تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

السيفيات (١٦)

يقول: جهلوا حيث شبهوك بالمصباح، ولم يعلموا أنك كالشمس، يعم نورها الأرض وتضيء الدنيا وهي بعيدة، وكذلك أنت تسوس جميع ممالكك وتدبر أحوال الناس وإن كنت بعيداً عنهم، وكذلك أنت كالموت لا كالمصباح، فغلطوا في تشبيهك بالمصباح، ولم يعلموا أنك كالموت لا يمتنع منك أحد ولا يبعد عليك متناوله.

فلم تتمّ سروجٌ فتح ناظرهاإلا وجيشك في جفنيه مزدحم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

سروج: مدينة، والهاء في ناظرها تعود إلى سروج. وفي جفنيه للناظر.

يقول: كانوا يغترون ببعدك منه فجئت إليهم أسرع من فتح سروج عينها، حتى ازدحم جيشك في عينها.

وقيل: أراد بازدحام الجيش في جفني الناظر عبارة عن امتلائهما بالغبار المرتفع من أرجل الخيل.

وقيل: معناه لم تصبح سروج إلاّ وخيلك مزدحمة عليها، فجعل الصباح لها بمنزلة فتح الناظر من النوم.

والنّقع يأخذ حرّاناً وبقعتهاوالشّمس تسفر أحياناً وتلتئم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النقع: الغبار. وحران: مدينة بالشام. والبقعة: بضم الباء، أرض يخالف لونها لون ما حولها.

وذكر أبو العلا المعري: أنه بفتح الباء وهكذا يروي قال: وهو موضع يقال له بقعة حران، وهذا أحسن لأنه لو لم يرد مكاناً مخصوصاً لم يكن لذكرها فائدة، لأن النقع إذا أخذ حران فقد أخذ بقعتها وإن لم تذكر.

يقول: جئت إلى سروج وعم غبار خيلك حران وسترها، وكانت الشمس تارة تظهر، حين انحسر عنها الغبار، وتارةً تستتر، حين تكاثف الغبار.

سحبٌ تمرّ بحصن الرّان ممسكةًوما بها البخل لولا أنّها نقم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

حصن الران: من أعمال سيف الدولة.

يقول: كانت خيلك تمر بحصن الران كالسحاب، لأنها كانت تمطر النقم والهلاك، غير أنها كانت ممسكة عن الأمطار، وليس الإمساك عن بخل، ولكن ما فيها كانت نقماً وعقوبات، فلم تصبها على حصن الران؛ لأنها لم ترد هلاكها وهلاك أهلها.

جيشٌ كأنّك في أرضٍ تطاولهفالأرض لا أممٌ والجيش لا أمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

الأمم: القصد، والقرب. وتطاوله: فعل الأرض، والهاء: للجيش.

يقول: إن الجيش جيش ممتد متباعد الأطراف، يسير في أرض كذلك، فالأرض تطاول الجيش وتباريه في الطول، فلا الأرض متقاربة الطول، ولا الجيش، بل كلاهما طويل ممتد.

إذا مضى علمٌ منها بدا علمٌوإن مضى علمٌ منه بدا علم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

منها يعود إلى الأرض. والعلمان: كل واحد منهما الجبل. والهاء في منه تعود إلى الجيش. والعلمان: كل واحد منهما العلم المعروف: الذي هو الراية.

يقول: إذا غاب جبل من هذه الأرض بدا جبل آخر، وإذا مضت راية من جيشك بدت راية أخرى.

وشزّبٌ أحمت الشّعري شكائمهاووسّمتها على آنافها الحكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

الشزب: جمع الشازب، وهو الفرس الضامر. وقوله: أحمت الشعري شكائمها إنما قال ذلك؛ لأن طلوع الشعري يكون في شدة الحر، فأضاف الفعل إليها. والشكيمة: رأس اللجام. وقوله: فوسمتها. من السمة التي هي الكي. والحكم: جمع حكمة وهي ما على أنف الدابة.

يقول عطفاً على ما قبله: وظهرت خيل ضامرة وقد أحمت شدة الحر شكائمها، حتى صارت كالمكاوي، فوسمت أنوفها.

حتّى وردن بسمنينٍ بحيرتهاتنشّ بالماء في أشداقها اللّجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

تنش: من النشيش، وهو صوت القلي، وصوت الحديد المحمي، إذا ألقى في الماء. وفاعل تنش: اللجم.

يقول: وردت خيلك بحيرة سمنين، وقد حميت شكائمها من شدة الحر، فلما شربت الماء، جعلت لجمها تنش في الماء نشيش الحديد المحمي إذا ألقي في الماء.

وأصبحت بقرى هنزيط جائلةًترعى الظّبا في خصيبٍ نبته اللّمم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فاعل ترعى ضمير الخيل: أي أنهار راعية السيوف، مسببة لها في المرعى.

يقول: أصبحت الخيل جائلة في قرى هنزيط، تغير وتقتل، وأرسلت السيوف ترعى في منبت خصيب، وهي الرءوس: خصيبة بالشعور.

وقيل: إن فاعل ترعى الظبا أي كانت الظبا ترعى في رءوسهم الخصيبة من الشعور.

فما تركن بها خلداً له بصرٌتحت التّراب ولا بازاً له قدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

الخلد: فأرةٌ عمياء فما تركن: أي الغارة والسيوف. وبها أي بقري هنزيط.

يقول: لم تترك الخيل والسيوف بقرى هنزيط شيخاً متوارياً من الأعداء منجحرا كالخلد في بطن الأرض إلا أنه ذو بصر، ولا شابا خفيفاً توغل في الجبال وتحصن بها كالباز، إلا أن طيرانه بقدم.

شبه المتوارين في البراري بخلد ذي بصر، والمتحصنين بالجبال بباز ذي قدم، إزاله للتوهم أنه خلد حقيقي، أو باز حقيقي، وبياناً أنه قصد به التشبيه والاستعارة.

ولا هزبراً له من درعه لبدٌولا مهاةً لها من شبهها حشم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

اللبد: جمع لبدة الأسد، وهي ما تلبد على كتفه من وبره. والمهاة: البقرة الوحشية. والحشم: حاشية الرجل.

يقول: ما تركت بها شجاعاً أيضا مثل الأسد، عليه - مكان لبدته - درع، ولا امرأة كالمهاة ولها من أمثالها خدم.

ترمى على شفرات الباترات بهممكامن الأرض والغيطان والأكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

الباء في بهم متعلق بترمى بهم: أي بالأعداء.

يقول: إن الأرض ترمى بالأعداء على شفار السيوف، وكل موضع استتروا فيه وهربوا إليه استخرجتهم الخيل وقتلتهم، فلم تكتمهم مكامن الأرض، ولا واراهم الغيطان، ولا حصنتهم الآكام.

وجاوزوا أرسناساً معصمين بهوكيف يعصمهم ما ليس ينعصم؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

أرسناس: نهر عظيم. معصمين به: أي ممتنعين به.

يقول: لما عبروا أرسناس ظنوا أنه يحول بينك وبينهم، وكيف يعصمهم منك وهو لم يمكنه أن يعصم نفسه منك؟! لأنك عبرته بخيلك، فلم يقدر على الامتناع عليك.

وما يصدّك عن بحرٍ لهم سعةٌوما يردّك عن طودٍ لهم شمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

الشمم: الارتفاع.

يقول: لا يمنعك عن بحر الأعداء سعته، ولا يردك عن جبلهم ارتفاعه.

ضربته بصدور الخيل حاملةًقوماً إذا تلفوا قدماً فقد سلموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

حاملةً: نصب على الحال. وقوماً: نصب بحاملة. أي يحمل قوماً صفتهم ما بعده.

يقول: ضربت أرسناس بصدور الخيل وكانت تحمل من أصحابك قوماً يعدون التلف في الحرب سلامة، فيسرون به كما يسرون بالسلامة.

تجفّل الموج عن لبّات خيلهمكما تجفّل تحت الغارة النّعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

تجفل: أي أسرع في الذهاب.

يقول: إن الموج كان يتفرق يميناً وشمالاً عن صدور الخيل بالسرعة، كما تتفرق الإبل عند الإغارة عليها.

عبرت تقدمهم فيه وفي بلدٍسكّانه رممٌ، مسكونها حمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: عبرت هذا النهر، وأنت تتقدم الجيش، وتقدمتهم أيضاً في بلد أحرقته حتى صار كالفحم، وصار أهلها رميما.

وفي أكفّهم النّار الّتي عبدتقبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: عبرت هذا النهر بخيلك، وفي أيديهم السيوف المجردة، وشبهها بالنار لبريقها، ولما جعلها ناراً جعلها معبوداً من قبل المجوس الذين يعبدون النار.

يعني: أن المجوس دانوا لها وخضعوا لشعارها من أول الدهر إلى يومنا هذا.

وقبل: تم الكلام عند قوله: وفي أكفهم النار التي عبدت ثم قال: قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم.

يعني: أن السيوف مضطرمة متألقة قبل زمان المجوس إلى زماننا هذا. فكأنه يقول: إن السيوف كالنيران الحقيقية، وهي النيران المعبودة. ثم بين أن اضطرامها تقدم زمان المجوس، يعني: أن سيوفه عتيقة.

هنديّةٌ إن تصغّر معشراً صغروابحدّها أو تعظّم معشراً عظموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: هذه النارة هندية: أي سيوف مطبوعة بالهند، فهي تصغر المقتول وتعظم القتال، ويدرك بها العز والشرف.

قاسمتها تلّ بطريقٍ فكان لهاأبطالها ولك الأطفال والحرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول قسمت أهل هذه البلد بينك وبين سيوفك، فأعطيتها الأبطال، وأخذت لنفسك النساء والأطفال.

تلقى بهم زبد التّيّار مقربةٌعلى جحافلها من نضحه رثمٌ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

التيار: الموج. والمقربة: ها هنا، هي السفن. والرثم: بياض في شفة الفرس العليا. والضمير في بهم يعود إلى أصحاب الخيل وإلى السى.

يقول: سبيت الأطفال والحرم، وشحنت بهم السفن، وعبرت بهم النهر. وشبه السفن في النهر بالخيل المقربة، وشبه زبد الماء على مقاديم السفن بالرثم، وجحافل الخيل: أراد بها الخيل نفسها.

دهمٌ فوارسها ركّاب أبطنهامكدودةٌ وبقومٍ لا بها الألم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن هذه الخيل دهم. يعني: أن السفن مطلية بالقار، وفوارسها يركبون بطونها، بخلاف الخيل التي يركب ظهورها، وهي مكدودة في السير، ولكن ليس بها ألم الكد، وإنما يلحق الكد والتعب قوماً آخرين، وهم الملاحون.

من الجياد الّتي كدت العدوّ بهاومالها خلقٌ منها ولا شيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: هذه السفن، هي بعض خيلك التي تكيد بها عدوك، ولكنها لا تشبهها في الخلقة ولا في الطبع.

نتاج رأيك في وقتٍ على عجلٍكلفظ حرفٍ وعاه سامعٌ فهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: هذه السفن كانت نتيجة رأيك لما أردت أن تعبر النهر بالسبي، أنشأتها في أسرع وقت، وكانت المدة في اتخاذها، في القصر كمدة فهم السامع كلمة نطق بها الناطق.

وقد تمنّوا غداة الدّرب في لجبٍأن يبصروك فلمّا أبصروك عموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

في لجب: أي في اختلاط أصوات. وروى: في لجب: أي في جيش ذا لجب.

يقول: كانوا يتمنون لقاءك حين كانوا على الدرب، فلما عاينوك عموا: أي ماتوا، فزالت أبصارهم.

وقيل: تحيروا لما نظروا إليك فلم يملكوا أبصارهم.

وقيل: عموا عن الرأي؛ لما لحقهم من الخذلان.

صدمتهم بخميسٍ أنت غرّتهوسمهريّته في وجهه غمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

وروى صبحتهم بدل صدمتهم والغمم: كثرة الشعر على الناصية والقفا، شبه الجيش بفرس، وشبه سيف الدولة بغرته، والرماح بشعر ناصيته، وإنما شبهه بالغرة لتقدمه على الجيش، أو لأنه كان يزين الجيش كما تزين الفرس غرته

فكان أثبت ما فيهم جسومهميسقطن حولك والأرواح تنهزم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: كانت جسومهم أثبت شيء منهم؛ لأنها إذا سقطت عن الدواب ثبتت مكانها، والأرواح كانت تطير ولا تستقر.

والأعوجيّة ملء الطّرق خلفهموالمشرفيّة ملء اليوم فوقهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

الأعوجية: الخيل المنسوبة إلى أعوج، وهو فرس كريم كان لكندة، فأخذه بنو سليم في بعض أيامهم، فصار إلى بني هلال.

يقول: انهزموا وتبعتهم خيلك وكانت تملأ الطرق، لانبساطها على وجه الأرض. ولما كانت السيوف تعلوا في الجو، جعلها ملء النهار لأنه ما بين السماء والأرض ولأن النهار من الشمس والشمس تعلو.

إذا توافقت الضّربات صاعدةًتوافقت قللٌ في الجوّ تصطدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: إذا اتفقت الضربات في الصعود إلى الرءوس: أي وقعت في وقت واحد، توافقت الرءوس في انحدارها، ويصطدم بعضها ببعض، وإنما قال: صاعدة لأن الحذاق يضربون السيوف من تحت إلى فوق وصاعدة نصب على الحال.

وأسلم ابن شمشقيقٍ أليّتهألاّ انثني فهو ينأى وهي تبتسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: انهزم وترك يمينه التي حلف، ألا انثني عنك، فكان يبعد هو في الهرب ويمينه تبسم من عمله بها.

لا يأمل النّفس الأقصى لمهجتهفيسرق النّفس الأدنى ويغتنم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: هو يتوقع القتل، ولا يطمع في أن يبقى، وهو النفس الأقصى، فيسرق النفس الأدنى: أي الأقرب منه ويعده غنيمة، ولا يأمل أن يتنفس نفساً بعده.

تردّ عنه قنا الفرسان سابغةٌصوب الأسنّة في أثنائها ديم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

السابغة: الدرع، وهي فاعلة ترد والهاء في عنه للبطريق.

يقول: إن الخيل كانت في إثره تطعن ظهره وهو منهزم، ولكن رد عنه رماح الفرسان درعه المحكمة، مع أن وقع الأسنة عليها في الكثرة كوقع المطر.

تخطّ فيها العوالي ليس تنفذهاكأنّ كلّ سنانٍ فوقها قلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

فيها: أي في السابغة.

يقول: إنها درع حصينة، فكانت الرماح تخط عليها خطاً ولا تنفذها، كما يخط القلم على الألواح ولا ينفذها.

فلا سقى الغيث ما واراه من شجرٍلو زلّ عنه لوارى شخصه الرّخم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى: لوارى ولوارت وجسمه وشخصه وروى الرجم أي القبر والحجارة. وما في موضع نصب، لأنه مفعول سقي.

يعني: أنه لولا دخوله فيما بين الأشجار. وتواريه، لكان يقتل، ولكانت الرخم تأكله وتوارى شخصه، أو يواريه قبره فلا سقى الله هذا الشجر.

ألهى الممالك عن فخرٍ قفلت بهشرب المدامة والأوتار والنّغم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

الممالك: أي أهل الممالك، فحذف المضاف.

يقول: شغل الملوك عن هذا العز الذي رجعت به، شربهم المدام، واشتغالهم بسماع اللهو، وأصوات أوتار البربط والعود والنغم، وهي الأصوات الطيبة.

مقلّداً فوق شكر الله ذا شطبٍلا تستدام بأمضى منهما النّعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

مقلداً: نصب على الحال، أي قفلت مقلداً. وشطب السيف: طرائقه.

يقول: قفلت من الغزو، وأنت مقلداً سيفاً ذا شطب، فوق شكر الله تعالى على ما أولاك من الظفر وكساك من النصر، فجعلت الشكر دثاراً والسيف شعاراً.

ثم قال: إن النعم لا تستدام بشيء أمضى من شكر الله تعالى، ومن السيف القاطع؛ لأن الشكر يحرس النعم من الزوال ويحفظها من حوادث الأيام والانتقال والسيف يذب عنها كيد الحساد فتدوم النعم.

ألقت إليك دماء الرّوم طاعتهافلو دعوت بلا ضربٍ أجاب دم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: دماء الروم تطيعك، فلو دعوتها بلا سيف لاجابتك.

يعني: أنك قدرت على سفك دمائهم على أي وجه أردت.

يسابق القتل فيهم كلّ حادثةٍفما يصيبهم موتٌ ولا هرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: القتل يسبق إلى الروم كل حادثة، فيميتهم القتل قبل أن يصيبهم شيب ولا هرم، ولا شيء من حوادث الأيام.

نفت رقاد عليٍّ عن محاجرهنفسٌ يفرّح نفساً غيرها الحلم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: نفي عن عينه النوم نفسه النفيسة، وهمته العالية، وكل نفس غيرها تسر بالأحلام الكاذبة.

القائم الملك الهادي الّذيشهدت قيامه وهداه العرب والعجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: هو قائم بشرائط الملك ومدبر لأمر رعيته، وهاد إلى معالم الدين، وقد حضرت ذلك منه، وعلمته سائر العرب والعجم.

ابن المعفّر في نجدٍ فوارسهابسيفه وله كوفان والحرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: هو ابن الذي قتل فرسان نجد، وعفرهم بالتراب، وهو قد ملك الكوفة والحجاز واستولى عليهما وكوفان: هي الكوفة ونواحيها. والحرم: مكة والمدينة. وأراد بما ذكر محاربة أبي الهيجاء والد سيف الدولة للقرامطة أصحاب الأحساء والبحرين.

وروى: وابن المعقر بالقاف وهو المقطع، من عقرت الدابة.

لا تطلبنّ كريماً بعد رؤيتهإنّ الكرام بأسخاهم يداً ختموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يخاطب نفسه أو صاحبه يقول: لا تطلب أحداً كريما بعد رؤيته فإن الكرام ختموا بأسخاهم، وهو سيف الدولة.

ولا تبال بشعرٍ بعد شاعرهقد أفسد القول حتّى أحمد الصّمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

الهاء في شاعره لسيف الدولة، وأحمد الصمم أي وجد محموداً.

يقول: لا تفكر في شعر بعد شاعر سيف الدولة، وعنى به نفسه، فإن الشعراء قد ختموا به كما ختم الكرام بسيف الدولة، وهو خاتم الكرام وأنا خاتم الشعراء، وقد أفسد الشعر حتى صار الصمم محموداً، لأن الإنسان إذا سمع شعر أهل هذا العصر، تمنى أن يكون أصم لا يسمع لفساده واختلاله.

بذا آخر مدائحه في سيف الدولة، وما قاله فيه بحلب.

ثم مدحه بمصر بهذه الدالية.

فارقتكم فإذا ما كان عندكمقبل الفراق أذىً بعد الفراق يد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فارقتكم فإذا ما كان عندكم»

يقول معرضاً بسيف الدولة: كانت منكم أحوال أكرهها، فأعدها قبل الفراق أذى، فكنت أتأذى، فلما فارقتكم صارت تلك الإساة والأذى نعمة إلي وإحساناً، من حيث إني إذا تذكرتها أزالت عني الشوق: وقيل: إن معناه، شكرتكم قبل أن أجرب غيركم، فعلمت أن ما ظننته أذىً كان نعمة.

إذا تذكّرت ما بيني وبينكمأعان قلبي على الشّوق الّذي أجد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فارقتكم فإذا ما كان عندكم»

يقول: كلما اشتد حزني على مفارقتكم، وغلب علي الاشتياق إليكم، تذكرت ما كنتم تعاملونني به من الإساءة، فأتسلى وتطيب نفسي لفراقكم، فيكون الأذى من هذه الجهة نعمة ويداً.

وعلى الثاني: إذا تذكرت ما بيننا من الأحوال زادني الشوق والحزن على الفراق.

وتوفيت أخت سيف الدولة الكبرى، بميافارقين من ديار بكر لثلاث بقين من جمادى الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة، وورد الخبر إلى العراق فقال أبو الطيب يرثيها في شعبان. وأملاها لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة:

يا أخت خير أخٍ، يا بنت خير أبٍ،كنايةً بهما عن أشرف النّسب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

كنيت الشيء وكنيت عنه: إذا تركت التصريح به، وعبرت بلفظ آخر يؤدي معناه. ونصب كناية على المصدر.

المعنى: أراد أن يقول: يا أخت سيف الدولة، ويا بنت أبي الهيجاء، فكنى بذلك عن قوله: يا أخت خير أخ يا بنت خير أب وأراد التصريح باسمها فعبر عنه بهذه العبارة، ثم قال: كناية بهما.

يعني: إذا قلت ذلك علم أن نسبها أشرف النسب، والغرض انتسابها إليهما لا يخص الأب وحده، وجعل كونها أختاً له: نسباً لها وهذا تعظيم شأن سيف الدولة.

أجلّ قدرك أن تسمى مؤبّنةًومن يصفك فقد سمّاك للعرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

روى: أن تسمي وأن تدني وهما متقاربان. يقال: أسميته بكذا وسميته به، وقد جمع بينهما في البيت. والتأبين: مدح الميت. ومؤبنة: نصب على الحال.

يقول: أجل قدرك أن أذكر اسمك في مرثيتك، ولكني إذا وصفت ما فيك من المحاسن والمناقب، عرفتك العرب، لأن ذلك لا يوجد في غيرك.

وقيل اراد: أني أصفك بقولي يا أخت خير أخ، يا بنت خير أب، وهذه صفة يقع بها التمييز بينك وبين سائر النساء؛ لأن هذه الصفة ليست إلا لك خاصة. وإنما أعرض عن تسميتها؛ لأن تسمية النساء من قلة المروءة ما وجد إلى تعريفها - بغير التسمية - سبيلا، أو لأجل أن سيف الدولة ربما لحقته الغيرة إذا سمع التصريح باسمها، أو لأجل أنه أراد أن يعد محاسنها، والتعريف بالأوصاف المحمودة أجل من ذكر اللقب المحض الذي لا مدح تحته. ومثله لأبي نواس:

فهي إذا سمّيت فقد وصفتفيجمع الاسم معنيين معا

وأبو الطيب - رحمة الله - قلده.

لا يملك الطّرب المحزون منطقهودمعه وهما في قبضة الطّرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

الطرب: خفة تصيب الإنسان من فرط الفرح، أو الجزع. والطرب: اسم فاعل منه.

يقول: الرجل الذي غلب الحزن على قلبه لا يملك منطقه ودمعه؛ لأنهما في قبضة الطرب، فهو مغلوب لا فعل له في ذلك.

غدرت يا موت كم أفنيت من عددٍبمن أصبت وكم أسكتّ من لجب؟؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

اللجب: الصوت في الحرب.

يقول: يا موت غدرت بهذه المتوفاة: بعد أن كنت تصل بها إلى إفناء الأعداء: الذين هم الكفار، وإلى إسكات لجبهم، لأنها تجهز الجيش، وتنفق في سبيل الله تعالى.

وقيل: إن المعنى أنك أفنيت بإفنائها كثيراً من الناس، وأسكت أصواتهم، لأنهم ماتوا بموتها، لأن حياتهم كانت بها. وهذا مثل قول الآخر:

ولكنّ الرّزيّة فقد حيٍّيموت بموته بشرٌ كثير

ومثله قول الآخر:

فما كان قيسٌ هلكه هلك آدمولكنّه بنيان قومٍ تهدّما
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة
وكم صحبت أخاها في منازلةٍوكم سألت فلم يبخل ولم تخب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول: يا موت كم صحبت أخاها في الحروب؟! وكم سألته أن يمكنك من تناول الأبطال فلم يبخل؟! هو بما سألت، ولم تعد خائباً في سؤالك عنه، ثم غدرته ونقضت ما كان بينكما من المواصلة.

طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌفزعت فيه بآمالي إلى الكذب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

خبر: مرفوع بجاءني. وفي طوى ضمير على شريطة التفسير. وفي قول الكوفيين مرفوع بالفعل الأول وجاءني مسند إلى ضميره: أي حتى جاني هو. والجزيرة: مدينة معروفة على شط دجلة بين الموصل وميافارقين.

يقول: جاءني خبر موتها من الشام وقطع الجزيرة حتى وصل إلي، فلما سمعته التجأت إلى التعلل بالآمال الكاذبة فقلت: لعله يكون كذباً، فلم ينفعني ذلك.

حتّى إذا لم يدع لي صدقه أملاًشرقت بالدّمع حتّى كاد يشرق بي
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «نعاه للفضل والعلياء والنسب»

يقول: فلما تحققت صدقه، ولم يبق فيه موضع أمل بكيت جزعاً، حتى سار دمعي وجرى في حلقي وشرقت، ثم زاد وفاض، حتى غمرني، فصرت في وسطه كالجرعة من الماء في الحلق.

تعثّرت به في الأفواه ألسنهاوالبرد في الطّرق والأقلام في الكتب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

حذف الياء من به ضرورة، واكتفى بالكسرة عنها. وروى: تعثرت بك فيكون عدولا عن الغائبة إلى مخاطبة الخبر، والهاء في به تعود إلى الخبر.

يقول: لعظم هذا الخبر تعثرت الألسن في الأفواه، فلم تقدر على أن تنطق به إذا أرادت الإخبار عنه، وكذلك البرد الذي تحملت هذا الخبر تعثرت في الطرق، وتعثرت الأقلام في الكتب، فلم تقدر أن تكتب هذا الخبر.

كأنّ فعلةً لم تملأ مواكبهاديار بكرٍ ولم تخلع ولم تهب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

لما لم يصرح باسمها كنى عنه، وذكر وزنه من الفعل وكان اسمها خولة وديار بكر: ما بين الشام والعراق.

يقول: إنها ملأت ديار بكر بجيوشها، ووهبت الأموال، وخلعت، ثم زال ذلك كله بموتها، فكأنها لم تفعل شيئاً من ذلك.

ولم تردّ حياةً بعد توليةٍولم تغث داعياً بالويل والحربٍ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقو: كأنها لم ترد حياةً على رجل بعد ما ولت عنه حياته. يعني: رجلاً أشرف على الهلاك، فأزالت عنه هلاكه، فكأنها ردت إليه حياته، وكأنها لم تغث ملهوفاً يقول: يا ويلاه ويا حرباه! يعني: أنها كانت تفعل ذلك، فبطل ذلك بموتها.

أرى العراق طويل اللّيل مذ نعيتفكيف ليل فتى الفتيان في حلب؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول: لما أخبرت بموتها طال علي الليل وأنا بالعراق لما دخل علي من الأسف، فكيف حال أخيها وهو في حلب؟! يعني: إذا انت هذه حالي في طول الليل فليله أطول.

يظنّ أنّ فؤادي غير ملتهبٍوأنّ دمع جفوني غير منسكب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

أي: ايظن سيف الدولة أن فؤادي غير محترق بالحزن، وأن دمعي غير سائل على فقدها؟!

بلى وحرمة من كانت مراعيةًلحرمة المجد والقصّاد والأدب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول: ليس الأمر كما يظن أني لم أتأسف على فقدها، بل تأسفت على فقدها ثم حلف بحرمتها فقال: وحرمة هذه المرأة التي كانت مراعية لحرمة المجد وحقوق القصاد، وحق الأدب، أن فؤادي ملتهب ودمعي منسكب لعموم هذه المصيبة القريب والبعيد.

ومن مضت غير موروثٍ خلائقهاوإن مضت يدها موروثة النّشب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

النشب: المال ومن في موضع الخبر، عطفاً على قوله: من كانت.

يقول: وحرمة من مضت، وخلائقها غير موروثة؛ لأنها لا توجد إلا فيها، وإن مضت هي موروثة المال، وأضاف النشب إلى اليد، لأن الكسب والتصرف في الغالب يقع بها. يعني إن لم تورث خلائقها فقد ورث مالها. وقد روى: مردودة النشب.

يعني: أن سماحتها التي ورثتها عن آبائها ردت عليها حياتها، حسن الذكر كما قال:

ردّت صنائعه إليه حياته

وغير موروثة نصب على الحال.

وهمّها في العلا والملك ناشئةٍوهمّ أترابها في اللهو واللّعب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الأتراب: جمع ترب وهو اللدة وأكثر ما يكون للمؤنث.

يقول: كان همها اكتساب المعالي وهي ناشئة حديثة السن، وهم أمثالها ومن كانت في سنها: اللهو واللعب. يعني: وحرمة من كانت كذلك.

يعلمن حين تحيّا حسن مبسمهاوليس يعلم إلاّ الله بالشّنب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

المبسم: الثغر. والشنب: برد الريق، وقيل أراد بالشنب ها هنا: الكناية عن المال.

والمعنى: أن أترابها يعلمن حسن مبسمها حين يجئنه؛ لأنها كانت تستعمل البشر إذا حييت، وذلك عنوان العطية، فهن يعرفن هذا القدر والله يعلم ما يتبع التبسم من المال، فكنى عن ذلك بالشنب حيث ذكر المبسم.

وقيل: أراد بالشنب المعني الحقيقي. يعني: أنهن يعرفن حسن المبسم فقط، وأما طيب ريقها وبرده فلا يعلمه أحد إلا الله تعالى، ولا تعلمه النساء فضلا عن الرجال ومثله قول جميل:

لا والذي تسجد الجباه لهما لي بما دون ثوبها خبر
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لا والذي تسجد الجباه له»
ولا بفينا ولا هممت بهما ان إلاّ الحديث والنّظر

ومثله لبشار:

يا أطيب النّاس ريقاً غير مختبرٍلا شهادة أطراف المساويك
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أخشى عليك من الجارات حاسدة»

ولغيره:

يخبّرني المسواك عن طيب ثغرهاوليس بها إلا السّؤال بذي خبر
مسرّةٌ في قلوب الطّيب مفرقهاوحسرةٌ في قلوب البيض واليلب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

اليلب: ترسة تعمل من جلود الإبل، وقيل جلود تضفر ويضم بعضها إلى بعض وتلبس على الرأس مثل البيضة، وقيل: تلبس إذا لم يكن لهم درع وقيل تحت الجواشن، وقيل تحت البيض.

يقول: إن الطيب يسر بحصوله في مفرقها؛ لأنها كانت تستعمل الطيب، والبيض واليلب يتحسران عليها ويحسدان الطيب؛ لأنها لا تلبسهما لكونها امرأة.

إذا رأى ورآها رأس لابسهرأى المقانع أعلى منه في الرّتب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

التقدير والمعنى: إذا رأى البيض رأس من يلبس البيض، ورأى هذه المرأة، علم أن المقانع أعلى منزلة من البيض؛ لأنها على رأسها، وهي أشرف من الرجال الذين يلبسون البيض واليلب.

فإن تكن خلقت أنثى فقد خلقتكريمةً غير أنثى العقل والحسب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحسب: ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، وقيل: هو كرم الخلق.

يقول: إنها وإن كانت أنثى، فعقلها وحسبها مثل الذكور وحسبهم.

وإن تكن تغلب الغلباء عنصرهافإن في الخمر معنىً ليس في العنب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

تغلب: قبيلة؛ فلهذا أنثها فوصفها بالغلباء وهي تأنيث الأغلب والعنصر: الأصل.

يقول: هي وإن كانت من تغلب، ففيها من معاني الكمال وأنواع الخصال ما ليس في تغلب، كما أن الخمر وإن كانت من العنب، ففيها معان ليست فيه: من التفريح، والتصحيح للأبدان وطيب الرائحة، وغير ذلك. ومثله قوله في سيف الدولة:

وإن تفق الأنام وأنت منهمفإنّ المسك بعض دم الغزال

وكقوله في نفسه:

وما أنا منهم في العيش فيهمولكن معدن الذّهب الرّغام
فليت طالعة الشّمسين غائبةٌوليت غائبة الشّمسين لم تغب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول: كانت كالشمس فليتها بقيت ولم تغب، وليت الشمس التي تطلع كل يوم غابت وفقدت.

وليت عين الّتي آب النّهار بهافداء عين الّتي زالت ولم تؤب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

العين الأولى: قرص الشمس، والثانية: عين المرأة المرثية.

وقيل: أراد بالعين نفس المرثية.

يقول: ليت عين الشمس التي تعود كل يوم بعد غروبها فداء عين هذه المرأة، أو فداء نفسها التي زالت بالموت ولم ترجع.

فما تقلّد بالياقوت مشبههاولا تقلّد بالهنديّة القضب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول: ليس لها شبيه في النساء اللاتي يتقلدن بالحلي، ولا في الرجال الذين يتقلدون بالسيوف. والقضيب: السيف اللطيف الدقيق.

ولا ذكرت جميلاً من صنائعهاإلاّ بكيت ولا ودٌّ بلا سبب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول: ولم أذكر جميل صنائعها إلا بكيت، وليس ودي لها بلا سبب، بل أودها لإحسانها إلي، وكل أحد إذا ود غيره فإنما يوده بسبب.

قد كان كلّ حجابٍ دون رؤيتهافما قنعت لها يا أرض بالحجب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول: كانت محجوبة لا تصل إليها العيون، فلم ترض بهذه الحجب، حتى حجبتها بنفسك.

ولا رأيت عيون الإنس تدركهافهل حسدت عليها أعين الشّهب؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول مخاطباً للأرض: ما رأيت أحداً من الإنس يراها، فهل حسدت الكواكب على رؤيتها حتى حجبتها بنفسك عن إدراك الكواكب لها؟!

وهل سمعت سلاماً لي ألمّ بها؟فقد أطلت وما سلّمت من كثب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول للأرض: أطلت ﵍، وأنا بعيد منها، فهل سمعت سلامي وصل إليها وهي في بطنك؟

وكيف تبلغ موتانا الّتي دفنتوقد يقصّر عن أحيائنا الغيب؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الغيب: جمع غائب.

يقول مستبعداً لوصول سلامه إليها: كيف يصل سلامي من المكان البعيد إلى من دفن في التراب؟ وهو يقصر عن الأحياء الغيب! فالميت أحرى ألا يصل إليه السلام. وقيل: أراد بالحي سيف الدولة.

يا أحسن الصّبر زر أولى القلوب بهاوقل لصاحبه: يا أنفع السّحب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

الهاء في بها للمرأة المرثية، وفي صاحبه تعود على: أولى القلوب.

يقول: يا أحسن الصبر زر قلب سيف الدولة، فإنه أولى القلوب بأخته، وأقربهم منها، وقل لصاحب ذلك القلب: يا أنفع السحب؛ لأن عطاياه مهنئة، بلا من ولا كدر، كالسحاب بلا صاعقة.

وأكرم النّاس لا مستثنياً أحداًمن الكرام، سوى آبائك النّجب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

النجب: جمع نجيب، وهو الكريم. ومستثنياً: نصب على الحال. أي قل غير مستثن.

يقول: وقل لصاحبه يا أكرم الناس كلهم، من غير أن تستثني أحداً من الكرام، سوى آبائه الكرام الذين هو ينسب إليهم.

قد كان قاسمك الشّخصين دهرهماوعاش درّهما المفدىّ بالذّهب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

المعنى: يا أحسن الصبر زر أولى القلوب به وقل لصاحبه: قد كان قاسمك الدهر أختيك فأخذ لنفسه الصغرى وترك لك الكبرى، فكانت كالذهب فدى به الدر. شبه الصغيرة بالذهب، والكبيرة بالدر في النفاسة.

وعاد في طلب المتروك تاركهإنّا لنغفل والأيّام في الطّلب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول: قد ترك لك الدهر الكبرى منهما، فعاد تاركها في طلب المتروكة. وهذا مثل قول الآخر:

وقاسمني دهري بنيّ بشطرهمفلمّا تقضّى شطره عاد في شطري

وقوله: إنا لنغفل مثل معناه: إنا غافلون عن حوادث الدهر، وهو في طلبنا، حتى يأتينا فجأة، ومثله للنمر بن تولب:

تدارك ما قبل الشّباب وبعدهحوادث أيّام تمرّ وأغفل
ما كان أقصر وقتاً كان بينهماكأنّه الوقت بين الورد والقرب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

تقرب الليلة، ترد الماء في صبيحتها.

المعنى: إن الوقت بينهما كان قريباً حتى كأن الصغيرة ماتت عشية، والكبرى ماتت في صبيحة تلك العشية، وكأن ما بينهما قدر ما بين القرب والورد من الوقت.

جزاك ربّك بالأحزان مغفرةًفحزن كلّ أخي حزنٍ أخو الغضب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول: جزاك الله تعالى مغفرة بهذا الحزن الذي أصابك، فهو نوع من الذنب. قال الله تعالى: " لكيلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ " و: " لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ ما أصَابَكُمْ " والحزن: أخو الغضب؛ لأنهما من أصل واحد، وإنما يفترقان من جهة الرتبة: فالحزن: هو سخط فعل من هو فوقك، والغضب: سخط فعل من هو دونك؛ لأنه غضب لما نال منه الدهر.

وأنتم نفرٌ تسخو نفوسكمبما يهبن ولا يسخون بالسّلب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول بياناً لقوله: إن الحزن أخو الغضب: إن حزنك إنما هو غضب على الدهر وأنفة من أن الدهر قدر على غضبك على أختك، لأنك وقومك تسخون بالمال عند السؤال، ولا تعطون عند المقابلة والاستيلاء.

حللتم من ملوك النّاس كلّهممحلّ سمر القنا من سائر القصب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول فضلكم على سائر الملوك، فضل الرماح على ما سواها من القصب.

فلا تنلك اللّيالي إنّ أيديهاإذا ضربن كسرن النّبع بالغرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

النبع: شجر صلب تتخذ منه القسي، ومنبته في رءوس الجبال، وما ينبت في سفح الجبال فهو: الشريان وما كان في الحضيض فهو: الشوحط وجميعها شجرتها واحدة واختلفت أسماؤها لاختلاف منابتها والغرب: شجر ضعيف يشبه شجر الخلاف.

يقول: لا أصابتك حوادث الدهر، فإن أحداً لا يقدر على دفعها، فمتى شاءت الليالي قهرت القوى بالضعيف، والعزيز بالذليل، والأصيل بالدخيل، وضرب النبع والغرب مثلا.

ولا يعنّ عدواً أنت قاهرهفإنّهنّ يصدن الصّقر بالخرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

الخرب: ذكر الحباري وجمعه خربان.

يقول: لا أعانت الليالي عدواً لك مقهورا في يدك، ذليلا في جنبك؛ فإنها إن أعانته عليك قهرك، وإن كان أضعف منك شوكةً فإنها لو أرادت أن تصيد الصقر - مع قوته - بالخرب - مع ضعفه - لامكنها ذلك. وروى: ولا يعز عدو أي لا عز عدوك وروى: ولا يعز عدواً أي الليالي لا أعزت عدواً.

وإنه سررن بمحبوبٍ، فجعن بهوقد أتينك في الحالين بالعجب

يقول: إن الليالي تجمع بين المسرة والمصيبة، وهما ضدان وهذا من العجب: وقيل: العجب أنها سرتك بحياة المرثية مسرةً عظيمة، وفجعتك بموتها فجيعة عظيمة.

وقيل: إنها سرت من غير علة، وفجعت من غير علة.

وربّما احتسب الإنسان غايتهاوفاجأته بأمرٍ غير محتسب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

غايتها: أي غاية الليالي.

يقول: ربما حسب الإنسان لنفسه غاية أحداث الليالي، وأن يعيش دهراً طويلا فتفاجئه الليالي بما لم يكن في حسابه.

وما قضى أحدٌ منها لبانتهولا انتهى أربٌ إلاّ إلى أرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

اللبانة: الحاجة وكذلك الأرب الإربة. وقيل الأرب: الغرض.

يعني: أن الإنسان ما دام في الدنيا لا يقضي منها وطره، وإن عاش دهراً طويلا، لأن ورآء كل حاجة حاجة أخرى، وهو كقول الآخر:

تموت مع المرء حاجاتهوتبقى له حاجةٌ ما بقي
للشاعر الصَّلَتان العَبْدي، اقرأ القصيدة
تخالف النّاس حتّى لا اتّفاق لهمإلا على شجبٍ، والخلف في الشّجب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

الشجب: الهلاك، وهو شجب وشاجب: أي هالك.

يقول: إن الناس اختلفوا في كل شيء، حتى لا يوجد منهم اتفاق إلا في الموت، فإنهم اتفقوا على كونه ومع ذلك اختلفوا فيه.

فقيل: تخلص نفس المرء سالمةًوقيل: تشرك جسم المرء في العطب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

هذا تفسير للخلاف في الموت.

يعني: أن الناس مع اتفاقهم على أنه كائن، اختلفوا فيه أيضاً، فقال قوم: إن الجسم يموت والنفس تبقى حية، وهو قول الفلاسفة. وقال آخرون: تموت النفس مع الجسم، وهذا قول أهل الحق. والله أعلم بالحق.

ومن تفكّر في الدّنيا ومهجتهأقامه الفكر بين العجز والتّعب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

يقول: من تفكر في أحوال الدنيا وتقلبها بأهلها، وفي حال نفسه فيها، وأراد الوقوف على حقيقة الأمر، أتعب فكره وانقطع عاجزاً لم يحصل له علم بأحوالها ولم يقف على حقيقة أمرها.

وقال يمدح سيف الدولة، وقد أنفذ إلى أبي الطيب بعد مجيئه من مصر - وهو بالعراق - هدية مرةً بعد مرة، ومالاً، وذلك في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة:

ما لنا كلّنا جوىٍ يا رسول؟!أنا أهوى وقلبك المتبول
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

جو: أي حزين، والجوى: الحزن. والمتبول: المستهام في الهوى، كأنه أصيب بنبل، اتهم رسوله بمشاركته إياه في حبه.

يقول: يا رسول ما لكل واحد منا حزين بحب هذه الجارية؟ ولم أنا العاشق وقلبك المستهام المحزون!

كلّما عاد من بعثت إليهاغار منّي وخان فيما يقول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

يقول: كلما عاد رسولي من عندها وجدت فيه الحسد علي، والغيرة من مراسلتي ومواصلتي، وخان فيما يؤديه من المراسلة.

أفسدت بيننا الأمانات عيناها، وخانت قلوبهنّ العقول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

الكناية في قلوبهن للعقول وخان فعلها أيضاً، والتقدير: وخانت العقول قلوبهن، ونسب القلوب إلى العقول؛ لأنها محلها.

يقول: إن عينيها أفسدت ما بيننا من الأمانات، فكل من ينظر إلى عينيها عشقها وغلبه الهوى على حفظ الأمانات فخان فيما يؤديه من الرسالات، وخانت العقول قلوب أصحابها، من حيث لم تصور للقلوب وجوب حفظ الأمانة وحسنت للقلوب الغدر والخيانة.

تشتكي ما اشتكيت من ألم الشّوق إليها والشّوق حيث النّحول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

يقول: تشتكي المحبوبة من الشوق مثلما اشتكيت، ثم عرض بتكذيبها في شكواها فقال: والشوق حيث النحول: أي لو كانت تشتاق كما زعمت لنحلت كما نحلت؛ لأن النحول لا يفارق الاشتياق، فلما لم تنحل دل ذلك على خلاف ما تدعيه.

وإذا خامر الهوى قلب صبٍّفعليه لكلّ عينٍ دليل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

يقول: إذا خالط الهوى قلب صب، ظهرت عليه أماراته، فكل عين رأته استدلت بهذه الأمارات على ما في قلبه من ألم الشوق.

زوّدينا من حسن وجهك ما دام فحسن الوجوه حالٌ تحول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

ما دام: أي ما ثبت. وتحول: أي تنتقل وتزول.

يقول: متعينا بالنظر إلى حسن وجهك، ما دام الحسن معك، فإنه يزول ولا يدوم.

وصلينا نصلك في هذه الدّنيا فإنّ المقام فيها قليل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

يقول: صلينا ما دمنا في الدنيا؛ فإنها دار زوال، والمقام فيها قليل، ففي قريب تزول.

من رآها بعينها شاقه القطّان فيها كما تشوق الحمول

القطان: المقيمون والحمول: الأحمال.

يقول: من رأى الدنيا بعين الدنيا، كما هي عليه، تمنى المقام فيها، كما يتمنى العاشق المقام مع أحمال المعشوق.

وقيل: معناه أن الناس في الدنيا على سفر، فمن نظر إلى الدنيا ووقف على حقيقتها علم أن المقيم فيها كالراحل عنها، فكما يجزع لفراق أصحاب الحمول ويشتاق للمحتملين، كذلك أيضاً يجزع للمقيمين، ويشتاق إليهم، فإنهم عن قريب راحلون ومثله:

وفارقتهم والدّهر هام لفرقةٍأواخره دار البلى وأوائله
إن تريني أدمت بعد بياضٍفحميدٌ من القناة الذّبول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

أدم يأدم: أي مال لونه إلى الأدمة. وهي حمرة تضرب إلى السواد.

يقول: إن كانت الأسفار لوحت وجهي، فليس ذلك بعيب، وإن كان عيباً في سواي، بل هو وصف محمود؛ لدلالته على طلبي لمعالي الأمور، كما أن الذبول محمود في القناة، وإن كان مذموماً في غيرها.

صحبتني على الفلاة فتاةعادة اللّون عندها التّبديل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

أراد بالفتاة الشمس؛ لأن الدهر لا يؤثر فيها، فكأنها كل يوم جديد.

يقول: صحبتني في الفلاة الشمس التي عادتها أن تغير الألوان، فغيرت لوني وأورثتني الأدمة.

يعني: أن الذي غير لوني طول الأسفار وملازمة القفار.

سترتك الحجال عنها ولكنبك منها من اللّمي تقبيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

اللمي: سمرة تعلو الشفة.

يقول لمحبوبته: إن الشمس لم تغير لونك؛ لأن الحجال سترتك عنها وإن على شفتك سمرة تشبة لوني فكأن الشمس قبلت شفتك، فهذه السمرة فيها من تقبيل الشمس إياك.

مثلها أنت لوّحتي وأسقمت وزادت أبهاكما العطبول

لوحت الشيء بالنار: إذا غيرته وسفعت وجهه والعطبول: الناعمة الجسم الطويلة العنق.

يقول: أنت مثل الشمس حسناً وإساءة، فهي لوحتني وأنت أسقمتني، وكلاكما دلت بالبهاء، وأبهاكما زادت في الإساءة والتأثير، وهي العطبول. يعني: كما زادت عليها في البهاء والنعومة، زادت في الإساءة إلي والتحول.

نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍأطويلٌ طريقنا أم يطول؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أدرى: أفعل التفضيل من دريت.

يقول: نحن أعلم بطريقنا هل هو طويل على الحقيقة، أم يطوله الشوق إلى المقصود، أو العوائق من رغبتي إلى غير المقصود، من الملوك ومن المرض وغير ذلك، وإن كنا نسأل عن الطريق ونستخبر الركبان عن المسافة بيني وبينه.

وكثيرٌ من السّؤال اشتياقٌوكثيرٌ من ردّه تعليل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

يقول: أنا أسأل عن حال الطريق مع علمي بها؛ اشتياقاً إلى المقصود، وكثير من السؤال يكون من فرط الاشتياق، لا عن جهل وطلب معرفة. وقوله: وكثير من رده تعليل: أي ربما رد في جواب السائل ما ليس بالجواب، وإنما هو تعليل وتطييب لنفس السائل، كقولك لمن سألك عن مكان: قد بلغته ولم يبق إلا يسير. والهاء في رده للسؤال: أي وكثير من رد جوابه، ثم حذف المضاف.

لا أقمنا على مكانٍ وإن طاب ولا يمكن المكان الرّحيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

لا أقمنا جواب قسم محذوف: أي والله لا أقمنا على مكان وإن طاب ذلك المكان. وإن المكان لا يمكنه الرحيل معنا إلى سيف الدولة.

يطمع سيف الدولة بالرجوع إليه.

يقول: والله لا أقمت ببلد وإن طاب لي، إلا أن يرحل معي إليك، فكما أنه لا يمكنه الرحيل كذلك لا أقيم عليه، والواو للحال، كأنه قال: لا أقمنا على مكان غير متمكن من الرحيل معنا.

وقيل: لا أقمنا: بمعنى الدعاء كقولك: لا يفضض الله فاك.

كلّما رحبّت بنا الرّوض قلنا:حلبٌ قصدنا وأنت السّبيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

يقول: كلما نزلنا روضة فرحبت بنا كي ننزل عليها، أي أظهرت لنا حسنها وخضرتها وطيب مكانها، فجعل ذلك بمنزلة البشر منها، والترحيب للمقام فنقول لها: حلب قصدنا، وأنت طريقنا إليها.

وقيل: أراد رحب بنا أهل الأرض.

فيك مرعى جيادنا والمطاياوإليها وجيفنا والذّميل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

الوجيف، والذميل: كلاهما سير سريع.

يقول: وقلنا للروض: وأنت طريقنا ومرعى خيلنا وإبلنا، ومسيرنا إلى حلب، وأنث الروض؛ لأنها جماعة الروضة.

والمسمّون بالأمير كثيرٌوالأمير الّذي بها المأمول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

يقول: الأمراء من حيث الاسم في الدنيا كثير، والأمير الذي بها: أي بحلب، هو الذي يرجى فضله ويؤمل نائله.

الّذي زلت عنه شرقاً وغرباًونداه مقابلي لا يزول
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: الأمير المأمول الذي بعدت عنه، وسافرت شرقاً وغرباً، وعاؤه مقابل لي حيثما كنت فهو لا يفارقني.

ومعي أينما سلكت كأنّيكلّ وجهٍ له بوجهي كفيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

أي كل ناحية وجهة من الأرض.

يقول: نداه معي أينما توجهت، حتى كأن كل مكان كفيل له بوجهي، حتى يوصلني إليه.

وإذا العذل في النّدى زاد سمعاًففداه العذول والمعذول
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا سمع العذل أحد في الجود، سمع عذله أو لم يسمعه، ففدى الله سيف الدولة كل عاذل، فإنه لا يصغي إلى عذل عاذل.

وموالٍ تحييهم من يديهنعمٌ غيرهم بها مقتول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

وموال: عطف على قوله: ففداه العذول والمعذول: يعني جعل الله أصحابه وعبيده فداءً له، فإنهم إنما يعيشون بنعمه. وقوله: غيرهم بها مقتول: معناه أنه يهبهم المال والخيل، ويعطيهم الأسلحة فيقتلون بها أعداءهم.

وقيل: معناه يقتل أعداءه فيغنم أموالهم، ويهبها أولياءه فيحييهم بها.

فرسٌ سابق ورمحٌ طويلٌودلاصٌ زغفٌ وسيفٌ صقيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

الدلاص: الدرع البراقة. والزغف: اللينة اللمس، وهذا بدل من قوله: نعم التي تقدم ذكرها وتفسيرها.

كلّما صبّحت ديار عدوٍّقال: تلك الغيوث، هذي السّيول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مالنا كلنا جو يا رسول»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.