من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
خروج المتنبي من مصر إلى الكوفة
وكان جميع جيرانه يراعونه حتى كان قوم يمرون حذاء منزله يتعرفون من يدخل إليه ويخرج من عنده، ويغدو كل يوم صاحب الخبر إلى بابه، حتى يقف على حاله وهو يعلم ذلك ولا يظهر لهم.
وكان يتسلى بفاتك وبالحديث معه، وتوفي فاتك فعمل أبو الطيب على الرحيل، وقد أعد كل ما يحتاج إليه على مر الأيام في لطف ورفق ولا يعلم به أحداً من غلمانه، وهو يظهر الرغبة في المقام، وطال عليهم التحفظ، فخرج فدفن الرماح في الرمل، وحمل الماء على الإبل في الليل من النيل عدة لعشر ليال، وتزود لعشرين وكتب إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف الخزاعي.
جزى عرباً أمست ببلبيس ربّهابمسعاتها تقرر بذاك عيونها
وروى: ببلبيس وهو مكان بأعلى الشام دون مصر على بحر القلزم، والمسعاة: واحدة المساعي.
يقول: جزى الله العرب الذين هم أهل هذا المكان بمساعيها جزاء حسناً تقر بذاك عيونهم. وربها فاعل جزى: أي جزاها ربها.
كراكر من قيس بن عيلان ساهراًجفون ظباها للعلا وجفونها
كراكر أي جماعات، وهي بدل من عرب.
يقول: جفون سيوفهم فقدت نصولها، وجفون عيونهم فقدت نومها؛ لأنهم يسهرون لطلب المعالي، شاهرين سيوفهم للذب عنهم. ولما ذكر سهر عيونهم، ذكر سهر جفون السيوف؛ لتجانس اللفظ.
وخصّ بها عبد العزيز بن يوسفٍفما هو إلا غيثها ومعينها
روى: معينها ومعينها والهاء في بها يرجع إلى الأرض: التي هي بلبيس. وقيل: إلى الدعوة التي يدل عليها قوله: جزى الله والهاء في غيثها ومعينها يرجع إلى العرب: أي خص الله بهذه الدعوة هذا الرجل، فإنه سيد هذه العرب، يقوم جوده لها مقام الغيث.
والمعين: الماء الجاري من العيون.
فتىً زان في عينيّ أقصى قبيلهوكم سيّدٍ في حلّةٍ لا يزينها
القبيل: الثلاثة فصاعداً من ولد أب واحد، أو من قوم شتى. والقبيلة: لا تقال إلا في ولد أب واحد، والحلة: جماعة بيوت الأعراب والجمع الحلل.
يقول: زين في عيني قبيله وصار قومه مفتخرين به وبشرفه، وكم سيد لا يتجاوز فخره إلى غيره.
وأخفى طريقه فلم يأخذوا له أثراً حتى قال بعض أهل البادية: هبه سار فهل محا أثره؟ وقال بعض المصريين: إنما أقام حتى عمل طريقاً تحت الأرض.
وتبعه البادية والحاضرة ومن وثقوا به من الجند، وكتبوا إلى عوالة الحوفين والجفار وغزة والشام وجميع البوادي. وعبر أبو الطيب بموضع يعرف بنجه الطير إلى الرثنة حتى خرج إلى ماء يعرف بنخل، وتسميه العامة بحرا في التيه بعد أيام، فلقي عنده في الليل ركباً وخيلاً صادرةً عنه، فقاتلوه فأخذهم وتركهم، وسار حتى خرج من قرب النقاب، فرأى رائدين لبني سليم على قلوصين، فركب الخيل وطردهما حتى أخذهما، فذكرا له أن أهلها أرسلوهما رائدين، وواعدهما النزول ذلك اليوم بين يديه، فاستبقاهما ورد عليهما القلوصين وسلاحهما، وسار وهما معه حتى توسط بيوت بني سليم آخر الليل. فضرب له ملاعب ابن أبي النجم خيمةً بيضاء وذبح له.
وغدا وسار إلى النقع فنزل ببادية من معن وسنبس فذبح له عفيف المعنى غنماً وأكرمه، وغدا من عنده وبين يديه اثنان من جذيم يدلانه، فصعد في النقب المعروف بتربان، وفيه ماء يعرف بعرند فسار يوماً وبعض ليلة ونزل.
وأصبح فدخل حسمي وحسمي هذه أرض صلبة تودي إلى أثر النخلة من لينها، وتنبت جميع النبات، مملوءة جبالا في كبد السماء، متناوحة ملس الجوانب إذا نظر الناظر إلى قلة أحدها فتل عنقه - حتى يراها - بشدة. ومنها ما لا يقدر أحد أن يصعده، ولا يكاد القتام يفارقه، ولهذا لما قال النابغة:
وأصبح عالقا بجبال حسميدقاق التّرب مخترم القتام
اختلف الناس في تفسيره، ولم يعلموا ما أراده.
يكون مسيرة ثلاثة أيام في يومين، يعرفها من رآها من حيث رآها لأنها لا مثل لها في الدنيا، ومن جبالها جبل يعرف بإرم عظيم العلو، تزعم أهل البادية أن فيه كروماً وصنوبراً - فوجد بني فزارة بها شاتين، فنزل بقوم من عدي فزارة، فيهم أولاد لاحق بن مخلب، وكان مخلب هذا خرج يطلب ناقة له فقدها، وكانت بنو فزارة قد أخذت غزياً غزتها فكانت الأسرى في القد بين البيوت، فسمعه بعض الأسرى ينشد الناقة فقال له: هي بموضع كذا وكذا وجدناها أمس وشربنا لبنها وتركناها لنعود فنأخذها. فقال مخلب: على شهادتكم يا معشر العرب، ثم عاد فلبس سلاحه وركب فرسه فقال: الغزي ضيوفي فخلصهم من القد بعد اختلاف الناس وخوف الشر، فرد عليهم كل شيء أخذ لهم وقراهم وسيرهم وميرهم فقال مخلب:
فإن تك ناقتي منعت غزيّاتجرّ صرارها ترعى الرّحابا
فأيّ فتى أحقّ بذاك منّيوأجدر في العشيرة أن يهابا؟
وكانت بينه أي بين أبي الطيب وبين أمير فزارة: حسان بن حكمة مودة وصداقة. فنزل بجار للقوم ليواري عنهم، فلا يعلم ما بينه وبينهم، واسم الجار: وردان بن ربيعة من طيئ، ثم من معن ثم من بني شبيب، فاستغوى عبيده وأفسدهم عليه، وأجلسهم مع امرأته، فكانوا يسرقون له الشيء بعد الشيء من رحله.
وطابت حسمي لأبي الطيب فأقام بها شهراً، وكتب كافور إلى من حوله من العرب ووعدهم، وظهر لأبي الطيب فساد عبيده، وكان الطائي يرى عند أبي الطيب سيفاً مستوراً فيسأله أن يريه إياه فلا يفعل؛ لأنه كان على قائمه وفعله ذهب من مائة مثقال، وكان السيف لا ثمن له، فجعل الطائي يحتال على العبيد بامراته طمعا في السيف؛ لأن بعضهم أعطاه خبره، فلما أنكر أبو الطيب أمر العبيد ووقف على مكاتبة كافور لكل العرب التي حوله في أمره، أنفذ رسولاً إلى فتىً من بني فزارة، ثم من بني مازن من ولد هرم بن قطبة. بن سيار يقال له: فليتة بن محمد وفيهم يقول بعض البادية:
إذا ما كنت مغترباً فجاوربني هرم بن قطبة أو دثارا
إذا جاورت أدنى مازنيٍّفقد ألزمت أقصاها الجوارا
وكان وافقه قبل ذلك على المراسلة فسار إليه. وترك أبو الطيب عبيده نياماً وتقدم إلى الجمال فشد على الإبل وحمل خوفاً أن يحتبس عنه عبيده في الليل، ولم يعلموا حتى نبهم وطرحهم على الإبل وجنب الخيل، وسار تحت الليل والقوم لا يعلمون برحيله، ولا يشكون أنه يريد البياض، فلما صار برأس الصوان أنفذ فليتة بن محمد إلى عرب بين يديه وتوقف.
وأخذ أحد العبيد في الليل السيف فدفعه إلى عبد آخر ودفع إليه فرسه، وجاء ليأخذ فرس مولاه فانتبه أبو الطيب فقال الغلام: أخذ العبد فرسي أخذ العبد فرسي يغالط بهذا الكلام، وعدا نحو الفرس ليقعد على ظهره، والتقى هو وأبو الطيب عند الحصان، وسل العبد السيف فضرب رسنه، فضرب أبو الطيب وجه العبد فقسمه، فخر على رتمة أنفه، وأمر الغلمان فقطعوه، وانتظر الصباح وكان هذا العبد أشد من معه وأفرسهم.
فلما أصبح أتبع العبد علياً الخفاجي وعلواناً المازني، فأخذا أثره، فأدركاه عصراً، وقد قصر الفرس الذي تحته، فسألهما عن مولاه فقالا جاءك من ثم، وأشارا إلى موضع، فدنا منهما كالعائذ وهو يتبصر فقالا له: تقدم، فقال: ما أراه، فإن رأيته جئتكما وإن لم أره فما لكما عندي إلا السيف، فامتنع عنهما وعادا في غد، ووافقا عودة فليتة فقال فليتة: لقد كان فيما جرى خبرة، لأن الوقت الذي اشتغلتم بقتله فيه كانت سرب الخيل عابرة مع ذلك العلم، ولو كنتم زلتم عن موضعكم لحدث بعضكم بعضا، فقال أبو الطيب ارتجالا:
فإن تك طيئٌ كانت لئامافألأمها ربيعة أو بنوه
يقول: إن كانت طيئ لئاماً فربيعة الذي هو أبو وردان وبنوه أكثرهم لؤما. وقوله: أوبنوه معناه: وبنوه أو في معنى الواو.
وإن تك طيّئٌ كانت كرامافوردانٌ لغيرهم أبوه
يقول: إن كانت طيّئ كراما، فأبو وردان ليس منهم، بل من غيرهم، لأنه لئيم وطيئ كرام. وكانت في البيتين زائدة، والتقدير: إن تك طيئ كراما، وإن تك طيئ لئاما.
مررنا منه في حسمي بعبدٍيمجّ اللّوم منخره وفوه
حسمي: أرض بالسماوة. ويقال: منخر: بفتح الميم وكسرها.
يقول: نزلنا عليه بحسمي، فوجدناه عبداً لئيماً يمج اللؤم أنفه وفوه.
أشذّ بعرسه عنّي عبيديفأتلفهم ومالي أتلفوه
أشذ أي فرق. والباء للسبب أي بسبب عرسه.
يقول: فرق عني عبيدي وأفسدهم بامرأته وأتلفهم، وهم أتلفوا مالي.
فإن شقيت بأيديهم جياديلقد شقيت بمنصلى الوجوه
يقول: إن كانت خيلي شقيت بأيدي عبيدي: أي سرقوها، فقد شقيت بسيفي وجوههم.
يصف ما كان من أخذ عبيده فرسه، وقتله للآخر.
وقال يهجو وردان بن ربيعة:
لحا الله ورداناً وأمّاً أتت بهله كب خنزيرٍ وخرطوم ثعلب
يقول: لعن الله ورداناً وأمه التي أتت به فإنه قبيح الوجه لئيم الكسب، يقود على أهله ويكتسب بالقيادة.
وإنما خص كسب خنزير لأن كسبه لا يتضمن الشجاعة، بخلاف سائر السباع، وقيل: لأنه يفسد الزرع ونحوه مما لا يفسده سائر السباع، فلما كان هذا الرجل أفسد عبيده شبهه به. وقيل: لأنه يأكل العذرة والأقذار، فشبهه به لقبح كسبه من جهة القيادة، وجعل له خرطوم ثعلب: أي أنفه، وشبهه به؛ قباحةً ووحشةً.
فما كان منه الغدر إلاّ دلالةًعلى أنّه فيه من الأمّ بالأب
يقول: غدره بي: دلالة على أن أمه غدرت فيه بأبيه، فجاءت به لغير رشدة. وروى: من الأم والأب: أي أن أبويه كانا غادرين.
إذا كسب الإنسان من هن عرسهفيل لؤم إنسانٍ ويا لؤم مكسب!!
الهن: كناية عن الفرج.
يقول: ما ألأم إنساناً يقود على امرأته ويكس بهنها، وما ألأم كسبه ذلك!
أهذا اللّذيّا بنت وردان بنتههما الطّالبان الرّزق من شرّ مطلب
يقول: أهذا الذي تنسب إليه بنت وردان! نكد عاهرة، وأظهر التجاهل لوردان. ثم قال: هما يطلبان الرزق من أقبح وجوهه، هو يطلبه بالقيادة، وتلك تطلبه بالفجور والزنا.
لقد كنت أنفي الغدر عن توس طيئٍفلا تعذلاني ربّ صدقٍ مكذّب
التوس والسوس: الأصل.
يقول: كنت أنفي الغدر عن أصل طيئ، فكان الأمر بخلاف ذلك، فلا تعذلاني يا صاحبي، فرب صدق مكذب.
وقال أيضاً يصف العبد الذي قتله وهو في طريقه من مصر إلى العراق
أعددت للغادرين أسيافاأجدع منهم بهنّ آنافا
لا يرحم الله أرؤساً لهمأطرن عن هامهنّ أقحافا
يقول: استعددت لكل غادر سيوفاً أقطع بها أنوفهم، وأطرن فعل ضمير الأسياف. والأقحاف: جمع قحف، وهو العظم الذي يكتنف الدماغ. وقيل: لا يقال له قحف حتى يبين عن الرأس.
يقول: لا رحم الله رءوساً أطارت أسيافي عن هامهن أقحافها. والضمير في هامهن للأرؤس.
ما ينقم السّيف غير قلّتهموأن تكون المئون آلافا
قوله: وأن تكون المئون آلافا فيه محذوف. أي غير أن تكون. وقيل: ألا يكون فحذف لا.
يقول: لا ينكر السيف منهم إلا قلتهم؛ لأنه يتمنى كثرة الغادرين، وأن يكون بدل كل مئة ألفاً، فهو لا ينكر إلا قلتهم، وألا يكون المئون ألوفاً.
يا شرّ لحمٍ فجعته بدمٍوزار للخامعات أجوافا
روى: زار وزاد وفاعله قيل: اللحم، وقيل: الدم. والخامعات الضباع.
يقول مخاطباً للحم عبده الذي قتله: أنت شر لحم فجعته بإراقة دمه، فشربت الضباع من دمه، وأكلت الضباع هذا اللحم، فصار في أجوافها، فكأنه زارها. وقوله: فجعته بدم أي فرقت بينه وبين دمه لما قتلته.
قد كنت أغنيت عن سؤالك بيمن زجر الطّير لي ومن عافا
عفت الطير وزجرتها بمعنى تفاءلت بها ومن نصب بالمصدر الذي هو سؤالك.
يقول: كنت غنياً عن أن تسأل الكهان، والزاجرين للطير عن حالي في تعرضك لي، لأني كنت أعلم بحالي منهم.
وعدت ذا النّصل من تعرّضهوخفت لمّا اعترضت إخلافا
يقول: وعدت سيفي هذا أن أقتل به كل من تعرض له، فلما اعترضت له حين أردت أخذ فرسي، وخفت أن تفوته وأخلف سيفي ما وعدته، فقتلتك.
لا يذكر الخير إن ذكرت ولاتتبعك المقلتان توكافا
يقول: إذا ذكرت لا تذكر بخير، ولا ينسب الخير إليك ولا تبكيك عين تفقدك.
أخذه من قول الله تعالى: " فَمَا بَكَتْ عَلَيْهمُ السَّمَاءُ وَاْلأَرْضُ ".
إذا امرؤٌ راعني بغدرتهأوردته الغاية الّتي خافا
يقول: من خوفني بغدره قتلته، وأوردته الغاية التي يخافها وهي الموت.
وسار أبو الطيب حتى نظر إلى آثار الخيل، ولم يجد مع فليتة خبراً عن العرب التي طلبها فقال له: احرف بنا على بركة الله تعالى إلى دومة الجندل.
وذلك أنه أشفق أن تكون عليه عيون بحسمي قد علمت أنه يريد البياض، فسار حتى ورد البويرة بعد ثلاث ليال، وأدركتهم لصوص فأخذت آثارهم وهم عليها، فلم يطمعوا فيهم، وسار معه منهم حمصي بن القلاب، فلما توسط البسيطة رأى بعض العبيد ثوراً يلوح فقال: هذه منارة الجامع. ونظر آخر نعامة في جانبه فقال: وهذه نخلة. فضحك أبو الطيب وضحكت البادية فقال يذكر ضلال غلمانه في حذر الأشباح التي لاحت لهم في البادية:
بسيطة مهلاً سقيت القطاراتركت عيون عبيدي حيارى
بسيطة: أرض بقرب الكوفة.
يقول: سقاك المطر يا بسيطة مهلاً، فإنك حيرت عيون عبيدي. فدعا لها بالسقيا. ولم يدع عليها لكي تكف عن التحير، فلو دعا عليها لزادت في التحيير، فتلطف لها بالدعاء بالسقيا.
فظنّوا النّعام عليك النّخيلوظنّوا الصّوار عليك المنارا
الصوار القطيع من البقر الوحشي.
يقول: حيرت عيونهم حتى ظنوا أن النعام نخيل، وأن الثور منار الجامع.
فأمسك صحبي بأكوارهموقد قصد الضّحك فيهم وجارا
يقول: لما سمع صحابي ذلك ضحكوا حتى خافوا أن يسقطوا عن إبلهم، فتعلقوا برحالهم، وفيهم من ضحك ضحكاً معتدلاً، وفيهم من جاوز الحد في الضحك. وروى: قسط أي عدل الضحك في بعضهم وجار في بعضهم: وروى قصد وهو في معناه.
وورد العقدة بعد ليال، وسقي بالجراوي، واجتاز ببني جعفر بن كلاب وهو بالبرية والأضارع فبات فيهم، وسار إلى أعكش حتى نزل الرهيمة. ودخل الكوفة فقال يصف منازل طريقه ويفخر بمسيره في البادية ويهجو كافوراً في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة:
ألا كلّ ماشية الخيزليفدى كلّ ماشية الهيدبي
الخيزلي والخوزلي: مشية النساء، وهي مشية فيها تثنى وتفكك، والهيدبي: مشية الإبل فيها سرعة.
يقول: جعل الله كل امرأة تتثنى في مشيتها فداءً لكل ناقة تسرع في سيرها.
والخيزلي والهيدبي نصب على صفة المصدر المحذوف: أي كل ماشية تمشي مشية الخيزلي والهيدبي.
وكلّ نجاةٍ بجاويّةٍخنوفٍ وما بي حسن المشي
النجاة: السريعة. والبجاوية: منسوبة إلى بجاوة، وهي قبيلة من البربر، يطاردون عليها في الحرب، والخنوف: التي تميل يدها في سيرها.
يقول: جعل الله كل امرأة تمشي الخيزلي، فدى كل ناقة سريعة. ثم بين أنه لم يفدهن بالإبل لأن مشية الإبل أحسن من مشية النساء، ولكن لأجل النفع والبعد من الضيم. والمشي: جمع مشية.
ولكنّهنّ حبال الحياةوكيد العداة وميط الأذى
يقول: إنما فديتهن بها؛ لأن الإبل حبال الحياة: أي أسباب الحياة، ينجو بها الإنسان من المهالك، وبها يكيد الإنسان عدوه، ويدفع الأذى بها عن نفسه.
ضربت بها التّيه ضرب القمار إمّا لهذا وإمّا لذا
التيه: برية على جانب مصر، وهي التي تاه فيها قوم موسى ﵇ يقول: ضربه بها إما للنجاة، وإما للهلاك، كما يفعل المقامر.
إذا فزعت قدّمتها الجيادوبيض السّيوف وسمر القنا
فمرّت بنخلٍ وفي ركبهاعن العالمين وعنه غنى
نخل: ماء معروف. وركبها: يعني نفسه وغلمانه. أي مرت هذه الإبل على هذا الماء، وأصحابها يغنون عن هذا الماء، لما لهم من العدة، وعن العالمين، لقوتهم وشجاعتهم.
وأمست تخيّرنا بالنّقاب وادي المياه ووادي القرى
النقاب: موضع، يفترق منه طريقان: إلى وادي المياه، وإلى وادي القرى.
يقول: لما وصلنا إلى هذا المكان خيرتنا الإبل فقالت: خذ أي الطريقين شئت. وروى بالباء: أي خبرتنا. وقالت: هذا طريق وادي المياه، وهذا طريق وادي القرى.
وقلنا لها: أين أرض العراق؟فقالت ونحن بتربان: ها
تربان: موضع وها حرف إشارة. والمراد: ها هي هذه، فحذف الجملة وترك الحرف الذي هو ها.
يقول: لما وصلنا إلى تربان سألناها عن أرض العراق فقالت عندما كنا بتربان: ها هي هذه بين أيديكم. يعني العراق. فعلى هذا يكون الواو للحال.
وقيل: معناه أنها قالت: نحن قد حصلنا بتربان، وهي قريبة من العراق فيكون ذلك من قول الإبل.
وهبّت بحسمي هبوب الدّبور مستقبلاتٍ مهبّ الصّبا
هبت: أي أسرعت. والدبور: من قبل الغرب، ويستقبل المشرق، وهو مهب الصبا. وقيل: الصبا محلها من ناحية قبلة العراق، والدبور يقابلها.
يقول: إنها سارت بنا سيراً سريعاً كأنها الدبور استقبلت مهب الصبا.
روامي الكفاف وكبد الوهادوجار البويرة وادي الغضى
روامي أي قواصد، موضعه نصب على الحال. والكفاف، وكبد الوهاد، وجار البويرة كلها مواضع. ووادي الغضى بدل من وجار البويرة.
يقول: إن هذه الإبل البجاوية قصدت هذه المواضع، وعبرت عليها.
وجابت بسيطة جوب الرّداء بين النّعام وبين المها
جابت: أي قطعت. وبسيطة: مفازة بقرب الكوفة.
يقول: قطعت الإبل بسيطة وشقتها كما يشق الرداء، ومسيرها بين النعام وبقر الوحش.
إلى عقدة الجوف حتّى شفتبماء الجراويّ بعض الصّدى
عقدة الجوف: موضع معروف، والجراوي: منهل معروف.
يعني: أنها سارت من بسيطة إلى عقدة الجوف، فشربت من الجراوي حتى شفت بعض عطشها، ولم تستوف الشرب عجلةً أو خوفاً، أو حرصاً على السير، أو خشية أن يثقلها كثرة الشرب.
ولاح لها صورٌ والصّباحولاح الشّغور لها والضّحى
صور، والشغور: اسما موضعين بقرب العراق.
يقول: سارت طول ليلها فظهر لها صور عند الصبح وظهر لها الشغور مع وقت الضحا.
ومسّى الجميعيّ دئداؤهاوغادى الأضارع ثم الدّنا
هذه أسماء المواضع، والدئداء: سير سريع.
يعني: أنها وصلت إلى الجميعي مساءً فأسرعت فيه السير، وجاءت إلى الأضارع. والدنا: وقت الغداة.
فيا لك ليلاً على أعكشٍأحمّ البلاد خفيّ الصّوى
أعكش: مكان معروف. وأحم أسود. والصوى: أعلام وحجارة تنصب على الطريق، الواحدة: صوة. وقوله: فيا لك تعجب. وليلاً نصب على التمييز.
يقول: ما أعجب ليلاً في أعكش! وما أشد ظلامه وسواد البلاد! حتى خفيت الأعلام.
وردنا الرّهمية في جوزهوباقيه أكثر ممّا مضى
الرهيمة: قرية بقرب الكوفة. وعنى بالجوز ها هنا صدر الليل.
يقول: وردنا الرهيمة وما بقي من الليل أكثر مما مضى.
فلمّا أنخنا ركزنا الرّماح فوق مكارمنا والعلا
يقول: لما نزلنا الكوفة أنخنا إبلنا وركزنا رماحنا فوق العز والمكارم.
يعني هذا المسير فخر لنا عالي المحل؛ لأنا أرغمنا به أنف كافور مع ملكه.
وبتنا نقبّل أسيافناونمسحها من دماء العدى
يقول: لما وصلنا إلى وطننا قبلنا أسيافنا شكراً لها، ومسحنا عنها دماء الأعداء الذين قتلناهم بها.
لتعلم مصر ومن بالعراقومن بالعواصم. أنّى الفتى
يقول: فعلنا هذا؛ ليعلم أهل مصر، وأهل العراق، وأهل العواصم: أي سيف الدولة. أنى الفتى الكامل في جميع الخصال.
وأنّى وفيت وأنّى أبيتوأنّى عتوت على من عتا
يقول: فعلت هذا؛ ليعلم من في مصر أني وفيت بما وعدت من سيرى حيث قلت:
وإن بليت بودٍّ مثل ودّكم
وأنى أبيت ضيم كافور، وأنى قهرت كل طاغ.
وما كلّ من قال قولا وفىولا كلّ من سيم خسفاً أبى
سيم: أي كلف. والخسف: الذل.
يقول: ما كل أحد إذا قال قولاً، صدق قوله كمال فعله، وليس كل من حمل على ضيم أباه ودفعه عن نفسه.
ومن يك قلبٌ كقلبي لهيشقّ إلى العزّ قلب التّوى
التوى: الهلاك، أي من كان له مثل قلبي، دخل قلب الهلاك، حتى يصل إلى العز والعلا.
ولا بدّ للقلب من آلةٍورأيٍ يصدّع صمّ الصّفا
يقول: إن الإنسان لا يكفيه جرأة قلبه، حتى يكون له رأي صائب، وآلة يتوصل بها إلى مرامه، وإلا أدته شجاعته إلى هلاكه.
وكلّ طريقٍ أتاه الفتىعلى قدر الرّجل فيه الخطا
يقول: كل فعل يفعله الرجل على قدر شجاعته وهدايته، وعلى حسب رأيه.
ولما جعل الفعل طريقاً استعار فيه ذكر الرجل والخطا.
ونام الخويدم عن ليلناوقد نام قبل عمىً لا كرى
عنى بالخويدم: كافورا.
يقول: إنه قد نام عن الليل الذي سرنا فيه، وكان في حال يقظته أيضاً نائماً؛ لعمى قلبه لا من النوم الحقيقي.
وكان على قربنا بيننامهامه من جهله والعمى
يقول: قد كان كافور على قرب ما بيننا في المسافة بجسمه، بعيداً منا؛ لجهله وعمى قلبه.
لقد كنت أحسب قبل الخصىّأنّ الرّءوس مقرّ النّهى
النهى: العقول، واحدها نهية.
يقول: كنت قبل أن أرى كافورا أظن أن العقل يحل الرءوس، فكان الأمر لما رأيته بخلاف ذلك.
فلمّا نظرت إلى عقلهرأيت النّهى كلّها في الخصى
أي ظننت أن العقل يحل الرأس، فلما رأيت كافوراً وقلة عقله، صح عندي أن محل العقل إنما هو الخصى؛ لأنه لما قطعت خصيته زال عقله.
وماذا بمصر من المضحكاتولكنّه ضحكٌ كالبكا
يقول: ماذا في مصر من أحوال عجيبة مضحكة! ولكنه ليس يضحك منها ضحك فرح، ولكنه يضحك تعجباً، وهذا الضحك كالبكاء.
بها نبطيٌّ من أهل السّواديدرّس أنساب أهل الفلا
يقول: من جملة ما فيها من المضحكات نبطي بها، من أهل السواد، يقرأ عليه أنساب العرب، وهو يدرك هذه الأنساب، وهذا مما يضحك منه.
وكان اسم الرجل ابن خنزابة وكان أديباً بمصر.
وأسود مشفره نصفهيقال له: أنت بدر الدّجى
ويقول: ومنها أسود قبيح الوجه، تدلت شفته كأنها مقدار نصفه، مع ذلك يقال له: أنت بدر الدجى! وعنى به كافوراً.
وشعرٍ مدحت به الكركدنن بين القريض وبين الرّقى
الكركدن: كلمة تقال لكل قبيح، وقيل: هو دابة بالهند.
يقول: ومنها شعري الذي مدحت به كافورا، كان في ظاهره شعراً، وفي باطنه رقيةً أرقيه بها من جنونه.
فما كان ذلك مدحاً لهولكنّه كان هجو الورى
يقول: ما قلت فيه من المدح ليس بمدح له، وإنما كان هجو للناس؛ لأنهم رغبوا عن الحمد وجميل الذكر، فأحوجوني إلى مدحه. فمدحي له يدل على سقوط الخلق وخستهم.
وقد ضلّ قومٌ بأصنامهمفأمّا بزقّ رياحٍ فلا
يقول: قد ضل قوم بالأصنام فعظموها لحسنها، وما سمعت أن أحداً عبد زقاً منفوخاً! فلولا جهل أهل مصر، لما رضوا بحكمه.
ومن جهلت نفسه قدرهرأى غيره منه ما لا يرى
يقول: إذا لم يعلم الإنسان قدر نفسه، فإن الناس يعلمون من حاله ما خفي عليه.
يعني: أن كافور إن كان نسي ما كان فيه من الخسة ومهانة القدر، فالناس يعلمون ذلك من حاله.
وقال أيضاً يهجو كافوراً
وأسود أمّا القلب منه فضيّقٌنخيبٌ وأمّا بطنه فرحيب
النخيب: الفارغ الخالي، ويقال للجبان: نخيب. ومنخوب الفؤاد: يعنون أن صدره فارغ لا قلب فيه. والرحيب: الواسع.
يقول: هذا أسود ضيق القلب بالعطاء، جبان ليس فيه فؤاد، وبطنه واسع عظيم، أو أنه شره ليس له همة إلا جوفه.
يموت به غيظاً على الدّهر أهلهكما مات غيظاً فاتكٌ وشبيب
الهاء في به للأسود، وفي أهله للدهر، وغيظاً مفعول له.
يقول: إن الناس إذا رأوا حالة كافور ماتوا غيظاً على الدهر - حيث ألقى الدهر إليه أزمة الملك - كما مات شبيب العقيلي وفاتك المجنون غيظاً على الدهر.
أعدت على مخصاه ثمّ تركتهيتبّع منّى الشّمس وهي تغيب
مخصاه: موضع خصيته.
يقول: أخزيته بهجائي له، فكأني خصيته ثانية، ثم رحلت عنه وتركته ينظر إلى الشمس وقت غروبها. أي لا يصل إلي، كما لا يصل إلى الشمس إذا غابت.
ومثله للمجنون:
فأصبحت من ليلي الغداة كناظرٍمع الصّبح في أعقاب نجمٍ مغرّب
إذا ما عدمت الأصل والعقل والنّدىفما لحياةٍ في جنابك طيب
يعني: إذا عدمت جميع خصال الخير فلا يطيب لأحد الحياة في قربك.
وأنشده صديق له بمصر من كتاب الخيل لأبي عبيدة وهو نشوان:
تلوم عليّ أن أمنح الورد لقحةًوما تستوي والورد ساعة تفزع
فأجابه أبو الطيب:
بلى تستوي والورد، والورد دونهاإذا ما جرى فيك الرّحيق المشعشع
الورد اسم فرس كان لقائل البيت. فلامته امرأته على قيامه بتعهده وإيثاره على عياله، فرد عليها بأبيات منها هذا البيت، وبين أن هذا الفرس أنفع في حال الشدة منها.
فقال أبو الطيب: إن هذا غير مستمر، بل هي مثل الورد، بل الورد دونها في حال اللذة والشرب. والرحيق: الخمر، المشعشع: الممزوج.
هما مركبا أمنٍ وخوفٍ فصلهمالكلّ جوادٍ من مرادك موضع
يقول: كل واحد منهما لحال، فالمرأة لحال الأمن، والفرس لحال الخوف، فكما يكرم أحدهما ليومه فكذلك الآخر.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع