تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

السيفيات (١٣)

يقول: إن كنت لا تعطيهم الأمان والذمة بطاعتهم لك، أو رغبة منك في ذلك. وقيل: معناه. متبرعاً، وقد عاذوا بك والتجأوا إليك، وعوذهم بك يوجب حفظهم.

وإنّ نفوساً أمّمتك منيعةٌوإنّ دماءً أمّلتك حرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول مؤكداً للمعنى الأول: قصدهم إليك، تحصين نفوسهم، ورجاؤهم لك، يصون دماءهم، فنفوسهم منيعة ودماؤهم حرام.

إذا خاف ملكٌ من مليكٍ أجرتهوسيفك خافوا والجوار تسام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

الواو في قوله: وسيفك للعطف. وتسام: أي تكلف، وتطلب منك.

يقول: من عادتك إجارة كل ملك خاف ملكاً آخر، وهؤلاء خافوا سيفك فاستجاروا بك، والتجأوا إليك، وكلفوك إجارتهم، فالأولى أن تجيرهم.

لهم عنك بالبيض الخفاف تفرّقٌوحولك بالكتب اللّطاف زحام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: إذا لقوك في الحرب تفرقوا عنك، خوفاً من السيوف الخفاف، ثم يجتمعون حولك ويزدحمون عليك طلباً للصلح، ويرسلون إليك كتباً لطافاً يسألونك فيها العفو. وإنما جعلها لطافاً، لأنها كتب مبعوثة على كتمان، فكل كبير وبطريق يتقرب إليه بكتاب لطيف، سراً عن صاحبه!

تغرّ حلاوات النّفوس قلوبهافتختار بعض العيش وهو حمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: إن حلاوات النفوس تغر القلوب، حتى تختار قلوب بعض الناس العيش والذل، وهو مثل الموت.

وشر الحمامين الزّؤامين عيشةٌيذلّ الذي يختارها ويضام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

الزؤام: السريع.

يقول: العيش في الذل أحد الحمامين السريعين، وهو أشرهما.

فلو كان صلحاً لم يكن بشفاعةٍولكنّه ذلّ لهم وغرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: هذا الصلح ليس بصلح، وإنما هو ذل لهم وعقوبة وغرامة يحملونها لك؛ لأن الصلح لا يكون بالشفاعة وإنما يكون صلحاً إذا استوى فيه الفريقان وأراجه الخصمان.

ومنّ لفرسان الثّغور عليهمبتبليغهم ما لا يكاد يرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

الثغر: موضع المخافة.

يقول: هذا الصلح ذل لهم وغرام، وتفضل لفرسان الثغور من المسلمين عليهم، حيث ساروا معهم إليك، وبلغوهم إلى ما ما لا يكاد يطلب منك، فلولا أنهم صحبوا لهم، لم يقدروا على الوصول إليك.

كتائب جاءوا خاضعين وأقدمواولو لم يكونوا خاضعين لخاموا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إنما أقدموا عليك لأنهم جاءوك خاضعين سائلين، ولو كانوا محابين لم يجسروا على الإقدام، فيكون المراد بالكتائب: رسل الروم.

وقيل: أراد به فرسان الثغور.

كتائب جاءوا إليك خاضعين متشفعين للروم، ولو لم يكن كذلك لجبنوا عن الحروب، وعن الوصول إليك.

وعزّت قديماً في ذراك خيولهموعزّوا، وعامت في نداك وعاموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: لما وصلوا إليك أمنوا وعزوا، واستراحت خيلهم، وأفضلت عليهم حتى عاموا في نعمك وإحسانك، ولم تزل تفعل ذلك بهم في قديم من الزمان إذا صدروا إليك واستذموا بجوارك. والمراد به الرسل.

وعلى الثاني: أن أهل الثغور عزوا بك وعاموا في نداك قديماً وحديثاً؛ لأنك أهل ثغر المسلمين.

على وجهك الميمون في كل غارةٍصلاةٌ توالي منهم وسلام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

قوله: توالى أصله تتوالى، منهم. قيل: الضمير يرجع إلى الروم، ومعناه: قد عمهم فضلك وإحسانك وبهرهم إقدامك، وكلما أغرت عليهم ورأوا وجهك دعوا لك وأتبعوك بالسلام، لما يروا من جمالك وشجاعتك، مع إغارتك عليهم وقتلك إياهم، وهو مثل قوله:

ومن شرف الإقدام

وقيل: إن الضمير في منهم يعود إلى فرسان الثغور، أراد صلاتهم وسلامهم عليك يتصل في كل غارة تكون لك على الروم.

وكلّ أناسٍ يتبعون إمامهموأنت لأهل المكرمات إمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: كل أحد يقتدى بغيره في المكارم، وأنت إمام لأهلها، فكل كريم يقتدى بك في المكارم. ويشبه قوله أيضاً:

يمشي الكرام على آثار غيرهموأنت تخلق ما تأتي وتبتدع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»
وربّ جوابٍ عن كتابٍ بعثتهوعنوانه للنّاظرين قتام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

القتام: الغبار وعنوان الكتاب: ما يكتب على ظهره.

يقول: ربما كتب إليك ملك الروم كتاباً قبل هذه المرة، فقصدته بجيشك، وجعلته جواب كتابه، فصار غباره يدل عليه، كما يدل العنوان على الكتاب: ممن هو؟ وإلى من هو؟

تضيق به البيداء من قبل نشرهوما فضّ بالبيداء عنه ختام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: هذا الجواب الذي بعثته هو الجيش تضيق به البيداء من قبل نشره عن كتائبه ولم يفض عنه ختمه يعني: أنه ما تفرق أو هو مجتمع غير منتشر.

حروف هجاء النّاس فيه ثلاثةٌ:جوادٌ، ورمحٌ ذابلٌ، وحسام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: حروف هذا الكتاب ثلاثة: فرس جواد، ورمح ذابل، وسيف قاطع، لما جعل الجيش كتاباً جعل حروفه هذه الثلاثة.

أذا الحرب قد أتعبتها فاله ساعةًليغمد نصلٌ أو يحلّ حزام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: إنك قد أتعبت الحرب، يعني أهلها بكثرة إنهاضهم لها، فاتركها ساعة ليستريح الناس ويغمدوا سيوفهم ويحلو حزم خيلهم، ويحطوا سروجها.

وقوله: أذا الحرب قيل: الهمزة للنداء: أي يا ذا الحرب. وقيل: هو إذا يعني: إذا أتعبت الحرب.

وإن طال أعمار الرّماح بهدنةٍفإنّ الّذي يعمرن عندك عام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

الهدنة: الصلح وعمر الرجل يعمر: إذا طال عمره.

