من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
الكافوريات وهي المصريات (٣)
يقول: أدركت بصواب رأيك من مرادك، ما لا ينال بالقتال، وحفظت الدماء حتى بقيت الأرواح في الأجساد، ولم يقتل أحد ولم يرق دم.
وقنا الخطّ في مراكزها حولك والمرهفات في الأغماد
يقول: وصلت إلى مرادك من غير أن حركت الرماح من مراكزها، وأخرجت السيوف من أغمادها. والمرهفات: السيوف المحدودة.
ما دروا، إذ رأوا فؤادك فيهمساكناً، أنّ رأيه في الطّراد
الطراد: المطاردة، وهي المحاربة. والهاء في رأيه للفؤاد.
يقول: لما رأوك ساكن القلب، توهموا بأن ذلك عن غفلةٍ وقلة فكر فيه، ولم يعلموا أنك معمل رأيك في فؤادك لاستنباط الصواب، فكان قلبك ساكناً، ورأيك في محاربة.
ففدى رأيك الّذي لم تفدهكلّ رأيٍ معلّمٍ مستفاد
لم تفده: أي لم تستفده.
يقول: كل رأي مستفاد معلم مكتسب بالتعلم، فداء رأيك الذي طبعت عليه، ولم تستفده أنت من أحد.
وإذا الحلم لم يكن في طباعٍلم يحلّم تقدّم الميلاد
يقول: إذا لم يكن الرجل مطبوعاً على الحلم، فمرور الأيام وتقدم الولادة، لا تجعله حليماً.
يعني: لا اعتبار بالسن، وإنما الاعتبار بالطبع.
فبهذا ومثله سدت يا كافور واقتدت كلّ صعب القياد
يقول: بهذا الرأي الحصيف وبمثله من الآراء، صرت سيداً، وقدت كل صعب المقادة، حتى انقاد لك، ودخل في طاعتك.
وأطاع الّذي أطاعك والطّاعة ليست خلائق الآساد
يقول: بمثل هذا الرأي أطاعك رجال مثل الأسود التي لم تطع لأحد قبلك، إذ ليست الطاعة من عادة الأسود.
إنّما أنت والدٌ، والأب الّقاطع أحنى من واصل الأولاد
يقول: أنت له بمنزلة الوالد، والأب على كل حال أشفق على ولده من الولد الواصل.
قال ابن جني: معناه أنك يا كافور أقرب إلى ابن مولاك، وأحنى عليه من ولده الواصل له: أي لو كان له ولد لكنت أحنى عليه من ولده.
لا عدا الشّرّ من بغى لكما الشّرّوخصّ الفساد أهل الفساد
يقول: من طلب لكما الشر، فلا تجاوز عنه الشر ولا فارقه، وجعل الله أهل الفساد، مخصوصاً به دونكما.
أنتماما اتّفقتما الجسم والرّو ح فلا احتجتما إلى العوّاد
يقول: أنتما - ما دام بينكما اتفاق وصلح - كالجسم والروح، فلا وقع بينكما اختلاف حتى تحتاجا إلى السفر في الصلح بينكما.
لما جعلهما الروح والجسم، جعل الاختلاف بينهنا مرضهما، وجعل سعي الناس في الصلح بينهما، عيادة لهما.
وإذا كان في الأنابيب خلفٌوقع الطّيش في صدور الصّعاد
يقول: إذا وقع الخلف بين أهل المملكة، وهم الأمراء والجيوش والقواد، اضطرب ملكهم الذي هو صدرهم، كما أن أنابيب الرمح إذا اختلفت لم يعمل صدره وزل عن الطعن، واضطرب في يديه.
وقيل: أراد أنكما إذا اختلفتما اضطرب أمركما، كما أن الرمح إذا اختلفت أنابيبه طاشت أعاليه.
أشمت الخلف بالشّراة عداهاوشفى ربّ فارسٍ من إياد
فاعل شفى ضمير الخلف والشراة: الخوارج، سموا أنفسهم شراة. يعني: شروا - بحزم - أنفسهم من الله تعالى: أي باعوها.
يقول: الاختلاف بين القوم يشمت الأعداء بهم، كما أن الخوارج لما اختلفت كلمتهم في خلافة أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، ظفر بهم أمير المؤمنين وأفناهم وأشمت بهم أعداءهم، وكذلك تمكن كسرى صاحب فارس من قبيلة إياد، شفى صدره، حين اختلفت كلمتهم.
وتولّى بني البريديّ في البصرة حتّى تمزّقوا في البلاد
يقول: إن الخلف أوقع ببني البريدي وهم ثلاثة إخوة كانوا قد ملكوا البصرة في أيام المقتدر فلم يقدر عليهم، حتى وقع الخلاف بينهم، ومات أحدهم، فتمكن منهم السلطان وشتت شملهم واستأصلهم.
وملوكاً كأمسٍ بالقرب منّاوكطسمٍ وأختها في البعاد
وملوكاً عطف على ما قبله. أي وتولى الخلف ملوكاً. وأختها: أي أخت طسم: وهي جديس.
يقول: أهلك الخلف ملوكاً قربوا منا، حتى أن مدة قربهم منا كمدة أمس إلى يومنا، وأهلك الاختلاف أيضاً ملوكاً في قديم الزمان: مثل طسم وجديس، وكانوا ملوك حمير.
بكما بتّ عائذاً فيكما منهـ ومن كلّ باغٍ وعاد
الباغي: من البغي. والعادي: من العدوان. والهاء في منه تعود إلى الخلف.
يقول: أعوذ بكما أن يقع الخلف بينكما، وأن يقع بينكما كيد البغاة والعداوة.
وبلبّيكما الأصيلين أن تفرق صمّ الرّماح بين الجياد
كان الوجه: ألبابكما. كقوله تعالى: " فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا "، والتثنية أيضاً جائزة.
يقول: أعوذ به بعقلكما الثابت أن تتحاربا، فتفرق الرماح بين خيولكما، فيصير معك حزب ومعه حزب.
أو يكون الوليّ أشقى عدوٍّبالّذي تذخرانه من عتاد
يقول: أعوذ بعقلكما من أن تقتلا الولي، وأن تجعلاه لسلاحكما - الذي هو عدتكما وذخيرتكما للأعداء - أشقى عدو، إذ السلاح يعد للأعداء لا للأولياء.
هل يسرّنّ باقياً بعد ماضٍما تقول العداة في كلّ ناد
النادي: المجلس.
يقول: إذا تقاتلتما، فيقتل أحدكما صاحبه، هل يسر الباقي منكما ما تقول الأعداء في المجالس: إنه قتل صاحبه وهتك حرمته؟!
منع الودّ والرّعاية والسّؤدد أن تبلغا إلى الأحقاد
يقول: هذه الخصال التي فيكما منعتكما أن تبلغا إلى أن يحقد أحدكما على صاحبه؛ فلهذا عدلتما إلى الصلح، لتأكد هذه المعاني.
وحقوقٌ ترقّق القلب للقلب ولو ضمّنت قلوب الجماد
يقول: ومنع أيضاً حقوق متأكدة، حتى لو كانت للجماد قلوب، فضمنت هذه الحقوق تلك القلوب، لرق بعضها لبعض.
فغدا الملك باهراً من رآهشاكراً ما أتيتما من سدادٍ
يقول: لما اصطلحتما أصبح الملك منيراً، أبهر من رآه، وغلبه بنوره، وشكر لكما على ما رأيتما من الصواب والسداد.
فيه أيدكما على الظّفر الحلووأيدي قومٍ على الأكباد
الهاء في فيه للملك.
يقول: ظفرتما من الملك بما أردتما، وأصبح حسادكما واضعين أيديهم على أكبادهم؛ لما نالهم من الألم بالصلح الذي صار بينكما.
هذه دولة المكارم والرّأفة والمجد والنّدى والأيادي
يقول: دولتكما دولة هذه الأشياء، فإذا وقع في هذه الدولة خلل، اختلت هذه الأشياء، وإذا سلمت سلمت هذه الأمور.
كسفت ساعةً كما تكسف الشّمس وعادت ونورها في ازدياد
يقول: هذه الدولة كسفت ساعة لمخالفتكما، كما تكسف الشمس، ثم زال الكسوف عنها فعاد نورها، وزاد على ما كان من قبل.
يزحم الدّهر ركنها عن أذاهابفتىً ماردٍ على المرّاد
المراد: جمع مارد، وهو الشرير الخبيث.
يقول: ركن هذه الدولة يزحم الدهر عن أذاها. أي: إذا أراد الدهر أن يؤذي هذه الدولة، زاحمه ركنها ومانعه، بفتىً ماردٍ على المراد: أي عاد على المعتدين، ومقابل للخبثاء بخبثهم. وعنى به كافور الأسود.
متلفٍ، مخلفٍ، وفيٍّ، أبيٍّ،عالمٍ، حازمٍ، شجاعٍ، جواد
أي يتلف ماله في الجود، ويخلف من تلف ماله، ويعوضه على ما ذهب منه. وأراد: أن هذا الفتى جامع لهذه الأوصاف.
أجفل النّاس عن طريق أبي المسك وذلّت له رقاب العباد
أجفل: أي تفرق.
يقول: خلى الناس له طريق المجد والعلا، وذلت له رقاب الناس، وانقادوا له.
كيف لا يترك الطّريق لسيلٍضيّقٍ عن أتيّه كلّ واد
الأتى: السيل الذي يأتي من بلد إلى بلد. والوادي: مجرى السيل، شبهه بالسيل في إقدامه وكثرة جيوشه، ومن حيث أن السيل يحمل كل شيء يأتي عليه.
يقول: كيف لا يترك الناس الطريق لسيل يضيق عنه كل واد؛ لكثرته وكل موضع أتى عليه غرقه.
وكان كافور يتقدم إلى أصحاب الأخبار، يرجفون بأنه ولاه موضعاً في الصعيد، وينفذ إليه قوماً يعرفونه ذلك، فلما كثر هذا وعلم أن أبا الطيب لا يثق بكلام يسمعه، حمل إليه ست مئة دينار ذهباً، فقال يمدحه وأنشدها يوم الخميس لليلتين خلتا من شوال، سنة سبع وأربعين وثلاث مئة:
أغالب فيك الشّوق والشّوق أغلبوأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
يخاطب حبيبه يقول: أنا أحاول أن أغلب شوقي إليك، وهو يغلبني لا محالة، لأنه أغلب مني: أي أقدر على الغلبة، وأعجب من هجرك لي، ووصلك أولى بأن أعجب منه؛ لأن عادتك الهجر، فليس هو بعجيب، وإنما العجب من الوصل.
أما تغلط الأيّام فيّ بأن أرىبغيضاً تنائى، أو حبيباً تقرّب
يقول: من عادة الأيام أنها تقرب البغيض، وتبعد الحبيب، فلم لا تغلط مرةً فتقرب الحبيب وتبعد البغيض؟
ولله سيري ما أقلّ تئيّةًعشيّة شرقيّ الحدالى وغرّب
التئية: التثبت والتلبث. والحدالى: موضع بالشام: وغرب: جبل. ولله سيرى! تعجب. وتئيةً: نصب على التمييز.
يقول: لله سيرى! حين جعلت الحدالى وغرب عن يميني وقصدت مصر فما كان أسرعه، وأقل تمكني فيه! وقيل: أراد جعلت هذين المكانين في جانب المشرق، وسرت إلى جانب المغرب. وهو مصر.
عشيّة أحفى النّاس بي من جفوتهوأهدى الطّريقين الّذي أتجنّب
أحفى الناس بي: أي أشدهم اهتماماً في البر بي. وعشية: بدل من العشية الأولى.
يقول: لله مسيري، عشية جفوت من هو ألطف الناس بي، وأشدهم اهتماماً بأمري: يعني سيف الدولة، يظهر الندم على فراقه، وأصوب الأمرين: الأمر الذي تركته لما قصدت كافوراً وجفوت سيف الدولة، مع اهتمامه بأمري.
وعن ابن جني: أنه كان ترك الجادة وتعسف، ليخفي أثره، خوفاً على نفسه، فترك أقصر الطريقين.
وكم لظلام اللّيل عندي من يدٍتخبّر أنّ المانويّة تكذب
المانوية: قوم من المجوس ينتسبون إلى رجل اسمه: ماني. وهم يقولون: إن النور مطبوع على الخير والصلاح، والظلمة مطبوعة على الشر والفساد. فهو يقول: إنهم كذبوا في قولهم، فكم من نعمة لليل عندي، تدل على كذبهم في أن الظلمة لا تفعل الخير.
وقاك ردي الأعداء تسري إليهموزارك فيه ذو الدّلال المحجّب
هذا تفسير للبيت الأول يقول: كم مرة سترني الليل عن الأعداء عند سيري فيما بينهم؟! وتمكني فيه من زيارتي الحبيب المحجوب! وهذا كله خير حصل لي من الظلمة.
ويومٍ كليل العاشقين كمنتهأراقب فيه الشّمس أيّان تغرب
كمنته: أي كمنت فيه.
يقول رداً على المانوية في قولهم: إن النور لا يفعل الشر.
رب يوم كمنت فيه خوفاً من أعدائي وطال علي، كما يطول الليل على العاشقين، وكنت أنتظر فيه الشمس حتى تغرب، ليظلم الليل فأسرى فيه وأنجو من أعدائي. وهذا شر حصل من النور، فبطل قولهم: إنه مطبوع على الخير، لا يقدر على الشر.
قال ابن جني: حدثني المتنبي قال: لما أنشدته قال: غيرك يستطيل الليل، فقبحاً له! كيف عرف معناه؟!
وعيني إلى أذني أغرّ كأنّهمن اللّيل باقٍ بين عينيه كوكب
يقول: كنت أنظر إلى أذني الفرس الأغر، فإن توجس بهما علمت أنه أحس بشيء، فتأهبت في أمري فكأن أذني الفرس قائمان: مقام عيني، وقوله: كأنه من الليل باق: أي كأنه قطعة باقية من الليل.
شبه فرسه بقطعة من الليل؛ لأنه أدهم، وغرته بكوكب في ظلمة.
له فضلةٌ عن جسمه في إهابهتجيء على صدرٍ رحيبٍ وتذهب
الرحيب: الواسع، ويستحب في الفرس سعة الصدر. وإهابه: جلده.
يقول: لهذا الفرس فضلة من جلده تضطرب على صدره الواسع، فتجيء وتذهب. ويستحب في الفرس أن يكون جلد صدره واسعاً فاضلاً عنه. وقيل: أراد بالفضلة ذكاءه، ثم قال: هذه الفضلة تجيء على صدره الواسع: يعني لا يسع هذا الذكاء إلا صدره؛ لسعته، ولا يسع إهابه.
شققت به الظّلماء أدنى عنانهفيطغى وأرخيه مراراً فيلعب
يقول: شققت بهذا الفرس ظلمة الليل، فسرت فيها، فكنت إذا جذبت عنانه طغى برأسه: أي رفعه، لطماحه وعزة نفسه، وإذا أرخيته: لعب برأسه، لنشاطه.
وأصرع أيّ الوحش قفّيته بهوأنزل عنه مثله حين أركب
يقول: إذا تبعت به أي وحش كان، لحقته وصرعته، ونزلت عنه وهو على القوة التي ركبته عليها، لم يلحقه تعب وعياء.
وما الحيل إلاّ كالصّديق قليلةٌوإن كثرت في عين من لا يجرّب
يقول: الخيل وإن كانت كثيرة في عين من لا يعرفها، فالعتيق منها قليل، فهي مثل الأصدقاء يكثرون في العدد ويقلون عند التجربة.
إذا لم تشاهد غير حسن شياتهاوأعضائها فالحسن عنك مغيّب
الشية: العلامة كالغرة والتحجيل، وكل لون يخالف لون الجلد.
يقول: إن كنت لا تعرف حسن الخيل إلا في شياتها وأعضائها فالحسن غائب عنك.
لحا الله ذي الدّنيا مناخاً لراكبٍفكلّ بعيد الهمّ فيها معذّب
مناخاً نصب على التمييز، وقيل: على الحال.
يقول: لعن الله هذه الدنيا التي لا ينال فيها المراد، فكل صاحب همة شريفة فيها معذب بإجدابها عليه.
ألا ليت شعري: هل أقول قصيدةًفلا أشتكي فيها ولا أتعتّب
ليت شعري: أي ليتني أشعر. وتقديره: ليت شعري كائن، فحذف خبر ليت.
يقول: هل أقول قصيدة وأنا راض عن الزمان؟ لا أشكو صروفه ولا أتعتب عليه!
وبي ما يذود الشّعر عنّي أقلّهولكنّ قلبي يا ابنة القوم قلّب
قوله: يا ابنة القوم: كناية عن قوله: يا بنت أب جيد التصرف في الأمور.
يقول: بي من الهم ما يمنع أقله الشعر. كما يقال: حال الجريض دون القريض ولكن قلبي متقلب في الأمور. جلد صابر على ما ينويه، ويستخرج المعنى، مع ما فيه من الهموم.
وأخلاق كافورٍ، إذا شئت مدحهوإن لم أشأ تملي عليّ وأكتب
يقول: إن كانت الهموم شغلتني عن الشعر، فإني إذا شئت مدح كافور، فإن أخلاقه تبعثني على مدحه، فأكتبه وإن لم أتفكر فيه.
إذا ترك الإنسان أهلاً وراءهويمّم كافوراً فما يتغرّب
يقول: من حصل عنده فكأنه في أهله، لما يرى من بره ما يسره. ومثله لآخر:
فما زال بي إكرامهم وافتقادهموإلطافهم حتّى حسبتهم أهلي
فتىً يملأ الأفعال رأياً وحكمةًوبادرةً أحيان يرضى ويغضب
البادرة: البديهة.
يقول: ليس له فعل إلا فيه حكمة ورأي وبادرة، فيملأ ذلك الفعل من هذه الثلاثة.
وبالغ في ذلك حيث جعل: البديهة كالروية من غيره، في امتلائه من الحكمة، ويفعل ذلك في حالتي الرضا والغضب، ولا يمنعه غضبه من الحكمة، ولا رضاه يلهيه عنها.
وقيل: البادرة: ما يبدر عند الغضب.
والمعنى: إذا رضى ملأ أفعاله رأياً وحكمة، وإذا غضب ملأها بادرة وسطوةً، فيبالغ في كلا الحالين.
إذا ضربت في الحرب بالسّيف كفّهتبيّنت أنّ السّيف بالكفّ يضرب
يقول: إذا ضرب بالسيف، عمل في يده أكثر مما يعمل في يد غيره، فإذا رأيت ذلك علمت أن السيف عمل على قدر قوة الكف.
تزيد عطاياه على اللّبث كثرةًوتلبث أمواه السّحاب فتنضب
تنضب: أي تجف.
يقول: كلما بقيت عطاياه ازدادت ونمت؛ لأنه يهب فرساً فتنتج، أو ضيعةً فتغل، فعطاياه أبداً تزداد وتبقى، لا كعطاء السحاب، فإنه إذا أقام بمكان أياماً جف وذهب.
وقيل: معناه أنه إذا أمسك العطاء، فإنما يؤخره لتكثيره، والماء إذا منع من السيلان، غار ونضب.
وقيل: أراد أن عطاياه متصلة دائمة، فهي أكثر وأثبت من ماء السحاب، لأنها تجيء أحياناً وتقلع أخرى.
أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أناله؟فإنيّ أغنّي منذ حينٍ وتشرب
يقول: أنا أغنيك بمدحك، وأطربك، وأنت تشرب كأس السرور بما أنظمه من أوصافك، فاسقني من فضلة هذا الكأس: أي اجعل لي في سرورك نصيبا بإنجاز ما وعدت.
وقيل: أراد أن مديحي يطرب، كما يطرب الغناء الشارب.
وهبت على مقدار كفّي زمانناونفسي على مقدار كفّيك تطلب
يقول: أنت إنما وهبت من المال على قدر همة الزمان، وأنا أطلب منك على قدر همتك ومبلغ جودك.
وحكى ابن جني عنه أنه قال: كنت إذا خلوت أنشدت.
وهبت على مقدار كفّيك عسجداًونفسي على مقدار كفّيّ تطلب
إذا لم تنط بي ضيعةً أو ولايةًفجودك يكسوني وشغلك يسلب
يقول: إذا لم تقطعني ضيعةً، أو توليني ولايةً تفضل عن مؤنتي، فإنه وإن كساني جودك، فإن اشتغالك بتدبير الملك عنى، يسلبني ما يكسوني إياه جودك.
يضاحك في ذا العيد كلٌّ حبيبهحذائي وأبكى من أحبّ وأندب
يقول: كل أحد في هذا العيد يسر بأهله في وطنه، وأنا بعيد عمن أحب، أبكى على فراقه، وأشتاق إلى لقائه.
أحنّ إلى أهلي وأهوى لقاءهموأين من المشتاق عنقاء مغرب؟
يقال: عنقاء مغرب وصفاً وإضافة. وهو جعله وصفاً. ومغرب: أي بعيد، يقال: أغرب في البلاد وغرب: إذا خرج منها.
يقول: أنا أشتاق إلى أهلي، وأشتهي لقاءهم، ولكن بيني وبينهم بعد العنقاء، فهل أصل إليهم؟! فاشتياقي إليهم كاشتياق المشتاق إلى عنقاء مغرب! فكما لا يصل إليه كذلك وصولي إلى أهلي.
وقيل: معناه أرى الناس يضربون المثل في البعد بالعنقاء، ولو عقلوا لضربوا بالمغرب عن الوصل؛ لأنه أبعد من العنقاء.
فإن لم يكن إلاّ أبو المسك أو همفإنّك أحلى في فؤادي وأعذب
يقول: متى لم يكن لي إلا أنت، أو أهلي، فإن الذي أختاره، هو الكون عندك، والمقام في خدمتك، دون الأهل الذين أشتاقهم.
وكلّ امرئٍ يولي الجميل محبّبٌوكلّ مكانٍ ينبت العزّ طيّب
يقول: أنت تفيض على نعمك، وأكتسب العز عندك، فقلبي يحبك، والمقام يطيب لي بقربك.
يريد بك الحسّاد ما الله دافعٌوسمر العوالي والحديد المذرّب
المذرب: المحدد.
يقول: يريد بك الحساد السوء، والله تعالى يدفع عنك، وكذلك تدفعه رماحك وسيوفك الحداد.
ودون الّذي يبغون ما لو تخلّصواإلى الشّيب منه عشت والطّفل أشيب
يقول: دون ما يرومون من كيدك حروب، لو سلموا من أهوالها إلى الشيب، لشيب رءوس أطفالهم، ولكنك متى أرادوا بك سوءاً، قصدتهم بمكر، أو ضرب، يأتي على أنفسهم ويفني حياتهم، وقوله: عشت دعاء للممدوح.
إذا طلبوا جدواك أعطوا وحكّمواوإن طلبوا الفضل الّذي فيك خيّبوا
يقول: إذا طلبوا عطاءك أعطيتهم وحكمتهم فيه، وإن طلبوا فضلك خيبتهم وحرمتهم.
ولو جاز أن يحووا علاك وهبتهاولكن من الأشياء ما ليس يوهب
يقول: من الأشياء ما لا يجوز هبته، وعلاك من جملة ذلك؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يحويها، فلست تمنعهم ذلك للبخل.
وأظلم أهل الظّلم من بات حاسداًلمن بات في نعمائه يتقلّب
يقول: أظلم الظالمين، من يحسد الذي ينعم عليه، فهو يتقلب في نعم المحسود، فحسادك يتقلبون في نعمك، ومع ذلك يحسدونك!
وأنت الّذي ربّيت ذا الملك مرضعاًوليس له أمٌّ سواك ولا أب
يقول: ربيت هذا الملك وهو ضعيف حتى شددته وقهرت أعداءه، فليس له كافل سواك، وأنت أولى به ممن عجز عن تدبيره وسياسته.
ويروى ذا الملك بفتح الميم. أي أنت الذي ربيت هذا الملك، وأراد به: ابن مولى كافور. أي أنك كفلته وهو طفل صغير، لا يعرف أباً ولا أماً، فليس له أب ولا أم غيرك.
وكنت له ليث العرين لشبلهوما لك إلاّ الهندوانيّ مخلب
يقول: كنت كالأسد لشبله، تذب عنه كما يذب الأسد عن شبله، وسيفك لك كالمخلب للأسد. والهاء في له للملك أو للملك.
لقيت القنا عنه بنفسٍ كريمةٍإلى الموت في الهيجا من العار تهرب
يقول: باشرت القتال عنه بنفسك الكريمة التي تهرب إلى الموت خوفاً من العار، ولا تهرب من الموت.
وقد يترك النّفس الّتي لا تهابهويخترم النّفس الّتي تتهيّب
فاعل يترك ويخترم: ضمير الموت.
يقول: قد ينجو من الموت من لا يخاف منه، وقد يصيب الموت من يحذر منه، فيخترمه.
وما عدم اللاّقوك بأساً وشدّةًولكنّ من لاقوا أشدّ وأنجب
يقول: الذين لقوك في الحرب لم يكونوا ضعافاً جبناء، ولكنهم لقوا من هو أشد منهم وأقدر على قهرهم.
ثناهم، وبرق البيض في البيض صادقٌعليهم، وبرق البيض في البيض خلّب
سللت سيوفاً علّمت كلّ خاطبٍعلى كلّ عودٍ كيف يدعو ويخطب
يقول: هزمهم لما لقيهم، وكانت سيوفه إذا برقت صدق برقها وعملت السيوف في البيض، وأوعدته أنها تقطعه وتقطع الرءوس التي فيه، وإذا برق البيض للسيوف كذب برقها أنها تمنع لابسها، فبرق سيوفك المسلولة علمت الخطباء في جميع البلاد: أن الواجب عليهم أن يخطبوا في جميع الناس، فخطبوا على كل منبر باسمك.
ويغنيك عمّا ينسب النّاس أنّهإليك تناهى المكرمات وتنسب
يقول: وإن لم يكن لك نسب في العرب فأنت أصل المكرمات وإليك نسبها، فأنت أكبر من أن تنسب إلى أب أو جد، وهذا كقول أبي طاهر:
خلائقه للمكرمات مناسبٌإليها تناهى المكرمات وتنسب
وروى: إليها تناها كل مجد مؤثل.
وأيّ قبيلٍ يستحقّك قدره؟معدّ بن عدنان فداك ويعرب
الهاء في قدره للقبيل، وقيل: تعود إلى أي.
يقول: أية قبيلة من العرب تستحق أن تنسب إليها، فأنت أفضل من معد بن عدنان، ويعرب بن قحطان اللذين هما أصل العرب. وهما يفديانك.
وقيل: هذا هجو يريد: إنك عبد لا يعرف لك أصل وحسب.
وما طربي لمّا رأيتك بدعةًلقد كنت أرجو أن أراك فأطرب
يقول: ليس سروري - الآن وقد رأيتك - ببدع، فإني كنت أرجو أن أراك فأطرب بمجرد الرجاء فكيف الآن؟! وقد رأيتك.
هذا وإن كان ظاهره مدحاً، فإن باطنه إلى الهزؤ أقرب ورفع فأطرب عطفاً على أرجو ولم يعطفه على أن أرى.
وتعذلني فيك القوافي وهمّتيكأنّي بمدحٍ قبل مدحك مذنب
يقول: لامتني القصائد على مدح غيرك، فقالت: لم وضعتني في غير موضعي؟ وكذلك لامتني همتي وقالت: لم اشتغلت بخدمة غيره؟ حتى كأن مدحي لغيرك ذنب أذنبته. وهو كقول أبي تمام:
وهل كنت إلاّ مذنباً يوم أنتحيسواك بآمالي فأصبحت تائباً
والمصراع الأول لو لم يضم إليه المصراع الثاني لكان هجواً ظاهراً.
ولكنّه حال الطّريق ولم أزلأفتّش عن هذا الكلام وينهب
يقول: إنما مدحت غيرك؛ لأن الطريق حال بيني وبينك، وكنت أتخير لك هذا الكلام لأتعلمه مدحاً لك، والملوك ينتهبونه مني.
وقيل: أراد بالطريق طريق المدح أي كان طريق مدحك بعيد التناول؛ لانتهاء أوصافك في المكارم، فكنت أتفكر في مدحك، وتنهبه الملوك مني، فكان ذلك سبب تأخري عنك.
فشرّق حتّى ليس للشّرق مشرقٌوغرّب حتّى ليس للغرب مغرب
يقول: سار هذا الكلام أي الشعر في الآفاق، فشرق حتى ليس مشرق لأهل الشرق؛ لأن مشارق أهل الشرق كثيرة، فليس بعد الشرق شرق، ولا بعد الغرب غرب، ولو كان وراءهما موضع لسار إليه.
إذا قلته لم يمتنع من وصولهجدارٌ معلّى أو خباءٌ مطنّب
يعني: إذا قلت شعراً سار في البدو والحضر، ووصل إلى سكان المدر والوبر فالجدار المعلى لأهل الحضر، والخباء المطنب لأهل الوبر.
واتصل بأبي الطيب أن قوماً نعوه في مجلس سيف الدولة بحلب، فقال في ذلك ولم ينشدها كافوراً الأسود:
بم التّعلّل؟ لا أهلٌ ولا وطنولا نديمٌ، ولا كأسٌ، ولا سكنه
التعلل: تطيب النفس. والسكن: ما يسكن إليه.
يقول: بأي شيء أتعلل؟ وقد عدمت هذه الأشياء التي يتسلى الإنسان بها.
أريد من زمني ذا أن يبلّغنيما ليس يبلغه في نفسه الزّمن
يقول: أريد من الزمان أن يدوم على حال، فلا يسلب مني الشباب، ولا يكدر على السرور، وهذه حالة لو أرادها الزمان لنفسه لم يقدر عليها؛ لأنه لو اختار أن يكون نهاراً دائماً، أو ربيعاً أبداً لما أمكنه ذلك، فكيف يبلغني ما لا يقدر عليه لنفسه؟!
لا تلق دهرك إلاّ غير مكترثٍما دام يصحب فيه روحك البدن
يقول: ما دام روحك في الجسد، فلا تبال بحوادث الدهر، فإنها لا تدوم.
وقيل: أراد لا تبال بأهل الدهر ما دمت حياً.
فما يديم سرورٌ ما سررت بهولا يردّ عليك الفائت الحزن
فاعل يديم: سرور.
يقول: سرورك بمواتاة الدهر لا يديم ذلك لك، وإن حرصت على دوامه. وجزعك على ما يفوتك منه لا يرده عليك، فلا تفرح بلذة إن وصلت إليك، ولا تحزن عليها إن فاتتك.
ممّا أضرّ بأهل العشق أنّهمهووا وما عرفوا الدّنيا ولا فطنوا
يقول: إن أهل العشق اغتروا بظواهر الدنيا، فاغتروا بحسن الخلق، وأحبوا من هو حسن الوجه، ولم يعتبروا قبح أفعاله، ولم ينظروا إلى حوادث الزمان وأحوال الدهر، فأخر ذكرهم. وقد بين ذلك فيما يليه.
تفنى عيونهم دمعاً وأنفسهمفي إثر كلّ قبيحٍ وجهه حسن
دمعاً نصب على التمييز.
يقول: عشقوا بلا تجربة وروية؛ فعيونهم تذوب عبرةً، وأنفسهم تسيل حزناً على كل قبيح الفعل حسن الوجه.
تحمّلوا حملتكم كلّ ناجيةٍفكلّ بينٍ عليّ اليوم مؤتمن
الناجية: الناقة السريعة. وتحملوا أمر، وحملتكم دعاء.
يقول لأحبابه: متى شئتم الرحيل فارحلوا، فلست أبالي بفراق من بان عني بعد أن عرفت قبح أفعالكم وخبث هذا الزمان، ولا أخاف الآن من الفراق، فكل فراق مأمون في حقي.
ما في هوادجكم من مهجتي عوضٌإن متّ شوقاً ولا فيها لها ثمن
يقول: نفسي أحب إلي من النساء اللاتي في هوادجكم، فكيف أفنيها شوقاً إليهن ولا عوض لي فيهن؟! وليس في الهوادج ثمن لمهجتي.
يا من نعيت على بعدٍ بمجلسهكلٌّ بما زعم النّاعون مرتهن
يخاطب سيف الدولة يقول: كل منا مرهون بالموت فلا شماتة فيه لأحد ومثله للفرزدق قوله:
فقل للشّامتين بنا أفيقواسيلقى الشّامتون كما لقينا
كم قد قتلت وكم قدمتّ عندكم؟ثمّ انتفضت فزال القبر والكفن
يقول: كم مرة أخبرت بموتي وقتلي وأنا حي، فبطل ما تمناه المرجفون وزالت أراجيفهم.
قد كان شاهد دفني قبل قولهمجماعةٌ ثمّ ماتوا قبل من دفنوا
يقول: قد كان جماعة قبل من أخبرك الآن بموتي، زعموا أنهم شاهدوا دفني، ثم ماتوا وأنا حي، فكذلك يموت هؤلاء وأبقى أنا حياً.
ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركهتجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن
يقول: ليس كل ما يشتهيه الإنسان يصل إليه، فإن الأقدار لا تجري على وفق الإرادات، كما أن الرياح إنما تهب على طبعها لا على ما يختاره أصحاب السفن، وهذا تعريض بسيف الدولة.
يقول: إن الأمر ليس كما تحبه من موتي، فإني ربما عشت بعدك.
ويجوز في كل النصب بإضمار الفعل يفسره الظاهر، وهو يدركه أي: ما يدرك المرء كل ما يتمناه وهذا هو الاختيار لأجل النفي، كالاستفهام.
ويجوز في كل الرفع بالابتداء وما بعدها خبرها. هذا في لغة تميم، وفي لغة أهل الحجاز رفع لأنه اسم ما وما بعدها خبرها.
رأيتكم لا يصون العرض جاركمولا يدرّ على مرعاكم اللّبن
يقول: من جاوركم لا يصون عرضه عن الذل والأذى، وليس عندكم مرعىً خصيب يدر عليه اللبن.
يعني: لا خير عندكم نصبر لأجله على الأذى.
جزاء كلّ قريبٍ منكم مللٌوحظّ كلّ محبٍّ منكم ضغن
يقول: من قرب منكم مللتموه، فجزاء قربه منكم الملل، ومن أحبكم جازيتموه بالحقد عليه.
وتغضبون على من نال رفدكمحتّى يعاقبه التّنغيص والمنن
يقول: إذا أحسنتم إلى إنسان نغصتم إليه نعمكم حتى يصير التنغص والمنن عقوبةً عليه.
فغادر الهجر ما بين وبينكمبهماء تكذب فيها العين والأذن
البهماء: الأرض البعيدة التي لا يهتدي فيها.
يقول: لما جربت أحوالكم هجرتكم وبعدت عنكم، وجعلت بيني وبينكم فلاةً بعيدةً تكذب فيها العين فترى خيالات لا حقيقة لها، وتسمع فيها الأذن أصواتاً لا حقيقة لها أيضاً.
تحبو الرّواسم من بعد الرّسيم بهاوتسأل الأرض عن أخفافها الثّفن
الرواسم: النوق التي تسير الرسيم، وهو ضرب من السير، الواحدة راسمة والثفن: جمع ثفنة وهو ما غلظ من جلد البعير إذا لاقى الأرض من اليدين والركبتين.
يقول: إذا سارت الإبل في هذه البهماء حفيت أخفافها لشدة السير فيها، فتحبوا على ثفناتها وتجري عليها، حتى تسأل الثفنات الأرض فتقول: ما فعلت أخفاف هذه الإبل التي كانت تكفينا ملاقاتك؟!
إنّي أصاحب حلمي وهو بي كرمٌولا أصاحب حلمي وهو بي جبن
يقول: أحلم ما دام الحلم منى منسوباً إلى الكرم، فأما إذا كان منسوباً إلى الذل والجبن لم أصبر عليه.
ولا أقيم على مالٍ أذلّ بهولا ألذّ بما عرضي به درن
يقول: لا أختار المال مع الذل، ولا أستلذ بما يورثني العيب ويؤدي إلى دناءة الطبع ولؤم العرض.
سهرت بعد رحيلي وحشةً لكمثمّ استمّر مريري وارعوى الوسن
المرير جمع المريرة وهي القوة من الحبل. يقال: استمر فلان على مريره: أي جرى على عادته التي أمر عليها.
يقول: لما فارقتكم سهرت وحشةً لفراقكم، فلما طالت الأيام نسيتكم وتسليت عنكم وعاد النوم إلى عيني.
وإن بليت بودٍّ مثل ودّكمفإنّني بفراقٍ مثله قمن
يقول: إن عاملني كافور بمثل ما عاملتموني به، وجرى على عادتكم في الأذى، فارقته كما فارقتكم. ومثله:
وإذا نبا بك منزلٌ فتحوّل
أبلى الأجلّة مهري عند غيركموبدّل العذر بالفسطاط والرّسن
الأجلة: جمع الجلال. والعذر جمع العذار.
يقول: طال مقامي عند غيركم لإكرامه إياي، حتى أبلى مهري الأجلة جلاً بعد جل، وبدل عليه عذار بعد عذار، فلم يملني كما مللتم أنتم مقامي عندكم.
عند الهمام أبى المسك الّذي غرقتفي جوده مضر الحمراء واليمن
يقول: أقمت عند كافور الذي عم جوده جميع العرب مضريهم ويمنيهم. وإنما سميت مضر الحمراء؛ لأن نزار لما مات وتحاكم أولاده وهم: ربيعة، ومضر، وإياد، وأنمار، إلى جرهم في قسم ميراثه، فأعطى ربيعة الخيل؛ فسمى أولاده: ربيعة الفرس. وأعطى مضر الإبل الحمر، وقيل أعطاه الذهب؛ فسمى أولاده مضر الحمراء.
وإن تأخّر عنّي بعض موعدهفما تأخّر آمالي ولا تهن
يقول: إن تأخر عني بعض ما وعدني به من الولاية وغيرها، فإن أملي فيه في غاية القوة. وهذا استبطاء وعتاب.
هو الوفيّ ولكنّي ذكرت لهمودّةً فهو يبلوها ويمتحن
يقول: هو يفي بما وعدني، ولكني ذكرت إظهار المودة التي يختبر بها ويمتحن.
يعني: كنت أظهر له المودة فأذكرها، فهو يمتحن ما ذكرته من المودة فيؤخر موعدي تجربة لمودتي له.
ويروى: بدل ذكرت بذلت.
ومما قاله بمصر في الحكم ولم ينشده الأسود ولم يذكره فيه.
صحب النّاس قبلنا ذا الزّماناوعناهم من شأنه ما عنانا
يقول: صحب الناس قبلنا هذا الزمان، وأهمهم من أمر هذا الزمان ما أهمنا منه.
وتولّوا بغصّةٍ كلّهم منهـ وإن سرّ بعضهم أحيانا
يقول: كل من مضى قبلنا، مضى وفي قلبه غصة من الزمان، وإن سر بعضاً في وقت. ومثله للآخر قوله:
كلٌّ يبيت من الدّنيا على غصص
ربّما تحسن الصّنيع لياليهـ ولكن تكدّر الإحسانا
الهاء في لياليه نعود إلى الزمان. يعني: تحسن ليالي الزمان الصنيع.
يقول: إن الزمان يمزج الإحسان بالإساءة والتكدير.
يعني: أن الزمان إذا أحسن أولا كدر وأساء آخراً، هذه عادته، يعطي ثم يرجع وإذا أحسن لا يتم الإحسان
وكأنّا لم نرض فينا بريب الددهر حتّى أعانه من أعانا
يقول: لم يكفنا ما نقاسيه من حوادث الزمان، حتى أعانه عليها حسادنا وأعداؤنا، فصاروا أعواناً للزمان على الإساءة إلينا.
كلّما أنبت الزّمان قناةًركّب المرء في القناة سنانا
يقول: إذا أنبت الزمان قناةً: أي كيداً أو شراً يطلب به هلاكنا، ركب الإنسان في تلك القناة السنان فيصيرها رمحاً.
يعني: أن الإنسان يتم أمر الدهر في الإيقاع بنا.
ومراد النّفوس أصغر من أننتعادى فيه وأن نتفانى
يقول: ما يريد الإنسان من هذه الدنيا من المأكول والملبوس والنعم، أحقر من أن يقتل بعضنا بعضاً لأجله؛ لأنه لا يدوم لأحد.
غير أن الفتى يلاقي المناياكالحاتٍ ولا يلاقي الهوانا
كالحات أي عابسات، وقيل: شديدات، وهي نصب على الحال.
يقول: إن الدنيا لا قدر لها، ولكن احتمال الهوان أصعب من ملاقاة الموت.
ولو أنّ الحياة تبقى لحيٍّلعددنا أضلّنا الشّجعانا
يقول: لو كانت الحياة تدوم، لكان الشجعان الذين يتعرضون للقتل أكثر الناس ضلالاً وأغبنهم رأياً.
وإذا لم يكن من الموت بدٌّفمن العجز أن تكون جبانا
يقول: فإذا كانت الحياة منقطعة بالموت، والموت لا محيص عنه بحال، والجبن لا ينجى منه، فاستعمال الجبن هو العجز والذل.
كلّ ما لم يكن من الصّعب في الأنفس سهلٌ فيها إذا هو كانا
ما لم يكن: أي ما لم يقع.
يقول: إن كل ما لم يقع مما يستصعب في النفوس، فهو سله إذا وقع.
وكان الأستاذ أبو المسك اصطنع شبيباً بن جرير العقيلي فقلده عمان والبلقاء وما بينهما من البر والجبال، فعلت منزلته وزادت رتبته واشتدت شوكته وغزا العرب في منابتها، من السماوة وغيرها، واجتمعت العرب إليه وكثر من حوله وطمع في الأسود وأنف من طاعته، فسولت له نفسه أخذ دمشق والعصيان بها، فسار إليها في نحو عشرة آلاف، وقاتله أهلها وسلطانها واستأمن إليه جمهور الجند الذين كانوا بها، وغلقت أبوابها واستعصموا بالحجارة والنشاب، فترك بعض أصحابه على الثلاثة الأبواب التي تلي المصلي ليشغلهم بهم، ودار هو حتى دخل على القوات، حتى انتهى إلى باب الجابية، وحال بين الوالي وبين المدينة ليأخذها.
وكان يقدم أصحابه، فزعموا أن امرأة دلت على رأسه صخرة. واختلف الناس في أمره. فقال قوم: وقعت يد فرسه في قناة ولم تخلص يدها فسقط، وكان مكسور الكتف والترقوة بسقطة سقطها عن الفرس في الميدان بعمان قبل ذلك بقليل، وسار إلى دمشق قبل تمام الانجبار وذكروا أنه سار من سقطته فمشى خطوات، ثم غلب فجلس وضرب بيده ألماً إلى قائم سيفه وجعل يذب حوله، وكان شرب وقت ركوبه سويقاً، فزعم قوم أنه طرح له فيه شيء، فلما سار وحمى عليه الحديد وازدحم الناس حوله عمل فيه؛ غير أنه سقط ولم ير أثر شيء من السلاح ولا الحجارة التي أصابته، وكثر تعجب الناس منه ومن أمره، حتى قال قوم: كان يتعهده صرع فأصابه ذلك في تلك الساعة.
وانهزم أصحابه لما رأوا ذلك، وخالفوا الموضع الذي دخلوا منه، وأرادوا الخروج منه معه فقتل منهم أربع مئة فارس وبضعة عشر، وأخذ رأسه، ووردت الكتب إلى مصر بخبره يوم الجمعة لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة وطالب الأسود أبا الطيب بذكره فقال، وأنشدها يوم السبت لست خلون منه.
عدوّك مذمومٌ بكلّ لسانولو كان من أعدائك القمران
القمران: الشمس والقمر.
يقول: كل من عاداك فهو مذموم عند كل أحد، حتى أن الشمس والقمر لو عادياك لذمهما جميع الناس: يعني: أن الخلق أجمعوا على فضلك وإقبال دولتك، حتى أن من عاداك لم يوجد في وجميع الأمم من يحمده.
وقد صرف هذا المعنى إلى الذم كأنه قال: أنت رذل ساقط، ومن كان كذلك لا يعاديه إلا مثله، فإذا كان من يعاديك مثلك فهو مذموم بكل لسان، حتى لو عاداك القمران لكانا مذمومين بمساجلتهما إياك.
ولله سرٌّ في علاك وإنّماكلام العدى ضربٌ من الهذيان
يقول: لله تعالى سر بما أعلى قدرك، وإنما رفع قدرك لما علم من فضلك، فكلام العدى لا معنى له مع إرادة الله تعالى.
وقد صرف إلى الهجو.
وقيل: أراد أن الله تعالى إنما بلغك هذه المنزلة ليغيظ بك الأحرار، وليعلم الناس أن الدنيا لا قدر لها عند الله تعالى، إذ لو كان لها قدر لما مكنك منها مع حقارتك ومهانة قدرك.
أتلتمس الأعداء بعد الّذي رأتقيام دليلٍ أو وضوح بيان؟!
يقول: قد ظهر للأعداء دليل على ما قلت: إن لله تعالى سر في علاك بموت شبيب حين غدر بك، فهل يطلبون دليلاً أوضح من هذا؟!
رأت كلّ من ينوي لك الغدر يبتليبغدر حياةٍ أو بغدر زمان
يقول: رأت الأعداء كلّ من يغدر بك مغدوراً به، إما من جهة الحياة بالموت أو من جهة الزمان بالذل.
برغم شبيبٍ فارق السّيف كفّهوكانا على العلاّت يصطحبان
علات الدهر: حوادثه.
يقول: إن السيف فارق شبيباً على رغم منه، بعد أن كان لا يفارقه فقتل بسيفه على ما يقال.
كأنّ رقاب النّاس قالت لسيفه:رفيقك قيسيٌّ وأنت يماني
قيس: من عدنان. واليمن: من قحطان. وبينهما عداوة قديمة وتارات وكيدة وهذا الرجل كان من قيس عيلان، والسيوف الجيدة تنسب إلى اليمن.
يقول: كأن رقاب الناس لما تبرمت بقطع شبيب لها، أغرت بينه وبين سيفه ليقتله حتى تسلم الرقاب من شره فقالت له: لم تصحبه؟! وأنت يماني وهو قيسي، وبين قيس واليمن تلك الحروب والتارات، فبان من يده وضرب عنقه وأخذ منه ثأر اليمن عند قيس.
وأراد أن يذكر سبب قتله بسيفه فعبر عنه بأحسن عبارة.
فإن يك إنساناً مضى لسبيلهفإنّ المنايا غاية الحيوان
اسم كان مضمر: أي إن كان شبيب إنساناً مات، فالموت غاية كل حي، فضلاً عن كل إنسان.
فهذا كالمرثية له.
وما كان إلاّ النّار في كلّ موضعٍيثير غباراً في مكان دخان
يقول: كان في أيام حياته ناراً في المواقع، وكان يثير الغبار بدل الدخان. جعله ناراً وغبار المعركة دخاناً.
فنال حياةً يشتهيها عدوّهوموتاً يشهّي الموت كلّ جبان
يقول: عاش في حياة نكدة منغصة يشتهيها كل عدو له، ومات موتةً قبيحةً تمنى الجبان أن يموت قبل أن يصير إلى مثل حاله.
قيل: قنطر به فرسه. وقيل: إن امرأة رمته بجرة ملآنة عذرة.
وقيل: إن هذا البيت مرثية له.
يقول: إنه عاش في عز وعلاء يتمناه العدو لنفسه، ومات موتاً يشجع الجبان؛ لأنه إذا علم أن الموت لا محيص عنه، وأن تحرزه لا ينجيه منه، اشتهى الموت في القتال.
نفى وقع أطراف الرّماح برمحهولم يخش وقع النّجم والدّبران
يقول: دفع رماح الأبطال عن نفسه برمحه، لما خشى أن يصل إليه من جهتهم قتل أو جرح، ولم يخش أن ينزل إليه الموت من السماء.
يعني: استبعد الموت من الجهة التي أتاه منها، كما يستبعد وقع النجوم من السماء. وذلك أن امرأة دلت على رأسه حجراً من سور دمشق، وقيل: سقطت به فرسه. يعني لم يكن يخشى ذلك.
ولم يدر أنّ الموت فوق شواتهمعار جناحي، محسن الطّيران
شواته: أي جلدة رأسه.
يقول: لم يعلم أن الموت نجم أعير جناحا طائر، وأنه يعلم الطيران فيهتدي إليه.
وقد قتل الأقران حتّى قتلتهبأضعف قرنٍ، في أذلّ مكان
يقول: لم يزل يقتل الأبطال حتى قتلته الأقران بأضعف قرن في أخس مكان وأذله. يعني: المرأة التي دلت عليه الرحى.
أتته المنايا في طريقٍ خفيّةٍعلى كل سمعٍ حوله وعيان
يقول: أتاه الموت من حيث لا يشعر به هو ولا أصحابه فكأنه جاء في طريق خفي على كل أحد ممن حوله.
ولو سلكت طرق السّلاح لردّهابطول يمينٍ واتّساع جنان
الجنان: القلب. والهاء في ردها للمنايا.
يقول: لو جاءته المنايا من طريق الحرب لردها عن نفسه بطول يمينه وسعة قلبه.
تقصّده المقدار بين صحابهعلى ثقةٍ من دهره وأمان
تقصده: قيل: قصده، وقيل: قتله.
يقول: قصد موته أو أجله القدر. وهو بين أصحابه، واثق من دهره آمن من صروفه.
وهل ينفع الجيش الكثير التفافهعلى غير منصورٍ وغير معان؟
التفافه: أي اجتماعه.
يقول: إذا لم يكن الإنسان منصوراً من جهة الله تعالى، فلا ينفعه كثرة جيشه واجتماعه.
ودى ما جنى قبل المبيت بنفسهولم يده بالجامل العكنان
ودى: أي أعطى الدية. وفاعله: ضمير شبيب. وما جنى مفعوله. والجامل: اسم موضع لجماعة الجمال. مثل الباقر: لجماعة البقر. والعكنان: الكثير.
يقول: أعطى دية من قتله من الأقران قبل دخول الليل بنفسه ولم يعط ديتهم بالإبل الكثيرة.
أتمسك ما أوليته يد عاقلٍوتمسك في كفرانه بعنان؟
يقول: كيف تمسك يد العاقل إحسانك ثم يكفره؟! وتمسك يده العنان لمحاربتك! يعني لا يفعل هذا عاقل، وإن رامه خذلته يده.
وعطف تمسك على تمسك ولو نصب الثاني لجاز. كقولك: أتأكل السمك وتشرب اللبن.
ويركب ما أركبته من كرامةٍويركب للعصيان ظهر حصان!
طريقة الإعراب في يركب الثاني مثل ما ذكر في جواز الرفع والنصب.
يقول: كيف يجمع عاقل بين ركوب كرامتك وركوب فرسه لمحاربتك؟!
ثنى يده الإحسان حتّى كأنّهاوقد قبضت كانت بغير بنان
يقول: إحسانك قبض يده عن معصيتك، فكأنها وقد قبضت السيف والعنان ليس لها أصابع وبنان.
وعند من اليوم الوفاء لصاحبٍ؟شبيبٌ وأوفى من ترى أخوان
يقول: من يفي اليوم لصاحبه؟ فأوفى الناس مثل شبيب في غدره.
وهذا معنى قوله: شبيب وأوفى من ترى أخوان يعني أوفى الناس أخو شبيب: أي مثله، وأراد أنهما ميتان. وقيل: أخوان: أي متشابهان في العلة متشاكلان في الطبع كالأخوين.
قضى الله يا كافور أنّك أوّلٌوليس بقاضٍ أن يرى لك ثاني
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع