تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

السيفيات (٩)

يعني: كنت إذا نظرت إليهن ونظرن إلي قتلنني وقتلتهن من خوف الفراق، وما منا إلا مشفق على صاحبه، فلم أر أعجب من الألحاظ، كيف اجتمع فيها القتل والشفقة!؟ فكأنه من قول الشاعر:

ونبكي حين نقتلكم عليكمونقتلكم كأنّا لا نبالي

وقيل: المشفق: الخائف، ومعناه بعثت الألحاظ من كل خائف من ألم الفراق، كل أنواع القتل لأنها أبكتهم فسفكت دماءهم وأماتتهم.

أدرن عيوناً حائراتٍ كأنّهامركّبةٌ أحداقها فوق زئبق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

الضمير في أدرن للألحاظ، وروى: أدرنا.

يقول: كنا نقلب عيوناً حائرات عند وداعنا، لا تبصر شيئاً مما دهانا من ألم الفراق، فكأنها من كثرة حركاتها وقلة استقرارها مركبة على الزئبق، لأن طبعه الحركة. وقيل: الحيرة ليست لامتناع الرؤية، وإنما هي لاجتماع ظهور الدمع في العين وغلبته.

وقيل: معنى البيت كنا نقلب عيوننا في النظر تارة إلى العذال وتارة إلى الأحباب، فكانت لا تستقر، كأنها ركبت فوق زئبق.

عشيّة يعدونا عن النّظر البكىوعن لذّة التّوديع خوف التّفرّق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يعدونا: أي يصرفنا.

يقول: كانت هذه الحالة وقت العشية حين كان البكاء يمنعنا من النظر، وخوف الفراق يمنعنا من التلذذ بالوداع والعناق.

نودّعهم والين فينا كأنّهقنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق

الفيلق: العسكر، قلب، أي وسط.

يقول: كنا نودع الأحباب، في الحال التي كان البين يفعل في قلوبنا من التفريق مثل ما تفعل رماح سيف الدولة في قلب عساكر الأعداء من التفريق والقتل.

قواضٍ مواضٍ نسج داود عندهاإذا وقعت فيه كنسج الخدرنق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي هذه القنا قواض: يعني تقضي بالموت وتمضي في الأعداء، أي لا يردها شيء إذا وقعت في الدروع المنسوبة إلى داود، وتمضي فيها، كما تنفذ في نسج العنكبوت والخدرنق: العنكبوت، والتأنيث في البيت للقنا والهاء في فيه لنسج داود، وموضع قواض رفع لأنه خبر ابتداء محذوف: أي هذه القنا قواض مواض، كما تقول: هذا حلو حامض.

وقيل: هو ابتداء الكلام. والمراد أداء السيوف، والأول أظهر.

هوادٍ لأملاك الجيوش كأنّهاتخيّر أرواح الكماة وتنتقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

هواد: جمع هادية، وقيل: هو من هديت فلاناً إذا أرشدته، ومعناه أن هذه الرماح ترشد الموت، أي تهديه إلى الملوك وقواد الجيش، فكأنها تتخير أرواح الكماة، وتنتقي نفوس الأملاك دون من عداهم.

وقيل: من هدى بمعنى اهتدى، فإن هدى واهتدى بمعنى، أي إن هذه القنا تهتدي إلى الملوك فتقتلهم.

تفكّ عليهم كلّ درعٍ وجوشنٍوتفري إليهم كلّ سورٍ وخندق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى تفك أي تحل، وتقد: أي تقطع. وتفري: أي تقطع.

يقول: هذه الرماح تقطع على الكماة والملوك دروعهم وجواشنهم، وتخرق إليهم الحصون والأسوار والخنادق حتى تصل إليهم، وتفتح بلادهم.

يغير بها بين اللّقان وواسطٍويركزها بين الفرات وجلّق،
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

اللقان: موضع ببلد الروم، وقيل: جبل. وواسط: مدينة بالعراق بناها الحجاج بن يوسف والفرات: معروف يجيء من بلاد الروم، ويمر على أطراف الشام، حتى ينتهي إلى العراق، ويلتقي مع دجلة أسفل بغداد فيصيران نهراً واحداً، ويمران على البصرة ثم إلى البحر. وجلق: موضع بدمشق.

يعني لا يزال أبداً يغير برماحه مرة في بلاد الروم، ومرة على البوادي التي في العراق، ويركزها بين الفرات وجلق، لأنها دار مملكته ومعدن ولايته.

ويرجعها حمراً كأنّ صحيحهايبكّي دماً من رحمة المتدقّق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

المتدقق: المتكسر، يقال: اندق الرمح، إذا انكسر، ولا يستعمل الأندقاق إلا فيما كان فيه طول، مثل الرمح ونحوه، ويقال: سقط فلان فاندقت عنقه.

يقول: يرجع هو رماحه من الغارات وقد احمرت بالدم، وبعضها قد تكسر في بدن الأعداء، فكأن الصحيح منها يبكي دماً على ما تكسر منها، حزناً عليها، لأنه من جنسه، ودماً نصب على التمييز، ويجوز أن يكون مفعولاً به عن فعل مضمر، دل عليه. يبكي أي يبكي فيجري دماً.

فلا تبلغاه ما أقول فإنّهشجاعٌ متى يذكر له الطّعن يشتق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

يقول: لا تبلغا يا صاحبي سيف الدولة ما أقول، فإنه شجاع، إذا سمع وصف الشجاعة اشتاق إليها.

وهذا بيت كثير نقله من النسيب إلى الشجاعة، وهو:

فلا تذكراه الحاجبية يشتق

وهذه السرقة قبيحة، لأنه أخذ المعنى واللفظ والوزن والقافية.

ضروبٌ بأطراف السّيوف بنانهلعوبٌ بأطراف الكلام المشقّق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

روى بصير ولعوب والمشقق: الكلام الذي له خط في كل شق. ويقال: فلان يشقق في كلامه. إذا تصرف في معانيه. وقيل: هو المشق من المشة، أي يشق على غير الفصيح التكلم به. يصفه بالشجاعة والفصاحة.

كسائله من يسأل الغيث قطرةًكعاذله من قال للفلك: ارفق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

يقول: هو يجود بالطبع، فمن يسأله كمن يسأل الغيث قطرة.

وقيل: معناه كما أن القطرة لا تؤثر في الغيث، كذلك سائله لا يؤثر في جوده وماله، وكذلك من يعذله على كرمه، لكونه مطبوعاً عليه، كمن يعذل الفلك على دوره. وقال له: ارفق في الحركة.

وقيل: إن من يسأل الغيث قطرة، فقد تكلف ما قد استغنى عنه، وأتى غيثاً، إذ قطراته مبذولة، فكذلك سائل سيف الدولة يتكلف ما لا يحتاج إليه، لأنه يعطى قبل السؤال، فنائله مبذول كقطر الغيث.

لقد جدت حتّى جدت في كلّ ملّةٍوحتى أتاك الحمد من كلّ منطق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

أي: من كل ذي منطق.

يقول: عممت بجودك أهل الإسلام، وأهل الشرك، فحصل لك الشكر من كل ذي منطق.

جعل إجابته إلى الصلح، فضلاً منه على الروم.

رأى ملك الرّوم ارتياحك للنّدىفقام مقام المجتدي المتملّق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

الارتياح: الاهتزاز للعطية، والمجتدي: طالب المعروف. والمتملق: المتلطف في الكلام.

يقول: علم ملك الروم جودك، فبعث إليك رسوله، واستوهب منك أسراء الروم، فقام لك مقام السائل المتلطف في سؤاله، لعلمه أنك لا تخيب سائلك.

وخلّى الرّماح السّمهريّة صاغراًلأدرب منه بالطّعان وأحذق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

صاغراً نصب على الحال. والدربة في معنى العادة والتجربة. والحذق: إحكام الصنعة.

يقول: إن ملك الروم ترك الرماح على رغم منه، وذل لمن هو أعود للطعان وأحذق به. وأراد به سيف الدولة، يعني أنه ترك قتالك وعدل إلى استعطافك.

وكاتب من أرضٍ بعيدٍ مرامهاقريبٍ على خيلٍ حواليك سبّق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

يقول: كاتبك في الصلح من أرض بعيدة المرام، ولكنها مع بعدها قريبة عليك، وعلى خيلك السوابق التي هي حواليك.

وقد سار في مسراك منها رسولهفما سار إلاّ فوق هامٍ مفلّق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

المسرى: اسم المكان السري، والهاء في منها للأرض.

يعني: أن رسول ملك الروم سار في الطريق التي سرت فيها إلى بلاد الروم، فلم يسر إلا فوق هام مشققة بسيوفك.

فلمّا دنى أخفى عيه مكانهشعاع الحديد البارق المتألّق

البارق المتألق: هو اللامع، وإنما أتبع أحدهما الآخر، لاختلاف اللفظين. والهاء في مكانه للرسول.

يقول: وصل الرسول إليك، فأخفى عليه مكانه، بريق السيوف ولمعان الأسنة، فلم يمكنه أن يبصر موضعه.

وأقبل يمشي في البساط فما درىإلى البحر يمشي أم إلى البدر يرتقي؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

يقول: لم يدر أيمشي إلى بحر أو إلى بدر، لأنك تشبه البحر في السخا، وتشبه البدر في النور والبهاء.

ولم يثنك الأعداء عن مهاجتهمبمثل خضوعٍ في كلامٍ منمّق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المنمق: المحسن.

يقول: لا يقدر أعداؤك أن يردوك عن مهجاتهم، أي أنفسهم، إلا بالخضوع، والتملق بالثناء والتعظيم.

وكنت إذا كاتبته قبل هذهكتبت إليه في قذال الدّمستق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

القذال: مؤخر الرأس: والضمير في كاتبته وإليه لملك الروم.

يقول: كنت متى أردت أن تكتب إلى ملك الروم كتبت إليه في قفا الدمستق، وذلك كناية عن هزيمته، والجراحة تقوم لك مقام الكتابة.

فإن تعطه بعض الأمان فسائلٌوإن تعطه حدّ الحسام فأخلق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن أعطيته بعض المراد فأمنته، فهو سائل، ومن عادتك ألا تخيب سائلك، وإن أعطيته السيوف، فهو أجدر بذلك.

وهل ترك البيض الصّوارم منهمحبيساً لفادٍ، أو رقيقاً لمعتق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن سيوفك لم تترك منهم أسيراً محبوساً من الأسرى، يفدونه بما يحمل إليك، ولا رقيقاً يسألونك أن تعتقه.

وقيل: معناه لم تترك سيوفك عبداً عندهم يعتقه معتق.

لقد وردوا ورد القطا شفراتهاومرّوا عليها زردقاً بعد زردق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

الهاء في شفراتها للبيض الصوارم. وهي منصوبة بوردوا أي وردوا شفرات الصوارم، كما ترد القطا المناهل. والزردق فارسي معرب.

يقول: وقعوا على شفرات سيوفك كما تقع القطا على الماء، ووفدوا عليها صفا بعد صف.

يعني أنك تقتلهم فوجاً بعد فوج.

بلغت بسيف الدّولة النّور رتبةًأنرت بها ما بين غربٍ ومشرق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى: اليوم بدل النور.

يقول: نلت عنده منزلة ألقت علي ضياء نوره حتى أنرت بها الدنيا. وأراد به اشتهار ذكره في العالم.

إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍأراه غباري، ثمّ قال له: الحق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

كان سيف الدولة يغرى به الشعراء، ويبعثهم على مباراته، لأنه كان يغتاظ من عجبه بنفسه.

فيقول: إن سيف الدولة لا يخفى عليه فضلي على من حوله من الشعراء، ولكنه إذا شاء أن يتلهى بشاعر أراه من فضلي أدنى شيء، ثم قال: الحق به، وهات مثله، وإنما وصفه بالحمق، لأن من طمع في إدراك غايته، فهو عنده أحمق! فلا جرم يريد سيف الدولة أن يسخر من قلة عقله. وقوله: أراه غبارى: كناية عن اليسير من فضله.

وما كمد الحسّاد شيئاً قصدتهولكنّه من يزحم البحر يغرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

الكمد: الحزن.

يقول: ليس لمن يحسدني أن يلومني، لأني لم أقصد أن أغم الحساد، ولكني بحر في الفضل، فمن زاحمني من الجهال غرق في فضلي، كما أن من تعرض للبحر وطرح نفسه فيه غرق، فاللوم عليه لا على البحر.

ويمتحن النّاس الأمير برأيهويغضى على علمٍ بكلّ ممخرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

الممخرق: الكذاب والمدلس وهي اللغة الجيدة، والباء فيه، متعلق بقوله: على علم.

يقول: هو يمتحن الناس، ويجرب أحوالهم، ثم يغضى ويتغافل، مع علمه بالفاضل منهم، والمدلس الممخرق، ويتجاوز عن الجهال بحلمه.

وإطراق طرف العين ليس بنافعٍإذا كان طرف القلب ليس بمطرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

يقول: متى علم صاحبك بتمويهك، لم ينفعك إعراضه وإطراق طرفه. فعبر عن معرفته بترك إطراق طرف قلبه.

فيا أيّها المطلوب جاوره تمتنعويا أيّها المحروم يمّمه نرزق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

يقول: يا أيها الخائف، جاور سيف الدولة تمتنع على من يظلمك، ويا أيها الفقير اقصده تصل إلى الغنى.

ويا أجبن الفرسان صاحبه تجترئويا أشجع الشّجعان فارقه تفرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

يقول: يا أيها الجبان، صاحبه تصر شجاعاً، اقتداء به ويا أيها الشجاع، فارقه تصر جباناً، لأن الشجاعة به.

إذا سعت الأعداء في كيد مجدهسعى مجده في جده سعى محنق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المحنق: المغضب. والجد: البخت والإقبال.

يقول: متى قصد أعداؤه إلى هدم مجده غضب لذلك إقباله وجده، ورد كيد العدو إليه.

وما ينصر الفضل المبين على العداإذا لم يكن فضل السّعيد الموفّق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

يقول: الفضل الظاهر لا ينصر صاحبه على أعدائه، حتى يوافقه على ذلك سعادة جده وتوفيق ربه.

ودخل على سيف الدولة ليلاً وقد رفع سلاح كان بين يديه، وهو في ذكره ووصفه، فقال ارتجالاً:

وصفت لنا ولم نره سلاحاًكأنّك واصفٌ وقت النّزال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وصفت لنا ولم نره سلاحا»

نصب سلاحاً بوصفت وتقديره: وصفت لنا سلاحاً ولم نره.

يقول: وصفت لنا هذا السلاح، حتى كأنك صورت لنا وقع الحرب، فكأنك واصف وقت النزال، فشوقتنا إلى القتال، بوصفك للسلاح.

وأنّ البيض صفّ على دروعٍفشوّق من رآه إلى القتال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وصفت لنا ولم نره سلاحا»

البيض: المغافر، والفعل في شوق للبيض، ورده إلى اللفظ، وكذلك جميع التذكير راجع إليه.

يعني أنك ذكرت أن كل درع جعل عليها بيضتها، وكل من في نفسه شجاعة، إذا رأى آلة القتال اشتاق إلى الطعان.

فلو أطفأت نارك تالديهقرأت الخطّ في سود اللّيالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وصفت لنا ولم نره سلاحا»

تا بمعنى: هذه، وهي إشارة إلى السراج يقول: لو أطفات سراجك، لأمكنك أن تقرأ الخط في الليل المظلم، لبريق السلاح ولمعه.

ولو لحظ الدمستق حافتيهلقلّب رأيه حالا لحال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

حافتيه: أي جانبيه، والهاء في رأيه للدمستق. أي لقلب رأيه في محاربتك، إلى الانقياد لك، والفرار منك.

إن استحسنت وهو على بساطٍفأحسن ما يكون على الرّجال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وصفت لنا ولم نره سلاحا»

أراد: إن استحسنته، فحذف الهاء.

يقول: إن استحسنت هذا السلاح، وهو على بساطك، فأحسن ما يكون، إذا كان على الرجال، يوم القتال.

وإنّ بها وإنّ به لنقصاًوأنت لها، النّهاية في الكمال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وصفت لنا ولم نره سلاحا»

إن الثانية زائدة أي: وإن به وبها لنقصاً، وقيل: اسم إن الأولى محذوف. أي: إن بها لنقصا، وإن به لنقصا. فاسم الثانية دل على المحذوف. وبه: أي بالسلاح وبها: أي بالرجال. وقيل: به: للبيض، وبها: للدروع.

يقول: إن جمال السلاح، وكمال الدروع والرجال بك، فما لم تكن لابسها، أو لم تكن فيها بين الرجال، لم يكن لهم غناء، فأنت غاية الكمال ونهاية الجمال.

وقال وقد عرضت على سيف الدولة سيوف، فوجد فيها سيفاً غير مذهب فأمر بإذهابه فقال ارتجالا:

أحسن ما يخضب الحديد بهوخاضبيه النّجيع والغضب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحسن ما يخضب الحديد به»

أحسن: مبتدأ. وما بمعنى: الذي، وهو في موضع الجر بإضافة أحسن إليه. والنجيع: خبر الابتداء، والغضب: عطف عليه. وخاضبية: جر عطفاً على ما أي وأحسن خاضبيه. والهاء في به لما وفي خاضبيه للحديد.

يقول: أحسن شيء يخضب الحديد به: الدم: وأحسن خاضبيه: الغضب. وقيل: أراد به صاحب الغضب. والنجيع: الدم الطري.

وقيل: خاضبيه: جر على القسم، ومعناه: أحسن ما يخضب به الحديد، النجيع والغضب. وجعل الغضب خضابا له توسعا، إذا كان سبباً لخضابه. وروى مكان الغضب القضب وهو جمع قضيب، وهو السيف: أي أحسن الخاصبين السيوف التي تخضب الأشياء بالدم.

فلا تشيننه بالنّضار فمايجتمع الماء فيه والذّهب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحسن ما يخضب الحديد به»

يقول: رونق هذا الحديد وماؤه، أحسن فيه من ماء الذهب، فإذا أذهبته ذهبت بمائه ورونقه وصار ما قصدت من زينة شيناً له.

وأنفذ إلى سيف الدولة أحد أهل بغداد أبياتاً، يذكر أنه رآها في النوم، يشكو إليه الفقر فقال أبو الطيب:

قد سمعنا ما قلت في الأحلاموأنلناك بدرةً في المنام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد سمعنا ما قلت في الأحلام»

البدرة: عشرة آلاف درهم. وسميت بدرة؛ لأنها تمام العدد. والبدرة أيضاً: جلد السخلة، إذا رعت وفطمت. ويجوز أن تكون البدرة من هذه؛ لأن العادة جرت أن تجعل الدراهم في جلد السخلة.

يقول: سمعنا أيها المتعرض لنائلنا، ما قلت من الشعر في الأحلام، فأعطيناك - على وجه المقابلة والمكافأة - بدرة في المنام.

وانتبهنا كما انتبهت بلا شيءٍ فكان النّوال قدر الكلام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: مدحتنا في النوم، فأجزناك في النوم، فكان العطاء على قدر المدح، فلما لم يكن لنوالنا حقيقة، كذلك لم يكن لمديحك إيانا.

كنت فيما كتبته نائم العين فهل كنت نائم الأقلام؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد سمعنا ما قلت في الأحلام»

يقول: إن كنت حين قلت هذا الشعر نائم العين، فإنك حين كتبته كنت مستيقظاً، يجب عليك حفظ الأدب والتحرز من الكلام الركيك، ويمكن أن يكون قرنت إلى الأبيات رسالة أخرى في معنى الاعتذار.

فيقول: إن كنت في الأبيات نائماً، فلم تكن في الرسالة نائماً.

أيّها المشتكي إذا رقد، الإعدام، لا رقدةٌ مع الإعدام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد سمعنا ما قلت في الأحلام»

يقول: زعمت أنك رأيتها في النوم، وشكوت فيها عدمك، فإن كنت معدماً على الحال التي وصفتها، فكيف يأخذك النوم؟!

افتح الجفن واترك القول في النّوم وميّز خطاب سيف الأنام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد سمعنا ما قلت في الأحلام»

يقول: دع عنك الخطاب في النوم، وافتح الجفن، وميز خطاب سيف الدولة، وهو سيف الخلق كلهم، والذاب عنهم، ولم يمكنه أن يقول: سيف الدولة، لأجل القافية فرده إلى الأنام وروى: سيف الإمام أي الخليفة.

الّذي ليس عنه مغنٍ ولا منهـ بديلٌ، ولا لما رام حام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد سمعنا ما قلت في الأحلام»

يقول: سيف الدولة، هو الذي لا أحد من الناس يقوم مقامه في الكرم والخصال الحميدة.

وقيل: معناه كل الناس يقتدون به؛ ولا يغنيهم عنه ملك غيره، ولا يجدون له بدلاً يسد مسده، وإن رام أمراً لم يمنعه منه مانع.

كل آخائه كرام بنى الدّنيا ولكنّه كريم الكرام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الآخاء: جمع أخ، وقد ذكره سيبويه في كتابه. وروى: كل آبائه. يقول: جميع إخوته أكرم الناس، ولكنه أكرم من إخوته، فهو أكرم الكرام.

وقال وقد أمره سيف الدولة بإجازة الأبيات التي لأبي ذر: سهل بن محمد الكاتب أولها:

بالائمى كفّ الملام عن الذيأضناه طول سقامه وشقائه

على هذا الوزن، والروى فقال:

عذل العواذل حول قلبي التّائهوهوى الأحبّة منه في سودائه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

التائه: المتحير، وقيل: هو المتكبر، وها هنا: الذي لا ينقاد للعاذل. وسوداء القلب، وسويداؤه: الحبة السوداء فيه، وقيل الدم الذي في جوفه.

يقول: هوى أحبتي قد حل وسط فؤادي، وعذل العواذل يحول حوله، وليس يدخله البتة، فلا يبالي القلب به، فكيف يقدر العذول أن يصرفني عنه؟!

يشكو الملام إلى اللّوائم حرّهويصدّ حين يلمن عن برحائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذل العواذل حول قلب التائه»

الهاء في حره للقلب، وكذلك في برحائه والبرحاء: الشدة.

يقول: إن اللوم إ ذا دنا من قلبي أحرقه بحره، فأعرض عنه وعاد إلى اللوائم، يشكو إليهن ما لقي من شدة حرارته، فكأن حر قلبي يصرف اللوم عني، والضمير في يلمن للعواذل.

وبمهجتي يا عاذلي الملك الّذيأسخطت أعذل منك في إرضائه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول لعاذله: تعذلني على حبه والانقطاع إليه؟! وقد لامني من هو أشد منك عذلا، فلم أقبل منه، بل أسخطته واتبعت رضاء سيف الدولة، ولم ألتفت إلى غيره من الملوك، والهاء في إرضائه للملك.

إن كان قد ملك القلوب فإنّهملك الزّمان بأرضه وسمائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذل العواذل حول قلب التائه»

يقول: إن كان سيف الدولة قد ملك القلوب. بموداتها وثبات حبه فيها، حتى لا تميل إلى غيره، فليس بعجاب؛ فإنه ملك الزمان وجميع ما فيه، فالقلوب بعض ما في الزمان ومن جملة ما ملكه.

وقيل: اسم كان محذوف مضمر: أي إن كان الحبيب الذي يعشق قد ملك قلوب عاشقيه، فإن هذا الحبيب ليس كسائر الأحبة، لأنه إنما يحب لجلالة قدره، وسمو أمره، وإنه إن كان الحبيب المعشوق قد ملك القلوب، فإن هذا الملك قد ملك الزمان بما فيه، فضلا عن القلوب.

الشّمس من حسّاده والنّصر منقرنائه، والسّيف من أسمائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذل العواذل حول قلب التائه»

أي: الشمس تحسده على إشراق غرته، وعلو منزلته، والنصر قرينه حيثما توجه نصر على أعدائه، والسيف بعض أسمائه، أي هو مسمى بسيف الدولة.

أين الثّلاثة من ثلاث خلالهمن حسنه وإبائه ومضائه؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذل العواذل حول قلب التائه»

الخلال: الخصال.

يقول: أين حسن الشمس من حسن وجهه؟ بل حسنها يعجز عن حسنه! وأين النصر من عزة نفسه وإبائه؟ أي أن النصر يعجز عن نصرة من يريد خذلانه، وأين السيف من مضائه؟ أي هو أمضى وأكثر غناءً منه!

مضت الدّهور وما أتين بمثلهولقد أتى فعجزن عن نظرائه
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «مضت الدهور وما أتين بمثله»

أتى: أي سيف الدولة.

يقول: مضت الدهور قبله، ولم يكن فيها أحد مثله في فضائله! وأتى هو الآن فعجزت الدهور عن الاتيان بأمثاله في زمانه أيضا، فليس له نظير فيما مضى من الزمان ولا في زمانه.

فاستزاده سيف الدولة فقال يمدحه

القلب أعلم يا عذول بدائهوأحقّ منك بجفنه وبمائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

الضمائر في قوله: بدائه، وبجفنه، وبمائه، راجعة إلى القلب، وقيل: إنه في قوله بمائه راجع إلى الجفن فقط.

يخاطب عاذله فيقول: القلب أعلم بما يلاقيه من ألم الشوق، والقلب أيضا أولى منك بجفنه ودموعه؛ لأنه المالك للعيون فيصرفها كيف شاء، ويجريها على من يحب، فمالك أيها العاذل والاعتراض عليه؟!

فو من أحبّ لأعصينّك في الهوىقسماً به وبحسنه، وبهائه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الفاء في قوله: فو من للعطف. والواو حرف القسم، والمقسم به المحبوب، والجواب لأعصينك، والكاف، خطاب للعاذل، وقسماً: نصب على المصدر.

يقول: وحق من أحب، وحق حسنه، لا أطيعك فيما تأمرني، ولا أصغي إلى ملامك فيه.

أأحبّه وأحبّ فيه ملامةً؟إنّ الملامة فيه من أعدائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

يقول: لا أحب الملامة في جيي، ولا أصغي إليها، فكأنه ناقض أبا الشيص في قوله.

أجد الملامة في هواك لذيذةًحبّاً لذكرك، فليلمني اللّوّم
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «كان التنقل في الغرام يلذ لي»
عجب الوشاة من اللّحاة وقولهم:دع ما نراك ضعفت عن إخفائه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الوشاة: جمع الواشي. واللحاة: جمع: اللاحي، وهو الذي يزجر ويغلظ القول في الملامة. وما في قوله: ما نراك بمعنى الذي، وهو في موضع نصب بدع ونراك صلة ما وضعفت في موضع المفعول الثاني، والأول هو الكاف.

يقول: إن اللحاة قالوا لي: دع الذي نراك ضعيفاً عن إخفائه. أي دع هذا الهوى، فعجب الوشاة من تكليف اللحاة إياي ما لا أطيق، فإني إذا ضعفت عن إخفائه، كنت على تركه والإفاقة من سكره أضعف.

ما الخلّ إلاّ من أودّ بقلبهوأرى بطرفٍ لا يرى بسوائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

يقول: ليس في هؤلاء اللحاة صديق شفيق، ولا خليل نصيح، فأصغ إلى ملامه، فإن الصديق من يساعد صديقه، فيحب ما يحبه، ويكره ما يكرهه، حتى كأنهما يحبان بقلب واحد، وينظران بعين واحدة.

فكأنه يقول: ليس صديقي إلا من يوافقني، فإذا أحببت شيئاً فكأني أحبه بقلبه! وإذا رأيت شيئاً فكأني رأيته بعينه! وهذا البيت يوافق بعض الأبيات التي أجازها وهي.

إن كنت ناصحه فداو سقامهوأعنه ملتمساً لأمر شفائه
حتّى يقال بأنّك الخلّ الّذييرجى لشدّة دهره ورخائه

ومثله:

إن كنت تصدق في ادّعاء ودادهفافككه من أسر الهوى أو فاده
للشاعر التهامي، من قصيدة «إن كنت تصدق في ادعاء وداده»

ومعنى البيت: أنه ليس لك خليل إلا نفسك، فلا تغتر بقول من يقول: إني خليلك. وأراد بقوله: من أود بقلبه: نفسه؛ لأن المرء إنما يود الشيء بقلب نفسه، وكذلك قوله: وأرى بطرف لا يرى بسوائه أراد طرف نفسه، وهو مثل قوله:

خليلك أنت لا من قلت خلّىوإن كثر التّجمل والكلام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
إن المعين على الصّبابة والأسىأولى برحمه ربّها وإخائه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الضمير في ربها يعود إلى الصبابة. وفي إخائه إلى ربها. والأسى: الحزن والمعين على الصبابة: هو الزائد في الصبابة.

يقول: إن الذي يعين على صبابتي ويزيد بلومه في حزني، كان الأولى أن يرحمني ويلتمس شفائي.

وقيل: على بمعنى مع أي مع الصبابة وهذا مثل قول من أجاز أبياته:

أولا فدعه، فما به يكفيه منطول الملام فلست من نصحائه

وروى: بالأسى والمراد بها الصبر، فمعناه إن الذي يعيني في اعتقاده على صبابتي، ويريد إزالة بلائها عني، بأن يصبرني، ليس ما يفعله بإعانة في الحقيقة، وكان الأولى في باب الشفقة أن يرحمني ويساعدني على ما أنا فيه من البلوى.

والأول أولى وهو أن المراد بالمعين العاذل الذي يزيد في حزنه بالعذل.

مهلاً فإنّ العذل من أسقامهوترفّقاً فالسّمع من أعضائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

مهلاً وترفقاً نصب بفعل مضمر: أي أمهل مهلاً، وترفق ترفقاً. والضمير في أسقامه وأعضائه يعود إلى ربها في قوله: برحمة ربها.

يقول لعاذله: ارفق بصاحب هذه الصبابة، فإنه سقيم وعذلك يزيد في سقمه، وما زاد في السقم فهو سقم، وارفق أيضا بسمعه فإنه من جملة أعضائه، كما أن سائر الأعضاء سقمت، كذلك السمع، وسقمه: هو الصمم وقيل معناه: إن السمع إذا سمع العذل يفنى كما فنيت سائر الأعضاء، فيؤدي إلى فوات غرض العاذل، إذ لا يبقى سمع يعي العذل.

وهب الملامة في اللّذاذة كالكرىمطرودةً بسهاده وبكائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

هب: أي اجعل. يقال: وهبني الله فداك. واللذاذة: متعلقة بالملامة: أي لذة الملامة. معناه: دع عنك ملامتك إياي، وإن كان لك فيها لذة، لما تراه من بكائي وسهادي، واعمل على أن بكائي صرف عنك لذتك في الملامة، كما صرف عني الملام، فكما أني فقدت لذة الكرى، كذلك أنت لا بأس عليك أن تفقد لذتك في ملامتي.

وقيل: إن اللذاذة هي لذة الهوى، ومعناه: اجعل ملامتك إياي في لذتي مطرودة عني، كالنوم المطرود بالسهاد والبكاء ومعناه: اصرف ملامتك عني من جميع الوجوه. والهاء في قوله بسهاده وبكائه راجع إلى قوله ربها.

لا تعذر المشتاق في أشواقهحتّى يكون حشاك في أحشائه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أيها اللائم أنت لا تقبل عذر العاشق! حتى تبتلي بمثل ما ابتلي به من الصبابة والاشتياق، فيكون في قلبك من لوعة الشوق مثل ما في قلب المشتاق.

ومثله للبحتري:

إذا شئت ألاّ تعذل الدّهر عاشقاًعلى كمدٍ من لوعة البين فاعشق
للشاعر البحتري، من قصيدة «حلفت لها بالله يوم التفرق»

ومثله لآخر:

وإنّما يعرف العشّاق من عشقا

إن القتيل مضرّجاً بدموعهمثل القتيل مضرّجاً بدمائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

مضرج: أي مخضب. وقد نصب على الحال في الموضعين.

يقول: إذا دام عذلك علي هلكت أنا، فتكون أنت قد قتلتني! فإنه إذا جرت دموعي حتى أموت، كنت مثل القتيل الذي يسيل دمه، فالمقتول بالعذل هو كالمقتول بالسيف، فهذا يسيل دموعه، وذاك يسيل دمه.

والعشق كالمعشوق يعذب قربهللمبتلي وينال من حوبائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

الحوباء: النفس.

يقول: العشق محبوب للعاشق، كما أن المعشوق محبوب إليه، فيتلذذ العاشق بقرب المعشوق وإن كان يذيب جسمه ويؤلم قلبه.

لو قلت للدّنف الحزين: فديتهممّا به لأغرته بفدائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

الدنف: الذي أدنفه الحب، وأغرته: أي حملته على الغيرة.

يقول: إن العاشق يشتهي العشق، ويلتذ بغرامه وطول سقامه، حتى لو قلت له: قد جعلني الله فداك مما بك، وأنزل بي سقمك لحملته على الغيرة.

وقيل. معناه لو قلت له: دعني حتى أتحمل عنك مؤن العشق وتكاليفه، لغار عليك. فالأول على الدعاء والثاني على الأمر. وقوله: بفدائه: أي بفدائك إياه، وأضاف المصدر إلى المفعول، وحذف الفاعل.

وقى الأمير هوى العيون، فإنّهما لا يزول ببأسه وسخائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

هوى: في موضع النصب، على أنه خبر ما لم يسم فاعله، واسمه الأمير يخاطب سيف الدولة.

يقول: وقاك الله هوى العيون، فإنه أمر لا يمكنك إزالته عن نفسك، بسخائك وشجاعتك. وقوله: هوى العيون: مصدر مضاف إلى المفعول: أي وقى الأمير هواه للعيون.

يستأسر البطل الكميّ بنظرةٍويحول بين فؤاده وعزائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

يستأسر: أي يأسر، وهو في الأصل بمعنى الاستسلام للأسر، وروى: يستأصل.

يقول: إن الرجل الشجاع لا يقدر على دفع الهوى عن نفسه، بل يأسره هذا الهوى بنظرة واحدة من نظرات العين! ويحول بين قلبه وصبره، فوقى الله تعالى الأمير ذلك.

إنّي دعوتك للنّوائب دعوةًلم يدع سامعها إلى أكفانه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

الضمير في سامعها للدعوة، وفي أكفائه لسامعها. وأراد بالسامع سيف الدولة.

يقول: إني دعوتك لتنصرني على نوائب الدهر، كل نائبة - وإن خلت - تقصر عن أن تدعى لها، لأنا لا نجد ما يكون كفواً لك منها، فندعوك إليه، لكن لما لم أجد أحداً أستعين به عليها غيرك، دعوتك لها لتزيلها عني، وإن لم تكن النوائب من أكفائك.

فأتيت من فوق الزّمان وتحتهمتصلصلاً وأمامه وورائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

متصلصلاً: أي له صلصلة، وهي صوت الحديد عند السرعة.

يقول: لما دعوتك للنوائب أجبتني في أسرع وقت، وأحطت بالزمان من جميع جهاته، وكأنك أتيت ولأسلحتك صلصلة لسرعتك.

وقيل: معناه: أنك لما كنت سيفاً دعوتك للنوائب لتقطعها عني، فأتيت مسرعاً في الإجابة، ولك صلصلة، وهي صوت السيف والحديد.

من للسّيوف بأن تكون سميّهافي أصله، وفرنده، ووفائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

التاء في تكون قيل: ضمير للسيوف، وقيل: خطاب لسيف الدولة وكذلك إذا روى: بالياء.

يقول: من للسيوف بأن تكون هي مثل سميها الذي هو سيف الدولة، أو أن تكون أنت سمي السيوف، بل له عليها مزية، في أصله وجوهره ووفائه.

طبع الحديد فكان من أجناسهوعليٌّ المطبوع من آبائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

يقول: إن كل واحد من سيف الدولة وسيف الحديد، رجع إلى أصله وجنسه، وإن اتفق الاشتراك في الاسم، فالسيوف ترجع إلى جنسها الذي طبعت منه وهو الحديد، فليس لها فعل سوى القطع وسيف الدولة يرجع إلى آبائه في الخصال الحميدة، من الوفاء والسخاء، ويشاركها في القطع والمضاء. ومراده تفضيله على السيف الحقيقي.

والأبيات التي أجازها أبو الطيب لأبي ذر: سهل بن محمد البصري الكاتب مؤدب سيف الدولة. وهي:

يا لائمي كفّ الملام عن الذيأضناه طول سقامه وشقائه
إن كنت ناصحه فداو سقامهوأعنه ملتمساً لأمر شفائه
حتّى يقال بأنّك الخلّ الّذييرجى لشدّة دهره ورخائه
أولا فدعه فما به يكفيه منطول الملام فلست من نصحائه
نفسي الفداء لمن عصيت عواذلاًفي حبّه لم أخش من رقبائه
فالشّمس تطلع من أسرّة وجههوالبدر يطلع من خلال قبائه

وجاء رسول سيف الدولة مستعجلا، ومعه رقعة فيها بيتان للعباس بن الأحنف في كتمان السر، يسأله إجازتهما وهما:

امتّي تخاف انتشار الحديثوحظّي في ستره أوفر
فإن لم أصنع لبقيا عليكنظرت لنفسي كما تنظر

فقال أبو الطيب:

رضاك رضاي الّذي أوثروسرّك سرّى فما أظهر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

يقول: الذي ترضى به فهو رضائي الذي أوثره، وسرك مثل سري أكتمه كما أكتم سري، ولا أظهره لأحد.

كفتك المروءة ما تتّقىوآمنك الودّ ما تحذر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الكاف في كفتك المفعول الأول لكفي. وما يتقى: المفعول الثاني، وكذلك الكاف في آمنك، وما تحذر.

يقول: إن مودتي لك ومروءتي آمناك ما تخاف من إفشاء السر، فلا تحذر على سرك من جانبي.

وسرّكم في الحشا ميّتٌإذا أنشر السّرّ لا ينشر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

يقال: أنشر الله الموتى فنشروا. وروى: إذا نشر من النشر الذي هو ضد الطي، وهو أيضاً في معنى أنشر الله الميت.

يقول: سرك في قلبي كالميت في قبره، وإذا أحيي الموتى يوم القيامة لا يحيي هذا الميت.

يعني: إني لا أظهره إذا أظهر غيري سره.

كأنّي عصت مقلتي فيكموكاتمت القلب ما تبصر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

يقول: إن عيني إذا شاهدت شيئاً من أحوالكم لم ترو إلى القلب ما رأته، فكأنها تكاتم القلب ما تبصره.

يعني: أن سركم يصير في قلبي منسياً.

وإفشاء ما أنا مستودعٌمن الغدر والحرّ لا يغدر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

يقول: السر أمانة وعهد، وإظهاره خيانة، والحر لا يغدر بعهده، فلو أبديت سرك صرت غادراً ولم أكن حراً.

إذا ما قدرت على نطقةٍفإنّي على تركها أقدر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

النطقة: المرة الواحدة من النطق. وهي بمنزلة الكلمة، واللفظة يقول: إذا قدرت على أن أنطق بالسر، كنت على السكوت عنه أقدر؛ لأنه أهون من النطق وأيسر.

أصرّف نفسي كما أشتهيوأملكها والنقا أحمر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

يقول: أنا أملك نفسي، أصرفها كما أريد، وأقهرها على هواها، وأملكها في حال شدة القتال، فمتى أرادت الإحجام قهرتها على الإقدام، فلذلك إذا دعتني نفسي إلى أن أبدي السر قهرتها على كتمانه.

دواليك يا سيفها دولةًوأمرك يا خير من يأمر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

الدوال كالدولة. ودواليك: نصب على المصدر، وثنى على التكرير: أي أدالك الله دولةً بعد دولة. والهاء في سيفها للدولة. ودولة: تفسير للدولة المضمرة، وهي نصب على التمييز، وقيل: على المصدر، وأمرك: أيضاً نصب بفعل مضمر أي مر أمرك.

يقول: أدام الله دولتك. مرني بأمرك، وخصني بأوامرك ونواهيك، حتى أتشرف به.

أتاني رسولك مستعجلاًفلبّاه شعري الّذي أذخر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

أراد أذخره، فحذف الضمير.

يقول: جاءني رسولك مستعجلا، يأمرني بإجازة البيتين، فلبيته بشعري الذي أدخره وأعده.

ولو كان يوم وغىً قاتماًللبّاه سيفي والأشقر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

قاتماً: نصب صفة ليوم. والقاتم: المظلم من شدة الغبار، وروى: أيضا قائماً من قولهم: قامت الحرب. ويوم: نصب لأنه خبر كان، واسمه مضمر: أي لو كان أمرك أو إتيان رسولك إلي يوم وغى.

يقول: لو كان دعاؤك إياي إلى يوم حرب لأجبتك بسيفي وفرسي.

فلا غفل الدّهر عن أهلهفإنّك عينٌ بها ينظر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

فاعل ينظر: ضمير الدهر.

يقول: إنك عين الدهر الذي ينظر بها إلى أهله، فمن أكرمه كان كريماً، ومن أهانه كان مهانا، فكأنه قال: لا زلت أبداً تراعي أهل زمانك إذ الدهر غافل لولا أنك فيه. والغرض: الدعاء بالبقاء ودوام السلامة.

وقد كان سيف الدولة استبطأ مدحه، وعاتبه مدةً، ثم لقيه في الميدان، فأنكر أبو الطيب تقصيره فيما كان عوده من الإقبال إليه والتسلم عليه، فعاد إلى منزله وكتب بهذه الأبيات إليه لوقته: يعتذر عن إبطاء مدحه ويعاتبه ويشيد بمدائحه فيه.

أرى ذلك القرب صار ازوراراوصار طويل السّلام اختصارا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

الازورار: الإعراض.

يقول: قربي منك صار بعداً وإعراضاً، وطول سلامي صار اختصارا وتقصيرا.

تركتني اليوم في خجلةٍأموت مراراً، وأحيا مراراً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

يقول: لما عرضت عني فيما بين الناس تركتني خجلا أموت جزعاً؛ لإعراضك عني، وأحيا طوراً رجاء كرمك وعفوك.

أسارقك اللّحظ مستحيياًوأزجر في الخيل مهري سرارا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

يقول: كنت أنظر إليك سرقة وخجلا وحياءً، وإذا زجرت مهري أخفيت صوتي لئلا تسمع صوتي حياءً منك وإخفاء لشخصي، أو كنت أسر زجره مخافةً أن يرى حالي من يحبني من الفرسان، فيعرف سقوط منزلتي عندك، استدلالاً بما بي من الاغتمام، أو كنت أخفي صوتي لما لحقني من الغم، إذ المغموم لا يكاد يرتفع صوته.

وأعلم أنّي إذا ما اعتذرتإليك أراد اعتذاري اعتذارا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

يقول: لو أردت أن أعتذر إليك، كان عندي أيضا ذنباً ثانياً يجب الاعتذار منه إذ الاعتذار من غير ذنب كذب، والكذب مما يعتذر منه والغرض ادعا براءة الساحة.

وقيل: معناه إني إذا اعتذرت إليك، مع علمي بسعة عفوك الذي لا يحتاج معه إلى الاعتذار، كنت قد أذنبت في اعتذاري ذنباً آخر، لأن ذلك يوهم خلاف ما أنت عليه من عادة الصفح وسعة العفو.

وقيل: معناه إن اعتذاري متى اعتذرت يكون كذبا فيلزمني الاعتذار عنه، لأنك جفوتني، فألجأتني إلى التقصير في خدمتك، فمتى كنت كاذباً في الاعتذار، يلزمني الاعتذار منه أيضا.

كفرت مكارمك الباهرات إن كان ذلك منّي اختيارا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

يقول مقسماً: إن كان تأخير مدحك عن اختيار مني كذلك، فجحدت مكارمك الظاهرات، ولكن كان اعتذاري على ما بينته.

ولكن حمى الشّعر إلاّ القليل همٌّ حمى النّوم إلا غرارا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

الغرار: النوم القليل.

يقول: منعني من قول الشعر هم منع نومي إلا القليل منه.

وما أنا أسقمت جسمي بهولا أنا أضرمت في القلب نارا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في به للهم.

يقول: هذا الهم الذي أسقم جسمي بألمه، لم يكن عن قصد مني، وكذلك إضرام نار الهم في قلبي، لم يكن من فعلي، فإذا لم يكن هذا الهم عن قصدي، فلا ذنب لي فيه، أستوجب به عتبك، ولكن الذنب للزمان.

فلا تلزمنّي ذنوب الزّمانإليّ أساء وإيّاي ضارا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

ضار يضير، وضره يضره بمعنىً.

يقول: لا تعتب علي في تأخير مدحك، فليس لي فيه ذنب، وإنما الذنب للزمان الذي قصدني بهمومه، وشغل قلبي عن الشعر، فلا تلزمني ذنوبة، واعلم أن الزمان إنما قصدني بالإساءة، وألحق الضر بي دونك، لأن مدحي إياك يزيد في شرفي ومنزلتي عندك، وتأخره جر على عتبك وإعراضك عني، فالضرر في تأخيره راجع إلي، والإساءة واقعة بي لا بك.

وعندي لك الشّرّد السّائرات لا يختصصن من الأرض دارا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

يقول: سأمدحك من بعد، بقصائد سائرات، لا تستقر في مكان، بل تعم الشرق والغرب، والسهل والجبل.

فإنّي إذا سرن من مقوليوثبن الجبال وخضن البحارا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المقول: اللسان. يعني إذا قلت قصيدة سارت في البر والبحر. وقوله: وثبن الجبال: عداه بنفسه على معنى: جزن الجبال ومثله لعلي بن الجهم في وصف شعره:

فسار مسير الشّمس في كلّ بلدةٍوهبّ هبوب الرّيح في البرّ والبحر
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
ولي فيك ما لم يقل قائلٌوما لم يسر قمرٌ حيث سارا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

يقول: قد مدحتك قبل هذه بقصائد التي لم يقل أحد مثلها، وقصر القمر عن شأوها، فوصلت إلى الآفاق واشتهرت في العالم.

فلو خلق النّاس من دهرهملكانوا الظّلام وكنت النّهارا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

يقول: لو كان الناس خلقوا من الدهر لكانوا الليل، وكنت النهارا: يعني إن لك فضلا عليهم، كفضل النور على الظلام.

أشدّهم في النّدى هزّةًوأبعدهم في عدوٍّ مغارا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أنت أشد الناس اهتزازاً في الجود، وأبعدهم غارة في العدو، وهزة، ومغارا نصب على التمييز.

سما بك همّي فوق الهمومفلست أعدّ يساراً يسارا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

يقول: ارتفعت همتي على كل همة بسببك، وصغر في عيني المال، فلا أعتد باليسار، ولا أقصر على ما أناله من المال، فإنما أطلب معالي الأمور، وارتفاع المحل والمنزلة.

ومن كنت بحراً له يا عليّلم يقبل الدّرّ إلاّ كبارا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرى ذلك القرب صار ازورارا»

هذا مثل: يعني من كنت مقصوده فلا يرضي بالقليل، ويستصغر الخطب الجليل، وإنما يرضي منك بشرف القدر وجلالة المنزلة.

ورحل سيف الدولة من حلب إلى ديار مضر، لاضطراب البادية بها فنزل حران وأخذ رهائن بني عقيل وقشير والعجلان. وحدث له بها رأي في الغزو، فعبر الفرات إلى دولوك وإلى قنطرة صنجة إلى درب القلة، فشن الغارة على أرض عرقة وملطية وعاد ليعبر من درب موزار فوجد العدو قد ضبطه عليه، فرجع وتبعه العدو، فعطف عليه فقتل كثيراً من الأرمن، ورجع إلى ملطيه، وعبر قباقب وهو نهر حتى ورد المخاض على الفرات: وهو نهر، تحت حصن يعرف بالمنشار، فعبر إلى بطن هنزيط وسمنين ونزل بحصن الران ورحل إلى سميساط فورد عليه بها من أخبره أن عدوه في بلد المسلمين، فأسرع إلى دلوك فعبرها، فأدركه راجعاً على جيحان فهزمه وأسر قسطنطين بن الدمستق، وجرح الدمستق في وجهه. فقال أبو الطيب يصف ما كان في جمادي الآخرة سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة.

لياليّ بعد الظّاعينين شكولطوالٌ وليل العاشقين طويل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

شكول: جمع شكل في الكثير وهو المثل، واختار الجمع الكثير في الطول لليالي، ليكون أبلغ في الشكوى، وأدل على عظم الشوق والبلوى وليالي: مبتدأ، وشكول: خبره. وطوال: بدل من شكول، فكأنه قال: ليالي طوالٌ، وإن شئت جعلت طوالا تفسيراً لشكول، وأضمرت فيه مبتدأ يرفعه: أي هي طوال وتم المعنى عند قوله طوال. ثم ابتدأ فقال: وليل العاشقين طويل.

المعنى: ليالي بعد الأحباء الظاعنين عني كلها مشاكلة في الطول، لا تختلف كليالي سائر الناس؛ لأنها تقصر مرة وتطول أخرى، ثم قال: إن ليل العشاق كذا يكون، وكل عاشق يطول ليله؛ لسهره فيه، وعظم حزنه شوقاً إلى حبيبه. وقيل: أراد أنها مشاكلة في السهر وبعد النوم وفقد الروح والراحة، شوقاً إلى الظاعنين، فهي طوال، لبعد العهد باللقاء وطول المدة، ولا يسلى عني ما بي من الشوق، فهي مشاكلة يشبه أولها آخرها في الشوق إلى الظاعنين.

يبنّ لي البدر الّذي لا أريدهويخفين بدراً ما إليه سبيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

بين: أي يظهرن، والنون فيه، وفي يخفين: لليالي.

يقول: هذه الليالي يظهرن لي بدراً لا أريده، وهو بدر السماء ولا أشتهيه، ولا أختار النظر إليه، ويسترن عني بدراً لا سبيل لي في الوصول إليه، وأراد به حبيبه.

وإنما قال ذلك؛ لأنه يراه بالنهار، والغيبة كانت تحصل بالليل، وإنما لا يريد البدر الحقيقي، لأنه ينم إذا سار إلى حبيبه، فلا يتمكن من الوصول إليه في ضوئه. قال ابن المعتز:

ولاح ضوء هلالٍ كاد يفضحنامثل القلامة قد قدّت من الظّفر
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «سقى المطيرة ذات الظل والشجر»

وقال بعض الأعراب:

أشكو إليها ثلاثاً لا تلائمنيمنها: العجوز ومنها الكلب والقمر
وما عشت من بعد الأحبّة سلوةًولكنّني للنّائبات حمول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

سلوة: نصب على أنه مفعول له، وقيل: على التمييز.

يقول: لا تظن أن بقائي بعد رحيل حبيبي عني هو للسلوة عنه، ولكن هان علي حوادث الدهر وتحمل الشدائد. وقريب منه قول الآخر:

فلو كان قلبي ساعة البين زيرةًجرى جزعاً أو صخرةً لتفطّرا
ولكنّه من جوهر لا تحيلهحوادث صرف الدّهر كيف تنكّرا

ولكن قلبي أشد من الحديد، وأقسى من الصخر؛ فلهذا لم يذب من لوعة الهجر. ومثله لأبي خراش:

فلا تحسبنّي أنّي تناسيت عهدهولكنّ صبري يا أميم جميل

؟ وإنّ رحيلاً واحداً حال بيننا وفي الموت من بعد الرّحيل رحيل يقول: معتذراً لبقائه بعد فراق الأحبة. إن رحيلهم الواقع، قد حال بيني وبينهم، وبقي رحيل آخر وهو الموت، وسيحصل هذا الرحيل أيضاً أسفاً على فراقهم، فيزيد البعد بيني وبينهم، وتنقطع الأسباب عنا بالكلية.

إذا كان شمّ الرّوح أدنى إليكمفلا برحتني روضةٌ وقبول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

الروح في اللغة: الريح، وأكثر ما يستعمل في الريح المستلدة، وقد يستعمل في معنى الراحة، وقيل: أراد بشم الروح: الحياة. والقبول: الريح تأتي من جهة القبلة، وخصها لأنها كانت تجيء من ناحية حبيبه. وأدنى: فعل متعد من دنيت.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.