يقول: أطول أعمار الرماح بصلحك معهم عام واحد، ثم تعود إلى قتالهم فتقصر أعمار الرماح بالكسر والحطم، لأنك لا تصبر على قتالهم، فلا تعقد الهدنة إلا سنة واحدة.

وما زلت تفني السّمر وهي كثيرةٌوتفني بهنّ الجيش وهو لهام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

جيش لهام: أي كثير يلتهم كل شيء ويبتلعه.

يقول: لم تزل تكسر الرماح بالطعن وتفني بها الجيش، أي ذلك عادتك.

متى عاود الجالون عاودت أرضهموفيها رقابٌ للسّيوف وهام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

الجالون: الذين تركوا بلادهم هرباً منه، الواحد: جال.

يقول: متى عاود الذين هربوا عن بلادهم من الروم إليها؛ عاودت أرضهم بالغارة والقتل، وتكون الرقاب التي ضربتها بسيوفك والهام التي فلقتها بعد، ساقطة لم تبل.

يصف قرب المدة التي يعاودهم فيها.

وقيل: معناه أنهم متى عاودوا أرضهم وحصلوا فيها، وعلمت أن هناك رقاباً تضربها، وهاما تفلقها، فإنك تعود إليهم؛ لأنك إنما تركت غزوك لجلائهم عنها.

وربّوا لك الأولاد حتّى تصيبهاوقد كعبت بنتٌ وشبٌ غلام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

كعبت الجارية: إذا نتأ ثديها وشب الغلام: ارتفع سنه، وأخرج من الصبي.

يقول: إن هؤلاء الروم يربون أولادهم لتسبيهم وتأخذهم في أحسن أحوالهم، وهو إذا كعبت الجارية، وارتفع سن الغلام، أي عاقبة أمرهم تعود إلى ذلك.

جرى معك الجارون حتّى إذا انتهواإلى الغاية القصوى جريت وقاموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: إن الكرام جاروك في مضمار المجد، فلما انتهوا إلى أقصى الغاية وقفوا، وجريت أنت وحدك، لم يجارك أحد بعد.

وقيل: أراد أنهم جروا معك إلى المجد في المعركة، إلى أن اشتد القتال فقاموا، وجريت أنت.

فليس لشمسٍ مذ أنرت إنارةٌوليس لبدرٍ مذ تممت تمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: أنت أنور من الشمس، وأكمل في الخصال من البدر، فخفي بنورك نور الشمس، وانتقص بكمالك كمال البدر.

وقيل: أراد بالشمس والقمر، ملوك عصره وكرام دهره، أي أنه أشرق عليهم وطمس معالم أفعالهم ومكارم خصالهم.

وتجمعت عامر بن صعصعة، وعقيل، وقشير، وعجلان وأولاد كعب ابن ربيعة بن عامر، بمروج سلمية، وكلاب بن ربيعة بن عامر ومن ضامهم بماء يقال له الزرقاء، بين خناصرة وسورية، ونمير بن عامر بدير دينار من الجزيرة وتشاركوا ما يلحقهم من سيف الدولة وتوافقوا على التذام فيما بينهم، وشغله من كل ناحية والتناصر إن قصد طائفة منهم، وبلغه ما عملوا عليه، وأقل الفكر فيهم، فأطغاهم كثرة عددهم وعددهم، وسولت لهم أنفسهم الأباطيل، واستوىل على تدبير كعب عقيلها، وحسن ذلك لهم قواد كانوا في عسكر سيف الدولة، فسار إليهم وظفر بهم فقال أبو الطيب يذكر ما جرى ويمدحه سنة أربع وأربعين وثلاث مئة.

تذكّرت ما بين العذيب وبارقمجرّ عوالينا ومجرى السّوابق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

العذيب: اسم ماء لبني تميم. وبارق: اسم موضع. والمجر: يجوز أن يكون موضع الجر، وأن يكون مصدراً. والمجرى: بفتح الميم موضع الجر، ومصدر كالجري. وبالضم: موضع الأجراء ومصدر كالإجراء، وقد روى: مجرى السوابق بضم الميم وفتحها وما في قوله: ما بين العذيب قيل: اسم في موضع نصب بتذكرت، ومجر عوالينا: بدل عنه. ومجرى: عطف عليه، ويجوز أن يكون صفة له.

والمعنى: تذكرت الموضع الذي بين العذيب وبارق بعد مفارقتي له، وكان ذلك الموضع مجر رماحنا ومجرى خيلنا: إما لعباً أو حرباً. وقيل ما زائدة وبين ظرف ومجر بعده نصب بتذكرت: أي لما حصلت بين العذيب وبارق تذكرت هناك جر رماحنا وإجراء خيلنا.

وصحبة قومٍ يذبحون قنيصهمبفضلات ما قد كسّروا في المفارق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: تذكرت صحبة قوم أبطال، إذا قنصوا صيداً ذبحوه ببقايا سيوفهم التي كسروها في رءوس أعدائهم.

وليلاً توسّدنا الثّويّة تحتهكأنّ ثراها عنبرٌ في المرافق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

توسدنا الثوية: أي اتخذناها وسادة، والثوية: أرض بالكوفة. والثرى: التراب الرطب والهاء في ثراها للثوية وفي تحته لليل، وقيل: للثوية، إذ هو في معنى الرمل. وليلاً: عطف على ما قبله، وتوسدنا الثوية جملة من فعل وفاعل في موضع نصب صفة الليل، وقوله: كأن ثراها: في موضع النصب على الحال.

يقول: تذكرت ليلة كنا بالثوية وضعنا رءوسنا على ثراها، فكان ثراها الملتزق بمرافقنا عنبر لطيبه.

بلادٌ إذا زار الحسان بغيرهاحصى تربها ثقّبنه للمخانق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحسان: منصوب بزار، والهاء في بغيرها تعود إلى البلاد، وحصى: في موضع رفع لأنه فاعل زار. وأراد بالحصى: الفصوص الغروية التي تحمل من الغرى: وهو بناء عظيم بظهر الكوفة، وعنده مشهد علي أمير المؤمنين ﵁.

يقول: إن الثوية بلاد إذا حمل حصى هذه البلاد إلى النساء اللواتي هن بغير هذه البلاد، فإنهن يثقين هذا الحصى ويجعلنه في مخانقهن، لحسنه وصفائه.

وقيل: إن هذه البلاد من بلاد الشام، والحصى: أراد به الفسيفساء تكون بتلك البلاد. والأول هو الأظهر.

سقتني بها القطربّليّ مليحةٌعلى كاذبٍ من وعدها ضوء صادق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

الكناية في بها للبلاد أو للثوية. وقطربل: قرية من قرى بغداد، والقطربلي: الخمر المنسوبة إلى قطربل.

يقول: سقتني في هذه البلدة امرأة مليحة، وكانت الساقية المليحة تعدني من وصلها مواعيد كاذبة، تشبه الصدق؛ لحسن لفظها وطيب كلامها.

وقيل: إنه أراد أنه رآها في النوم تسقيه الشراب، وتعده الوصال، وكان كاذباً وإن كان في صورة الحق.

سهادٌ لأجفانٍ وشمسٌ لناظرٍوسقمٌ لأبدانٍ، ومسكٌ لناشق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

نشق الطيب: إذا طلبت رائحته.

يقول: قد اجتمعت في هذه المليحة هذه الأوصاف، فهي سهاد لأجفان العشاق، لأنهم لا ينامون شوقاً إليها، وشمس للناظرين إليها؛ من جمالها وحسنها، وسقم لأبدان العشاق؛ لأنهم يذوبون من حبها وتبلي أجسامهم شوقاً إليها، ومسك لناشق، يعني أنها طيبة البدن، فمن شمها وجد فيها رائحة المسك.

وقيل: أراد بها الخمر؛ لأنه تسهد لشربها، وشمس؛ للونها وسقم عند شربها، ومسك؛ لطيب رائحتها.

وأغيد تهوى نفسه كلّ عاقلٍعفيفٍ ويهوي جسمه كلّ فاسق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الأغيد: الناعم الجسم، الطويل العنق، مع لين ونعومة. وهو رفع عطف على قوله: مليحة. أو على قوله: سهاد. وذكر قوله أغيد؛ لأنه أراد به شخصاً أغيد.

يقول: هو حسن الخلق والخلق، فالعاقل العفيف يهواه؛ لحسن خلقه وكمال عقله. والفاسق يهوى جسمه لحسن خلقه وملاحة وجهه.

وقيل: معناه سقاني الخمر المليحة الجامعة للصفات الأربع في البيت قبله، غلام أغيد، صفته كذا وكذا.

أديبٌ إذا ما جسّ أوتار مزهرٍبلا كلّ سمعٍ عن سواها بعائق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

أديب: رفع لأنه نعت لأغيد، أو بدل عنه. والمزهر: العود الذي يستعمل في الغناء وجس: أي مس. وبلا: أي جرب وامتحن.

يقول: إذا جس أوتار العود، شغل كل سمع عن الإصغاء إلى غيره؛ لحسن ضربه وجودة غنائه وصوته.

يحدّث عمّا بين عادٍ وبينهوصدغاه في خدّي غلامٍ مراهق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

يقول: هو أديب يحفظ أيام الناس وأشعارهم، ويخبر بالأخبار القديمة التي كانت بينه وبين أيام عاد، وهو بعد مراهق حديث السن.

وما الحسن في وجه الفتى شرفاً لهإذا لم يكن في فعله والخلائق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

يقول: حسن الوجه لا يكسب لصاحبه شرفاً؛ ما لم يكن معه حسن الفعل وكرم الأخلاق.

وما بلد الإنسان غير الموافقولا أهله الأدنون غير الأصادق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

يقول: ليس بلد الإنسان إلا ما يوافقه، فلا تلتفت إلى وطنك إذا لم يوافقك، وحسنت في غيره حالك، وليس أهل الإنسان وأقاربه الأدنون إلا كل من يصادقه في المودة، فكل إنسان يصادقك فهو قريبك.

وجائزةٌ دعوى المحبّة والهوىوإن كان لا يخفى كلام المنافق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

جائزة: قيل نافذة، وقيل: ممكنة.

يقول: دعوى المحبة من غير معنىً ربما تجوز وتنفذ، وإن كان كلام المنافق لا يخفى عليك.

وكان جماعة من شيوخ بني كلاب جاءوا وطرحوا أنفسهم على سيف الدولة وتضرعوا إليه. لما قصد لهم فقال: هؤلاء يدعون حبك وهذه الدعوى تنفذ منهم وإن كانوا منافقين في ذلك.

وقيل: معناه أن الإنسان يمكنه أن يظهر المودة بلسانه، وقلبه على خلافه، ولكنه لا يقدر أن يخفي نفاقه.

برأي من انقادت عقيلٌ إلى الرّدىوإشمات مخلوقٍ، وإسخاط خالق؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

من استفهام، وهو في موضع الجر باضافة رأى إليه وعقيل: قبيلة. والشماتة: الفرح ببلية العدو.

يقول: بتدبير من أظهرت عقيل عصيان سيف الدولة؟ فإنه أوقعها في الهلاك، وأشمت بها أعداءها، وأسخط خالقها.

أرادوا عليّاً بالّذي يعجز الورىويوسع قتل الجحفل المتضايق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

يقول: قصدوا عليا بالأمر الذي يعجز الخلق عن إيقاعه به؛ لأنهم أرادوا قتله والخروج من طاعته، وذلك يعجز الناس ولا يقدر عليه أحد، ولو أراد الجيش العظيم المجتمع الذي تضيق به الأرض لكثرته، أن يفعلوا ذلك لقتلوا دونه، حتى تتسع الأرض، وأراد بالمتضايق: المجتمع.

فما بسطوا كفّاً إلى غير قاطعولا حملوا رأساً إلى غير فالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

يقول: بسطوا أيديهم إلى من يقطعها! وحملوا رءوسهم إلى من يشقها.

يعني: لما كان آخر أمرهم ذلك، كانوا كأنهم بسطوا أيديهم للقطع ورءوسهم للشق.

لقد أقدموا لو صادفوا غير آخذٍوقد هربوا لو صادفوا غير لاحق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

يقول: كان يتم إقدامهم لو صادفوا من هو مثلهم، فلما أقدموا عليك أسرتهم، فلولاك لكان يتم ما أرادوه، وكان يمكنهم الهرب لو هربوا منك، فلما لاحقهم لم يمكنهم الهرب منه

ولمّا كسا كعباً ثياباً طغوا بهارمى كلّ ثوبٍ من سنانٍ بخارق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

كعب: اسم قبيلة يقول: لما كساهم سيف الدولة ثياب إنعامه، وكفروا إحسانه، خرق عنهم تلك الثياب بممزق من سنان، يعني أنهم لما جحدوا نعمه أزالها عنهم وقتلهم، وتلك نعمة عليهم.

ولمّا سقى الغيث الّذي كفروا بهسقى غيره في غير تلك البوارق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

البوارق: جمع بارقة، وهي السحابة التي فيها برق، وهذا مثل الذي قبله.

يقول: أنشأ عليهم سحائب إحسانه وسقاهم غيث امتنانه، فلما جحدوا فضله أمطر عليهم من سحائب غير تلك السحائب، يعني أتاهم من عسكره في مثل السحائب البارقة فصب عليهم صواعق الانتقام، وأزال عنهم غيث الإنعام

وما يوجع الحرمان من كفّ حازمٍكما يوجع الحرمان من كفّ رازق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن كان الحرمان ممن جرت عادته به لا يوجع المحروم، كما يوجع إذا كان ممن جرت عادته بالنعم والامتنان.

أتاهم بها حشو العجاجة والقناسنابكها تحشو بطون الحمالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

حشو: نصب على الظرف أو الحال، والهاء في بها للخيل المضمرة التي يدل عليها ذكر الجيش، والحملاق: باطن الجفن، والحمالق: أصلها الحماليق فحذفت الياء ضرورة يقول: أتاهم سيف الدولة بالخيل وسط الغبار والرماح، وحوافرها تنثر الغبار فيدخل في عيونها وعيون فرسانها.

عوابس حلّي يابس الماء حزمهافهنّ على أوساطها كالمناطق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

عوابس: نصب على الحال أي أتاهم عوابس. وحلي: من التحلية. والحزم: جمع الحزام، وأراد بيابس الماء: عرقها.

يقول: قصد إليهم بالخيل وقد عبست وجف عرقها على حزمها فابيض فصار كأنه حلي من فضة، وأشبهت الحزم على أوساطها المناطق المحلاة بالفضة.

وقيل أراد به الماء الحقيقي.

والمعنى: أنه قصدهم في الشتاء وخاض بها الأنهار فجرى الماء على حزمها مثل الحلي في المناطق.

فليت أبا الهيجاء يرى خلف تدمرٍطوال العوالي في طوال السّمالق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أبو الهيجاء: والد سيف الدولة. وتدمر: مدينة على طرف السماوة من ناحية الشام. يقال: إنها من بناء سليمان ﵇. والسمالق: جمع السملق، وهي الأرض البعيدة الأطراف. وقيل: السمالق: الطرق البيض.

يقول: ليت والده رآه وقد هزم عقيلاً وطردها بالرماح في هذه النواحي؛ ليفرح وتقر به عينه.

وسوق عليٍّ من معدٍّ وغيرهاقبائل لا تعطى القفىّ لسائق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

القفى: جمع القفا. واللام في قوله: لسائق زائدة كقوله تعالى: " رَدِفَ لَكُمْ " وسوق: عطف على قوله: طوال العوالي يقول: وليته رأى سوق ابنه قبائل العرب من معد وغيرها، ممن كان لا ينهزم لأحد ولا يوليه قفاه.

قشيرٌ وبلعجلان فيها خفيّةٌكراءين في ألفاظ ألثغ ناطق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

هما قبيلتان، وبلعجلان: أراد بني العجلان، فحذف النون، كما قالوا في بني الحارث بلحارث. وأما إذا أرادوا إدغام النون في اللام فلا يمكنهم، لسكون اللام، فعدلوا إلى الحذف لتعذر الإدغام، والنون من بلعجلان مكسورة لأن الاسم مجرور بالإضافة.

وحكى ابن جني عنه أنه كان يضمه ذهاباً إلى أن الاسمين صارا اسماً واحداً.

والألثغ: الذي يميل بالراء إلى اللام، والمعنى: أن هاتين القبيلتين مع كثرتهما قد خفيتا في جملة القبائل كالراءين في لفظ الألثغ في خفائهما بغيرهما من الحروف.

تخلّيهم النّسوان غير فواركٍوهم خلّوا النّسوان غير طوالق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الفوارك: جمع فارك، وهي التي تبغض. وغير في الموضعين نصب على الحال.

يقول: شتت سيف الدولة جمعهم، حتى خلت النساء أزواجهن، لا للبغض والطلاق!

يفرّق ما بين الكماة وبينهابطعنٍ يسلّي حرّه كلّ عاشق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في بينها للنسوان.

يقول: إن سيف الدولة كان يفرق بين الأبطال ونسوانهم بطعن، لو أصاب العاشق أنساه حره حرارة العشق الذي في قلبه، وسلاه عن العشق.

وقيل: معناه أنه كان يقتل بالطعن الذي إذا حل في العاشق أنساه عشقه.

أتى الظّعن حتّى ما تطير رشاشةٌمن الخيل إلاّ في نحور العواتق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

الظعن: جمع ظعينة، وهي المرأة ما دامت في الهودج. وروى: أتى الطعن بالطاء. والرشاش: ما تطاير من الدم. الواحدة رشاشة: والعواتق: النساء الأبكار، الواحدة عاتق.

يقول: إن سيف الدولة ألجأهم إلى رحلهم والتواري في خدور العواتق، واقتحم عليهم بخيله وسط نسائهم، وكانت الخيل تطعنهم فيطير الدم في نحور العواتق.

وفي رواية الطاء: طاعن الأعداء وهم في بيوتهم، فهذا معنى إتيان الطعن حتى يطير رشاشه في نحور النساء.

بكلّ فلاةٍ تنكر الإنس أرضهاظعائن حمر الحلي حمر الأيانق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

المعنى: أنهم فروا بنسائهم إلى كل فلاة لم يطأها الإنس قبلهم، وكانت فيها نساء حمر الحلي: أي أن حليهم ذهب، وأيانقهن حمر، يعني: أنهن نساء ملوك وأرباب نعمة.

وقيل: أراد بقوله. حمر الحلي أنهن مختضبات بالدماء التي ترششت عليهن من رجالهن في نحور العواتق.

وملمومةٌ سيفيّةٌ ربعيّةٌتصيح الحصى فيها صياح اللّقالق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي كتيبة ملمومة: وهي المجتمعة. وسيفية: منسوبة إلى سيف الدولة؛ لأنهم جنده وأصحابه. وقوله: ربعية: منسوبة إلى ربيعة: يعني هم من بني ربيعة ليس فيهم غيرهم وإنما هم قومه وبنو عمه. واللقالق: جمع لقلق وهو طائر معروف. وفاعل تصيح: هو الحصى. وروى: يصيح الحصى أي الملمومة تحمله على الصياح. والهاء في فيها للفلاة.

يقول: إن هذه الملمومة إذا سارت في الحصى حكى وقع حوافرها فيه، صوت اللقالق.

وقيل: معناه أنها قد لبست التجافيف والدروع، وإذا وقعت حصاة عليهم طنت في الحديد والدروع، فأشبهت صياح اللقالق. وملمومة عطف على قوله ظعائن يعني أنهم فروا بظعائنهم إلى الفلوات، وسار سيف الدولة في طلبهم بخيله، وكان في كل فلاة ظعائنهم وخيل سيف الدولة تطلبهم. وهذا التشبيه من قول الشاعر:

تصيح الرّدينيّات فيها وفيهمصياح بنات الماء أصبحن جوّعاً
بعيدة أطراف القنا من أصولهقريبة بين البيض غبر اليلامق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

هذا من صفة الملمومة.

يقول: هي بعيدة أطراف القنا من أصوله. يعني طويلة الرماح فأطرافها بعيدة من أصولها، وهي قريبة بين البيض: أي مجتمعة مزدحمة. والبيض: الذي على رءوسها يمس بعضها بعضاً بتزاحم الخيل. وهي غبر اليلامق: أي أن الغبار قد علاها. واليلامق: جمع يلمق، وهي جبة يكثر حشوها وتضرب وتلبس مثل الجوشن. وربما يجعل فيما بينها دروع.

وقيل: اليلمق: القباء، وإنما مدح بطول الرماح؛ لأن تمام الفروسية بحسن استعمالها.

وقوله: غبر اليلامق كان الوجه غبراء اليلامق كقوله قريبة وبعيدة، ولكنه حمله على المعنى؛ لأن الكتيبة جماعة، والأوليان محمولة على اللفظ. وقيل: رده إلى كل جزء من الكتيبة، كما يقال: امرأة واضحة اللباب.

نهاها وأغناها عن النّهب جودهفما تبتغي إلاّ حماة الحقائق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

حماة الحقائق: هم الشجعان الذين يحمون ما يحق حمايته. والهاء في نهاها وأغناها للملمومة. وفاعل تبتغي ضميرها أيضاً.

يقول: إن سيف الدولة نهى الكتيبة عن الإغارة وأغناهم بجوده عن الاشتغال بالنهب، فهم لا يلتفتون إلى الأنهاب والأسلاب، وإنما قصدهم الأبطال والفرسان الحامون للحقائق.

توهّمها الأعراب سورة مترفٍتذكّره البيداء ظلّ السّرادق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

السورة: الوثبة. وقيل: هي الحرب ها هنا. والمترف: المتنعم. والسرادق: ما أحاط بالخيمة مثل السور. والهاء في توهمها ضمير الحرب، وقيل: ضمير السورة. وتذكره: تفسير لها.

يقول: ظن الأعراب أنك إذا سرت خلفهم تعبت، وأن سورتك مثل سورة كل متنعم، لا يصبر على الحر، فإذا حصل بالبيداء تذكر لين العيش، فتركهم وانصرف.

فذكّرتهم بالماء ساعة غبّرتسماوة كلبٍ في أنوف الحزائق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

فذكرتهم بالماء: الباء فيه زائدة، أي ذكرتهم الماء. والسماوة: مفازة بين الشام والعراق، وأضافها إلى بني كلب لأنهم ينزلونها، وهي أصعب البرية. وغبرت: أي ركب عليها الغبار. والحزائق: الجماعات والواحد حزيق وحزيقة.

يقول: إنهم توهموا أنك لا تصبر على البادية فتنصرف سريعاً، كما يفعل كل مترف فكذبت ظنونهم وطردتهم، حتى إذا بلغوا السماوة، وثار غبارها فدخل في أنوف جماعتهم، عطشوا فتذكروا الماء من شدة ما لحقهم من العطش.

وكانوا يروعون الملوك بأن بدواوأن نبتت في الماء نبت الغلافق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

يروعون: أي يفزعون. وبدوا: أي صاروا أهل البادية وسكنوها. والغلافق: جمع الغلفق وهو الطحلب، وقيل: هو ما نبت في الماء مثل الطحلب.

يقول: كانوا يخوفون الملوك بنزولهم في البادية، وبأن الملوك لا تصبر على الماء كما لا تصبر الغلافق.

فهاجوك أهدى في الفلا من نجومهوأبدى بيوتاً من أداحي النّقانق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

الهاء في نجومه يعود إلى لفظ الفلا ويجوز نجومها فيكون راجعاً إلى المعنى؛ لأنها جمع الفلاة. وهاجوك: أي هيجوك. وموضع أهدى نصب على الحال. وأبدى بيوتاً: أي أدخل في البدو بيتاً من النعام، فأبدى: من البادية. وأداحي: جمع الأدحية، وهي موضع بيض النعام. والنقانق: جمع نقنق وهو ذكر النعام.

يقول: هيجوك للحرب، وأنت عالم بالفلوات وأكثر اهتداء من النجوم، وكنت أدخل في البادية بيتاً من النقانق.

وقيل: إن قوله أبدى بيوتاً: أي أظهر بيوتاً، ومعناه: كنت فيها أظهر بيوتاً من النقانق؛ لأن بيوتها تكون ظاهرة غير خفية.

وأصبر عن أمواهه من ضبابهوآلف منها مقلةً للودائق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

الودائق: جمع الوديقة، وهي شدة الحر. ويجوز أمواهها وضبابها رداً إلى معنى الجمع. والهاء في منها للضباب. وأصبر وآلف نصب على الحال، عطفاً على قوله: أهدى في الفلا ومقلةً نصب على التمييز.

يقول: كنت أصبر في الفلوات عن الماء من الضباب؛ لأنها تتبلغ بالنسيم عن الماء، وكنت آلف للحر من الضباب، ومقلتك أكثر إلفاً للحر من مقلة الضباب.

وكان هديراً من فحولٍ تركتهامهلّبة الأذناب خرس الشّقاشق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

الهدير: صوت الفحل الهائج. المهلبة: مجذوذة الأذناب، والهلب: شعر الذنب والشقاشق: جمع الشقشقة، وهي ما يخرجه الفحل من فمه شبه الرئة، والفحل إذا هاج شد ذنبه فيسكن عند ذلك ويذل، فالمهلبة: هي المشدودة الأذناب.

وقيل: إن الفحل الهائج إذا نتف ذنبه سكن. فالمهلبة: المنتوفة الأذناب على المعنيين اللذين ذكرناها، فسكتت وخرست شقاشقها: أي انقطع هديرها.

قال ابن جني: المعنى كأن فعلهم من طغيانهم كهدير من فحول هاجت، فانتدب لها فحل أصعب منها فهربت منه وولته أذنابها، فهلبها: أي أخذ شعر أذنابها فنتفها وسكن هديرها.

فما حرموا بالرّكض خيلك راحةًولكن كفاها البرّ قطع الشّواهق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

فما حرموا: أي ما منعوا خيلك. نصب لأنها المفعول الأول بحرموا. وراحةً: المفعول الثاني والهاء في كفاها للخيل وهو المفعول الأول. وقطع: المفعول الثاني. والبر: فاعل كفاها.

يقول: إنهم ما منعوا خيلك بالركض راحةً وما كلفوها مشقةً؛ لأنها أبداً لا تخلو من الحرب، فلولا أنها لم تسر إليهم لغزت بلاد الروم، وعلت الجبال الشواهق، والبر أسهل عليها من الجبال.

ولا شغلوا صمّ القنا بقلوبهمعن الرّكز لكن عن قلوب الدّماسق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

الدماسق: جمع الدمستق.

يقول: لم تكن رماحك مركوزة في الأرض، فشغلوها عن الركز في الأرض بالطعن في قلوبهم، وإنما حولوها عن قلوب الدماسق إلى قلوبهم. يعني: لا راحة لخيلك ولا راحة لسلاحك.

ألم يحذروا مسخ الّذي يمسخ العدىويجعل أيدي الأسد أيدي الخرانق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المسخ: تغير الصورة إلى غيرها. والخرانق: جمع الخرنق، وهو الأرنب الصغير.

يقول: أما خافوا سيف الدولة أن يمسخهم كما يمسخ أعداءه؟! ويرد أيدي الأسود منهم إلى أيدي الخرانق في القصر. والذلة والضعف، يعني: أن يجعل العزيز ذليلاً.

وقد عاينوه في سواهم وربّماأرى مارقاً في الحرب مصرع مارق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

المارق: الخارج عن الطاعة. والهاء في عاينوه للمسخ، وفاعل أرى ضمير سيف الدولة.

يقول: أما خافوا مسخه؟! وقد شاهدوا سيف الدولة كيف مسخ أعاديه من غيرهم! فكان سبيلهم أن يرتدعوا بغيرهم، وسيف الدولة إذا مرق واحد من طاعته صرعه وقتله، وأرى مارقاً غيره مصرع الأول ليحذر منه ويتعظ به، ومثله قول أشجع:

شدّ الخطام بأنف كلّ مخالفٍحتّى استقام له الّذي لم يخطم
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
تعوّد ألاّ تقضم الحبّ خيلهإذا الهام لم ترفع جنوب العلائق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

العلائق: المخالي التي يجعل فيها الشعير، وتعلق على الدابة.

قال ابن جني: سألت المتنبي عن معناه فقال: الفرس إذا علقت عليه المخلاة طلبت موضعاً مرتفعاً يضعها عليه، ثم يتناول منها، فخيل سيف الدولة أبداً إذا علقت عليها علائقها رفعته على هام الرجال الذين قتلتهم! لكثرة هاماتهم.

وقد قيل: إن هذا يؤدي إلى أن تكون الخيل هجنا قصار الأعناق؛ لأن الفرس العتيق لا يضع مخلاته على شيء لطول عنقه.

واعتذر عنه فقيل: إن رءوس القتلى قد كثرت حتى غطت وجه الأرض، فالفرس لا يضع مخلاته - إن وضعها - إلا على رءوس القتلى؛ وكثر ذلك حتى صار عادة لها، ولم يفعل ذلك لأنه كان يحتاج إليه لقصر عنقه.

ولا ترد الغدران إلاّ وماؤهامن الدّم كالرّيحان تحت الشّقائق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

الشقائق: يقال له الشقر، وهو اسمه الأصلي، وإنما سمي الشقر شقائق بمنبته، والشقائق: جمع شقيقة، وهي كل أرض مستطيلة تشق بين الرملين. وقيل لها: شقائق النعمان؛ لأن النعمان مر على شقائق فيها هذا النور فأعجبه فحماه، ولم يدع أحداً يرعى تلك الشقائق، فأضيفت إليه يقول: تعودت خيله ألا ترد لشرب الماء إلا الغدران الممزوجة بالدماء. شبه خضرة الماء تحت الدم بالريحان تحت الشقائق. وقيل: أراد بالريحان الطحلب ومعناه: أن حمرة الدم تعلو خضرة الطحلب. وأخذ هذا المعنى بعض المتأخرين ونقله إلى وصف سيف فقال:

ويلوح في ورق النّجيع فرندهكالماء تحت شقائق النّعمان
لوفد نميرٍ كان أرشد منهموقد طردوا الأظعان طرد الوسائق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

الوسائق: جمع الوسيقة، وهو ما يطرد من الوحش عند الصيد.

يقول: بنو نمير كانوا أرشد منهم رأياً حين فروا بنسائهم، وبعثوا وفودهم إليه يسألونه العفو، ولم يقفوا لك، كما فعلت عقيل.

أعدّوا رماحاً من خضوعٍ فطاعنوابها الجيش حتّى ردّ غرب الفيالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

الغرب: الحد.

يقول: جعلوا خضوعهم إلى سيف الدولة رماحاً لهم، طعنوا بها الجيش، وردوا بها حدته عنهم.

فلم أر أرمى منه غير مخاتلٍوأسرى إلى الأعداء غير مسارق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

يقول: لم أر أرمى منك غير مخادع. يعني أنك لا تخادع أعداءك، ولا تسري إليهم سراً، بل تجاهر بالطلب وتواجه بالرمي.

تصيب المجانيق العظام بكفّهدقائق قد أعيت قسيّ البنادق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

قسي البنادق: ما يستعمله أهل العراق في رمي الطيور ويسمونه: الجلاهق. والبنادق: جمع بندقة، تعمل من الطين بقدر البندقة، وترمي بها الطير. وقيل: حجارة مستديرة كهيئة البندقة يرمى بها.

يقول: إن المجانيق تعمل بكفك عمل الجلاهق، فيمكنك أن تصيب بالمنجنيق المواضع اللطيفة الدقيقة التي لا يصيبها غيرك بقوس البنادق.

يعني: أنه يتوصل بجيشه عند مجاهرة أعدائه إلى ما لا يقدر غيره على التمكن منه بالختل والمخادعة.

وقال أبو الطيب هذه القصيدة في هذه السرية يسترضيه على قبائل العرب المشار إليها إلا أنه لم يذكر المنازل ولا وصف الوقعة؛ لأنه لم يشهدها، فشرحها له سيف الدولة وسأله أن يصفها فقال.

طوال قناً تطاعنها قصاروقطرك في ندىً ووغىً بحار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الهاء في تطاعنها لطوال القنا، وأراد أصحابها.

يقول: إذا طاعنت أصحاب الرماح الطوال قصرت تلك الرماح في أيديهم؛ لأن أيديهم تضعف وترتعد عند لقائك، فلا تعمل رماحهم فيك، وكأنها مع طولها قصيرة، والقليل من عطائك كثير بالإضافة إلى عطايا غيرك، كالقطرة في البحر، وكذلك القليل من حربك كثير بالإضافة إلى حرب غيرك.

وفيك إذا جنى الجاني أناةٌتظنّ كرامةً وهي احتقار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الأناة: الحلم والرفق. والتأني.

يقول: أنت حليم تتغافل عن المسيء، فيظن المسيء وغيره أن ذلك لكرامته عليك، وإنما هو لاحتقارك إياه.

وأخذٌ للحواضر والبواديبضبطٍ لم تعّوده نزار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وأخذ: عطف على قوله: أناة.

يقول: فيك أخذ لأهل الحضر وأهل البدو، سياسةً وشدة لم تتعود العرب مثله. ونزار يجمع ربيعة ومضر ونحوهما أكثر العرب، فلذلك خصهم بالذكر.

تشمّمه شميم الوحش إنساًوتنكره فيعروها نفار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

أراد: تتشممه، فحذف أحد التاءين، والضمير في تشممه يعود إلى الضبط. فيعروها: أي يظهر لها، والهاء في يعروها لنزار.

يقول: تتشمم نزار ضبطه وسياسته كما يتشمم الوحش الإنس فتهرب عند ذلك؛ لأنها لم تتعود هذه السياسة.

وما انقادت لغيرك في زمانٍفتدري ما المقادة والصّغار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

المقادة: الانقياد. والصغار: الذل.

يقول: إن نزار لم تنقد لأحد قبلك، حتى تعرف ما الصغار والانقياد.

فأقرحت المقاود ذفرييهاوصعّر خدّها هذا العذار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الذفران: الجيدان المكتنفان للنقره حول القفا، وقيل: هما العظمان الناشزان خلف الأذنين، وأراد بهما الذفاري، فذكر لما يكون للواحد؛ لأن لكل واحد ذفرين، فاكتفى بالواحد عن الجمع. وصعر خدها: أي أماله، وأراد بالخد أيضاً: الخدود. وبالعذار: العذر. وفاعل أقرحت: المقاود. والهاءات لنزار. والمقاود: جمع مقود، وهو الحبل تقاد به الدابة الصعبة الانقياد.

يقول: ما زلت تقودهم بالعذار والمقود الخشن، حتى تقرح ذفرياها وتصعر خدها من ذلك العذار.

وأطمع عامر البقيا عليهاونزّقها احتمالك والوقار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

ولم يصرف عامر لأنه جعلها اسماً للقبيلة. والهاء في عليها تعود إلى عامر والبقيا: اسم من الإبقاء، وهي المسامحة.

يقول: لما أبقيت على بني عامر طمعت فيك، فدعاها ذلك إلى الخفة والطيش، حتى أقدمت على محاربتك.

وغيّرها التّراسل والتّشاكيوأعجبها التّلبّب والمغار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

التلبب: التحزم للقتال ولبس الأسلحة. والمغار: هو الإغارة على العدو.

وقيل: من الإغارة التي هي إحكام الفتل فيقرب من التلبب.

يقول: غيرها عن الطاعة تراسل بعضهم بعضاً، وشكوى سيف الدولة، فكان يشكو بعضهم بعضاً ما يعاملهم به، وقيل: معناه غيرها عن الطاعة مراسلة سيف الدولة إياهم متلطفاً، وكذلك شكايته أفعالهم، ظنوا أن ذلك عن عجزه وأعجبها التحزم للحروب والغارات، وطمعوا في ذلك من سيف الدولة، لما رأوا احتماله.

وقيل: معناه اغتروا بتحزمهم ولبسهم الأسلحة وكثرة الإغارة على الأعداء.

جيادٌ تعجز الأرسان عنهاوفرسانٌ تضيق بها الدّيار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

جياد: عطف على قوله: التلبب والمغار، وقيل: هي مبتدأ والخبر محذوف، أي لهم جياد.

يقول: أعجبها خيل جياد تعجز عنها الأرسان؛ لكثرتها فلا يوجد لها أرسان تكفيها.

وقيل: تعجز الأرسان عن ضبطها؛ لصعوبتها، وكذلك أعجبها فرسان لا تسعهم الأرض لكثرتهم.

وكانت بالتّوقّف عن رداهانفوساً في رداها تستشار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

نفوساً: خبر كانت. واسمه ضمير القبيلة التي هي بني عامر.

يقول: كانت هذه القبيلة بإقامتهم على عصيانهم سيف الدولة كالمشيرين عليه بقتلهم، وكان هو يتوقف عن قتلهم، فكأنه كان هو كالمستشير في قتله إياهم.

وكنت السّيف قائمه إليهاوفي الأعداء حدّك والغرار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

غرار السيف: ما بين حده إلى عيره الناشز في وسطه. وقيل: هو الحد، وجمع بينهما لاختلاف اللفظين.

يقول: كنت قبل أن يعصوك، سيفاً لهم قائمه في أيديهم، وحده في أعدائهم، فلما عصوك انقلب حده فيهم ومثله:

نقاسمهم أسيافنا شرّ قسمةٍففينا غواشيها وفيهم صدورها
للشاعر جعفر بن علبة الحارثي، من قصيدة «ولا يكشفُ الغَّماءَ إلاَّ ابنُ حُرَّةٍ»

ومثله لجعفر الحارثي:

لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبلٍولي منه ما ضمّت عليه الأنامل
للشاعر جعفر بن علبة الحارثي، من قصيدة «ولما أبوا إلا المضيَّ وقد رأوا»
فأمست بالبديّة شفرتاهوأمسى خلف قائمه الحيار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

البدية والحيار: ماءان. وقيل موضعان. فالحيار: قريبة من العمارة. والبدية: واغلة في البرية، وبينهما مسيرة ليلة. وكان سيف الدولة بالحيار، وبنو عامر بالبدية.

يقول: كنت سيفاً لهم، قائمة في إيديهم، فلما عصوك صار حده فيهم وقائمه خلف الحيار.

وقيل: معناه أن قائمه كان خلف الحيار وشفرتاه بالبدية: أي طال السيف إليهم حتى وصل من خلف الحيار إلى البدية، وإنما طال بطول باع حامله.

يصف بذلك سرعة وصوله إليهم.

وكان بنو كلابٍ حيث كعبٌفخافوا أن يصيروا حيث صاروا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

كعب: مرفوع بالابتداء وخبره محذوف. أي حيث كعب كائنة. وكان سيف الدولة بالحيار، فسار عنها يقصد البدية، فتلقاه مشيخة بني كلاب في الطريق، واستأمنوه، وقد كانوا مع كعب يداً واحدة، فخالفوهم وساروا مع سيف الدولة، إلى بني كعب.

فيقول: كان بنو كلاب مع كعب، فخافوا أن يحل بهم ما حل بكعب من القتل، فرجعوا إلى الطاعة.

تلقّوا عزّ مولاهم بذلٍّوسار إلى بني كعبٍ وساروا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: ذل بنو كلاب لعز مولاهم وهو سيف الدولة وانقادوا له فساروا معه إلى بني كعب.

فأقبلها المروج مسوّماتٍضوامر لا هزال ولا شيار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الهاء في أقبلها للخيل، وأضمرها للعلم بها، وأقبلها: أي أجازها وحولها نحوها. والمسومات: أي معلمات. والمروج: مروج سلمية. والهزال: جمع هزيل. وشيار: جمع شير، وهو الفرس السمين الممتلئ من اللحم.

يقول: أقبل بخيله إلى المروج، وهي مضمرة ليست بهزيلة ولا سمينة، بل كانت خفيفة اللحم لا من الهزال.

تثير على سلمية مسبطرّاًتناكر تحته لولا الشّعار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

تناكر: أي تتناكر. وسلمية: موضع. مسبطراً: أي غباراً ساطعاً ممتداً.

يقول: أثارت الخيل غباراً بسلمية حتى ستر الشمس وأظلم النهار لامتداد الغبار، فأنكر ما تحته؛ لشدة الظلمة، وإنما كانوا يتعارفون بالعلامات.

عجاجاً تعثر العقبان فيهكأنّ الجوّ وعثٌ أو خبار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

عجاجاً: بدل من مسبطراً. والوعث: الأرض السهلة الكثيرة الرمل. والخبار: الأرض السهلة التي فيها حجارة.

يقول: صار الجو من كثرة الغبار وتكاثفه أرضاً ذات وعث وخبار، حتى إن العقبان تعثر فيها ولا يمكنها الطيران.

وظلّ الطّعن في الخيلين خلساًكأنّ الموت بينهما اختصار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الخيلان: خيل سيف الدولة وخيل العدو، وهم بنو كلاب. والخلس: الاختلاس. يصف الجيش بالحذق في الطعن.

يقول: لما التقى الخيلان تخالسوا الطعن واختصروا الطريق إلى الموت، يعني أنهم اقتصروا على الطعن والضرب، فكأنهم اختصروا الحرب، وحذفوا فضولها، وقربوا القتل على الأعداء، فهذا اختصار الموت.

وقيل: إن معناه أن الموت كان يقلل من عدد جيش العدو بسرعة، لأن الاختصار هو رد الكثير إلى القليل.

فلزّهم الطّراد إلى قتالٍأحدّ سلاحهم فيه الفرار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

لزهم: أي ألجأهم. والطراد: المطاردة.

والمعنى: ألجأهم القتال إلى الهرب. أحد سلاحهم فيه الفرار يدفعون به القتل عن أنفسهم، كما يدفع السلاح، لما لم يمكنهم القيام لسيف الدولة.

مضوا متسابقي الأعضاء فيهلأرؤسهم بأرجلهم عثار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الهاء في فيه ضمير الفرار والطراد.

يقول: مضوا منهزمين فكانت أعضاؤهم يسبق بعضها بعضاً في الفرار، فالرأس يترك جسمه ويتقدم عليه ويتعثر بأرجل المنهزمين.

أو كانت الرءوس إذا أبينت تسقط على أرجل أصحابها فتعثر بها، خلاف المعهود، لأن المعهود أن تتعثر الأرجل لا الرءوس.

والمعنى: أنهم ولوا وتبعت خيل سيف الدولة أدبارهم تضرب أعناقهم وتسقط رءوسهم على أرجلهم، وهم ينهزمون، فجعل ذلك سابقاً من أعضائهم في الفرار.

يشلّهم بكلّ أقبّ نهدٍلفارسه على الخيل الخيار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يشلهم: أي يطردهم. والأقب: الضامر البطن. والنهد. المشرف العالي.

يقول: يطردهم سيف الدولة بكل فرس ضامر مرتفع عالي، لفارسه خيار على الخيل: يعني يصرفها كيف شاء: إن شاء سبق، وإن شاء لحق؛ لجودة فروسيته.

وقيل: أراد بالخيار أنه يختار من يقتلهم، فكأنه يقتل القواد والكبار من أصاب الخيل دون الأرذال والحشو.

وكلّ أصمّ يعسل جانباهعلى الكعبين منه دمٌ ممار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

وكل: عطف على قوله: بكل أقب. ويعسل: أي يضطرب. وجانباه: جانب الزج، وجانب السنان. وأراد بالكعبين: الكعبين اللذين في عامل الرمح. قيل: أراد به الكعاب للرمح فعبر عنهما بالتثنية. والممار: المجرى من أمرت الدم أي أجريته، فهو ممار، ومار، فهو مائر.

يقول: يطردهم بكل فرس ضامر، وكل رمح أصم لا تجويف فيه يهتز طرفاه، وقد سال الدم على كعوبه.

يغادر كلّ ملتفتٍ إليهولبّته لثعلبه وجار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

ثعلب الرمح: ما دخل منه في السنان. والوجار: بيت الثعلب بفتح الواو وكسرها. واللبة: المنحر.

يقول: هو يطردهم بكل رمح إذا التفت المنهزم لينظر هل وراءه أحد، طعنه في لبته حتى تصير لبته لثعلب الرمح بمنزلة الوجار للثعلب الذي هو الحيوان.

إذا صرف النّهار الضّوء عنهمدجا ليلان: ليلٌ والغبار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: إذا زال عنهم ضوء النهار غطاهم ليلان: أحدهما الليل المعروف، والثاني ظلمة الغبار الموصوف.

وإن جنح الظّلام انجاب عنهمأضاء المشرفيّة والنّهار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

جنح الليل وجنحه: جانبه، وقيل: سواده، وانجاب: انكشف.

يقول: إذا انكشف الليل عنهم أضاء لهم نهاران: أحدهما النهار الحقيقي، والثاني ضوء لمع السيوف. وقد أتى النابغة بجميع ذلك في بيت واحد فقال:

تبدوا كواكبه والشّمس طالعةٌنوراً بنورٍ وإظلاماً بإظلام
يبكّي خلفهم دثرٌ، بكاهرغاءٌ أو ثؤاجٌ أو يعار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الرغاء: صوت الإبل. والثؤاج: صوت الضأن. واليعار: صوت الماعز. والدثر: المال الكثير.

يقول: يصيح وراءهم مال عظيم من الإبل والضأن والماعز فكأنها تبكي.

غطا بالغنثر البيداء حتّىتخيّرت المتالي والعشار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.