من «الفتح على أبي الفتح» لابن فورجة (ت ٤٥٥هـ)
الفتح على أبي الفتح (٩)
وقوله:
كفّي أراني ويكٍ لومك ألومكهم أقام على فؤاد أنجما
قال الشيخ أبو الفتح يقول: أراني هنا الهم لومك إياي أحق بأن يلام مني. وهذا أيدك الله من باب اللغة والتصريف، وما نروم فيهما شأوه رحمه. على أني غير واثق بان تقول: فلان ألوم من فلان. يعني هو أحق بأن يلام. لأن أفعل يبني من فعل الفاعل. فتقول:
زيد أضرب من عمرو. والسيف أقتل من الرمح. ولا يبنى من فعل المفعول به ألا ترى أنك لا تقول: زيد أضرب من عمرو وتريد أن الضرب أوقع به من عمرو. وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل العربية، وإلا في الشاذ الذي لا يقاس عليه.
والمعنى إنه يقول لعاذلته: كفى لومك، أراني ألوم منك. أي أرى نفسي أقدر على اللوم منك. فلومك نصب بوقوع كفى عليه. ثم تم الكلام فابتدأ يشكو حاله يقول: حالي هم أقام على فؤاد أنجم. فهو رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف أو رفع بالابتداء وخبره محذوف. كأنه يريد: هم أقام على فؤاد أنجم شكواي. ومثله في القصيدة:
غصنٌ على نَقَويْ فلاة نابتٌشمسُ النهار تُقلِ ليلاً مظلما
يريد غصن هذه حاله. حبيبي أو حبيبتي غصن هذه حاله. وكذلك ارتفاع شمس على هذين التأويلين. فأما قوله: أراني فليس من الرؤية بالعين، وإنما هو من باب العلم. وإن كان قوله إذا كنت في هبوة لا أراني ممتنعاً. لأن العرب لا تقول في الأفعال المؤثرة: ضربتني وأكرمتني. واكتفت بضربت نفسي، وأكرمت نفسي. ووجب أن يقول أرى نفسي لأنه من الرؤية بالعين. فهذا البيت غير ممتنع لأنه من رؤية العلم. وهم يقولون في أفعال الشك واليقين نحو: ظننتني، وخلتني. وقد (يقرأ) قول المجنون:
ندمتُ على ما كان مني فعدتنيكما فعل المغبون حين يبيع
وقول جران العود:
وقوله بعد هذا البيت:
لم تجمع الأضداد في متشابهإلا لتجعلني لغرمي مغنما
كصفات أوحدنا أبي الفضل التيبهرت فأنطق واصفيه وأفحما
الأضداد: هي الليل والشمس في قوله:
شمس النهار تقل ليلاً مظبما
وقضافة الغصن. وكثافة النقا في قوله:
غصنٌ على نقوى فلاة نابت
والمشابه يريد تشابه حسنها وتماثلها. وهذا كقول الأول:
أني غرضت إلى تناصف وجههاغرض المحب إلى المحب الغائب
فتناصف وجهها كونه غير متنافر الحسن، ليس فيه المتناهي والدرن. بل بعضه ملائم للبعض. ثم شبه اجتماع تلك الأضداد في الحسن المتشابه بصفات هذا الممدوح. إذ أنطقت الواصفين بحسنها وبهائها. ثم أفحمهم بعجزهم عن إدراك كنهها. فهذان أيضاً ضدان قد اجتمعا في صفاته المتشابهة. فهذا تخلص من التشبيب إلى المدح بارع. فجعل الفعل في أنطق وأفحم للممدوح لا للصفات.
وقوله:
نور تظاهر فيك لاهوتيةًفتكاد تعلم علم ما لن يعلما
ويهم فيك إذا نطقت فصاحةًمن كل عضو منك أن يتكلما
اللاهوت والناسوت لفظتان مولدتان. يتكلم بها الفلاسفة، والمتكلمون يريدون الإلهي والإنساني من العلوم وغيرها. قال أبو الفتح: نصب لاهوتية على المصد، ويجون أن تكون حالا من الضمير في تظاهر. وقد كثر استماعي لهذه اللفظة بالهاء. وكلتا
الروايتين جيدة. ويهم ضميره للنور. أي يهم النور فيك أن يتكلم من كل عضو. وهذا التفسير الذي لامحيص عنه.
وله عندي وجه آخر، وهو أن تكون من مقحمة. ويكون فاعل يهم كل عضو. وهذا كقولك: ويهم من كل رجل أن يخاصمني. يريد ويهم كل رجل أن يخاصمني. ويكون ضمير أن يتكما للعضو. وعلى التأويل الأول للنور.
وقوله:
بحب قاتلتي والشيب تغذيتيهواي طفلا وشيبي بالغ الحلم
تغذيتي مصدر أضيف إلى المفعول. كما تقول: أعجبني شرب الماء ودق الثوب. يريد أني غذيت بحب قاتلتي وبالشيب. ثم فسر هذه
الجملة فقال: غذيت بهواي طفلا، وبالشيب عند بلوغ الحلم. يريد أني أحببت وأنا طفل. وشبت وأنا حالم لمقاساتي الشدائد. وهذا من قوله تعالى: (يوماً يجعل الولدان شيبا) وقوله طفلا، وبالغ الحلم نصبا على الحال من المفعول. قال الشيخ أبو الفتح: هذا كقولك: أكلت التفاحة نضيجة، أي في هذه الحال، وشربت السويق ملنوتاً. وقد جود في شرح هذا البيت وذكر إعرابه.
وقوله:
إذا بيت الأعداء كان استماعهمصريرَ العوالي قبلَ قعقعة اللجم
قال أبو الفتح: أي يبادر إلى اخذ الرمح فان لحق اسرج فرسه. فذاك وإلا ركب عريا. وهذا كقوله أيضاً:
حذاراً لمعروف الجياد فجاءةإلى الطعن قبلا ما لهن لجام
وأنت - أيدك الله - تعلم أن الحالة التي وصفها حالة المرهوق المستعجل. فأما التي يبيت العدو فهو على تمكن من الاستعداد. وإنما يعني صرير العوالي كما جرت العادة به في ذكرت صوت مقارع السلاح. وضرب بعضه بعضاً كقول
القائل:
أشارت إلى الحرب العوان فجاءهايقعقع في الأقراب أول من أتى
فلما قال: الصرير عُلم إنه يريد صوتها إذا أصابت العظام. يعني أن العدو مفاجئ بالطعن، فهو يسمع صرير الرمح في عظامه قبل قعقعة اللجام من الفارس الحامل عليه. وأيضاً فلو أراد إنه يركب إلى العدو فرسه عريا لما قال: قعقعة اللجم فليس ثمة لجام. وقوله: حذارا لمعروف الجياد فجاءة ليس فيه ذكر التبييت، إنما يعني إنه يفاجئ العدو. وليس يلزم الشاعر أن يلزم في المدح، ولا في الهجاء ولا غيرهما طريقة واحدة. بل يتصرف في كل مذهب. فيجعل الممدوح طوراً مفاجئ بالحرب، وتارة مبيتاً لها. وهذا متعارف كثير. ولم نسمع أحداً من الشعراء جعل صوت تقارع الرماح صريراً فليفدنا الشيخ أبو الفتح.
وقوله:
له رحمةٌ تُحيي العظامُ وغضبةٌبها فضله للجرم عن صاحب الجرم
قال الشيخ أبو الفتح: يقول: إذا أغضبه مجرم لأجل جرم جناه تجاوزت غضبته قدر المجرم فكانت أعظم منه. فأما احتقره فلم يجازه. وأما جازاه فتجاوز عن قدر جرمه فأهلكه. وهذا تفسير جيد، إلا إنه كان يجب أن يذكر ما الفائدة من قوله: فضلة للجرم. ألم يود المعنى الذي قصده قوله بها فقتله للجرم على صاحب الجرم حتى قال مجرم. وأنا قائل في ذلك ما عندي: وهو إنه يريد وغضبة للجرم بها فضلة عن صاحب
الجرم فقدم الكلام وأخر. وإذا لم يتأول هذا التأويل كان قوله للجرم حشوا لا يحتاج إليه. أتى به لإقامة الوزن فقط.
وقوله:
أحقُ عافٍ بدمعك الهُممأحدثُ شيء عهدا به القِدم
يقال: عفت الديار، وعفتها الريح. قال عنترة:
عفت الديار ومعلم الأطلالريح الصبا وتجرم الأحوال
والعافي هنا: الدارس يقول: إن كنت تبكي الديار العافية فأحق منها بدمعك الهمم فقد عفت ودرست. ولم تبق همة إلا وقد درست. وقوله:
أحدث شيء به القدم
كلام أخرجه مخرج اللغز. يقول: القدم حديث العهد بها يريد الهمم. أي قد تقادمت وتنوسي عهدها فأحدث الأشياء بها عهداً هو القدم. ولو قال: قد تقادم عهدها لما كان في اللفظ من الحلاوة. ما في قوله: أحدث شيء عهدا بها القدم لما ترى من الصنعة وجعل حدائة عهد القدم بها قدماً لها.
وقوله:
أرانب غير انهم ملوكمفتحة عيونهم نيام
قال الشيخ أبو الفتح: المعهود في مثل هذا أن يقال: هم ملوك إلا أنهم في صور الأرانب. فتزايد وعكس الكلام مبالغة فقال: أرانب غير انهم ملوك. فجعل الأرانب حقيقة لهم والملوك مستعاراً منهم. وهذه عادة منه يفارق بها أكثر الشعراء. وهذا على ما قله غير أن الذي أتى به أبو الطيب أحسن في مذهب الشعراء وبقي من الشعر ما يستغنى عنه، وهي أرانب. وقد جرت العادة بأن تشبه في الذلة والخسة بالكلاب، وفي الروغان والجبن بالثعالب. ولم نسمع أحدا قال عند السب والذم هو أرنب. وقد سألت عن ذلك بعض من حضر من أهل الأدب فقال: أراه قال ذلك لأن الأرانب تحيض. فهو يدعي أنهم كالنساء اللواتي يحضن. ولو كان كما زعم لكان الأولى أن يقول: نساء. ليجمع الضعف والذلة إلى الحيض. والقول فيه ما أقول:
وذلك أن الأرنب لا يطبق جفنه يقضان ولا نائما، ولا حيا ولا ميتاً. فهو يقول: عيونهم مفتحة كالأيقاظ، وهم في الحقيقة نيام، فهم في ذلك أشباه الأرانب مع ذلتها
ودناءة قدرها. وإذا كان ذلك موجوداً في الأرانب فالذي يحكى أن الذئب ينام بإحدى مقلتيه ويحترس بالأخرى (غير ممتنع ولعله مما يطبق جفنا واحدا فظن الشاعر إنه يحترس بالأخرى) فقال:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقيبأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع
وقوله: مفتحة عيونهم بازاء قوله: أرانب مقدماً. وقوله: نيام بازاء قوله: ملوك مؤخراً. ولو قال: ملوك غير أنهم أرانب - على ما اقترح أبو الفتح - لقال نيام غير انهم مفتحة عيونهم. فان قال قائل فالعرب قد تذم فتشبه بالأرانب. ألا ترى إلى قول القائل:
ألا منح الإله طليق سلمىفصاحبه محشية الكلاب
قالوا في محشية الكلاب: إنها الأرانب، لأنها تحشو الكلب ربواً. من قولهم: حشى يحشى حشاً إذا أخذه الربو. فإن كان إنما ذم بذلك لأنه يريد سرعتهم في الفرار والهرب لا غيرها من المذام التي تصلح لمن يذم بها على الإطلاق فوجه جيد. غير انهم يضربون المثل في الذلة بالأرانب. ويقولن: إن العصفور ليطمع فيه فيقع على رأسه فينقره وقال عارف الطائي:
ولو نيل في عهد لنا لحم أرنبوفينا هذا العهد أنت معالقه
قلنا فقد جمعت الأرانب أوصاف المذام كلها من هرب وسرعة فرار، وحيض كحيض النساء وفتح العين مع النوم فجاد تشبيهه من كل الوجوه. وسمعت قوما من الصيادين يذكرون أن السنانير تكمن لها فتصطادها.
وقوله:
ولو لم يرع إلا مستحقلرتبته أسامهم المسام
قد خلط ابن جني في شرح هذا البيت. واتى بمحال. وأنا أورد ما قاله، وبطلانه. ثم أفسره. قال: فالذي يدبر أمور الناس يحتاج إلى من يدبره، وهو مخلى بلا ناظر
في أمره. فلو لم ينل الأمور إلا من يستحقه لخلا الناس من خلى وإياهم لأنه لا يستحق أن يلي عليهم أمورهم. وكيف يخلي من خلي وإياهم، وهو أميرهم، ومالك رقابهم. مرتبة أعلى منها يطلب، أم تخيلهم محرجا وتأتما.
وليس في البيت ما يدل على تأثمه. وإنما يريد بالمسام المال أفمرتبة أعلى منها يطلب، أم تخيلهم محرجا وتأتما.
وقوله:
وتملكه المسائل في نداهوأما في الجدال فلا يرام
قال الشيخ أبو الفتح: يقول: هو نظار خصيم ثبت في الجدل هو لعمري كما قال. إلا أن في البيت نكتة لم ينبه عليها. وتلك المسألة تستعمل في مكانين: أحدهما مصدر سألت زيداً مالاً إذا استعطيته إياها مسألة. كقول الراجز:
وافعل العارف قبل المسألة
والآخر سألت زيد عن خبرٍ، أو علم مسألة. وهذه مسائل الفقه، ومسائل من النحو وغيرهما. فلما كانت المسائل مشتركة بين العلم والعطاء فرق ولو لم يفرق لكان تفريطاً. وكان المخاطب ربما ظن إنه تملكه المسائل مسائل العلم فيعيا بها فاتبعه ما ينفى عنه العي والعجز في الجدل. ولا هذه الشركة في اللفظة بين المعنيين لما قال ذاك. ولمدحه بما
جرت العادة به من سائر الاماديح من غير باب العلم وثباته عند الجدال، ولدده عند الخصام.
وقوله:
إذا عُدَّ الكرامُ فتلك عجلٌكما الأنواءُ حين تُعد عامُ
أفنى الشيخ أبو الفتح اسطراً من كتابه في غريب هذا البيت. وذكر النوء وتفسيره والاستشهاد عليه. ولم يتعرض للمعنى، وهو من دقيق المعاني هذه القصيدة وإفرادها والأنواء يعني بها طلوع منازل القمر وفيها خلاف. فمن العرب من
يجعل لكل كوكب من الثمانية والعشرين أعني منازل القمر نؤا مخالفا لنوء صاحبه في العدة. فجعل نوء الكوكب ثلاثة أيام ونوءاً آخر خمسة أيام. وآخر سبعة على قدر تجاربهم وإتيان سقوطه وطلوع رقيبه بحر أو برد أو مطر أو ريح. أو غير ذلك. ومنهم من يجعل لكل كوكب منها ثلاثة عشر يوماً بعد طلوعه معدودة في نوء. فكلما حدث من الغير الذي ذكرناها عده من أحداثه وثلاثة عشر يوماً في ثمانية وعشرين منزلة ثلاثمائة وأربعة وستون يوماً. وهي أيام السنة تنقص يوما شذ عن قسمتهم.
فأي المذهبين سلك أبو الطيب. فالمعنى الذي أراده حاصل. يقول: هذه الأنواء الثمانية والعشرون إذا حصلت كلها كانت عاما. وفي عام تستكمل. فكذلك الكرام إذا عدوا كانوا عجلا. أي كانوا هذه القبيلة، أي كلهم كرام، وليس كريم إلا عجليا كأنواء منازل القمر إذا حصلت كلها كانت عاما، والكرام إذا حصلوا كانوا عجلا. فهذا من احسن معاني شعره.
وقوله:
لمن مالٌ تَفَرقُهُ العطاياوتشرك في رغائبهِ الأنام
ولا ندعوك صاحبه فترضىلأن بصحبةٍ يجب الذمامُ
قال الشيخ أبو الفتح يقول فإذا كنت لا ترضى بان ينسب هذا المال إليك وعطاياك تفرقه وتمزقه فلمن هذا المال. هذا تفسير جيد. وقد سمعت من يفسر هذين البيتين تفسيرا ينقطع فيه أحد البيتين عن الآخر، وليس بممتنع. والذي أتى به الشيخ أجود وأولى. ونجن نأتي بذلك التفسير، ونبين فضل ما أتى به على المعنى الذي ذكرناه عن بعضهم قالوا: يريد لمن ما له هذه حاله، أي لا مال تمزقه العطايا غير مالك. فترك قوله: غير مالك لدلالة المعنى عليه. وهذا كقولك: لمن ثوب مثل ثوبي. يريد إلا لي. وهذا مفهوم. ثم أتى بمعنى آخر. فقال وأنت لا ترضى بان تدعى
صاحبه، لأن الصحبة مما يوجب الذمام. لولا وجب ذمام المال عليك لما فرقته. وهذا معنى حسن، والذي أتى به الشيخ أبو الفتح معنى جيد، وهو أولى بهما ليكونا متصلين. ولنكتة أخرى وهي إنه جعل لا يرضى بأن يدعى صاحبه فيحسن أن يقول: لمن هذا المال إذا لم يكن لك وقد تقدمه هذا القول فلئن تجعله متصلا به أولى من أن يكون معنى منفردا. وقد نبه بقوله: ندعوك، على هذه النكتة.
ولولا هذا الفرض لقال: ولا يصاحبك فترضى. فتأمل ما ذكرت فهو دقيق بوضحه الغوص والفكر.
وقوله:
ظلوم كمتنها لصب كخصرهاضعيف القوى من فعلها يتظلم
يعني أن متنها قوي ممتلئ، وخصرها نحيف دقيق. فهي تظلم العشاق، كما يظلم متناها خصرها. وظلمهما له انهما تكلفان خصرها الدقيق حملها وهما قويان وذاك ضعيف كخصرها. قوله: من فعلها يتظلم زيادة في البيت ليست بتلك الجيدة وإنما توصل بها إلى القافية. ولو استغنى عنها لكان أوفق للبيت. وفيه أيضاً نظر آخر. وذلك أن العادة جرت بأن يوصف العجز بالكبر. والخصر بالضعف والتطبيق بينهما في الشعر. ولو قال: ظلوم كردفها لكان أولى. ولكنه لم يستقم له الوزن. وقلما سمع الشعراء يذكرون في الشعر قوة متن المحبوب، بل يذكرونه بالهيف، ورشاقة الأعلى، مع وثارة الكفل. فيقولون: غصن على نقاء وما أشبهه. فتأمل فهو من ضعيف شعره. وأخذه من قول خالد الكاتب:
صباً كئيباً يتشكى الهوىكما اشتكى نصفك من نصفكا
وقوله:
ما نقلت من مشيئة قدماًولا اشتكيت من دوارها ألما
قوله: في مشيئة تشبه كتابتها مشية. ومن سمع: نقلت قدماً توهم إنها مشية فعله
من المشي وظن البيت من رابع السريع وهو:
النشر مسك والوجوه واطرف الأكف غنم
وينشد: ولا اشتكت من دورها ألما.
ليكون أيضاً مستعلن. وإنما قال الرجل: في ممشيئة مفعلة. من شاء يشاء أي هي لعبة، وليست تمشي بمشيتها وأرادتها. ولقد أتعبني بعض مسجلي الأدب يوما بكلام إطالة، وزعم أن التكلف يحمل على مد هذه الياء وروايتها مشيئة وليس المفهوم إلا المشية حتى قلت له قطع البيت فإنه من المنسرح فأذعن بعد ما لم يكد.
وقوله:
إنما مُرَّةُ عوف بن سعدٍجمرات لا تشتهيها النعام
قال السيخ أبو الفتح: أي هم أحر من الجمر على أعدائهم. قلنا: جمرات العرب قبائل معروفة. منها هذه القبيلة. وليس هنا حر ولا برد. فإن قال: إنما لقبوا جمرات لحرها على أعدائها فله ذاك إلا أن ذلك شيء قصد عند التقليب وفي البدء.
يقول أبو الطيب: هؤلاء جمرات، إلا أنهم ليسوا كالجمر التي تشتهيه النعام. وزعموا أن النعام يحمى له الحديد حتى يصير جمراً ثم يلقى إليه فتلتهمه وهي مشتهيه له غير مكرهة عليه فما أحسن ما فضل هذه القبيلة الملقبة بالجمرة بأن جعلها لا تشتهيها النعام، لأنها قبيلة ذات بأس وشدة لا ذات حمى في الحقيقة.
وقوله:
ألا لا أدري الأحداث حمداً ولا ذماًفما بطشها ولا كفها
قد سمعت قوماً ينشدون: لا أرى الاحداث، ويلحنون في ذلك ويحسبونه معنى قول القائل:
وإن أمير المؤمنين وفعلهلكالدهر لا عار بما فعل الدهر
ولو عنى ذلك لسكت على قوله: لا أرها حمدا ولا ذما. ولو قال: أسمعها لكان أولى. والوزن ألجأه إلى لفظه أورى. ولو تأتي له لقال: ألا لا
أحمد الأحداث ولا أذمها. يقول: إذا لم يكن بطشها لجهل، ولا كفها لحلم فحمدها وذمها محال.
وقوله:
منافعها ما ضرَّ في نفع غيرهاتغذى وتروى أن تجوع وأن تظما
هذا أحد الأبيات التي زل بها الشيخ أبو الفتح أقبح الزلل. وقد مضى ذكر في كتاب (التجني). ولابد من إيراد ما ذكر، وإيراد الصحيح من معناه ليكمل الكتاب. قال الشيخ أبو الفتح: أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ. وهذا ضار لغيرها ومعنى جوعها وظمئها أن يهلك الناس فتخلو منهم الدنيا. وهذا كقوله:
كالموت ليس له ري ولا شبع
فرحم الله أبا الفتح قد قال في نفع غيرها. فأي نفع للناس في أن يهلكوا. وأي حجة له في غفلته عن هذا. أترى لشيء من سائر خلق الله نفع في أن يهلك فضلا عن الحيوان. وإنما الهاء في منافعها راجعة إلى الجدة المرثية. يريد أن منافع هذه لصلاحها وإيثارها على نفسها، وكثرة صيانها وعبادتها ما جرت العادة به أن تضر. وذاك أنها تؤثر الجوع والظمأ، في الري والشبع. فإذا جاعت وظمئت كانت كأنها تغذت ورويت. وإيثار الجوع والظمأ من فعل العباد. وقوله: في نفع غيرها موضعه الرفع لأنه خبر ثان لمنافعها. والخبر الأول ما ضرَّ. كأنه يقول: منافعها في نفع غيرها. ووجه آخر وهو أن تكون (في) بمعنى (مع). يريد ما ضرها مع نفع غيرها. كما تقول: أردت شتمك في إكرام زيد. أي مع إكرام زيد. فأي معنى أظهر من هذا، فيتكلف الشيخ أبو الفتح ما يزري به عفى الله عنه. وبعد فالمعنى من قول القائل:
أقسم جسمي في حسوم كثيرةوأحسوا قراح الماء والماء بارد
وقوله:
ديار اللواتي دارهن عزيزةبطول القنا يحفظن لا بالتمائم
هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ. وإنما أتيت به لنكتة. قرأته على الشيخ أبي العلاء فقلت له: أنشد: بطول القنا. أم بطولاها. أعني
هل هو فعل مصدر طال يطول طولا أن فعلاها، كما تقول: كبراها وصغراها. فقال: ما رويت إلا بكسر اللام. فقلت: التمائم في آخر البيت جمع وطول واحد فالا أنشد بطولي، يراد به طوال القنا ليكون جمعا مع جمع هذا في صنعة الشعر. فقال: ما احترت إلا مختارا غير أن الرواية ما ذكرت.
وقوله:
راعتك راعية المشيب بعارضيولو إنها الأولى لراع الأسحم
أطال الشيخ أبو الفتح في غريب هذا البيت ولم يعرض لشرح معناه. وهو من دقيق معانيه ومعقدها. وأرى كثيرا من مسجلي الأدب يتخطون تفسيره. والهاء في قوله (لوانها) عائدة إلى الراعية. يقول: لو كان الأول من الشعر أبيض، والأسود طارئ لراع السواد. يريد: إنما راعك علة سيئ لا البياض. كأنه لو أراد إشباع اللفظ لقال: ولو إنها الأولى. والأسحم طار عليها لراعك الأسحم. وكان قوله أيضا:
مُنى كن لي أن البياضَ خضابُفَيَخفى بِتبَييضِ القرُوُن شباب
من هذا المعنى مشتق. وإن كان من غير قبيله فتأمله. وقد أوضح هذا المعنى بقوله بعده:
ولقد رأيت الحادثات فلا أرىيققاً يميت ولا سوداً بعصم
وأعرف تباين هذا البيت من بيت أبي تمام:
طال إنكاري البياض ولو عمرتشيئاً أنكرت لون السواد
فإنه ينكر لون السواد لشيخوخته واستيلاء البياض عليه. وهذه يردعها الأسحم لأنه دليل الشيخوخة. ويحب البياض لأنه اللون الأول لون الشباب.
وقوله:
عيون رواحلي إن حرت عينيوكل بغام رازحة بغامي
قال أبو الفتح: سألته عن معنى هذا البيت فقال: معناه إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني، وبلغمهن بغامي. أي إن حرت فأنا بهيمة مثلهن. كما تقول: إن فعلت كذا وكذا فإنك حمار، وأنت بلا حاسة. هذا ما ذكره. ولكن يزيده وضوحاً إن قال قائل فما يضر أن تحير رجل ركب المفازة فتاة. وليس الجهل بالدلالة في المفازة مما يذم به. فالجواب أن يريد إنه بدوي ومع ذلك فأني عارف بدلالات النجوم بالليل، والعلم بها من علم الأنواء وأبواب الأدب فلذلك أفتخر به، وبذلك على ذلك قوله: وكل بغام رازحة بغامي يريد بذلك أني فصيح شاعر عارف بالمنطق. وهكذا يقول الفصيح إذا اقسم يقول: أنا أعجمي إن لم أغلبك
بالحجة وأنا أخرس إن لم أخصمك بالجدل. فيقول أبو الطيب: إن تحيرت في المفازة فعيني البصيرة الحالمة عين راحلتي، ومنطقي الفصيح البليغ بغامها.
وقوله:
وقد أراد المياه بغير هادٍسوى عدّي لها برق الغمام
قال الشيخ أبو الفتح: قال يعقوب: العرب إذا عدت للسحاب منه برقة لم أشك في أنها ناطرة قد سقيت، فنتبعها على الثقة. هكذا قال.
والذي قال ابن قتيبة في كتابه (الأنواء). انهم يعدون سبعين برقة. وقد قال ذلك بن نويره:
وهم ينزلون الغيث والغيث عازبإذا ماؤهم عدوا عليه البوارقا
ولقائل أن يقول: فدلائل المطر في السحاب، والبرق أكثر من أن تحصى. ألا
تراهم يقولون: أرينها نمره اركها مطره. وإلى قول معقر بن حماد البارقي لابنته - وهي تقوده وقد كف بصره، وسمع صوت رعد -: ما ترين، فقالت: (أرى سحماء غفاقه، كأنها حولاء باقة لها هيدب دان، وسير وان. فقال. ألمي بي إلى معلة فإنها لا تنبت إلا بمسجاة من السيل).
ألا ترى كيف وثق بالغيث فأمرها بالهرب إلى المنجاة. فلم خص أبو الطيب عدد البرق وليس ذلك في شهرة غيره من الدلائل. فالجواب إنه لم يرد الاستدلال على المطر فقط. وإنما أراد إنه يتبع البرق حتى يجد الماء، وذلك من فعل العارفين بمواقع الماء ومحاله. وقد تقدمه دعواه إنه خريت فلاة، لأنه إذا خالت السحابة عرف مخيلتها فأقام حتى يأتيه المطر. فتأمل موضع افتخاره.
وقوله:
لا شيَء أقبحُ من فحل له ذكرٌتقوده أمةٌ ليست لها رَحمُ
هذا أيضاً تعريض بكافور لابن طغج وتغريب بينهما كقوله:
العبد ليس لحر صالح بأخٍلو إنه في ثياب الحر مولود
يغريه به. وابن طغج فحل له ذكر، وكافور خصي فهو الأمة من حيث إنه خصي لكنه قد خالفها بكونه لا رحم له، فكأنه أنقص من أمة. هذا إغراء به. يقول: لم تملكه أمرك وأنت فحل ذو ذكر، وهو أمة في العجز ودناءة القدر، وليس بذات رحم فهو اقل من أمة. وقد أنث الرحم وهو مذكر، إذ عنى به العضو، وإذا أنثت عينت به القرابة من قولهم: بيننا رحم أي قرابة. وكذلك رحم بضم الراء. ويجوز أن تكون التاء (في ليست) (للامة). كأنه قال: أمة ليست ذات رحم. وتكون (لها) موضعه الرفع. لا النصب لأنه خبر (رحم) وهو مبتدئتان. واسم ليس ضمير يرجع إلى أمة. (ولها رحم) جملة موضعها النصب لأنها خبر (ليست).
وقوله:
من اقتضى بسوى الهندي حاجتهأجاب كل سؤال عن هل بلم
قال الشيخ أبو الفتح: إذا قيل له: هل أدركت حاجتك قال: لم أدركها. وهذا تفسير جيد لا مزيد عليه. إلا أن القاضي أبا الحسن علي بن
عبد العزيز ﵀ فسره في كتاب (الوساطة) فأخطأ ثم عابه فقال: كان الواجب أن يقول عن هل ب (لا) لأنه يقول: هل تبرع لي بهذا المال فتقول: (لا). فأقام (لم) مقام (لا). لأنهما حرفان للنفي. فأقام أحدهما مقام الآخر.
وفي هذا من الظلم ما ترى، ومن الخطأ ما تعلم. لأنه لو أراد ذلك لقال: أجبت عن كل سؤال ب (لا). لأنه المقتضى فيجاب لا هو يجيب. وإنما يعني كل من اقتضى حاجة بغير السيف، ثم سأله الناس هل أدركت حاجتك، هل بلغت مرادك، هل ظفرت، هل وصلت. فيقول في الجواب عن ذلك لم أبلغ، لم أصل، لم أدرك، لم أطفر.
وقوله:
صنا قوائمها عنهم فما وقعتمواقع اللوم في الأيدي ولا الكزم
هون على بصر ما شق منظرهفإنما يقظات العين كالحلم
أما البيت الأول فأهمل أبو الفتح معناه، وشغل بالغريب. وأما البيت الثاني فأخطأ في شرحه خطأ بينا قد شرحنا ذلك في كتاب (التجني). فأما قوله: صنا قوائمهما فيعني أنا صنا السيوف أن يسلبناها أعداؤنا فتقع
قوائمها في موقع اللؤم. وموقع اللؤم مواطن أيديهم. وإنما تقع قوائم السيوف في مواطن أيدي الأعداء إذا سلبوها. فأما إذا لم تسلب فما تقع فيهم إلا مضاربها. وكأن في ذلك إشارة إلى قول القائل:
نقاسمهم أسيافنا شر قسمةففينا غواشيها وفيهم صدورها
وقول الآخر:
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبلولي منه ما ضمنت عليه الأنامل
فقد أنباك أن قوائم سيوفهم ثابتة في أيديهم لم تسلب. وقد تقدمه:
من كل قضية بالموت شفرتهما بين منتقم منه ومنتقم
فهذا معنى قوله: نقاسمهم أسيافنا شر قسمة. ولو لم يتقدم هذا البيت لكان في قوله: صنا قوائمها عنهم ما يؤدي ذلك. فما أبلغه من بيت وأحكمه. والمصراع الثاني زيادة. أعني قوله: فما وقعت مواقع اللؤم والكزم. البخل، والعطاء يكونان باليد جعل أيديهم مواقع اللؤم. وإن كان قد يكون بغير البخل.
وهذا مذهب من الاتساع متعارف. وأما البيت الثاني فزعم أبو الفتح أن قوله: ما شق منظره من قولهم: شق بصر الميت شقوقاً. بمعنى جاد بنفسه. وشاق يشوق شوقا. ورواه شق بفتح الشين. قال: ولا يقال: شق الميت بصره قال ومعناه هون على بصرك شقوقه
ومقاساة النزع والحشرجة للموت. فإن الحياة كالحلم تبقى قليلا وتزول. وقد قال أو تمام:
ثم انقضت تلك السنون وأهلهافكأنها وكأنهم أحلام
فانظر إلى هذا التشبيه المتفاوت. إذا كان أبو تمام يقول: إن الماضي من الزمان والهذلين من الناس كالأحلام. وأبو الطيب يقول: يقظتك كحلمك فما يصنع الموت هاهنا والحشرجة وإنما هو من شق على الشيء أي صعب. يقول: هون على كل عين النظر إلى ما يشق فإنه اليقظة كالحلم إذ كان أحوال الدنيا إلى الزوال. فهذا المعنى الذي أن سمعه أبو الفتح لم ينكره فما الذي يسومه هذا العسف وشق النفس في الغوص إلى ما لا يفيد.
وقوله:
ولما تفاضلت النفوس ودبَّرتأيدي الكماة عالي المران
قوله: ودبرت جملة منفية معطوفة على جملة منفية. وليست جملة مثبتة جارية مجرى قوله: ما أكلت وشربت الماء. يريد إثبات الشرب، ونفي الأكل. بل هي
كقولك: ما ضربت زيداً وقتلت بكرا، يريد نفيهما جميعاً. ولعمري إن الأحسن إظهار النفي ليكون دليلا على النفي ولكن الكلام إذا دل على الغرض جاز حذف النفي. ألا ترى أن المعنى ولما تفاضلت النفوس، ولما دبرت الأيدي الرماح يريد لدبرتها الرماح، أو عصمتها عند الاستعمال ولكنها بالعقل دبرت فأطاعت، ونفذت حيث نفذت من هذا النوع كثير.
وقوله:
في جحفل ستر العيون غبارهفكأنما يبصرن بالآذان
سمعت جماعة من أهل الأدب يتساءلون بينهم لم جعل الآذان تبصر في الحال التي ستر الغبار العيون. وأي مزية للآذان ثم على العيون. فقال المحذق منهم في الصناعة: ذاك لأن الآذان منصوبة، فالغبار لا يسترها، والعيون معتضة، فالغبار يمنعها النظر. منصوبة، فالغبار لا يسترها، والعيون معتضة، فالغبار يمنعها النظر. ولما يعلما جميعا أن الانتصاب، وسعة الفتح لا يغنيان من الغبار وظلمته شيئاً، ألا ترى ظلمة الليل. وإن سعة العين فيه كضيقها، ونجلها كخوصها. وانتصاب العين فيه كانبساطها لمن انتصب عنه بانتصابه، وانبسطت باستلقائه على صلاوي قفاه كلا الناظرين فيه سواء وكلتا العينين غناؤهما فيه واحد. وإنما أراد الرجل أن الغبار ستر العيون حتى وقع على الجفن فمنعه أن يفت النظر والأذن لا تنطبق فلا يثقلها للغبار، وانتصابها دائم. والعين إذا اثقل الغبار جفنها انطبقت فلم تنفتح. وهي مع ذلك لا ترى فتعتمد ما تسمع فينحو نحوه ويبقى ما يجب إبقاؤه. فهذا معنى حسن. وجعل الناجي المصيفي الأذن مثقلة بالدم القاهر من القنا. فما أحسن كثير إحسان، إذ لا ثقل للدم عليها وإن جسد عليها وإن جسد عليها فإنما جسد ما فضل من القطر وذاك حيث يقول:
ثقيلات آذان من الدم والقناغريقة بحر بالأسنة زاخر
بل أحسن بعض من سمع هذا البيت من المحدثين فقلبه وقال في صفة روضه:
أصْغَتْ عيونُ النور في جنباتهفكأنما يَسْمَعَن بالأجفانِ
وإن كان النور لا حاجة به إلى السمع، ولا الإصغاء ولكنه ملح في السرقة.
وقوله:
يتفيأون ظلال كل مطَّهمأجل الظليم وربقة السرحان
قال السيخ أبو الفتح ورواه: يتقيلون، يقول يتقيلون آباء لهم سباقين إلى المجد والشرف، كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم فقد هلك. وإذا رأى الذئب كان كأنه مشدود بحبل في عنقه. والعرب إذا مدحت رجلا شبهته بالفرس السابق كما قال النابغة. واستشهد بشعر كثير. ثم قال: وإنما استعار هنا لفظ الظلال لأن ظل كل شيء موازنه، وعلى سمته. فيريد بذلك احتذاءهم طريق آبائهم وسلوكهم مذاهبهم من غير تبديل ولا تعريج كما قيل:
شنشنة أعرفها من أخزم
ثم قال: ويحتمل أيضاً أن يكون معناه انهم يستظلون بأفياء خيولهم في شدة الحر يصفهم بالتعرب والتبدي. فالحمد لله الذي أجرى الحق على لسانه عاقبة، كما أجرى الباطل عليه بدءاً ما قال أبو الطيب، ولا روى عنه ألا يتفيئون. يريد يجلسون في أفياء خيولهم
للزومهم البادية في صميم الحر، ولا ظلال لهم غيرها. وقد جرت عادة أبي عبد الله بن مقله ﵀ والمتشبهين به في الخط من أهل بغداد بإظهار الألف الموصولة من خلف استواء السطر من غير تعقيب حتى تحسبها شرطة شرطت، فلعلها اتصلت بالواو فحسبها أبو الفتح يتقيلون. وهذا مما يسيء الظن بروايته - غفر الله له -. وما سمعنا أحداً روى هذا البيت يتفيئون بهمزة غير الشيخ أبي الفتح. ولتكن الرواية ما حكى فكيف يكون الأب السيد الكريم آجلا للظليم، ورقة للسرحان. أتراه يصفه بشدة العدو، ولا كبير فخر في ذلك. أم
يجعل الفرس أباه، أم يجعله متقيلا للفرس في العدو. وأي الثلاثة التأويلات تتناول هذا البيت مع روايته. أم يجعل المطهم كرة رجلا وكرة فرساً فيكون البيت نصفين متنافيين. وسيقول المتعصب له: لا ضير في ذلك فإنه من باب التوسع هو أحرج الحرج. وقد خصم نفسه وتنبه بعض التنبه فقال: ولفظ الظلال استعارة، لان ظل كل شيء موازنه، وعلى سمعته. كأنه استحيا من قائل يقول له: فما تضع بالظل وهو يريد أن يتقبل أباه فاعتذر له لا عذر الحسن الذي قد سمعته. فهلا يقول لنفسه فأولى من الظلال بالخلال. فلو قال: يتقيلون خلال كل مطهم لأدى ما يروم. ثم الثالثة قضت عليه بالحق فاستدرك المعنى. ونسي موضع التصحيف فقال يجوز أن يكون معناه أنهم يستظلون بأفياء خيولهم
من شدة الحر. وقد علم إنه لا يجوز غيره غفر الله له ذنوبه.
وقوله:
وعلى الدروب وفي الرجوع غضاضةوالسير ممتنع من الإمكان
قال الشيخ أبو الفتح: سألته عن هذا فقال: معناه وكل هذا الذي ذكرته على الدروب أيضا، إذ في الرجوع غضاضة على الراجع، وإذ السير ممتنع عن الإمكان. وما أحراه أن يكون سمع بعض ذلك ولكنه لم يعه عنه والغرض غير ما ذكر إذ قد تقدم هذا البيت:
خضعت لِمنُصُلِكَ المناصِلُ عنوةوأذل دينك سائر الأديان
أفتراه يقول: خضعت على الدروب، وأذل على الدروب أيضا. وقد قال سائر الأديان بتخصيصه بعد العموم في معنى واحد من أمحل المحال. وأظنه قال في الجواب، وكان هذا الذي أذكره فيما بعد فظن إنه يقول ذكرته فيما خلا، وإنما يعني على الدروب غضاضه كما تقول على يدي، وفي كمي مال. تريد على يدي مال، وفي كمي مال. وإنما يريد في مقامنا على الدروب غضاضه، وفي رجوعنا
غضاضة. والخطاب يدن السامع على إنه يريد في مقامنا على الدروب. وهذا كما
تقول للجالس على التراب: قبيح، وغير جميل، أو ما أشبه ذلك. فهذا ظاهر. وما سمعه أبو الفتح فسماع مستعجل لم ينفهم.
وقوله:
كتمتُ حُّبَكِ حتى منكِ تكرِمَةثم استوى فيك إسراري وإعلاني
كأنه زاد حتى فاض من جسديفصار سقمي به من جسم كتماني
قد خلط الشيخ أبو الفتح في شرح هذا الشعر، وقد مضى في كتاب (التجني) ما فيه مقنع ويعني أني تكرمت بكتمان حبك. كتمته منك أيضا. ثم استوى سري وعلني في الكتمان لا في العلن. يدل على ذلك معنى البيت الثاني، وليس المصراع الثاني بناقص للأول.
فقد يظن ظان إنه يعني أني كتمت ثم أعلنت، وليس كذلك. يدلك عليه
كأنه زاد حتى فاض عن جسدي
يريد الكتمان. فكيف يكون معناه أني ظهرت. فإن قال: إنما ضمير زاد للحب قلنا له: فما تصنع بقوله: فصار سقمي في كتماني يريد فصار سقمي منكتما كأنه في وعاء من كتمان. وكأنه يقول كان كتماني في جسمي في كتماني فافهمه.
وقوله:
الحب ما منع الكلام الألسناوألذَّ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع