تجاوز إلى المحتوى

من «الفتح على أبي الفتح» لابن فورجة (ت ٤٥٥هـ)

الفتح على أبي الفتح (١٠)

قد سمعت قوما ينشدون الألسنا بفتح السين، وليس ذلك بممتنع. و (ما) بمعنى الذي يقول: الحب الصادق ما يمنع الكلام الألسن تحيرا، وتبلدا. كما تقول: البغض ما يمنعك النظر إلى صاحبك. يعني البغض الصادق، أو البغض الشديد. وإن قال قائل: (ما) بمعنى النفي. ويكون معناه: الحب ما يمنعك الشكوى. ولم يكن (ذلك) ممتنعا. والمعنى إن شكوى الحب مما يستلذ. فإذا بلغ من شدة الحب ألا ينطق فذلك

لمن النهاية. وهذا معنى قول القائل:

وما هو إلا أن أراها فجاءةفأبهت حتى ما أكاد ابن كذا

وقريب منه قول بعض المحدثين:

وأذكر خالياً حججيوأنسى حين أبصره
للشاعر كشاجم، من قصيدة «ينام الليل أسهره»

ومن روى الألسنا. كان ذلك من باب المبالغة.

ومعنى المصراع الثاني ما قاله على بن الجهم:

وقلما يطيب الهوى إلا لمنهتك الستر

أو قول أبي نواس:

ولا خير في اللذات من دونها ستر

وقوله:

لا يستكين الرعب بين ضلوعهيوماً ولا إحسان أن لا يحسنا

قال الشيخ أبو الفتح: الإحسان هنا مصدر أحسنت الشيء إذا حذفته. وليس من الإحسان الذي هو ضد الإساءة. يقول: فهو لا يحسن أن لا يفعل الجميل. وقد جود فيما استنط كأنه يقول: لا يستكن بين ضلوعه علم ألا يحسن. ولو قال: ولا إحسان أن لا يحسنا

لكان أشار إليه أبو الفتح أبين وأوزن ذلك ولا العلم ألا يحسن ولو قال علم ألا يحسن لكان أبين. كما أن قولك: أعجبني ضرب زيد أبين للسامع من أعجبني الضرب زيدا. وما أراد أبو الطيب إلا الإحسان الذي هو ضد الإساءة. يقول: لا يستكين الإحسان حتى يحسن. أي لا يمكث حتى يفعله فأقام يسكن مقام يمكث لتقارب معنييهما. وهذا أسبق إلى الفهم مما أتى به الشيخ أبو الفتح. والذي أتى به في غاية الجودة.

وقوله:

ألقى الكرام الألى بادوا مكارمهمعلى الخصيبي عند الفرض والسنن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»
فهن في الحجر منه كلما عرضتله اليتامى بدا بالمجد والمنن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

قال الشيخ أبو الفتح: أي المكارم في يده، وتحت تصرفه. يستعملها في أي وقت شاء. وكيف شاء. وهذا على ما ذكر.

(إلا) وجب عليه أن يبين على أي وجهٍ هي في يده. وذاك أن الممدوح قاضٍ فمدحه بما يضاهي القضاء. فجعل المكارم كالأيتام وجعلها في حجره لما مات عنها الكرم الألى بادوا. فكلما عرضت له الأيتام بدا بالمكارم ولما لم يتأت له لفظ المكارم أقام المجد والمنن مقامهما، لأنها في معناها وليقم القافية والوزن. وترك همزة بدأ. وقد مضى مثله في هذا الكتاب من شعره. وقوله: عند الفرض والسنن مما يظهر ذلك لك ويوضحه. ولا معنى حجر اليتيم لما أجدى قوله عند الفرض والسنن. يريد القوها عليه عند موجات الفرض والسنن. لان كفالة اليتيم، ووكالته من الفروض. وهذا من حذقه بالمدح، وجودة تصرفه في المعاني.

وقوله:

قد صيرت أول الدنيا أواخرهاآباؤه من مغار العلم في القرن
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال الشيخ أبو الفتح: هذا مثل ضربه، أي قد ضبطوا العلم، وقيدوا الأحكام والشرائع. وهذا على ما قاله. غير إنه لم يعرفنا أي العلوم يعني. وإنما مدحهم برواية الحديث. يعني أنهم ضابطون للأيام، عارفون بالأخبار. يدللك على ذلك قوله بعده:

كأنهم ولدوا من قبلِ أن ولدواأو كان فَهمُهمُ أيامَ لم يكن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

ومغار، من أغرت إذا قتلته. استعارة لأحكامهم العلم. ومثل هذا قوله في تشبيب غلام:

يحدث عمّا بين عادٍ وبينهوصدغاه في خدي غلام مراهق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

يريد إنه حافظ للشعر القديم ولأيام العرب. يعني إنه أديب فلذلك أحسه.

وقوله:

ولو بدت لاتاهتهم فحجبهاصونٌ عُقولَهُم من لحظها صانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

أهمل أبو الفتح تفسير هذا البيت. وفيه من الغلق ما ترى. وقوله: صون فاعل حجبها. وصان ضمير راجع إلى الصون. يريد صون صان عقولهم من لحظها. والمعنى إنها لو بدت لاتاهتهم بجمالها، فقام تيههم عنها، وذهولهم عن تأملها مقام صيانها فكأنها لم تبد. ثم قال: هذا الصون على هذه الصفة هو صون صان عقولهم عن لحظها ولولا تيههم عنها، وذهولهم برؤيتها لأسلمت عقولهم للحظها فأهلكها لحظها، وذهب بهاز يريد عشقوها. ومرحى له. وبعد فالبيت مدخول، والمعنى مرذول.

وقوله:

ولا أسرُ بما غيري الحميد بهولو حملت إلي الدهر ملآنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

قال الشيخ أبو الفتح: لا أسر بما أخذه من غيري، لأنه هو المحمود على عطاء. وهذا تفسير حسن. يقول: أنا وإن كنت شاعراً فرغبتي في الحمد أكثر من رغبتي في الصلة. فأنا أغبط الواصل على الحمد الحاصل له، ولا أسر بالعطايا ولو أعطيت ملء هذا الزمان. كما قال أيضاً:

ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملكملء الزمان وملء السهل والجبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

وقد بين بقوله: ولو حملت إلي الدهر، إنه يريد العطاء لا غير والحمد عليه، ولو لم يأت بذلك لاحتمل غيره من المعاني. وقد زاد ذلك المعنى وضوحاً بالبيت الذي يليه وهو قوله:

لا يجذبن ركابي نحوه أحدما دمت حياً ولا قلقن كيرانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

أي أنا لا أسر بالعطايا فلا يستزرني أحد.

وقوله:

لو استطعت ركبت الناس كلهمإلى سعيد بن عبد الله بعرانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هذا البيت حسن الصنعة والمعنى. يعني أن الناس كلهم كالبعران في عدم العقول، فهم يصلحون للركوب. وقال الصاحب بن عباد ﵀ في رسالته في هذا البيت: (أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا، فأتى بأخزى الخزايا. لو استطعت. البيت... ثم قال: ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها. والممدوح أيضاً لعل له عصبة لا يحب أن يركبوا إليه. فهل في الأرض أسقط من هذا التسحب ولا أوضح من هذا التبسط).

وأي تبسط وتسحب على الممدوح ترى في هذا البيت. وليس كل من ذكر الناس بسوء أو بغير سوء فقد عنى جميعهم، حتى لا يشذ واحد، ولو أكده كل تأكيد. ولو توقى الشعراء هذا الباب لكانوا في حرج من جميع ما ينطقون به. ألا تراه قد قال في مرثية فاتك:

والناسُ أوضعُ في زمانك منزلاًمن أن تُعاشرَهم وقدركَ أرفع

وهو أيضاً من الناس. أفتراه أيضا جعل نفسه وضيعا. وللشعراء قبله ما لا يحصى كثره. فعليه وحده يحرم هذا المجاز، والتأويل. وقد قال الله تعالى يخاطب مريم: (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين). أفتراه اصطفاها على حواء وهي قبلها. واصطفاها على فاطمة - صلوات الله عليها - وهي بعدها. وهما من العالمين. وليس لقائل أن يقول: أراد بالعالمين نساء زمانها ففي زمانها عالم واحد. والعالمون في أزمنة تقدمت أو تأخرت. هذا وقد قيل في (كل) إنها تكون بمعنى الجمع تارة. وبمعنى البعض. وفسروا قوله

تعالى: (تدمر (كل) شيء بأمر ربها) إنها بمعنى البعض. وقول الشاعر:

ألا إن خير الناس حياً وميتاًأسير ثقيف عندهم في السلاسل
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ألا إن خير الناس حيا وميتا»

أفترى أن خالد بن عبد الله القسري خيرا من رسول الله ﷺ ومن

أصحابه المنتجبين، واهل بيته الطاهرين. ألا ترى أن قوله: حيا وهالكا اكثر من قول أبي الطيب ركبت الناس كلهم. فهذا عنت. وبيت المتنبي جيد شعره:

وقوله:

أريد من زمني ذا أن يبلغنيما ليس يبلغه من نفسه الزمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

ليس هذا البيت مما يقتضي شرحاً ولكنه حكى عن أبي الطيب إنه سئل ما الذي يريد الزمان أن يبلغه في نفسه فليس يبلغه. فقال يريد الزمان أن يكون كله ربيعا. وليس يكون كذلك. ولو قال:

يريد الزمان أن يكون كله نهاراً لكان أجود، وأولى. لأن ذلك حال في نفسه والربيع حال حسنه يظهر على الأرض والشجر والنبات. على إنه يمكن أجوبة غير ذلك كثيرة. منها أن يريد الزمان أن يكون خصباً لا قحط فيه. أو يتمنى أن يكون البرد بين الغداة والعشي لا هاجرة فيه، أو كله صحوا لا غيم فيه. إلا أن الحكاية إن كانت صحيحة فما أجاب أبو الطيب ألا بجيد من الجواب. وما أشبه هذا بما زعم أبو الفتح في شرحه:

ولكن الفتى العربي فيهاغريب الوجه واليد واللسان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

وقوله:

فإنه يعني بالبيدان سلاحه: السيف والرمح، وسلاح من بالشعب الحربة والترس. وعندي إن الأولى إنه يريد باليد كتابته بها. يريد أن كتابه العربي عربية. وكتابة الفارسي (الفهلندية) ووجهه اسمر من اثر البداوة. ووجه من بالشعب أشقر ببياض وحمرة. ولسانه عربي ولسان سكانه فارسي. وقد علم أبو الفتح أن الترس لا تخلو منه العرب. ألا تراهم يقولون:

وخرق كظهر الترس رحب قطعته

ومجناً أسمر قراع، ومجنا اخلص من ماء اليلب.

وهم درعي إذا اسلأمتُ فيهاإلى يوم النسار وهم مجنى

وقول الهذلي:

أرقت له مثل لمع البشيريقلب في الكف فرضاً خفيفا

وقول العباس بن مرداس:

لنا عارض كزهاء الصريمفيه الأسلة والعصير

وقول الراجز:

إذا جعلت الجوب من شمالكفاجعل مصاعاً صادقاً من بالك

والفرص والعنبر والجوب والترس. وكذلك المجنا والمجن.

وقوله:

كل ما لم يكن من الصعب في الأنفس سهل فيها إذا هو كانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

قوله: ما لم يكن بمعنى ما لم يقع. وليست كان الناقصة. مثل قول زهير:

فإن بيوتنا بمحل حجربكل قرارة منها تكون

أي نقيم. ومعنى البيت أم كل ما يقع مما يستصعب في النفوس فهو سهل إذا وقع. وهذا قريب من المثل المضروب: إذا خشيت أمر فقع فيه فإنما جئته بوقته. وقول أعشى باهله:

لا يصعب الأمر إلا ريث تركبهوكل أمر سوى الفحشا تأتمر
للشاعر الدعجاء بنت وهب، من قصيدة «إني أتتني لسان لا أسر بها»

وقريب منه قوله:

سهرت بعد رحيلي وحشة لكمثم استمر مريري وارعوى الوسن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

وقول البحتري:

لعمرك ما المكروه إلا ارتقابهوأبرح مما حل ما يتوقع

وقوله:

كأنَّ رقاب الناسِ قالت لسيفهعدوّك قيسي وأنت يماني

هذا من أفراد أبيات أبي الطيب المتنبي بل من أجود جيده. وذاك أن شبيبا هذا

الخارجي عربي من بعض بطون قيس عيلان. وبينهما وبين اليمن عداوة ما قد شهر. وقد جرت العادة بنسبة السيوف إلى اليمن. ثم أن شبيباً قتل. فيريد إنه قتل بسيف نفسه، ولم يقتله كافور. فيريد كأن الرقاب لما حل بها من عظيم ضربه لها أرادت التغريب بينه وبين سيفه فقالت لسيفه: أنت يمني ورفيقك من قيس عيلان فهلا قتله. فسمع منها ما قالت فقتلته طالباً ترة نفسه، وترة اليمن في قيس عيلان. فانظر ما أحسن ما عبَّر عن قتله على يد كافور وهذه القصيدة من أولها إلى آخرها هجو (لكافور) ومدح لشبيب ومعرضها مدح كافور، وذم شبيب. فتأمل، فالصنعة فيها عجيبة جداً.

وقوله:

دعته بمفزع الأعضاء منهاليوم الحرب بكر أو عوان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

حرفه أبو الفتح فرواه بموضع الأعضاء. ثم قال: أي دعته السيوف بمقابضها. والرماح بأعقابها. لأنها مواضع الأعضاء منها بحيث يمسك الضارب والطاعن. ويحتمل أن يكون أراد دعته الدولة بموضع الأعضاء من السيوف. ومعنى (دعته) اجتذبته، واستمالته. هذا كلامه. وما نعلم أحدا من رواة هذا الديوان روى هذا البيت إلا (مفزع الأعضاء). وإذا حرف عن وجهه شعر لم يجد بداً من تمحل يخرج معناه. وهذه لشظه من أمحل المحال، لأنه ما دعي نقيض الدولة، ولا سافلة الدولة. وإنما يريد قوله:

بعضد الدولة امتنعت وعزتوليس لغير ذي عضد يدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
ولا قبض على البيض المواضيولا حظ على السمر اللدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

فجعل العضد مفزع الأعضاء لما بينه في البيتين قبله. فان قال: قد قلت أن معنى (دعته) اجتذبته، واستمالته فان دولة بني هاشم ما استمالت عضد الدولة بالسيوف، ولا الرماح. وإنما اجتذبته. واستمالته بالملك

الذي ملكته. وقد قال: والرماح

بأعقابها. وما سمعنا أحداً سمى سافلة الرمح عقبه. فرحم الله أبا الفتح من كم لون اخطأ في هذا البيت. وهبه زل في المعنى فكيف رضى لنفسه بالعي - غفر الله له ولنا -. على أن هذه القصيدة لم يقرأها على أبي الطيب فما أظنه لقيه بعد خروجه إلى فارس. والذنب للناس.

وقوله:

وكأن ابنا عدو كإثراءله ياءي حروف أنيسيان

كأنه يعرض بعدو هـ ابنان. والسبب في ذلك أن لعضد الدولة ولدين عند إنشاده هذه القصيدة. فهو يدعو على عدو يكون له وله ابنان. كما للممدوح ابنان. ويدعو لولديه بقوله:

فعاشا عيشة القمرين يحيابنورهما ولا يتحاسدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

وانيسان تصغير إنسان. وروى تصغيره انيسيلن بياءين في ألفاظ يسيرة شذت. منها اصيلال في تصغير أصيل بلام أخرى زائدة مع الألف. وعشيشيه وعشيشيات وكنيكنه في تصغير كنكه وهي البيضة المأكولة. فهاتان إليان وإن كانتا زيادة في عدد الحروف فهما نقصان من حيث المعنى، لأنهما للتصغير. فيقول: جعل الله ولديه وإن كانا مكثرين لعدده نقصانا من جاهه ومحله كهذين اليائين. وما احسن ما صاغ لولا بهده عن الإفهام.

وقوله:

ذا الذي أنت جده وأبوهدنيه دون جده وأبيه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغلب الحيزين ما كنت فيه»

(ذا محله الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف كأنه يقول: هذا الذي جده. وقد تقدمه قوله أغلب).

أغلب الحيزين ما أنت فيهوولي النماء من تنمية

وقد كان ذكر سيف الدولة جد أبي العشائر وأباه. (فذا) إشارة إلى أبي العشائر

وليس بمبتدأ يكون جده خبره لأنه ليس يعني أن أبا العشائر دونك. ولا فائدة له في ذلك. ولا يحسن به أن يغض منه وسيف الدولة يمدحه. وليس (دون) بمعنى أوضع محلا ومنزلة. بل دون من قولك لمن يقرب منك: أنا احول دون أخيك، وأبوك دون أبيك. فيقول: أغلب الحيزين حيز أنت فيه، وولي النماء من تنمية. وهو أبو العشائر الذي أنت أبوه. وجده دون أبيه وجده. وقد أهمل أبو الفتح شرح هذا البيت. وهو مما يسأل عنه. ويجب الفحص عن معناه.

وقوله:

قالوا ألم تكنه فقلت لهمذلك عيًّ إذا وصفناه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا ألم تكنه فقلت لهم»
لا يتوقى أبو العشائر منليس معاني الورى بمعناه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال الشيخ أبو الفتح: في لفظ هذا البيت اختلال في صناعة الإعراب. وذلك أنهم قد عرفوا إنه لم يكنه فحكايته عنهم قالوا ألم تكنه. إنما هو على مذهب التقرير. لأنهم لم يشكوا في إنه لم يكنه فيستفهموه فصار كما تقول ألم تأت فأعطيك لا يريد استفهامه فإنما يريد إنه قد أتاك فأعطيته. وإذا كان تقريرا ففيه نقص واختلال. وذلك أن التقرير إذا دخل في لفظ النفي ردّه إلى الإيجاب في المعنى. وإذا دخل على لفظ الإيجاب رده إلى النفي في المعنى. ألا ترى إلى قول الله تعالى: أأنت قلت للناس. وهو تبارك اسمه لا يشك وإنما هو تقرير ومعناه إنك لم تقل. فهذا لفظ الإيجاب الذي عاد إلى النفي. وأما لفظ النفي الذي أعاده التقرير إلى الإيجاب فنحو قوله: أليس في جهنم مثوى للمتكبرين. أي أن فيها مثوى لهم. فقوله ألم تكنه ينبغي أن يعود في المعنى إلى انهم قد قالوا كنيته، أو كان عندهم ممن كناه. وهذا محال لأنهم قد أنكروا عليه ترك كنيته فلم يضع الكلام موضعه.

وهذا على ما قاله أبو الفتح إذا فسر هذا التفسير. ونحن نقول بل هو استفهام، لا يتضمن تقريراً. وما الذي يحوجنا إلى أن نجعله تقريراً ثم نخطئه وما يضر من

أن يكون استفهاما صريحاً. كأنهم سألوه: هل كناه، فقال لهم: لم أكنه، لأنه عي إذا وصفناه. فأي نقصان يلحق ما نحاه أبو الطيب من المعنى على هذا التأويل.

ثم قال لا يتوفى أبو العشائر البيت... وأبو الفتح أهمل تفسيره وهو محتاج إلى شرح. وذاك أن معناه متصل بما قبله. يقول: إذا لم تكنه لم يتوق أبو العشائر أن يشتبه معناه بمعنى غيره. وقوله:

(ليس معاني) بمعنى الالتباس وهو ظاهر. ولو روى ليس لكان يحتمل معنى جيداً فيكون قوله: ليس معاني الورى بمعناه من قول أبي نواس:

وليس لله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد

يقول: لا يتوفى أبو العشائر من لم تجتمع فيه معاني الورى. يريد إنه قد اجتمع فيه معاني الورى. فهو لا يشتبه بغيره فأفهمه فهو دقيق إلا إنه لم يروه.

وقوله:

تجمعت في فؤاده هممُملء فؤاد الزمان إحداها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
فإن أتى حظها بأزمنةأوسع من ذا الزمان أبداها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
وصارت الفيلقان واحدةتعثر إحياؤها بموناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

فإن أتى حظها. الهاء للهمم. وأبداها أيضا هاؤها للهمم. يقول إن أتى حظ الهمم، وجدها بأزمنة أوسع من ذا الزمن أظهر تلك الهمم. فأما الآن فما يسع هذا الزمان تلك الهمم فهو لا يبديها. وعندي إنه لو قال حطه يريد حظ عضد الدولة يريد ماله من المعجزات وعجائب الدولة ومساعدة المقادير له لكان أمدح وأحسن والرواية بالتأنيث. ويعني بالفيلقين أهل هذا الزمان، وأهل تلك الأزمنة والفيلق الجيش العظيم. وهو مذكر. أنثه لأنه يعني الطائفة والجماعة، والزمرة وما أشبهها وجعلها تعثر إحياؤها بموتاها للزحمة. وقد كثرت الأزمنة وأهلها والدنيا واحدة. وهذا من قوله أيضا:

سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلهامنعنا بها من جيئة وذهاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

ولا تستطيلن الرماح لغارةولا تستجدين العتاق المذاكيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

أتى بهذا البيت بعد قوله: فلا تستعدن. والبناءان متفقان في المعنى مختلفان في اللفظ فأردت الدلالة على اشتقاقها. أما تستعدن فيستفعلن من العدة. وهو استفعال بمعنى لو قال: لا تعدن لأدى ما يريد. وأما تستطيلن فليس من قولك: استطلت هذا الحبل، وهذا الرمح أي رأيته (طويلا ووجدته) طويلا بل هو بمعنى لا تطلبه جياداً. فالمعنيان متفقان من حيث يريد إعدادها. أما الرماح فطويلة، وأما الخيل فجياد. ولو قال: لا تطيلن الرماح، ولا تجيدن العتاق لأديا المعنى. والمعنى من قول عبد الرحمن بن داره:

فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكمفكونوا بغايا للخلوق وللكحل
وبيعوا الردينيات بالخمر واقعدواعلى الذل وابتاعوا المغازل بالنبل

هذه الأبيات التي أتينا بها عي التي توهمناها غلقة المعاني. ولعل قائلا أن يقول: فهلا فسر بيت كذا. وهلا أتى بمعنى كذا. وكل أحد له غرض مقصود. وما رأيناه غلقا يراه غيرنا ظاهرا. ولعل ما يراه غلقا رأيناه ظاهرا فليعذرنا متأملو هذا الكتاب. ويعلموا أننا أردنا نفع قارئه. وما توخينا دعوى لا الفضل على أبي الفتح بن جني. ولا سمت هممنا إلى مباراته. وبودنا لو أدركنا القراءة عليه، والاستفادة منه. والى الله نرغب في إنالة جواره، وإفراغ عفوه وغفرانه عليه وعلينا.

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفتح على أبي الفتح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.