من «الفتح على أبي الفتح» لابن فورجة (ت ٤٥٥هـ)
الفتح على أبي الفتح (٧)
فالجواب: إنه إذا لم يمكن الطعن لتقارب الجيشين في اعتراكهما فالضرب متعذر لشدة الذعر، وارتعاش الأيدي، وأخذ الموت بالكظم، وإنما يريد: إذا لم يقدر على الدنو من العدو قيد رمح، فالدنو إليه قيد السيف أصعب كثيراً.
هذا اقرب ما يعرض لي من الجواب الآن، والله أعلم.
وقوله:
كلما اعجلوا النذير مسيراأعجلتهم جياده الإعجالا
قال الشيخ أبو الفتح: أي كلما عاد إليهم نذيرهم سبقوه بالهرب قبل وصوله إليهم. ثم تليهم جياد سيف الدولة فسبقت سبقهم الندير، أي لحقهم وجاوزهم.
وقد علم الشيخ أبو الفتح إنه يقال: أعجلته بمعنى استعجلته. فأما سبقته فيقال فيه: عجلته. بلا ألف. قال الله تعالى: (هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى). ومعاذ الله أن نروم شأو الشيخ
أبي الفتح في اللغة والإعراب. ولا أعلم كيف نفق عليه هذا الزلل.
يقول أبو الطيب: كلما استعجلوا النذير بالمسير إليهم وأخبارهم بقدوم جيش سيف الدولة أعجلتهم خيله أن يعجلوا النذير، أي أطلت عليهم، قبل ورود النذير عليهم. ولم يغن بثهم الطلائع، وإعدادهم الربايا وإنفاذهم الجواسيس لسرعة هذه الخيل، وسلوكها الطريق الخفية إليهم، ونفوذ سيف الدولة فيهم. فأما قوله: بحقتهم وجازتهم فلا اعلم من أي ألفاظ البيت استنبطه غفر الله له.
وقوله:
ما مضوا لم يقاتلوك ولكنالقتال الذي كفاك القتالا
(ما) هنا بمعنى نفي، ولم يقاتلوك حال. يريد لم يمضوا غير مقاتلين لك. يريد: ما انهزموا عن غير قتال، بل ثبتوا وقاتلوا، ولكن لم يقاموا فانهزموا. وقوله: ولكن القتال الذي كفاك القتالا، معناه إن من عرف من صبرك على القتال، وطول ثباتك هو الذي أيأس العدو من انهزامك، وزهدهم في مصابرتك. وكأن هذا المعنى مشتق من قولهم: الشجاع موقى، وبين معنى هذا المصراع قوله فيما يليه:
والثبات الذي أجادوا قويماًعلم الثابتين ذا الأجفالا
ومثل هذا من إقامته المضارع مقام اسم الفاعل قول الراجز يصف كلباً:
أرسلت فيها رجلا لكالكايقصر يمشي ويطول باركا
كأنه مشتمل درانكا
يريد يقصر ماشياً، ويطول باركا. وكذلك يكون الكلب. إلا إنه إذا مشى مد يديه على الأرض، فكان اقصر منه إذا أقعى. لأنه إذا أقعى تطاول وامتد في العلو
شخصه ومثله:
فلما خشيت أظافيرهنجوت وأرهنهم مالكا
فيمن روى: وأرهنهم فقوله وأرهنهم يريد راهنهم. فإذا روى: وأرهنتهم لم يكن من هذا الباب. فعلى هذا قوله: ما مضوا لم يقاتلوك، أي ما مضوا غير مقاتلين لك.
وقوله:
أبصروا الطعن في القلوب دراكاقبل أن يبصروا الرماح خيالا
قال الشيخ أبو الفتح: لما شاهدوه من أحوال المقتولين عرفوا الأمر قبل وقوعه بهم. وهذا على ما فسره. غير إنه لم يأت بما يكفي ويشفي. وفي البيت غلق، لأنه قد آخر قوله: خيالا عن موضعه لعلم المخاطب. وتقدير البيت: ابصروا الطعن في القلوب دراكاً خيالاً قبل أن يبصروا الرماح. يريد بالخيال ما يراه الإنسان في منامه، أو يتخايل له في خاطره من ذكر ما مضى. يقول: لشدة خوفهم منك وتصورهم ما صنعت بهم في قديم الحروب رأوا الطعن دراكاً في قلوبهم رؤية الخيال، قبل أن يروه حقيقة. وما تقدم هذا البيت مما قبله يدل على هذا. وهو قوله:
نزلوا في مصارع عرفوهايندبون الأعمام والأخوالا
تحمل الريح بينهم شعر الهاموتذري عليهم الأوطالا
تنذر الجسم تأن يقيم لديهاوتريه لكل عضو مثالا
هذا يدل على ما قلناه. وقوله: قبل أن يبصروا الرماح فمعلوم إنه يريد يبصرونها حقيقة. فخيالا إذن متعلق بما قبله. وليس الخيال بالحقيقة.
