تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

خبره مع فاتك

كان أبو شجاع فاتك الكبير المعروف بالمجنون رومياً، أخذ صغيراً، وأخ وأخت له من بلاد الروم، قرب حصن يعرف بذي الكلاع، فتعلم الخط بفلسطين، وهو ممن أخذه ابن طغج من سيده وهو بالرملة كرهاً بلا ثمن، فأعتقه صاحبه، فكان معهم حراً في عدة المماليك، كريم النفس حر الطبع، بعيد الهمة.

وكان في أيام كافور مقيماً بالفيوم من أعمال مصر وهو بلد كثير الأمراض، لا يصح به جسم، وإنما أقام به أنفةً من الأسود وحياءً من الناس أن يركب معه، وكان الأسود يخافه، ويكرمه، فزعاً، وفي نفسه ما في نفسه فاستحكمت العلة في بدن فاتك، وأحوجته إلى دخول مصر فدخلها، ولم يمكن أبا الطيب أن يعوده، وفاتك يسأل عنه ويراسله بالسلام، ثم التقيا في الصحراء، فحمل إلى منزله للوقت هدية قيمتها ألف دينار ذهباً، ثم أتبعها هدايا بعدها.

فقال أبو الطيب يمدحه في جمادى الآخر. سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة.

لا خيل عندك تهديها ولا مالفليسعد النّطق إن لم تسعد الحال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يقول لنفسه: ليس عندك خيل ولا غيرها من الأموال تهديها إلى فاتك، مكافأة على إحسانه، فأنت قادر على مدحه، فساعده بالقول الجميل، إن لم يساعدك الحال على الأجر الجزيل. وهذا كقول الحطيئة.

إلاّ يكن مالٌ يثاب فإنّهسيأتي ثنائي زيداً بن مهلهل
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «إلا يكن مال يثاب فإنه»

ومثله للمهلبي:

إن يعجز الدّهر كفّى عن جزائكمفإنّني بالهوى والشّكر مجتهد
للشاعر يزيد المهلبي، اقرأ القصيدة
وأجز الأمير الّذي نعماه فاجئةٌبغير قولٍ، ونعمى النّاس أقوال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

فاجئة: اسم فاعل من الفجاءة.

يقول: كافئ الأمير الذي يفاجئ بإنعامه من غير وعد، وغيره يقول ولا يفعل: يعرض بكافور.

فرّبما جزت الإحسان موليهخريدةٌ من عذارى الحيّ مكسال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الخريدة: الجارية الناعمة، وقيل الكثيرة الحياء. والمكسال من النساء: الفاترة القليلة التصرف.

يقول: إذا كانت النساء مع ضعفهن، وعادتهن كفران النعم، ربما جازين من أحسن إليهن، فأنت أقدر على شكر من أحسن إليك.

وخص من النساء الخريدة المكسال؛ لضعفها وفتورها.

وإن تكن محكمات الشّكل تمنعنيظهور جريٍ فلي فيهنّ تصهال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

الشكل: جمع الشكال.

يقول: إن كان ضيق حالي يمنعني من مكافأتك فعلا، فإني أكافئك قولاً يظهر ما في نفسي، كصهيل الجواد يظهر ما في نفسه من الشوق إلى الجري. شبه نفسه بالجواد المشكول، إذا لم يقدر على الجري صهل شوقاً إليه.

وقيل: معناه إذا لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور، فإني أمدحك، وإني في ذلك كالجواد المشكول عن الجري فإنه يصهل شوقاً إليه.

وما شكرت لأنّ المال فرّحنيسيّان عندي إكثارٌ وإقلال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

الإكثار: كثرة المال. والإقلال: قلته، وأراد الغنى والفقر.

يقول: لم أشكر؛ لفرحي بالمال الذي أسديته إلي، وسواء عندي الغنى والفقر.

لكن رأيت قبيحاً أن يجاد لناوأنّنا بقضاء الحقّ بخّال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

بخال: جمع باخل.

يقول: إنما شكرت لك لأني رأيت بخلي بقضاء الحق مع جودك علي قبيحاً.

قال ابن جني: لما وصلت في القراءة إلى هذا الموضع، قال المتنبي: هذا رجل حمل إلي ألف دينار في وقت واحد.

قال: وما رأيته أشكر لأحد منه لفاتك، وكان يترحم عليه كثيراً.

فكنت منبت روض الحزن باكرهغيثٌ بغير سباخ الأرض هطّال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يقول: نمت صنيعته عندي، وزادت كالأرض الطيبة إذا صابها المطر الكثير ولم يذهب باطلا، كالمطر في الأرض السبخة.

غيثٌ يبيّن للنّظّار موقعهأنّ الغيوث بما تأتيه جهّال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

موقعه: فاعل يبين، ويجوز فيه النصب، فيكون فاعله ضمير الغيث.

يقول: إن فاتكاً غيث يولي بإنعامه من هو أهله، فإذا نظر الناس علموا أن الغيوث جاهلة بما تفعله: من سقى المكان السبخ والطيب. فموقع نعمه يبين هذا المعنى.

لا يدرك المجد إلا سيّدٌ فطنٌلما يشقّ على السّادات فعّال
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «أبا الفضائل يا من في مفاضته»

يقول: لا يصل إلى المجد إلا كل فطن يراعي أحوال القضاء، ويتحمل المشاق التي تشق على سائر السادات.

لا وارثٌ جهلت يمناه ما وهبتولا كسوبٌ بغير السّيف سآل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لم يرث هذا المال الذي وهبه من آبائه فيجهل قدره، حيث لم يلحقه عناء بجمعه، بل كبه بسيفه وقهر عليه أعداءه، ولم يجمعه بالسؤال، حتى لا يعرف خطره.

ولا في قوله: لا وراث بمعنى غير: أي غير وارث. وقيل: إنها اطفة كقولك: جاءني زيد لا عمرو: أي لا يدرك المجد إلا سيد فطن لا وراث جاهل بقدر ما يهب.

قال الزّمان له قولاً فأفهمهإنّ الزّمان على الإمساك عذّال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يعني: أن الزمان أيقظه بتصاريفه، حتى كأنه عذله على الإمساك، وأمره بأن يهب كيما يكسب المجد والشرف، فكأنه قال هذا القول:

تدري القناة إذا هتزّت براحتهأنّ الشّقيّ بها خيلٌ وأبطال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا تحركت القناة في يده، علمت أنه يقتل بها الأبطال، والخيل. وهذه الأبيات من تمام قوله: لا يدرك المجد إلا سيد فطن.

كفاتكٍ. ودخول الكاف منقصةٌكالشّمس قلت، وما للشّمس أمثال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يعني. لا يبلغ المجد إلا سيد كفاتك، ثم استدرك وقال: ودخول الكاف منقصة أي إذا قلت: كفاتك جعلت له نظيراً، ولا نظير له، ثم اعتذر فقال: إنما قلت: كفاتك مع علمي أنه لا نظير له، كما أشبه الأشياء بالشمس، وأعلم أنه لا مثل لها، ولم يوجب ذلك نقصا فيها كذلك هذا. ومثله لآخر:

لقد جلّ في أوصافه وخطابهعن الكاف إلا أن يقال كريم
القائد الأسد غذّتها براثنهبمثلها من عداه وهي أشبال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يقول: هو يقود غلماناً رباهم بأسلاب أعدائه، حتى صاروا كالأسود. وقوله: بمثلها أي غذتهم براثنه: أي سيوفه، بأسلاب أسود أمثالهم من أعدائهم، وهذه الأسود أشباله.

جعله أسداً، وغلمانه حوله كالأشبال.

القاتل السّيف في جسم القتيل بهوللسّيوف كما للنّاس آجال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يقول: يضرب الفارس بسيفه فيقتله، وبكسر السيف في جسمه. وقوله: والسيوف كما للناس آجال أخده من قوله ﷺ: لا تضربوا إماءكم بكسر إنائكم، فإن لها آجالاً كآجالكم والمصراع الأول مثل قوله:

قتلت نفوس العدي بالحديد حتّى قتلت بهنّ الحديدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
تغير عنه على الغارات هيبتهوما له بأقاصي الأرض أهمال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

الأهمال: جمع الهمل والهمال، والهمل: جمع الهامل، وهو المال المهمل في المرعى بلا راع.

يقول: إن هيبته تغير عن الممدوح غارات اللصوص: أي تبعدهم عن التعرض لماله، فماله يرعى في المرعى مهمل بلا راع، فلا يتعرض إليه أحد من الهيبة.

له من الوحش ما اختارت أسنّته:عيرٌ وهيقٌ وخنساءٌ وذيّال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

العير: حمار الوحش والهيق: ذكر النعام والأنثى هيقة، والخنساء: البقرة الوحشية، والذيال: الثور الوحشي.

يقول: إنه يقدر على اصطياد كل ما يختاره.

تمسي الضّيوف مشهّاةً بعقوتهكأنّ أوقاتها في الطّيب آصال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

عقوته سهله وما قرب منه. والمشهاة: من قولهم: شهيته: أي جعلته يشتهي، أو أنلته ما يشتهي. والآصال: جمع أصل، وأصل: جمع أصيل، وهو بعد العصر؛ وذلك الوقت يطيب خاصة في الصيف.

يقول: إنه يكرم أضيافه، ويمكنهم من كل ما يشتهونه، فأوقاتهم كلها عنده طيبة كالآصال.

لو اشتهت لحم قاريها لبادرهاخراذلٌ منه في الشّيزى وأوصال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

القاري: المضيف، وهو الممدوح، ولحم خراذل بالذال والدال: مقطع والواحد خرذلة. والشيزى: جفان سود يقال إنها من الشيز.

قال الأصمعي: الشيز لا يعمل منه الجفان، وإنما تعمل من الجون فتسود من الدسم فتشبه الشيز، والهاء في قاريها وبادرها للأضياف، وفي منه للحم ويجوز أن يكون للممدوح.

يقول: لو اشتهت الأضياف لحمه لنحر لهم نفسه، وحملت قطعاً إلى الضيوف في الجفان، وحملت إليهم أوصاله مقطعةً.

لا يعرف الّزء في مالٍ ولا ولدٍإلا إذا حفز الضّيفان ترحال

الحفز: التحريك والإزعاج.

يقول: لا يغتم لشيء أصابه في ماله وولده، وإنما يحزن عندما يتأهب الضيف للرحيل.

يروى صدى الأرض من فضلات ما شربوامحض اللّقاح، وصافي اللّون سلسال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

الصدى: العطش، وأراد ها هنا يبس الأرض. والمحض: اللبن الخالص. واللقاح: جمع لقحة، وهي الناقة التي تحلب. والسلسال: الشراب الصافي السهل المساغ، وأراد به الخمر.

يقول: إذا رحل أضيافه أراق ما يبقى من شرابهم من اللبن والخمر، ولم يدخره لغيرهم، لأنه يتلقى كل ضيف بقرىً جديد.

تقرى صوارمه السّاعات عبط دمٍكأنّما السّاع نزّالٌ وقفّال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

العبط والعبيط: الدم الطري واللحم. والساع: جمع ساعة.

يقول: يريق كل ساعة دماً طرياً من أعدائه، ويذبح وينحر للأضياف، فكأنه يقري الساعات بما يريقه من الدماء، وكأنها قوم ينزلون، وقوم يقفلون عنه.

تجري النّفوس حواليه مخلّطةًمنها عداةٌ وأغنامٌ وآبال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

النفوس: الدماء وقد روى ذلك أيضاً.

يقول: إنه يقتل الأعداء وينحر الآبال ويذبح الأغنام، فتختلط الدماء بعضها ببعض.

والتقدير: منها دماء أعداء ومنها دماء أغنام. فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.

لا يحرم البعد أهل البعد نائلهوغير عاجزةٍ عنه الأطيفال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

الأطيفال: تصغير أطفال.

يقول: يصل نواله إلى القريب والبعيد، والقوي والضعيف، فلا يحرم البعيد نائله لأجل بعده، والصغير لا يعجز منه لصغر سنه.

أمضى الفريقين في أقرانه ظبةًوالبيض هاديةٌ والسّمر ضلاّل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يقول: إذا التقى الجيشان، وسقطت الرماح السمر، وآل الأمر إلى السيوف البيض، فهو أمضى الفريقين سيفا في ذلك الوقت.

يريك مخبره أضعاف منظرهبين الرّجال وفيها الماء والآل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

الهاء في فيها للرجال.

يقول: إذا جربته في الحرب رأيت منه أضعاف منظره. وفي الرجال من له حقيقة كالماء، وفيهم من لا حقيقه له كالسراب.

وقد يلقّبه المجنون حاسدهإذا اختلطن وبعض العقل عقّال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

العقال: داء يأخذ الدابة في الرجلين، فيعقلهما عن التصرف. ويجوز تخفيفه. وقوله: إذا اختلطن قيل: أراد به الصفوف فأضمر، وقيل: أراد به خيله وخيل عدوه.

كان فاتك يلقب بالمجنون، فصرح بذكر لقبه ثم تخلص منه أحسن تخلص، حتى فضل الجنون على العقل.

فيقول: إنما جنونه عند اختلاط الصفوف، والعقل في ذلك الوقت عقال على صاحبه، فجنونه: شجاعة وإقدام، لا كما يزعمه الحاسد. فحسن لقبه!

يرمي بها الجيش لا بدٌّ له ولهامن شقّه ولو أنّ الجيش أجبال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

بها أي بالخيل، والهاء في له للمدوح.

يقول: يرمي بخيله جيش العدو، فلا بد له ولخيله من شق الجيش، وإن كان كالجبل شدة وثباتا.

إذا العدى نشبت فيهم مخالبهلم يجتمع لهم حلمٌ ورئبال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

نشبت: ثبتت. والرئبال: الأسد.

يقول: هو في يوم الحرب أسد، فإذا نشبت مخالب الأسد في فريسة، فلم يكن حينئذ حلم، إذ الحلم لا يوجد مع الأسد.

وهذا تأكيد لتحسين لقبه، وتفضيله على العقل.

يروعهم منه دهرٌ صرفه أبداًمجاهرٌ وصروف الدّهر تغتال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يقول: هو على أعدائه كالدهر، يروعهم أبداً بحروبه وغاراته مجاهرة، بخلاف صروف الدهر فإنها تغتالهم ولا تجاهرهم. فضلة على الدهر.

أناله الشّرف الأعلى تقدّمهفما الّذي بتوقّي ما أتى نالوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

ما في قوله: فما الذي قيل: للاستفهام على جهة الإنكار، الذي في موضع نصب بنالوا والتوقي: مصدر توقي، وهو مضاف إلى ما الثانية وما في موضع الجر، وتقديره: فأي شيء نالوا بتوقيهم ما أتاه هو؟ يقول: أوصه إلى نيل الشرف الأعلى جرأته، فما الذي نال أعداؤه لما توقوا ما أتاه، وأشفقوا على أنفسهم؟ وقيل: ما الأولى نفي والثانية بمعنى الذي. ويتوقى فعل مضارع انتصب به ما والذي في موضع الذين.

والمعنى: أن تقدمه أناله الشرف الأعلى، فليس الذين يتوقون الشرف الذي أتاه هو، نالوا ما ناله من الشرف. أي إنهم لما جبنوا عن مباشرة الشدائد لم ينالوا ما ناله.

إذا الملوك تحلّت كان حليتهمهنّدٌ وأصمّ الكعب عسّال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اسم كان مضمر، والجملة في موضع النصب على أنها خبر كان: أي كان هو، أو كان الأمر والشأن حليته مهند، ولو نصبت حليته على الخبر وجعلت مهنداً اسمها كان قبيحاً، لأن الخبر يكون معرفة والاسم نكرة، ومثل هذا قد جاء في الشعر.

يقول إذا تزين الملوك بالحلل وأنواع الحلي فهو يتزين بسيفه ورمحه.

والعسال: الرمح المضطرب.

أبو شجاعٍ أبو الشّجعان قاطبةًهولٌ نمته من الهيجاء أهوال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

نمته ها هنا أي ولدته، وأصله من الانتماء، وهو الانتساب.

يقول: من حقه أن يكنى أبا الشجعان قاطبة، لا أبا شجاع واحد. وهو هول نمته أهوال من الهيجاء: أي ممارة الخطوب أعلت قدره وصارت نسباً له ينتمي إليه.

أبو شجاع: مبتدأ. وأبو الشجعان: بدل منه. وقاطبةً: نصب على المصدر أو الحال. وهول خبر المبتدأ. وأهوال رفع بنمته ويجوز أن يكون أبو شجاع مبتدأ وأبو الشجعان خبره. وهول خبر ابتداء محذوف: أي هو هول، أو بدل من أبي الشجعان.

تملّك الحمد حتّى ما لمفتخرفي الحمد حاءٌ ولا ميمٌ ولا دال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يقول: قد استولى على الحمد كله واستحقه بفضله، حتى لم يبق لأحد شيء من الحمد وأجزائه.

عليه منه سرابيلٌ مضاعفةٌوقد كفاه من الماذيّ سربال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يقول: عليه من الحمد. سرابيل ظاهرة مضاعفة، وفي الحرب يكتفي بدرع واحد. يعني لا يرضى من الحمد إلا بالسرابيل المضاعفة ويكفيه في الحرب سربال واحد.

وقيل: عليه لباس الحمد المضاعف، وقد كفاه الدرع وإن لم يكن الحمد، فاجتمعا له جميعا، حتى يكون ذلك أشرف له.

وكيف أستر ما أوليت من حسنٍوقد غمرت نوالاً أيّها النّال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

رجل نال: أي كثير النوال.

يقول: كيف أستر أفضالك، وقد أكثرت علي نوالك وغمرتني به، حتى لا يمكنني ستره.

لطّفت رأيك في وصلي وتكرمتيإنّ الكريم على العلياء يحتال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لطفت رأيك واحتلتفي إحراز ثنائي ومدحي، وهذه عادة الكرام بتوصلون إلى اكتساب المعالي بكل حيلة.

حتّى غدوت وللأخيار تجوالٌوللكواكب في كفّيك آمال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لما تلطفت في إكرامي ومدحتك فجال ذكرك بين الناس، وطمعت النجوم في نوالك.

وهذان البيتان مدح أبو الطيب بهما نفسه! يعني: أنا كالنجم من بعدي من عطاء مثلك! فلما احتلت في إيصال برك إلي رغبت النجوم أيضا في نوالك.

وقد أطال ثنائي طول لابسهإنّ الثّناء على التّنبال تنبال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

التنبال: القصير، وعنى بطول لابسه طول السؤدد والكرم.

يقول: إذا مدح الانسان كريما كثير الفضائل طال حمده بطول كرمه، وجاد شعره، وإذا مدح لئيما قليل الكرم لؤم شعره وقل؛ لأن المادح لا يجد ما يمدح به.

إن كنت تكبر أن تختال في بشرٍفإنّ قدرك في الأقدار يختال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يقول: إن كنت ترفع نفسك من أن تتكبر على الناس، فإن قدرك يختال على كل قدر ويتكبر على كل ذي فخر.

كأنّ نفسك لا ترضاك صاحبهاإلا وأنت على المفضال مفضال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»
ولا تعدّك صوّاناً لمهجتهاإلاّ وأنت لها في الرّوع بذّال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يقول: كأن نفسك. تفوق كل متفضل من الناس ولا ترضى أن تكون صاحبها حتى تفضل على كل ذي فضل، ولا تعد أنك تصونها إلا بذلتها في الحرب، فأنت تقتحم على كل غمرة، وتحمل نفسك على كل مهلكة.

لولا المشقّة ساد النّاس كلّهمالجود يفقر والإقدام قتّال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يعني: أن السيادة لا تتم إلا ببذل المال ومخاطرة النفس، فالجود يؤدي إلى الفقر، والإقدام يفضي إلى العطب. ولولا مشقة هاتين الخلتين لكان الناس كلهم سادة.

وإنّما يبلغ الإنسان طاقتهما كلّ ماشيةٍ بالرّحل شملال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

الشملال: الناقة السريعة الخفيفة. يعني: كل أحد يسعى على قدر همته ومبلغ طاقته، وليس الناس سواء، كما أنه ليس كل ناقة شملال.

إنّا لفي زمنٍ ترك القبيح بهمن أكثر النّاس إحسانٌ وإجمال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

فصرنا في زمان لا خير عند أهله، فمن كف أذاه عن الناس فهو يحسن عندهم.

ولطف في قوله: من أكثر الناس حتى لا يدخل الممدوح.

ذكر الفتى عمره الثّاني، وحاجتهماقاته وفضول العيش أشغال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

يقول: ذكر الإنسان بعد موته يقوم له مقام العمر الثاني، فكأنه موجود وغير معدوم، وحاجته من الدنيا ما يقوته، وما فضل عنه يكون شغلاً له.

يمنعه عن جمع المال ويحثه على العلا. وروى: ما فاته أي هو محتاج أبداً إلى ما لم ينله، فأما ما ناله فلا حاجة به إليه.

قال ابن جني: قد جمع في هذا البيت ما يعجز كل من يدعي الشعر والحكمة والكلام الشريف، فينبغي أن يلحق بالأمثال السائرة. ومثله لسالم بن وابصة:

غني النّفس ما يكفيك من سلخ حاجةٍوإن زاد شيئاً كان ذاك الغني فقراً

وهو قد استوفى جميع ذلك وزاد عليه بقوله: ذكر الفتى عمره الثاني.

وتوفي أبو شجاع فاتك بمصر ليلة الأحد عشاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمسين وثلاث مئة.

فقال أبو الطيب يرثيه عند موته ويهجو كافوراً وأنشدها بعد رحيله عن الفسطاط:

الحزن يقلق والتّجمّل يردعوالدّمع بينهما عصيٌّ طيّع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: الحزن يحملني على الجزع، والتجمل يردعني عن الجزع، فدمعي متحير بين التجمل والقلق، يعصي التجمل ويطيع القلق.

يتنازعان دموع عين مسهّدٍهذا يجيء بها وهذا يرجع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: إن الحزن والتجمل يتنازعان: دموع عين لا تنام. هذا يجيء بها، أي الحزن يجيء بالدموع. وهذا يرجع. أي التجمل يردها.

النّوم بعد أبي شجاعٍ نافرٌواللّيل معيٍ والكواكب ظلّع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقال: ظلع يظلع إذا عي من التعب فهو ظالع، والجمع ظلع.

يقول: قد زال عني النوم بعد موت أبي شجاع، وطال علي الليل حتى كأنه معي لا نهوض له، والكواكب أيضا لا تبرح مكانها حتى كأنها غامزة.

يصف طول ليله عليه، ودوام سهره.

إنّي لأجبن من فراق أحبّتيوتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: ليس حزني هذا من ضعف قلبي، ولكنه إلف وعادة، فنفسي إذا أحست بالموت أقدمت عليه، وإذا أحست بفراق صديق جبنت عنه.

ويزيدني غضب الأعادي قسوةًويلمّ بي عتب الصّديق فأجزع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: إذا غضب العدو، لم أبال بغضبه، بل ازددت قسوة عليه، وإذا عتب علي صديق أدنى عتب، جزعت منه.

تصفو الحياة لجاهلٍ أو غافلٍعمّا مضى فيها وما يتوقّع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
ولمن يغلط في الحقائق نفسهويسومها طلب المحال فتطمع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لا تصفو الحياة إلا لثلاث: إما جاهل بأحوال الدنيا، أو غافل عما مضى، وما ينتظره من الحياة، أو من يغالط نفسه في الحقائق، ويعللها بالأماني الكاذبة ويطمعها في الأمور المحالة.

أين الّذي الهرمان من بنيانه؟ما قومه ما يومه ما المصرع!!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

الهرمان: بناءان شاهقان في الهواء، وسمك كل واحد منهما أربع مئة ذراع في عرض مثلها، لا يعرف من بناهما! ويقال: بناهما عمرو المشلل.

ما قومه؟ لفظه استفهام، ومعناه التعظيم يعني: أن هذا الباني مع قومه وعزه سلطانه، قد انقطع خبره، فلا يعلم من هو ولا من أي أمة هو!!

تتخلّف الآثار عن أصحابهاحيناً، ويدركها الفناء فتتبع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

الهاء في أصحابها للآثار. يعني: ان الآثار تبقى بعد أربابها زمانا، ثم إن الفناء يبطل الآثار أيضاً، فتتبع في الفناء أصحابها.

لم يرض قلب أبي شجاعٍ مبلغٌقبل الممات ولم يسعه موضع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: كان بعيد الهمة، لم يرض من الدنيا منالا ناله، بل كان يطلب أكثر مما ناله، ولم يسعه موضع حتى مات، فكأنه كرهها فارتحل عنها.

كنّا نظنّ دياره مملوءةًذهباً فمات وكلّ دارٍ بلقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

البلقع: الخالية، والجمع: بلا قع.

يقول: كنا نظن أن خزائنه مملوءة من الذهب؛ لكثرة ما كان يهبه من الأموال، فلما مات وجدنا دياره خالية من المال؛ لأنه وهب ماله في حال حياته، ولم يجمع إلا أربعة أشياء ذكرها فيما يليه:

وإذا المكارم والصّوارم والقناوبنات أعوج كلّ شيءٍ يجمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

بنات أعوج: هي الخيل، تنسب إلى فحل كريم في العرب يقال له: أعوج.

يقول: كل شيء جمعه في خزانته فهو هذه الأشياء، دون الذهب وسائر الأموال. ومثله لآخر:

ولم يك كنزه ذهباً ولكنسيوف الهند والحلق المذالا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «مضى لسبيله معن وأبقى»
المجد أخسر والمكارم صفقةًمن أن يعيش لها الكريم الأروع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

الأروع: الجميل الذي يروعك جماله.

يقول: إن المجد والمكارم قد خسرت صفقتها فلا يعيش لها كريم يعتني بأمرهما.

وتقدير البيت في الظاهر: المجد والمكارم أخسر صفقة. وإعرابه على غير هذا الوجه؛ لأنك إذا علقت صفقة بأخسر كنت قد فصلت بين الصلة والموصول بقولك: والمكارم ولكن تحمله على إضمار فعل ينصب به صفقة كأنك قلت: المجد أخسر والمكارم كذلك، وتم الكلام، ثم استأنفت صفقة وأضمرت فيه فعلا أي: خسر المجد صفقة.

والنّاس أنزل في زمانك منزلاًمن أن تعايشهم وقدرك أرفع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول لفاتك: إن الناس أنزل درجةً من أن يستحقوا أن تعيش معهم، وأنت أرفع قدراً من أن تصاحبهم، فلما أنفت من ذلك اخترت الموت.

برّد حشاي إن استطعت بلفظةٍفلقد تضرّ إذا تشاء وتنفع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: إن قلبي فيه حرارة الحزن، فبرده بلفظة منك أنتفع بها؛ لأنك قد كنت قادراً على ضر من شئت ونفع من أردت، فذلك لم يتعذر عليك.

ما كان منك إلى خليلٍ قبلهاما يستراب به ولا ما يوجع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

قبلها: أي قبل هذه الحالة، أو هذه المصيبة، وما يستراب: أي ما يكره.

يقول: لم يكن منك قبل هذه الحالة ما يريب صديقك ويوجعه.

ولقد أراك وما تلمّ ملمّةٌإلا نفاها عنك قلبٌ أصمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

قلب أصمع: أي ذكي.

يقول: إذا نالتك مصيبة، تدفعها عنك بقوة قلبك، وحدة ذكائك.

ويد كأنّ نوالها وقتالهافرضٌ يحقّ عليك وهو تبرّع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ويد عطف على قلب.

يقول: كنت أعرفك، إذا نزلت بك حادثة دفعتها عنك بذكاء قلبك وشدة ساعدك، فما بالك لم تدفعها الآن عنك؟؟! وقوله: كأن نوالها وقتالها أي أنك لم تبخل بقتال ولا بذل نوال، حتى كأنهما واجبان عليك، وهو تبرع وتفضل.

يا من يبدّل كلّ يومٍ حلّةًأنّى رضيت بحلّةٍ لا تنزع؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

أي: يا من كان يبدل، فحذف كان وكذلك فيما قبله، كقوله تعالى: " واتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ " أي ما كانت تتلوا.

يقول: كنت تنزع كل يوم حلة للسؤال، وتلبس حلة جديدة، فكيف رضيت الآن بحلة لا تنزعها أبداً، ولا تبدلها بغيرها؟ يعني الكفن.

ما زلت تخلعها على من شاءهاحتّى لبست اليوم ما لا تخلع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: لم تزل تخلع حلتك على من طلبها حتى لبست الآن حلةً لا يشتهيها أحد، ولا يسألك أن تخلعها عليه. والهاء في تخلعها وشاءها للحلة.

ما زلت تدفع كلّ أمرٍ فادحٍحتّى أتى الأمر الّذي لا يدفع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: كنت تدفع كل حادثة عظيمة تنزل بك، حتى نزل بك الآن ما لا يمكن أحد دفعه يعني: الموت.

فظللت تنظر لارماحك شرّعٌفيما عراك ولا سيوفك قطّع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

عراك: أي أتاك.

يقول: لما نزل بك حادث الموت، لم تغن عنك رماحك وسيوفك، لكنك ظللت تنظر إلى أصحابك، ولا يقدر أحد على دفعه عنك.

بأبي الوحيد وجيشه متكاثرٌيبكي ومن شرّ السّلاح الأدمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: أبي فداء المتوحد الذي جيشه كثير.

يعني: أن جيشه لا يقدر على دفع الموت عنه.

جعله وحيداً لا ناصر له، وكأن جيشه يبكي عليه، لأنهم لا يملكون له شيئاً سوى البكاء ثم قال: والدموع شر السلاح؛ لأنه لا يدفع بها حادثة.

وإذا حصلت من السّلاح على البكافحشاك رعت به، وخدّك تقرع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: إذا كان رأس سلاحك هو البكاء لم يصل ضرره إلا إليك، لأنك تؤلم به قلبك وتقرع به خدك.

وصلت إليك يدٌ سواءٌ عندها البازي لاشهب والغراب الأبقع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أراد يد الدهر، والمراد بالبازي لاشهب: الكريم. وبالغراب الأبقع: اللئيم. يعني: أن الموت إذا جاء لم يفرق بين الشريف والوضيع.

من للمحافل والجحافل والسّرى؟فقدت بفقدك نيّراً لا يطلع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

المحافل: المجالس، وقيل: هي جماعات الناس. والجحافل: الخيل. والسرى: جمع سراية. كأن قوام هذه الأشياء، نيرها الذي غاب عنها فلا يطلع أبدا.

ومن اتّخذت على الضّيوف خليفةً؟ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيّع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

من استفهام. يعني: كنت تتعاهد أمر أضيافك، فمن الذي تركت بعدك خليفة يقوم بأمورهم؟ فإنهم ضاعوا، ولم يكن من عادتك أن تضيع أحداً.

قبحاً لوجهك يا زمان! فإنّهوجهٌ له من كلّ قبحٍ برقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: قبح الله وجهك يا زمان! فإنه وجه مبرقع بكل لؤم: أي كل فعل مذموم مجتمع فيك!

أيموت مثل أبي شجاعٍ فاتكٍويعيش حاسده الخصيّ الأوكع؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

الأوكع الذي تميل إبهام رجله على أصابعه حتى تخرج عن أصله، ويجوز أن يكون فاتك رفع بدلا من مثل وجر بدلا من من أبي شجاع.

أنكر على الزمان موت فاتك وحياة كافور بعده، وقال: تترك كافوراً مع لؤمه، وتهلك فاتكا مع شرفه وكرمه؟! وإنما تفعل ذلك للؤمك، فأنت تحامي من كان مثلك. وقوله: أيموت مثل أبي شجاع: أي يموت أبو شجاع، ومثل زائدة.

أيدٍ مقطّعةٌ حوالي رأسهوقفاً يصيح بها: ألا من يصفع؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: إن كافوراً للؤمه وخسته يبعث الناس على صفعه، فكأن قفاه يصيح: هل من أحد يصفعني؟ ولكن كأن أيدي من حوله مقطوعة لا يقدرون على صفعه وتناوله. وهذا على معنى الخبر، أن أيديهم كذلك. ويجوز أن يكون دعاء على أصحابها فكأنه يقول: قطع الله هذه الأيدي.

أبقيت أكذب كاذبٍ أبقيتهوأخذت أصدق من يقول ويسمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

ويسمع: أي يجيب.

يقول للزمان أو للموت: أبقيت كافوراً الذي هو أكذب الناس قولا، وأخذت فاتكاً الذي هو أصدقهم قولا ووعدا..

وتركت أنتن ريحةٍ مذمومةٍوسلبت أطيب ريحةٍ تتضوّع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

ريح وريحة ورائحة بمعنى. وتضوعت رائحة الطيب: إذا انتشرت. وهذا البيت كالذي قبله.

يعني: بأنتن ريحة كافوراً وبأطيب ريحة فاتكا.

فاليوم قرّ لكلّ وحشٍ نافرٍدمه وكان كأنّه يتطلّع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: إنه كان يديم قنص الوحش، فلما مات استقر دم كل وحش في جلده بعد أن كان الدم يتطلع: أي يهم بالخروج من غير أن يجريه خوفا منه.

وقيل: يتطلع الوحش: أي كان يهم بالخروج ولم يخرج خوفاً منه.

وتصالحت ثمر السّياط وخيلهوأوت إليها سوقها والأذرع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

ثمر السياط: أطرافها.

يقول: إنه كان يديم ضرب خيله بالسياط في الحروب والغارات والصيد وطرد الوحش، فلما مات تصالحت السياط مع خيله، حتى سكنت إليها سوق الخيل وأذرعها، وأمنت أذاها وألمها، إذ لا يضربها أحد بالسياط بعده.

وعفا الطّراد فلا سنانٌ راعفٌفوق القناة ولا سنانٌ يلمع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الطراد: مطاردة الفرسان. وقيل: هو الرمح الصغير. وعفا: أي درس.

يقول: عفا بموته رسم الطعان والضراب، فلا يرى بعده سنان راعف: أي قد طعن به فهو يقطر دما، وكذلك لا يرى سيف يلمع ويبرق.

ولّى وكلّ مخالمٍ ومنادمٍبعد اللّزوم مشيّعٌ ومودّع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

المخالم: المصادق.

يقول: لما مات تفرقت ندماؤه وأصدقاؤه، فودع بعضهم بعضا وشيعه، بعد أن كانوا ملازمين لا يتفرقون. وقيل: أراد ودع فاتكاً كل منادم وصديق.

قد كان فيه لكلّ قومٍ ملجأولسيفه في كلّ قومٍ مرتع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: قد كان فاتك ملجأ ينتمي إليه كل قوم عندما يقع لهم من الحوادث، وكذلك سيفه كان يقتل كل قوم، فكأنه يرتع في لحوم القتلى.

إن حلّ في فرسٍ ففيها ربّهاكسرى تذلّ له الرّقاب وتخضع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

الفرس: أهل فارس. والهاء في فيها ترجع إلى الفرس، وأراد به أرض فارس، أو القبيلة أو الجماعة.

أو حلّ في رومٍ ففيها قيصرٌأو حلّ في عربٍ ففيها تبّع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يقول: إن فاتكا كان في الفرس كسرى، وفي الروم قيصرا، وفي العرب تبعا. والتبابعة: ملوك اليمن.

قد كان أسرع فارسٍ في طعنةٍفرساً، ولكنّ المنيّة أسرع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

فرسا: نصب على التمييز. والتقدير: كان أسرع فارس فرسا في طعنه.

يقول: كان أحذق بالطعن من كل فارس، وفرسه أسرع من كل فرس، ولكن لم ينفعه ذلك حين جاء الموت.

لا قلّبت أيدي الفوارس بعدهرمحاً ولا حملت جواداً أربع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

يعني: أنه كان حاذقاً بركوب الخيل والطعن بالرماح، فإذا قامت فلا حملت فرسا قوائمه الأربع، ولا حمل فارس رمحا بيده.

؟

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.