من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
السيفيات (١٧)
يقول: كلما صبحت نعمه التي هي: الخيل والسلاح والموالي والأصحاب ديار عدو قال العدو: هذه السيول من تلك الغيوث، وأراد بالغيوث: سيف الدولة وبالسيول: مواليه وسلاحه.
يعني: أنهم إنما قدروا على أعدائهم بسيف الدولة، كما أن السيف يكون من المطر.
وقيل: الغيوث: هي عطايا سيف الدولة. والسيول: ما وهبه لأبي الطيب. والمعنى: أنه وهبني هذه الأشياء فمتى قصدت بهذه الأجناس ديار العدو قال العدو: تلك العطايا التي هي كالأمطار تتولد منها هذه السيول.
دهمته تطاير الزّرد المحكم عنه كما يطير النّسيل
النسيل: الوبر الساقط عن البعير. والهاء في دهمته للعدو.
يقول: دهمت العدو خيل سيف الدولة ومواليه فجأة، فكانت تضربه فتطاير حلق الدرع عنه، كما يسقط الوبر عن البعير، فلا تغنيه الدرع.
تقنص الخيل خيله قنص الوحش ويستأسر الخميس الرّعيل
الرعيل: القطعة من الخيل المتقدمة.
يقول: خيله تصطاد خيول الأعداء اصطياد الوحش، والرعيل من خيله، يأسر الجيش العظيم من عسكر الأعداء.
وإذا الحرب أعرضت زعم الهول لعينيه أنّه تهويل
الهول: الخوف العظيم، وكل أمر عظيم، والتهويل: ما لا حقيقة له. وأعرضت: أي قربت وظهرت.
يقول: إذا عرضت لسيف الدولة الحرب لم يعبأ بهولها، بل يستحقرها، فكأن الهول يقول: ليس لي حقيقة، فلا تبالي بي؛ لأني تهويل ولست بهول.
فإذا صحّ فالزّمان صحيحٌوإذا اعتلّ فالزّمان عليل
يقول: أحوال الزمان منوطة به، فاستقامة الزمان وصحته باستقامة أمره، وصحته وعلته، باعتلاله.
وإذا غاب وجهه عن مكانٍفيه من نثاه وجهٌ جميل
النثاء: في الخير والشر والثناء: في الخير خاصة.
يقول: إذا غاب وجهه عن مكان، ناب عنه ذكره الجميل فيه مناب وجهه.
ليس إلاّك يا عليّ همامٌسيفه دون عرضه مسلول
الأولى أن يقول: إلا إياك لكن هذا جائز.
يقول: ليس أحد من الملوك يذب عن عرضه بسيفه غيرك يا سيف الدولة.
كيف لا يأمن العراق ومصرٌوسراياك دونها والخيول؟!
كيف لا يأمن من الملوك العراق ومصر؟! وأنت تذب عنهم بسراياك التي تبعثها إلى الروم، وقتالك لهم.
لو تخرّمت عن طريق الأعاديربط السّدر خيلهم والنّخيل
السدر: رفع لأن فاعل ربط والنخيل معطوف عليه ومعناه أمسك السدر خيلهم إذا ربطت إليه وتخرمت بمعنى عدلت.
يقول: لو عدلت عن طريق الأعادي الذين هم الروم وخليت طريقهم، لدخلوا العراق ومصر، ولربطوا خيلهم في السدر والنخيل، وإنما خصهما لأنهما ليسا في ديار الروم.
ودرى من أعزّه الدّفع عنهفيهما أنّه الحقير الذّليل
فيهما أي في العراق ومصر.
يقول: لو انحرفت عن طريق الروم، لعلم من صار عزيزاً بالعراق ومصر بدفعك عنه أنه الحقير الذليل، وأن عزه بمدافعتك عنه وهذا تعريض بالخليفة، وكافور.
أنت طول الحياة للرّوم غازفمتى الوعد أن يكون القفول؟
طول: نصب على الظرف.
يقول: أنت طول عمرك تغزو الروم، فمتى ترجع إلى قوم آخرين أو متى تستريح من التعب؟!
وسوى الرّوم خلف ظهرك رومٌفعلى أيّ جانبيك تميل؟
يقول: سوى الروم روم أخر من البوادي والأعراب، فإنهم بمنزلة الروم، فعلى أيهما تميل، لأنك قد تمل من الحرب والقتال.
وقيل: إنما عنى بذلك عضد الدولة يحرضه على المجيء إلى العراق ومقاتلته إذ كان بينهما عداوة.
قعد النّاس كلّهم عن مساعيك وقامت بها القنا والنّصول
يقول: عجز الناس أن يسعوا مثل سعيك، فقامت بمساعيك الرماح والسيوف فهي تعينك على مساعيك.
ما الّذي عنده تدار المناياكالّذي عنده تدار الشّمول
ما للنفي.
يقول: ليس الملك الذي تدار عنده المنايا ويشتغل بالحروب والقتال، كالملك الذي تدار عنده الخمر ويشتغل باللهو واللعب والشرب، عن الاجتهاد في الحرب والقتال.
لست أرضى بأن تكون جواداًوزماني بأن أراك بخيل
يقول: لا أرضى بأن تبعث إلي الهدايا وأنا متأخر عنك، وزماني يبخل علي برؤيتك ويمنعني مشاهدتك.
نغّص البعد عنك قرب العطايامرتعى مخصبٌ وجسمي نحيل
يقول: كدر بعدي عنك ما تبعثه إلي من العطايا، فمربعي خصيب بعطاياك وجسمي نحيل للوعة الشوق إلى لقياك.
إن تبّوأت غير دنياي داراًوأتاني نيلٌ فأنت المنيل
تبوأت: أي سكنت.
يقول: عطاياك تصل إلي بكل مكان توجهت إليه فلو خرجت من الدنيا وسكنت داراً غيرها ثم وصل إلي البر والنيل لكنت أنت المعطي لذلك البر.
من عبيديإن عشت لي ألف كافو رٍ ولي من نداك ريفٌ ونيل
الريف: ما أحدق بسواد العراق وأشرف عليه من نجد، والريف أيضا رستاق مصر وقراها - وهو المراد ها هنا - وهو ما كان تحت النيل، وما كان فوقه الصعيد، والنيل: نهر مصر، وهو أيضاً نهر بالعراق جاء من الفرات، ويسقي سواد الكوفة.
يقول: إن عشت لي أعطيتني من المال ما أشتري به من المماليك، وأسمي ألفاً منهم كافوراً، وحصل لي من جهتك ريف ونيل: أي تملك مصر كلها وتهب لي ما على النيل من ريفه.
ما أبالي إذا اتّقتك المنايامن دهته حبولها والخبول
الحبول: الدواهي والخبول: الفساد.
يقول: إذا سلمت من المنايا فلا أبالي بمن أصابته المنايا، فإنك عوض عن كل هالك.
وورد المستنفرون من الثغور على سيف الدولة، يذكرون إحاطة الدمستق وجيوش النصرانية بطرسوس واستسلام أهلها إن لم يغاثوا، أو يبادروا، وكان في بقية علة عرضت له، فبرز للوقت وسار، وكان الدمستق قد شحن الدرب الذي يلي الثغور والشام بالرجال، فلما اتصل بالدمستق خبره أفرج عن منازلة طرسوس، وولي على عقبه قافلاً إلى بلده ولم يظفر بشيء، وبلغ الخبر أبا الطيب وكتب إليه سيف الدولة كتاباً يستدعيه فأجابه في شوال. سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة.
فهمت الكتاب أبرّ الكتبفسمعاً لأمر أمير العرب
سمعاً: نصب على المصدر، وكذلك في البيت الذي يليه، وهو قوله: طوعاً وابتهاجاً وأبر الكتب: أي أصدقها. وقيل: أبلغ الكتب وأصدقها في البر بالمكتوب إليه.
وطوعاً له وابتهاجاً بهوإن قصّر الفعل عمّا وجب
الابتهاج: الفرح، والهاء في به وله للكتاب، ويجوز أن يكون ضمير الأمير: أي سميع مطيع لأمرك، وإن كنت مقصراً عن واجب حقك.
وقيل: معناه أنا مطيع لك، وإن كنت مقصراً في حقي.