وقوله:
أقسموا لا رأوك إلا بقلبطالما غرت العيون الرجالا
أي عين تأملتك فلاقتكوطرف رنا إليك فالا
الذي أتى به الشيخ أبو الفتح من تفسير هذا البيت إن قال: قد تكرر هذا المعنى في شعره. منه قوله:
ففي أبصارنا عنه انكسار
وهذا على ما ذكر، إلا أن في هذين البيتين كثيراً مما اعذروه من الشرح. قوله: لا رأوك إلا لقلب: حلفوا ليحصرن عقولهم وليعلمن أذهانهم وأفكارهم فيك، وفي قتالك. إذ كان ما يرونه بعيونهم قد كذبهم عنك كثيراً، وأوهمهم أنهم يقاومونك. فلما جربوا خابوا. ورؤية القلب هو العلم. ثم أتى بمعنى يجوز أن يكون شرحاً لهذا المعنى الذي قدمه وبسطاً له. ويجوز أن يكون معنى آخر مستأنفاً. فقال: أي عين تأملتك فلاقتك. يريد: ان العيون إذا نظرت إليك تحيرت فلم تعقل ما ترى. كقوله أيضاً:
فإذا رأيتك حار دونك ناظريوإذا مدحتك حار فيك لساني
وقوله:
وطرف رنا إليك فالا
آل بمعنى رجع. يريد إن العيون إذا نظرت إليك تحيرن، وبهتت فلم تؤول أي لم ترجع، وبقيت شاخصة اليك، كما قال أيضاً:
تمضي المواكب والأبصار شاخصةمنها إلى الملك الميمون طائره
قد حرن في بشر في تاجه قمرفي درعه أسد تدمى أظافره
فليس في معنى أي المصراعين تناقض، بل يجمعهما التحير والذهول. فميز بينهما. وفي هذا المكان سؤال آخر، وهو أن يقال: كيف قال:
أقسموا لا رأوك إلا بقلبطالما غرت العيون الرجالا
وقد قال قبله:
والعيان الجلي يحدث للظنزولا وللمراد انتقالا
وإذا ما خلا الجبان بأرضطلب الطعن وحده والنزالا
ثم أتى بهذا البيت فناقض ما قدم. لأنه زعم أن العيان يزيل الظن، ويأتي باليقين. ثم قال فيما يليه: أقسموا لا رأوك إلا بقلب. ورؤية القلب هو الظن. وذم العيان فقال:
طالما غرت العيون الرجالا
فالجواب عن هذا إن علم القلب، وإن كان أجل من البصر، فإن العلم لا يحصل إلا بعد النظر بالعين في الغالب. وإذا ظن الروم أنهم يقاومون سيف الدولة، ثم علموا عظم شأنه، وشدة بأسه، وقصورهم عنه، حصل لهم علم أنهم لا يقاومنه بعد العيان والتجربة. وإذا رأوه بالعين دون القلب رأوا عسكراً مثل عسكرهم لم يكن هذا تناقضاً. وكان كل معنى مستقلا بنفسه، منفرداً عن صاحبه فملائماً له في طريقته.
وقوله:
وظبي تعرف الحرام من الحلفقد أفنت الدماء حلالا
قال الشيخ أبو الفتح: هذا مثل ضربه. أي سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف بالدربة الحرام من الحلال. قلنا: مال الحاجة إلى هذه الدعوة فلا يكاد يحصل منها حقيقة. وإنما يعني أن سيف الدولة غاز للروم فلا تقتل إلا كافراً فكأنه سيوفه تعرف الحرام من الحلال. وأيضاً هو من قبل الخليفة، مفترض الطاعة، فكلما قتل عاصياً كان مستحقاً للقتل فكأنها عارفة بالحرام والحلال. والدعوة التي ادعاها الشيخ أبو الفتح قد يدعى مثلها الشاعر للممدوح. ولكن هذا إذا لم توجد حقيقة. فأما إذا وجدت الحقيقة فهو غان عن دعوى الباطل.
وقوله:
أفسدت بيننا الأماني عيناهاوخانت قلوبهنَّ العقول
الهاء، والنون ضمير قبل الذكر. والتاء في خانت للعقول.
يريد: خانت العقول قلوبهن أي لم تصور إليها وجوب حفظ الأمانة، وترك الخيانة. لأنهم إذا نظروا إلى عينيها غلبهم هواها على الأمانة. ولم تكتمل العقول لتصوير القبح. وأوهمت إنه جميل. وله مثل هذا قوله:
وما هي إلا نظرة بعد نظرةإذا نزلت في قلبه رحل العقل
وإنما يعني إذا بعثت رسولاً عشقها فخانني فيما يؤدي من الرسالة.
وقوله:
نحن أدرى وقد سألنا بنجدأقصير طريقنا أم طويل
وكثير من السؤال اشتياقوكثير من رده تعليل
قال الشيخ أبو الفتح: أي هو طويل في الحقيقة. أو يطوله الشوق إلى المقصود. وهذا محال ظاهر، لأن الشوق يقصر الطريق. ألا ترى إلى قول القائل:
أرى الطريق قريباً حين أسلكهإلى الحبيب بعيداً حين أنصرف
وقول الآخر:
من كابد الشوق لم يستبعد الدارا
وإنما يريد بقوله يطول إنه يعرض له ما يصده، أو حالة تلقته وتعوقه من رغبة الملوك فيه وفي مدحه ومقامه عندهم أو سوى ذلك من
علة أو مرض، أو ما أشبه ذلك. يريد بذلك تشوقه إلى سرعة الوصول إليه، وإشفاقه أن يطول طريقه عارض يصده. ثم أخبرك إنه إنما يسأل هذا السؤال لشدة الشوق، وهو عالم بقدر طول الطريق وأمده، ولا حاجة به إلى سؤال أحد. كما قال بشر بن أبي خازم:
اسئل صاحبي ولقد أرانيبصيراً بالظعائن حيث ساروا
ومثله:
واستخبر الأخبار من نحو أرضهاأسائل عنها الركب عهدهم عهدي
فقال: وكثير من السؤال اشتياق أي سؤال شبيه الشوق. ثم قال: وكثير من رده تعليل أي ربما ورد في جواب السائل ما ليس بالجواب بعينه، وإنما هو تعليل وتطيب لنفس السائل كقول المسؤول عن مكان كذا. ككم بقي بيننا وبينه: هاهو ذا قد بلغته ولم يبق إلا يسير. يريد بذلك تهوين السير على السائل، وتقريب المسافة وإن لم تكن قريبة. يقول: فما فائدة سؤالي، وقد علمت آمد الطريق وأعلم إنه ربما أجبت بالتعليل بغير الحقيقة.
وقوله:
لا أقمنا على مكان وإن طاب
قال الشيخ أبو الفتح معناه لم نقم. كقوله تعالى: فلا صدق ولا صلى. يريد لم يصدق ولم يصل. والشيخ أبو الفتح لو أمعن النظر لعلم أن (لا) هذه ليست تلك التي عناها وإنما هي التي تكون جواب القسم. كقوله: والله لا أقمت، وواله لا ضربت. وقد يحذف القسم والكلام يقتضيه، ويد عليه. ألا ترى إلى قول رسول الله ﵇ فيمن فعل كذا وكذا لا تمسه النار إلا تحلة القسم يريد قول الله تعالى: وإن منكم إلا واردها الآية. ألا ترى إنه لا قسم ظاهراً في هذه الآية ولكن تأكيد الإيجاب دال على القسم ونائب منابه. وهذا اشهر من أن يدل عليه. و (لا) في بيت أبي الطيب لها وجه غير ما ذكرنا. وهو أن تكون (لا) التي تكون في الدعاء المنفي كقولك: لا يفضض الله فاك وقوله:
ولا هجمت بها إلا على ظفر
فيحتمل أن يريد: والله لا أقمنا على مكان. ويحتمل أن يريد الدعاء فيقول: لا أقمنا على مكان هذه صفته. وقوله: ولا يمكن المكان الرحيل له معنى لطيف قد سها عنه الشيخ أبو الفتح وأتى مكانه بمعنى كسيف وهو إنه يريد لا نقيم على مكان أبداً حتى نلقاه. يقول لا أقمنا على مكان إلا ويمكن المكان الرحيل معنا. وهذا ما لا
يكون. فكذلك نحن لا نقيم كقول القائل:
إذا زال عنكم أسود العين كنتمكراماً وأنتم ما أقام إلا اللائم
وأسود العين جبل فهو لا يزول. وكذلك هؤلاء المخاطبون لا يكونون كرماء. فالواو في قوله: ولا يمكن واو الحال، أي لا نقيم في مكان وهذا حاله. فانظر الفضل بين ما ذكرنا، وبين ما فسره أبو الفتح قال أي لو أمكنه الرحيل لرحل إلى سيف الدولة شوقاً إليه. فأي معنى (للو) ترى في هذا المصراع. وأي خاطر سقط به عليه، وأداة إليه. غفر الله له. وما سبب شوق المكان إلى سيف الدولة، ولا سيما وليس من ممالكه، ولا عبر به قط من عمره. وأين نجد من حلب.
وقوله:
لو تحرقت عن طريق الأعاديربط السدر خليهم والنخيل
لم يعرض الشيخ أبو الفتح لتفسير هذا البيت. وفيه كلام. وهذا البيت يشبه قوله:
فكلما حلمت عذراء عندهمفإنما حلمت بالسبي والجمل
وذلك أن الروم ليس في ديارهم السدر، ولا النخل. كما ليس في ديارهم الجمال ولا يعرفونها فقوله: ربط السدر خيلهم. يريد: لولا دفاعك عن عضد الدولة، ومعز الدولة لسارت إليهم، وأوغلوا في ديارهم حتى ربطوا خيولهم إلى السدر، وإلى النخل. يريد بذلك الغض ممن بالعراق، ورفع شأن سيف الدولة. وقد صرح وقال بعده:
ما الذي عنده تدار المناياكالذي عنده تدار الشمول
وقوله: ربط السدر. إنما يريد ربطت إلى السدر. والروم
ربطوها. ولكن أما كان السدر والنخيل الممسكة عليها جعل الفعل لها توسعاً في الكلام.
وقوله:
محبي قياني ما لذالكم النصلبريئاً من الجرحى سليماً من القتل
قال الشيخ أبو الفتح: معناه يا من يحب قيامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف أقيم ولم أجرح بنصلي أعدائي واقتلهم به. وهذا على ما فسر. إلا إنه ترك ما يجب ذكره، وهو أن القيام إن كان أبو الفتح يريد به المقام فقد اخطأ، ولا أراه أراده. لأنه لا يقال: قام زيد بمعنى أقام في المكان. وإن أراد أيضاً القيام الذي هو الانتصاب على الرجلين فقد أخطأ أيضاً لا فائدة فيه لأن يحب أهل أبي الطيب قيامه. وإنما يريد الحاجة والمؤونة. يقال: فلان القائم بفلان، وفلان قيم فلان. أي هو القائم به، والمصلح لشأنه.
ومعنى البيت: يا من يريد قيامي بأموره وتركي مفارقته ما لذلك النصل لم أجرح به، ولم أقتل. يريد ذلك النصل وأعماله أحب إلي، وأهم عندي كقولك لمن يلتمس منك المشي وقد حضر فرس ما لذلك الفرس، معناه: لا أمشي والفرس حاضر. وكذلك يريد لا أختار القيام بأمورك على أعمال النصل.
وقوله:
أمط عنك تشبيهي بما وكأنهفما أحد فوقي ولا أحد مثلي
قد أكثروا الكلام في هذا البيت. وقوله تشبيهي بما. وقالوا (ما) ليس من حروف التشبيه ولم يؤت في الجواب بطائل. فأما ابن جني فقال: الذي كان يجيب به إذا سئل عن هذا أن يقول تفسيره فكأن قائلا قال بما يشبه فيقول الآخر كأنه الأسد، أو كان الأرقم، أو نحوه ذلك. فقال هو معرضاً عن هذا القول أمط عنك تشبيهي بما وكأنه فجاء بالحرف للتشبيه وهو كأن. وبلفظ ما التي كانت سؤالا فأجبت عنها بكأن التي هي للتشبيه فذكر (ما) في التشبيه لأن جوابها تضمن التشبيه فكانت سبباً له. فذكر السبب والمسبب جميعاً. وقد فعل أهل اللغة مثل هذا فقالوا: الألف والهمزة في حمراء هما علامة للتأنيث وإنما العلامة في الحقيقة الهمزة وحدها. ولكن الهمزة لما صاحبت الألف التي قبلها قيل هما جميعاً للتأنيث. هذا كلام الشيخ
أبو الفتح. وقد حكيت لي حكاية هذا موضعها.
زعموا أن أبا العباس المبرد ورد الدينور زائراً لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل إليه وقضى سلامة قال له عيسى بن ماهان: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة التي نهى النبي صلى الله عليه عن أكل لحمها فقال: هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة. فقال: هل من شاهد فقال نعم قول الراجز:
لم يبق من آل الحميدإلا عنيز لجبة مجثمة
فإذا بالحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدنيوري، فأذن له فلما دخل،
قال له عيسى بن ماهان: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة التي نهانا عن أكلها. قال: هي التي جثمت على ركباتها ونحرت من قفاها فقال: كيف تقول هذا، وهذا شيخ العراق أبو العباس المبرد يقول: هي مثل اللجبه، وهي القليلة اللبن. وانشده البيتين. فقال أبو حنيفة: إيمان البيعة تلزم أبا حنيفة إن كان هذا الشيخ سمع هذا التفسير أو قرأه، وان كان البيتان إلا لساعتهما هذه. فقال أبو العباس: صدق الشيخ أبو حنفية. أنفت إن أرد عليك من العراق، وذكرى ما قد شاع، فأول ما تسألني عنه لا أعرفه. فاستحسن منه هذا الإقرار وترك البيت.
وأنا أحلف بالله العظيم إن كان أبو الطيب سئل عن هذا البيت فأجاب بهذا الجواب الذي حكاه ابن جني وان كان متزيداً مبطلا فيما يدعيه عفا الله عنه وغفر له. فالجهل والإقرار به أحسن من هذا.
وقد تكلم في هذا البيت القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال: هذا مما سئل أبو الطيب عنه. فذكر أن ما تأتي لتحقيق التشبيه تقول عبد الله الأسد، وما عبد الله إلا الأسد، أو كالأسد كما قال:
وما هند إلا مهرة عربيةسليلة أفراس تجللها بغل
وقال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوؤهيعود رماداً بعد إذ هو ساطع
ثم قال وأقول: إن التشبيه بما محال. وإنما وقع التشبيه في هذه المواضع التي ذكرها بحروفه. فإذا قال: وما المرء إلا كالشهاب، فإنما الفيد للتشبيه الكاف. وإنما (ما) النفي. نفت ان يكون المرء كالشهاب. وإذ قال: وما هند إلا مهرة. فان (ما) دخلت على ابتداء وخبر. وكان الأصل: هند مهرة عربية. وهو في تحقيق المعنى عائد إلى تقريب التشبيه. وأم كان اللفظ مباينا للفظه. ثم نفى أن يكون إلا كذلك فليس بمنكر أن تنسب التشبيه إلى ما إذا كان له هذا الأثر. وباب الشعر أوسع من أن يضيق عن مثله. فهذا قاض من قضاة المسلمين يحكي هذه الحكاية عن أبي الطيب. فأي الحكايتين نجعلها الصحيح، وننفي أختها. وهل ترى نفسك إلى الثانية أميل منها إلى الأولى. والله تعالى علام الغيوب.
والذي عندي ما أقوله: وهو فائدتي من الشيخ أبو العلاء المعري. وليس مما استنبطته. وهو أن تكون (ما) التي تصحب كأن، إذا قلت: كأنما ريد الأسد. ألا ترى إنها كثرت حتى تكلم النحويون فيها إذا حالت بينها وبين الاسم، وقصروا عليها فصولا كثيرة من كتب النحو. وقد صارت في لغة قوم لازمة لكأن حتى ما تفارقها. وما عمدي ان أبا الطيب أراد غيرها. والله تعالى اعلم بالغيب. له مثل هذا البيت أيضاً قوله:
صغَرتْ كل كبيرةٍ وكبرتْ عنلكأنه وعددت سِنَّ غلامِ
أي كبرت التشبيه فأجراها مجرى ما يلزم في التشبيه من الحروف. وله مثل هذا أيضاً:
كفاتك ودخول الكاف منقصةكالشمس قلت وما للشمس أمثال
والأول في هذا المعنى قول ابن الرومي:
يقرظ إلا أن ما قيل دونهويوصف إلا إنه لا يحدد
وهو في غير هذا المديح كثير.
وقوله:
قفا تريا ودقي فهاتا المخايلولا تخشيا خلفاً لما أنا قائل
المخايل جمع مخيلة يعني البرق. وهو مخيلة السحابة ونحوه مما يستدل به على كون النظر. وهذا مثل ضربه لصاحبيه. يقول: عيشا، يأمرهما بالعيش، تريا من أمري شأنا عظيما، فقد ظهرت مخايلة، وما تشهد لي بتحقيق ما أمله من الشرف، وبلوغ المجد، وبعد الصيت. وكان بعض أهل الأدب يفسره إنه يريد مخايل الدار، أي علاماتها، وبلقى رسمها وآثارها. ويعني بالودق دمعه. يقول: لصاحبيه: قفا، تريا بكاي على مخايل الديار، فقلت له: فما اقبح قوله بعد ذلك: ولا تخشيا خلفا لما أنا قائل. أتراهما خشيا أن لا يبكي على ديار حبيبته وقد
استوقفها. فما باله لم يشبب للقصيدة إلا بيت واحد ذي معنى ردي منقطع.
وقوله:
كفى ثعلا فخراً بأنك منهمودهراً لان أمسيت من أهلِ أهلُ
هكذا رويته ودهراً بنصب دهر. وهو معطوف على قوله: ثعلا. أي وكفى دهراً. ورفع أهل بخبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: وكفى دهراً هو لان أمسيت من أهله أهل فخراً. وهذا كقوله:
ليت لي مثل جد ذا الدهر في الأدهر أو رزقه من الأرزاق
أنت فيه وكان كل زمانيشتهي بعض ذا على الخلاق
وحسن هذا المعنى والوضع كما ترى ظاهر.
قال الشيخ أبو الفتح. ورواه دهر بالرفع. أي ودهر أهل لأن أمسيت من أهله. فارتفع أهل لأنه وصف لدهر. والدهر ارتفع بفعل مضمر، دل عليه أول الكلام. فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله. ولا يتجه رفعه إلا على هذا.
لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه. ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، وليس في قوة إضمار الفعل هاهنا.
هذا كلامه واختياره. وشتان إضمار مبتدأ يدل عليه الكلام، ويشهد به الضمير، وحذف فعل لا انسياق للفظ معه. ولنتحاكم مع الشيخ أبي الفتح إلى إظهار الفعل الذي زعم إنه مضمر. ثم ننظر كيف انسياق الكلام في حكم الشعر. فما أراك تستحسن أن تقول: كفى ثعلا فخراً بأنك منهم. وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله. بل كفى ثعلا فخراً بأنك منهم، ودهراً هو لأن أمسيت من أهله أهل.
ولو خير في هذين اللفظين السيخ أبو الفتح لاختار هذا لاشك. وقد قال أبو الطيب:
من كل رخو وكاء البطن منفتقلا في الرجال ولا النسوان معدود
فرفع معدوداً لأنه خبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: هو معدود. ولولا ذلك لوجب جره. والقصيدة مرفوعة. وهذا في شعره وشعر غيره كثير. وما ادعاه أبو الفتح من الضرورة.
وقوله:
لست ممن يغره حبك السلموأن لا ترى شهود القتال
ذاك شيء كفاكه عيش شانيك ذليلا وقلة الأشكال
يقول: أنا عارف بك وبعشقك للحرب، فلا يغرني أن ادعيت أنك تحب السلم، وأن لا تشهد الحرب. وشهود: فعول، من باب تكثير الفعل. مثل ضروب، وقؤول، وسؤول. والتاء في ترى مضمومة يريد ترى أنت أيها الممدوح. وسمعت من ينشد: وأن لا ترى شهود القتال بفتح التاء، وضم الشين. وشهود القتال قد يراها المخانيث أيضاً والصبايا. فما فخر هذا الممدوح في أن يرى شهود القتال. وشهوده: آثاره وما جرى من دمائه، ومرادي الخيل فيه. ثم قال: ذاك شيء. يشير إلى القتال، أي كفيت القتال بكون شانيك ذليلا مهينا. وبأن لا نظير لك
فتحاربه وتنازعه لملكه، أو يحاربك وينازعك.
وقوله:
لدى الخزامي ذفر القرنفلمحلل ملحوش لم يحلل
ملوحش: أراد من الوحش. قال ابن جني: معنى البيت الثاني إن الذي حله إنما هو الوحش وهو غير محلل من الإنس. ويقال: حلل المكان والماء إذا كثر النزول من يحل به. قال امرئ القيس:
(نمير الماء غير محلل) أجاد الشيخ في هذا التفسير. وسمعت من ينشد:
محلل ملوحش ما لم يحلل
فقلت له فما يكون تفسيره فقال: محلل من الحلال يريد لكثرة صنوف وحشة وقرب تناولها قد احل من دمائها ما لم يكن حلالا قبل لأنها كانت لا تمكن الصائد لما كانت متفرقة. فلما كثرت في هذه الأرض وقرب اقتناصها استعار لها لفظ الحلال لامتناعها لفظ الحرام. وليس ذلك بالممتنع. على أني لا أثق بالرواية.
وقوله:
فما حاولت في أرض مقاماولا أزمعت عن أرض زوالا
كان أبا الطيب أراد بهذا البيت الألغاز. وإنما يريد أنى إذا جعلت أرضي قتودي، وألفت الترحل فكأني ما أقمت بأرضي، ولا ارتحلت عن أرض. وقد تقدمه:
الفت ترحلي وجعلت أرضيقتودي والغريري الجلالا
لأنه إذا كانت أرضه القنوت فهو لا يريد مقاما في ارض أبدا.
ويحتمل معنى آخر يخرجه عن حد الألغاز. وذلك إنه يريد إذا كان مسافراً أبداً، لا يقيم في بلد، ولا في مكان فكيف يكون مزمعاً عن أرض زوالا. إنما كان إزماع حين ارتحل بدناً أن يكون مسافراً أبداً. ولو أقام لاحتاج إلى إزماع زوال فلما لم يقم لم يزمع عن أرض زوالا. وهو معنى لطيف فافهمه.
وقوله:
في الخد إن عزم الخليط رحيلامطرٌ يزيد به الخدود محولا
إن مفتوحة الألف. يريد لأن عزم الخليط. كقولك: جئتك أن تكرمني لان تكرمني. وقد تكلم في ذلك الشيخ أبو الفتح، وأورد من الاستشهاد والإيضاح ما كفى وأغنى. وكسر ألف أن لا يجوز بته. ويعني بالمطر دمعه. ومحول جمع محل وليس مصدر إنما يقال: أمحلت البلاد أمحالا. ومحول الخدود شحوبها، وتخدد لحمها. وزوال مائها ورونقها، واصفرارها. كالبلد إذا أمحل قل خيره، واصفر نباته، وذوى عوده. وإنما قال ذلك لان المطر من صفاته أن تخصب البلاد، ويخضر العشب وتروق البقاع. فكان الدمع مطراً بخلاف المطر صنيعاً. فأي معنى أحسن من هذا وأي لفظ أنق، وأي صنعة اكمل.
وقد قال الصاحب بن عباد أبو القاسم غفر الله له في رسالته
المعروفة (ومن استرساله إلى الاستعارة التي لا يرضاها عاقل، ولا يلتفت إليها فاضل: في الخد أن عزم الخليط البيت فالمحول في الخدود من البديع المرذول. ثم هذا الابتداء في القصيدة من النفور بحيث تضيق عنه الصدور).
فأي علم أفادنا بما قال غير هذا الكلام المسجوع الذي ماله مرجوع. بل ليت شعري أي شيء أنكر وما الذي نقم. والمحول للخدود مستعار. كما إن النظر للدمع مستعار. فأي نفور في هذا الابتداء الذي لم يخله من لفظ رائع. ومعنى مبتدع، وصنعة محكمة.
وبعد فقد ارتضى كل ذي عقل وفضل رأيته وسمعت به هذا الابتداء واستحسنه. وما شاهدت أحداً من الفضلاء، وذوي العقول يذمه غير هذا الظالم. فإن كان لا يرتضيه هو من بينهم وحده، وليس بأفضلهم، ولا أعقلهم فلعلة ما ذاك وقد قال بعض المحدثين:
مطر من العبرات خدي أرضهحتى الصباح ومقلتي سماؤه
فهل ترى بهذا من عيب، وهل يؤتى من جودة صنعه، وحسن بنيه. فكيف تراه جعل العبرات مطراً، والخد ارضاً، والمقلة سماء. وإذا جاز لهذا أن يجعل الخد أرضاً فلم لا يجعل أبو الطيب لتلك الأرض محولاً وخصباً.
وقوله:
تشكو روادفك المطية فوقهاشكوى التي وجدت هواك دخيلا
ويغيرني جذب الزمام لقلبهافمها إليك كطالب تقبيلا
لم يأت في تفسير هذين البيتين في كتاب الفسر إلا إنه قال هذا نحو قوله أيضاً:
يجذبها تحت خصرها عجزكأنه من فراقها وجل
وقد يسأل فيقال معنى قوله: شكوى التي ومن هي هذه الأنثى. وهلا قال شكوى الذي. فالجواب: إن التي هي المطية، وغرضه سوق الكلام إلى ذكر غيرته من المطية فكأنه قال: أنا أغار من شكواها روادفك، وثقلها لأنها كشكوى العاشقة لك المضمر وجداً. ولو قال الذي لما أمتنع، ولا تغير من المعنى شيء لكنه اتبع التأنيث تأنيثاً. وهذا كقولك: ضربت زيداً ضرب المغيظة، وكلمته كلام العاتبة. ولو قلت ضرب المغيط، وضرب العابث لجاز فافهم. ومعنى البيت الثاني إنها إذا جذبت ناقتها بزمامها قلبت رأسها مع الزمام فكأنها تطلب منها تقبيلا فتزيد غيرة أبي الطيب من شكواها تحقيقا وتوكيداً. وهذا من قول القائل:
والعيس عاطفة الرؤوس كأنمايطلبن سر محدث في الأحلس
وقوله:
أعدى الزمان سخاؤه فسخا بهولقد يكون به الزمان بخيلا
قال أبو الفتح: أي تعلم الزمان من سخائه، فأخرجه من العدم إلى الوجود. ولا سخاؤه الذي أفاده منه لبخل به على أهل الدنيا واستبقاه لنفسه. وفي هذا شيء
يسأل عنه. فيقال: إنه في حالة عدمه لم يكن له سخاء لأن السخاء لا يصح إلا في الوجود فكيف وصفه بالسخاء وهو معدوم. فالقول في هذا إن الزمان كأنه علم ما يكون فيه من السخا إذا وجد فكأنه استفاد منه ما تصور كونه فيه بعد وجوده. لولا ما تخيله لبقي أبداً بخيلا به. ثم اتبع هذا التفسير ما يوضحه من الاستشهادات والتمثيلات. وقد جود الشيخ ﵀ فيما أتى به غير إنه قد يمكن تفسيره على وجه أقرب من هذا يخرجه من هذا البعد. وهو أن يقال:
مراده فسخاً به عليَّ. يريد اتصاله به. وانضمامه إلى جنبه، يقول: قد كان الزمان بذلك بخيلا علي فأعده سخاء الممدوح فسخاً به. وأوصلني إليه. وهذا معنى واضح لا مجال فيه ولا اضطراب.
وقوله:
وتظنه مما يزمجر نفسهعنها لشدة غيظه مشغولا
يزمجر: يردد الصوت. ونفسه رفع على تأويلين: أحدهما أن تكون فاعلة يزمجر والثاني أن تكون فاعلة تظنه. يريد: تظنه نفسه مشغولا عنها مما تزمجر. وهذا هو الجيد. وعليه المعول. والأول يكون المراد: وتظنه أنت مشغولا عن نفسه لشدة غيظه مما تزمجر نفسه. على أنا قرأناه يزمجر بالياء. وإذا كانت نفسه فاعلة تزمجر بالتاء وإذا كانت نفسه تزمجر روى بالتاء أيضاً. ولم نروه.
وقوله:
قصرت مخافته الخطى فكأنماركب الكمي جواده مشكولا
الهاء في جواده للكمي. يريد: ركب الكمي جواد نفسه. وإذا ركب جواده مشكولا لم يقدر على سرعة السير. ولا استوائه. يريد تشبيهه خطوة المقارب من مخافته بخطو الجواد المشكول الذي عليه شكال. وكأنه لو أمكنه الوزن لقال: قصرت مخافته الخطى. كما يقصر الشكال خطى الجواد. وكأنه يريد ركب الكمي جواده
مشكولا فقارب خطاه. وهذا كقول القائل:
لما رأونا والصليب طالعاومار جرجيس وسما ناقعا
خلوا لنا راذان والمزارعاكأنما كانوا غراباً واقعا
يريد: فطار. فتركه لعلم المخاطب. ولم يفسره الشيخ أبو الفتح، ولا الذي قبله لكنه أتى بالغريب.
وقوله:
لقد ظلت أواخرها الأعاليمع الأولى بجسمك في قتال
قال الشيخ أبو الفتح: الأولى بجسمك أي الأدنى إليه. وهذا كقوله أيضاً:
ويحسد الخيل منها أيها ركبا
وهذا كما فسره. إلا أن قوله: أواخرها الأعالي مما يجب أن يوضح غرضه فيه. وذلك إنه يريد: أن ثيابه الأعالي هي أواخر ما يلبس، إذا كانت أوائلها هي التي تلي جسده. وهذا من قول الفلاسفة: أول الفكر آخر العمل، وآخر العمل أول الفكر. وإن تأويلها متأول لأنها أعلى محلا في عيون الناس وأبهى. وهكذا يلبس الملابس ابهاها، وارفعها مظاهراً به كان جيداً. وقد قال الشيخ أبو عبد الله النميري ﵀ في تأويل قول الشاعر في كتاب الحماسة:
لئن كان يهدي برد أنيابها العلالأفقر مني أنني لفقير
إنه خص الأنياب العلا، لأنها هي التي تظهر منها إذا ابتسمت أو تكلمت. وقال هذا كقول الآخر:
إذا ضحكت شبهت أنيابها العلاخنافس سوداً في صراة قليب
وقال آخر فسر هذا البيت في كتاب الحماسة يعرف بابي مسلم الولادي: إنه إنما قال: العلا لأن العرب تذكر بعض الشيء تريد كله. فمعنى أنيابها العلى، أنيابها كلها. كما قال عروة: (قطعتها بيدي عوهج) وإنما تقطع الفلاة بيديها ورجليها.
وقال آخر:
الواطئين على صدور نعالهم
وقد أخطأ الولادي في هذا التشبيه. فإن الشاعر قال:
يطاولون على صدور نعالهم
لأنها مشية ذوي الخيلاء، والمتطاول في مشيته. فهو لا يبسط قدمه على الأرض بل يمشي على طرف رجله. واتبعه بكلام آخر خطأ لا فائدة له في ذكره.
وقال غيرهما من مفسري هذا البيت: إنه قال: العلى، لأنه أراد الرفع من شأنها كقولك: زيد العلى مضافاً، وغلام عمرو العلى على حد الصفة. فهذا التفسير شبيه التفسير الثاني الذي ذكرناه في بيت أبي الطيب.
وقوله:
يعلمن ذاك وما علمت وإنماأولاكما ببكاً عليه العاقل
يريد هذا الأمر الذي حكاه. يعني إقفارك أيتها المنازل، وخلوك من الأحباب وأنت لا تعلمين ذاك لأنك لا عقل لك. والهاء في عليه تحتمل معنيين، كلاهما حسن. فأحدهما أن يعود إلى ذاك. يعني أولاكما بالبكاء على هذه الحال التي ذكرت العاقل. وهو الفؤاد. والثاني أن تعود الهاء إلى أولى، يريد أولاكما ببكاء على نفسه. وقد مر لهذا نظائر، ومثل هذا المعنى. إلا أن فيه زيادة كقوله أيضاً:
لو كنت تنطق قلت معتذراًبي غير ما بك أيها الرجل
أبكاك إنك بعض من شغفوالم أبك أني بعض من قتلوا
والبكاء يمد ويقصر. وقد قصره في هذا البيت.
وقوله:
تحلو الدار من الظباء وعندهمن كل تابعة خيال خاذل
قوله تابعة يحتاج له إلى تفسير. وإنما يريد ظبية تابعة سرباً. يريد إنها ارتحلت
برحلة الحي فتبعت، وخذل خيالها. كالظبية التي تخذل القطيع فتتخلف عنه. وأراد المطابقة بين التابعة والخاذلة فجود ما شاء الله درّه. ومعنى هذا البيت تكرر من البيت الأول:
لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُأقفرتِ أنت وهنَّ منكِ أواهلُ
يعني أن ذكره إياها الباقي في ضميره كالأهل لذلك المنزل الذي نزله حبها من قلبه. وحسن قوله: تلعة بتسميتهم ولد البقرة الوحشية إنه تبيعا. وهذا من الحذق بصنعة الشعر والمعنى من قول القائل:
أنا على البعاد والتفريقلنلتقي بالذكر إن لم نلتق
وخيال الذكر مثل خيال النوم.
وقوله:
دون النعانق ناحلين كشكلتينصب أدقتها وضم الشاكل
وهذا البيت دليل على حذقه بالصنعة، وكمال الإله. قوله: كشكلتي نصب ولم يقل كشكلتي فتح كحالتين يلطف شأنهما: أحديهما أن الفتح من حركات البناء والشكلتان إذا اجتمعتا كانتا للتنوين، ولا تنوين مع البناء فإذن اجتماعهما نصب وليس بفتح.
والحالة الثانية إنه لما اضطر إلى ذكر الضم، بمعنى الجمع خشي أن يقول كشكلتي فتح أدقهما وضم الشاكل. فيتوهم السامع أنه يريد ضمة البناء الكائنة شكلة. وهو يعني جمع الشاكل بينهما ودانهما وقرب أحدهما إلى الآخر. والضم والفتح من باب البناء. ومعنى البيت: إننا وقفتا نحيلين كشكلتي النصب المداني بينهما، لا نتعانق خوف الرقيب. وقوله: دون التعانق يتضمن معنى إنه قد حيل بينهما وبين التعانق لخوف الرقيب، ودون ظرف، العامل فيه وقفة في قوله: كم وقفة سحرته شوقاً. وكأنه ينظر إلى قول القائل:
أني رأيتك في نومي تعانقنيكما تعانق لام الكاتب الألفا
واستنبطه منه.
وقوله:
ما دار في الحنك اللسان وقلبتقَلَمَا بأحسن من نثَاك أناملُ
هذا اخر القصيدة. و (ما) نفي، وقلبت عطف على دار. يريد: ما دار، وما قلبت. وليس ما، ظرفاً كقوله: عشت ما دار لسان في حنك. ولو كان كذلك لكان هجاء، قوله: وقلبت قلما بأحسن من نثاك وكان معناه إن نثاك ليس حسناً. معنى البيت إنه يقول: ما قيل، وما كتب أحسن من أخبارك لما فيك من الكرم الزائد على كل كرم.
ويجوز أن يريد بذلك مدح شعره فيه. يريد: ما قيل قط مثل شعري هذا الذي مدحتك به، ولقائل أن يقول: لو أراد ذلك لقال: ثنائك، لأن مدحه إياه ثناء وليس ثناء قط. لأن النثا الخبر خيراً كان أو شراً. إلا إنه لم يقصر ممدوداً في شعره بتة إلا في موضع واحد. وهو قوله:
خذ من ثنائي عليك ما أستطيعهلا تلزمني في الثناء الواجبا
وقوله:
وإسحاق مأمون على من إهانةولكن تسلى بالبكاء قليلا
قال الشيخ أبو الفتح: أي يأمنه من يهينه لسقوط نفسه. ولو قال هاهنا: تجمل بالبكا لكان أشبه. وهذا تفسير يجري مجرى الرموز
فلنذكر الآن غرض الرجل ثم نفسر رموز الشيخ أبي الفتح، وننظر هل اختياره أولى أو اختيار أبي الطيب في تجمل وتسلى. يقول أبو الطيب: إن من أهان بن كيغلغ أمن سطوته لعجزه عن مقابلته، أو لسقوط نفسه، كما ذكر الشيخ أبو الفتح. وإنما معنى المصراع من قول القائل:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاًأبشر بطول سلامة يا مربع
النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع