأَلْفَاظ الْقُرْآن وألفاظ الرَّسُول أَو أَلْفَاظ الصَّحَابَة بعده وَعند أَي الْفَتْح أَنه يقدر على تَبْدِيل أَلْفَاظ هَذَا الشّعْر بِمَا هُوَ خير مِنْهُ قَالَ وقرأت على أبي الْعَلَاء المعري ومنزلته فِي الشّعْر مَا قد علمه من كَانَ ذَا أدب فَقلت لَهُ يَوْمًا فِي كملة مَا ضرّ أَبَا الطّيب لَو كَانَ قَالَ مَكَان هَذِه الْكَلِمَة كلمة أُخْرَى أوردتها فأبان لي عوار الْكَلِمَة الَّتِي ظننتها ثمَّ قَالَ لَا تَظنن أَنَّك تقدر على إِبْدَال كلمة وَاحِدَة من شعره بِمَا هُوَ خير مِنْهَا فجرب إِن كنت مُرْتَابا وَهَا أَنا أجرب هَذَا الْعَهْد فَلم أقدر وليجرب من لم يصدق يجد الْأَمر كَمَا قلت

هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري

أبيات مشهورة منها(٣)
التعليقات(٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.