وما عاقني غير خوف الوشاةوإنّ الوشايات طرق الكذب
ما عاقني: أي ما منعني.
يقول: ما منعني من خدمتك وقصدي إليك إلا ما سعى بي إليك السعاة من السعايات، وأنواع الوشايات، فكانوا يغرونك بي وبالإساءة إلي، والوشايات طرق الكذب يعني إنهم إذا وشوا كذبوا، وزادوا، فالوشايات لا بد لها من الكذب والزيادة.
وتكثير قومٍ وتقليلهموتقريبهم بيننا والخبب
التقريب؛ ضرب من سير الفرس، والخبب: السير السريع، وعنى بها ها هنا السعاية.
يقول: إنما منعني من خدمتك قول الوشاة، وتكثيرهم قولهم مرة، وتقليلهم أخرى، وتقريبهم وتخببهم في الإفساد بيني وبينك. يعني: أنهم يستعملون كيدهم من كل وجه.
وقد كان ينصرهم سمعهوينصرني قلبه والحسب
يقول: إنه كان يسمع من الوشاة ما يقولون، وهذا ينصرهم، ولكن كان قلبه وكرمه معي، لأنه لم يصدقهم على قولهم، فهذا كان نصرة لي.
وما قلت للبدر أنت الّلجينولا قلت للشّمس أنت الذّهب
يقول: لم أنقص من مدحك شيئاً، كما ينقص من البدر إذا شبه بالفضة، والشمس إذا شبهت بالذهب، حتى تغريهم بي وتغضب علي.
فيقلق منه البعيد الأناةويغضب منه البطيء الغضب
يقول: ما قلت له ما يوجب نقصاً له حتى يقلق ويضطرب مع حلمه وأناته ومعنى قوله: البعيد الأناة هو تمام الحلم وغاية الرفق، كما يقال: بعيد الغور أي ما قلت شيئاً ينكره، حتى يغضب البطيء الغضب، وأراد بالبعيد الأناة والبطيء الغضب: سيف الدولة.
وما لاقني بلدٌ بعدكمولا اعتضت من ربّ نعماي رب
ما لاقني: أي حبسني. يقال: دخلت المدينة فما لاقتني، أي: ما أعجبتني وما حبستني. ويقال: لاقني وألاقني، ومنه قولهم: لقت الدواة ولقتها بكسر اللام وضمها: إذا حركتها ليعلق بها المداد، ويقال للكرسفة الليقة. وقوله: من رب نعماي رب في موضع النصب، وكان من حقه أن يقول: رباً لأن المنصوب المنون إذا وقف عليه أبدل التنوين ألفاً، ولكنه أجراه مجرى المرفوع والمجرور في إسقاط التنوين في الوقف، ومثل هذا جائز في القافية، وخفف الباء أيضاً؛ لأن الحرف المشدد إذا وقع حرف الروى خفف.
يقول: ما حبسني بلد منذ فارقتكم، ولا وجدت من جميع الملوك عوضاً عنكم. وخاطبه بخطاب الجمع: تعظيماً له وتفخيماً لقدره.
ومن ركب الثّور بعد الجواد أنكر أظلافه والغبب
غبب الثور وغبغبه: ما تدلى تحت حلقه.
يعني: لو اعتضت منه ملكاً غيره، كنت مثل: من ترك الفرس الجواد وركب الثور، ومثله قول خداش بن زهير:
ولا أكون كمن ألقى رحالتهعلى الحمار وخلّى صهوة الفرس
وما قست كلّ ملوك البلادفدع ذكر بعضٍ، بمن في حلب
التقدير: ما قست كل ملوك البلاد بمن في حلب.
المعنى: أنا لا أقيس به جميع الملوك، فكيف أقيس به بعضهم؟!
ولو كنت سمّيتهم باسمهلكان الحديد وكانوا الخشب
الخشب: جمع خشبة.
يقول: كيف أقيس به غيره من الملوك؛ وهم إلى جنبه كالخشب من الحديد؟! ولو سميتهم باسم سيف الدولة، لكان هو سيفاً حديداً، وكانوا هم سيوف خشب.
أفي الرّأي يشبه، أم في السّخاء أم في الشّجاعة، أم في الأدب؟
يقول: في أي شيء من مناقبه يشبهونه في رأيه؟ أم في سخائه؟ أم في شجاعته؟ أم في أدبه! يعني: أنه أفضل منهم في هذه الأوصاف.
مبارك الاسم، أغرّ اللّقبكريم الجرشّي، شريف النّسب
الجرشي: النفس.
يقول: هو مبارك الاسم، لأن اسمه علي والعلو محبوب مبارك. وقوله: أغر اللقب: أي مشهور اللقب، لأنه إذا قيل سيف الدولة عرف في الآفاق، وهو كريم النفس، شريف النسب؛ لأنه من العرب وآباؤه الأمراء.
أخو الحرب، يخدم ممّا سبىقناه، ويخلع ممّا سلب
يخدم: من قولك أخدمت الرجل، إذا أعطيته خادماً يخدمه. وفاعل سبي: قناه، وأسند الفعل إليه، لأنه يستعان به على السبي.
يقول: هو أخو الحرب أي عارف بها، كما يعرف الأخ أخاه، أو يحبها كما يحب الأخ أخاه، أو ملازم لها ونشأ معها كما ينشأ الأخ مع أخيه، وهو يسبي الجواري والغلمان، ثم يهبها لأصحابه، ويخلع عليهم مما سلب من أعدائه.
إذا حاز مالاً فقد حازهفتىً لا يسرّ بما لا يهب
يقول: إذا حاز المال وجمعه واستفاده، فإنما يحوز للهبة، وهو الفتى الذي لا يسر بما لا يهب.
وإنّي لأتبع تذكارهصلاة الإله وسقي السّحب
يقول: إذا ذكره عقب ذكره بالصلاة والدعا بالسقيا، فيقول: صلى الله عليه وسقى دياره وربوعه.
وأثني عليه بآلائهوأقرب منه نأى أو قرب
يقول: إنما أشكر نعمه إذا ذكرته، وأمدحه بمآثره وأقرب منه بالمحبة والموالاة سواء كان قريبا مني أو بعيداً.
وإن فارقتني أمطارهفأكثر غدرانها ما نصب
الهاء في غدرانها للأمطار.
يقول: إن بره وإن كان قد انقطع فبقيتها عندي لم تنفذ.
أيا سيف ربّك لا خلقهويا ذا المكارم لا ذا الشّطب
يجوز: يا سيف ربه باختلاس كسرة الهاء، ويا سيف ربك.
يقول: أنت سيف الله لا سيف الخلق، وأن تسمي: ذا المكارم أولى من أن تسمي: ذا الشطب. وهي الطرائق التي في السيف.
وأبعد ذي همّةٍ همّةًوأعرف ذي رتبةٍ بالرّتب
أراد: يا أبعد ذوي الهمم وأعرف ذوي الرتب، وأقام الواحد مقام الجماعة. وهمةً: نصب على التمييز.
يقول: يا من همته أبعد من همة كل صاحب همة، ويا من هو أعلم بالرتب من كل من له رتبة ومنزلة.
وأطعن من مسّ خطّيّةًوأضرب من بحسامٍ ضرب
يقول: يا من هو أحذق الناس بالطعن والضرب.
والمعنى: أنت أعرف الحاملين للرمح بالطعن، وأضرب الضاربين بالسيوف وأقام الواحد مقام الجمع.
بذا اللّفظ ناداك أهل الثّغورفلبّيت والهام تحت القضب
يقول: ناداك أهل الثغور بهذا اللفظ، وهو ما تقدم من قوله: يا سيف ربك وما بعده. حين أتى الدمستق على ثغورهم، فلبيتهم وأجبتهم وخلصتهم بعد ما صارت رءوسهم تحت سيوف الروم.
وقد يئسوا من لذيذ الحياةفعينٌ تغور وقلبٌ يجب
غارت العين: إذا دخلت في الرأس. ووجب القلب: إذا خفق.
يقول: أعنتهم بعد أن انقطع رجاؤهم من الحياة وأشرفوا على الهلاك.
وغرّ الدّمستق قول الوشاة: إنّ عليّاً ثقيلٌ وصب
الوصب: ناحل الجسم، وقيل: هو الذي يجد الألم.
يقو: اغتر الدمستق بخبر علتك، وقدر أنك لا تقدر على نصرة أهل الثغور وصيانتهم
وقد علمت خيله أنّهإذا همّ وهو عليلٌ ركب
الهاء في خيله قيل للدمستق.
والمعنى: أنها تعلم أن سيف الدولة مع علته، لو هم بالركوب لركب؛ لما شاهدت منه فيما مضى من الحروب.
وقيل: أراد به أن خيل سيف الدولة علمت ذلك.
أتاهم بأوسع من أرضهمطوال السّبيب قصار العسب
السبيب: شعر العرف والذنب. والعسب: جمع العسيب، وهو العظم الذي ينبت عليه الذنب، ويستحب في الفرس طول شعر ذنبه، وقصر عسيبه.
يقول: أتى الدمستق أهل الثغور بخيل، موضعها من الأرض أوسع من أرضهم، ونصب طوال وقصار على الحال.
تغيب الشّواهق في جيشهوتبدو صغاراً إذا لم تغب
يقول: كانت الجبال الشواهق تغيب في جيش الدمستق لكثرته، فإن ظهرت الجبال ولم تغب تبدو صغاراً.
ولا تعبر الرّيح في جوّهإذا لم تخطّ القنا أو تثب
الهاء في جوه للجيش وإذا لم تخط القنا هو من تخطيت القوم: إذا جاوزتهم، وهو فعل الريح، وتثب عطف عليه والقنا في موضع النصب، لأنه مفعول قوله: إذا لم تخط.
يقول: لا تقدر الريح أن تنفذ في جو هذا الجيش إلا أن تخطت القنا وجاوزته، أو وثبت من فوقه، وإلا لم يمكنها أن تنفذ في جوه.
فغرّق مدنهم بالجيوشوأخفت أصواتهم باللّجب
يقول: إن الدمستق ملأ مدن الثغور بخيله، حتى غرقت في جيوشه، وأخفى أصوات أهل المدن بلجب جيوشه.
فأخبث به طالباً قتلهموأخبث به تاركاً ما طلب
أي ما أخبثه في الحالين؟! يقول: ما أخبثه حين جاء يقاتل المسلمين، وما أخبثه حين هرب وانقاد للعار والضيم، فهو في كلا الحالين خبيث وطالبا وتاركاً نصب على الحال.
نأيت فقاتلهم باللّقاءوجئت فقاتلهم بالهرب
يقول: لما بعدت عن أهل الثغور، قصدهم الدمستق ولقيتهم، فلما جئت هرب وتركهم، فكان هذا قتاله.
وكانوا له الفخر لمّا أتىوكنت له العذر لمّا ذهب
وكانوا: أي أهل الثغور.
يقول: كان أهل الثغور فخراً للدمستق لما أتى لأنه كاد يقهرهم ولما ذهب كنت له العذر، لأن مثله لا يقاومك.
سبقت إليهم مناياهمومنفعة الغوث قبل العطب
الغوث: مصدر أغاثه إذ أنقذه.
يقول: سبقت إليهم قبل وصول هلاكهم إليهم، فأغثتهم قبل أن يهلكوا. والغوث إنما ينفع قبل الهلاك، وأما بعده فلا فائدة فيه.
فخرّوا لخالقهم سجّداولو لم تغث سجدوا للصّلب
يقول: لما أغثت أهل الثغور سجدوا لله تعالى شكرا، وبقوا على الإسلام، ولو لم تنصرهم لألجأهم الكفار أن يسجدوا للصلب.
وكم ذدت عنهم ردىً بالرّدىوكشّفت من كربٍ بالكرب
يقول: كم مرة دفعت الهلاك عن أهل الإسلام؛ بإهلاك أعدائهم؟! وكشفت الغم عنهم بالغم الذي أوقعت فيه أعداءهم.
وقد زعموا أنّه إن يعديعد معه الملك المعتصب
المعتصب: المتوج.
يقول: إن الناس زعموا أن الدمستق إذا عاد إلى الثغور عاد معه ملكهم الأعظم، صاحب التاج.
ومتى قيل: لم قال: يعد معه الملك المعتصب والعود إنما يكون بعد البدء، والملك لم يكن قصدهم قبل ذلك؟ قيل له: قد جاء العود في معنى الابتداء كما قال الله تعالى: " أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا ".
وقيل: إن هذا الاعتراض غير متوجه؛ لأن قوله: يعد معه فعل الدمستق، ومعه الملك المعتصب في موضع نصب على الحال: أي يعد ومعه الملك وهذه الواو، تحذف إذا كان في الحال ضمير يرجع إلى صاحبها والملك على هذا يرفع بالابتداء، وعلى الوجه الأول يرتفع لفعله.
وقلت: إن يعد في معنى الابتداء، وحسن ذكره ها هنا لتعلقه بالأول، فيكون قد أجرى عليه لفظاً يتعلق به، إذ لا شك أن العود الأول على حقيقته، فلما تعلق الثاني به أجرى مجراه، كقوله تعالى: " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيئَةٌ مِثْلُهَا ".
ويستنصران الّذي يعبدانوعندما أنّه قد صلب
يقول: زعموا أن الدمستق والملك يرجعان ويطلبان النصرة ممن يعبدانه، وهو المسيح ﵇، وفي اعتقادهما أنه قد صلب، فكيف يقدر أن يدفع عنهم القتل، وهو لم يقدر على أن يدفعه عن نفسه! يتعجب من عقول النصارى وفساد اعتقادهم.
ويدفع ما ناله عنهمافيا للرّجال لهذا العجب!
اللام الأولى مفتوحة؛ لأنها لام الاستغاثة للمدعو، والثانية مكسورة؛ لأنها لام المتعجب منه المدعو إليه.
والمعنى: أنه يتعجب من قول النصارى. أي كيف يدفع عنهما ما ناله من القتل في اعتقادهما! فلو قدر لدفع عن نفسه!
أرى المسلمين مع المشركين إمّا لعجزٍ وإمّا رهب
كأنه كان قد انضم طائفة من المسلمين إلى الروم! فقال: أراهم معهم ولا أدري لأي علة؟! أعجزوا عن قتالهم؟ أو خافوا منهم! وقيل: المعنى أن المسلمين قد وافقوا النصارى وصدقوهم في زعمهم أن المسيح ينصرهم وذلك إما لعجز عنهم أو لخوف منهم.
وأنت مع الله في جانبٍقليل الرّقاد كثير التّعب
يقول: أنت مع أمر الله وطاعته، قليل النوم، لحفظ الثغور كثير التعب، لإدامة الحرب.
وقيل: إن المسلمين قد وافقوا النصارى على قولهم وأنت متوكل على الله، مستنصر به، غير مائل إلى قول النصارى في استنصار المسيح ﵇.
كأنّك وحدك وحّدتهودان البريّة بابنٍ وأب
يقو: أنت تفردت بتحمل المشاق في مجاهدة الكفار، حتى كأنك متفرد بالتوحيد، وسائر الناس اعتقدوا النصرانية.
فليت سيوفك في حاسدٍإذا ما ظهرت عليهم كئب
يقول: ليت سيوفك بعد ظهورك على الأعداء، تقتل كل حاسد حزين والتقدير على هذا البيت: سيوفك إذا ما ظهرت على الأعداء في حاسد كئب.
وقيل: معناه ليت سيوفك تقتل كل حاسد يحزن لظفرك بالأعداء.
وليت شكاتك في جسمهوليتك تجزي ببغضٍ وحب
يقول: ليت علتك هذه في جسم حاسدك، وليتك تجزي كل إنسان بحسب قدره في بغضه وحبه.
يعني: لو فعلت ذلك لكنت أحسن حالا من سائر الناس، ولو جزيت الأعداء ببغضك لما أبقيت أحداً.
فلو كنت تجزي به نلت منك أضعف حظٍّ بأقوى سبب
يقول: لو كنت تجزي كل أحد ببغض وحب، لنلت ما أتمناه من قتل من كادني على محبتي لك.
وقال أيضا بمدح سيف الدولة:
سيف الإله على أعلى مقلّدةوموضع العزّ منه فوق مقعده
المصراع الثاني قيل: لم يتممه أبو الطيب! وقيل: بل تممه ولم يرو عنه إتمامه.
وقيل إن تمامه قوله: وموضع العز منه فوق مقعده.
وقيل: إن هذه اللفظة فوق مقعده لم يعترف بها المتنبي. وقيل: إنه قال: ألقيتها فلا تنسبوها إلي.
والمعنى: سيف الله على أرفع رجل قلد السيف. وموضع الشرف من هذا السيف هو السماء، لا موضع الذي يرى أنه مقعداً، أو الموضع الذي قعده.
ما اهتزّ منه على عضوٍ يسيّرهإلاّ اتّقاه بترسٍ من مخلّده
المخلد: موضع الخلد، وهو القرط.
يقول ما تحرك السف على عضو عدو، يريد أن يرمي به إلا اتقاه ذلك الجسم بأكثر من مطلوبه، وهو أن يترس موضع القرط من موخر عنقه.
ذمّ الإله إليه من محبّتهما ذمّ في بدرٍ من حمد حامده
يقول: ذم الله تعالى إلى سيف الدولة من أحبابه، جزعهم وذلهم في هذه الحرب الذي صبر فيها سيف الدولة دونهم، مثل ما ذم ﷻ من حمده النبي ﷺ من بعض أصحابه وأحبته في يوم بدر، لما ذلوا وفزعوا بقوله تعالى: " وَلَقَدْ نَصَرَكُم الله بِبَدْرٍ ".
شمسٌ، إذا الشّمس لاقته على فرسٍتردّد النّور منها في تردّده
يقول: هو كالشمس فإذا قابلته الشمس وهو على فرس رد شعاعها إلى نفسها كثرة جولان هذا الفارس.
والمعنى: أنه إذا ركب بجيشه حجب بالغبار نور الشمس.
لم يقبح الحسن إلاّ عند طلعتهكالعبد يقبح إلاّ عند سيّده
يقول: إن الحسن إذا رؤى بحضرته يفتضح بحسنه، ويقبح لكمال جماله كالعبد لا يقبح إلا عند سيده. وحذف لا من قوله: كالعبد يقبح
قالت عن السّير طب نفساً فقلت لهالا يصدر العبد إلاّ بعد مورده
أي قالت العاذلة أو المحبوبة أو غيرهما، ممن يشفق عليه: كفاك ما سرت من الدنيا فأقم، فقلت لها: إني ما سرت بعد إلى من هو المقصود، ولا وردت موردي، فكيف أصدر؟ لأن الصدر بعد الورود، يحسن ويكمل.
نفسٌ تصغّر نفس الدّهر من كبرٍلها نهى كهله في سنّ أمرده
يقول: نفسه من كبرها وعظمها تصغر نفس الدهر، والضمير في الكهل يعود إلى النفس والضمير في الأمرد يعود إلى الدهر
لم أعرف الجود إلا مذ عرفت فتىًلم يولد الجود إلاّ عند مولده
يريد: منذ وقت مولده، فحذف للعلم به.
والمعنى: أن الجود يدور معه، ولم يكن قبل مولده جود فلما ولد هو وجد الجود.
وقال أيضاً فيه بديهاً:
يا سيف دولة ذي الجلال ومن لهخير الخلائق والعباد سميّ
إن عنى بذي الجلال، الله تعالى فهو في هذا الموضع قبيح، لأنه لا يقال: دولة الله تعالى.
وإن عنى به الخليفة فهو أشنع، لأن هذا الوصف لا يطلق على غير الله تعالى.
يقول: يا سيف الدولة من هو كذلك، يا سمي خير البرية وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
انظر إلى صفّين حين أتيتهافانصاع عنها الجحفل الغربيّ
انصاع: تفرق.
يقول: انكشف عنك العسكر من الغرب فانهزموا. فشبه المعركة بصفين.
فكأنّه جيش ابن حربٍ رعتهحتّى كأنّك يا عليّ، عليّ
العسكر الغربي: جيش الإخشيد فهزمته حتى كأنك يا علي، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ﵁.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع