تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

السيفيات (١١)

يقول: رب لجة جعلت الجياد سفيناً لها. يعني أنه اقتحم بها الأنهار العظيمة في غزواته، فصارت كالسفن. وقيل: أراد حومة القتال وغمرة الحرب. ورب روض بعيد قد وصلت إليه هذه الجياد، فاستوفت جميع ما فيها من عانات الحمر الوحشية وأهلكته.

وذي جنونٍ أذهبت جنونه

وشرب كأسٍ أكثرت رنينه

وأبدلت غناءه أنينه

وقوله: وذي جنون: كناية عن الشجاع، أو كناية عن الباغي. وقيل: أراد به ملكاً. كأنه من غيرة نفسه مجنون، والشرب: القوم المجتمعون على الشراب. والهاء في جنونه لذي جنون وفي رنينه وغناءه وأنينه للشرب، لفظاً لا معنىً، والرنين: صوت الباكي الحزين. والأنين: صوت الحزين المتوجع.

يقول: ورب ذي جنون قصدته هذه الخيل، وأذهبت ذلك الجنون من رأسه، ورب قوم شاربين للكأس، هجمت عليهم فقتلتهم وأكثرت رنينهم وأبدلت غناءهم وطربهم حزناً وبكاء!

وضيغمٍ أولجها عرينه

وملكٍ أوطأها جبينه

العرين: موضع الأسد في الأجمة. وفاعل أولجها ضمير البحر، الذي هو سيف الدولة، والهاء: ضمير الجياد، وكذلك في أوطأها أي ورب أشد أدخل سيف الدولة هذه الجياد في أجمته، وأغار على مملكته، ورب ملك قتله، ومشى بها على جبينه.

يقوده مسهّداً جفونه

مباشراً بنفسه شؤونه

مسهداً ومباشراً نصب على الحال، والضمائر كلها راجعة إلى سيف الدولة، وهو المعبر عنه بالبحر.

يقول: يقود سيف الدولة هذه الجياد إلى الحروب ليلاً، وقد منع أجفانه من النوم.

وقيل: الهاء في جفونه تعود إلى الملك: أي يسهد جفون الملك بقصده بخيله. وهو يتولى أموره بنفسه، ولا يتكل فيها إلى كفاية غيره؛ لفضل قوته وبعد همته.

مشرّفاً بطعنه، طعينه

عفيف ما في ثوبه مأمونه

أبيض ما في تاجه ميمونه

المنصوبات كلها على الحال. إلا قوله: طعينه فإنه منصوب بمشرف.

يقول: إذا طعن إنساناً فإنه يتشرف بطعنه، لأنه يقال قد نازله وثبت له، وهو عفيف الفرج، أبيض الوجه، مبارك ميمون على من رآه.

بحرٌ يكون كلّ بحرٍ نونه

شمسٌ تمنّى الشّمس أن تكونه

قوله: أن تكونه الهاء فيه خبر كان وقد وصله، والأولى فيه الفصل، فيقال: أن تكون إياه. وذكر الضمير في أن تكونه وإن كان راجعاً إلى قوله: شمس لأنه أراد بها سيف الدولة.

يقول: هو بحر في الجود والهيبة، إذا قيست البحار إليه كانت بمنزلة السمكة في البحر، وهو شمس في إشراقه وعلو همته، ومنزلته وشهرة ذكره، والشمس الحقيقي تتمنى أن تكون مثله.

إن تدع يا سيف لتستعينه

يجبك قبل أن تتمّ سينه

الهاء في سينه تعود إلى سيف. يخاطب صاحباً له، أو نفسه، فيقول: إن دعوته وقلت يا سيف الدولة، تستعين به أجابك قبل أن تلفظ بالسين، من يا سيف.

وقيل: هو خطاب لسيف الدولة: أي إن دعوت سيفك لتستعين به أجابك قبل إتمام السين منه.

أدام من أعدائه تمكينه

من صان منهم نفسه ودينه

من فاعل أدام، وأراد به الله تعالى.

يقول: أدام الله تمكينه، كما صان منهم نفسه ودينه: أي حال بينهم وبينه من أن ينالوه بطعن في نفسه ودينه.

وقال في ذي الحجة من سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة، يمدحه ويهنئه بعيد الأضحى، وأنشده إياها في ميدانه بحلب، تحت مجلسه، وهما على فرسيهما ويذكر أسره لابن الدمستق وفيها يفتخر بنفسه وشعره:

لكلّ امرئٍ من دهره ما تعوّداوعادات سيف الدّولة الطّعن في العدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كل إنسان يجري على ما تعود من دهره، وعادة سيف الدولة التي لا ينفصل عنها، أن يطعن أعداءه، فهو جار عليه.

وأن يكذب الإرجاف عنه بضدّهويمسي بما تنوي أعاديه أسعدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

الإرجاف: خوض العامة في الإخبار عن الملوك بالسيئ. وقيل: هو مقدمة الكون.

يقول: من عادته أيضاً أن يكذب إرجاف أعدائه عنه بضد ما أرجفوا، فإذا نووا على إيقاع شر به عاد ما تمنوه عليهم، فيصير هو أسعد من أعدائه. بما نووا عليه. وروى: بما تحوي وتنوي.

وربّ مريدٍ ضرّه، ضرّ نفسهوهادٍ إليه الجيش، أهدى وما هدى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

الهاء في ضره لسيف الدولة، وفي نفسه للمريد، وهاد: من قولهم: هديته الطريق، والجيش: نصب بهاد وضره: بمريد. وأهدى: من الهدية.

يقول: رب إنسان أراد أن يضره، ضر نفسه! وعاد كيده إليه، وهذا من قوله تعالى: " وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ ". ومنه قول الشاعر:

رماني بأمر كنت منه ووالديبريّاً ومن قعر الطّويّ رماني

أي عاد رميه إليه، مثل من يرمي حجراً من قعر بئر، فيعود على رأسه.

ورب قائد هدى إليه جيشاً، فكأنه بعث إليه هدية وغنيمة.

ومستكبرٍ لم يعرف الله ساعةًرأى سيفه في كفّه فتشهّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: رب كافر مستكبر عن طاعة الله تعالى، لم يؤمن ساعة، لما رأى سيف الدولة وفي يده سيفه أسلم، وتشهد: أي أقر بشهادة التوحيد.

ويجوز أن يكون ساعةً متعلق بقوله: رأى السيف في يده، ساعةً، ووقتاً، فأسلم.

هو البحر غص فيه إذا كان ساكناًعلى الدّرّ واحذره إذا كان مزبداً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: هو بحر، فإذا كان ساكناً فغص فيه، واستخرج منه الدر، وإذا كان هائجاً مزبداً فاحذره ولا تقربه، فتغرق فيه. يعني: استمنح منه الرغائب في حال السلم، واحذر من أن تلقاه محارباً، فإنه يهلكك. وهو وقوله:

سل عن شجاعته وزره مسالماً

فإنّي رأيت البحر يعثر بالفتىوهذا الّذي يأتي الفتى متعمّداً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: هو أشد من البحر بأساً؛ لأن البحر إنما يصيب الإنسان اتفاقاً، فربما سلم منه، وإن باعد منه لم يقصده، وهذا البحر يقصد إلى قرنه عن عمد، ويهلكه عن قصد، فيكون يعثر بمعنى يصيب.

وقيل: معناه البحر ليس هو مكنه على قصد مكان غير مكانه، وهذا البحر يقصد العدو ويهلكه، وهو قريب من الأول.

وقيل: لما سوى بين البحر وبين سيف الدولة من حيث الغضب والسكون فضله على البحر فقال: ما يفعله سيف الدولة في حالتي الغضب والسكون، فهو عن قصد وإرادة، وما يفعله البحر لا يكون عن قصد وإرادة، وليس إغناء البحر من يقصده. بما فيه من الدر عن قصد، وكذلك إهلاكه في حال الاضطراب، فيكون قوله: يعثر بالفتى عبارة عن وقوع الفعل غفلة لا عن قصد وعمد.

تظلّ ملوك الأرض خاشعةً لهتفارقه هلكى، وتلقاه سجّداً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: إن الملوك تخشع له، فإذا لقيته سجدت له، وإذا خرجت من عنده ففي قلوبهم من الخوف والهيبة ما يقوم لهم مقام الهلاك.

وقيل: أراد به حقيقة الهلاك. يعني إذا فارقوه على سبيل العصيان أهلكهم.

وتحيي له المال الصّوارم والقناويقتل ما تحيي التّبسّم والجدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الجدا، والجدوى: العطية.

يقول: يغنم الأموال بالسيوف والرماح، ثم يهبها بتبسمه وجدواه. وقوله: بالتبسم إشارة إلى أنه لا يمكن أن يؤخذ منه على وجه القهر. ومثله لأبي تمام:

إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشرٍأغارت عليهم فاحتوته الصّنائع
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر»
ذكيٌّ تظنّيه طليعة عينهيرى قلبه في يومه ما ترى غدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

تظنيه: أصله تظننه، وهو تفعل من الظن، وتظنيه: مبتدأ: وطليعة عينه: خبره، والجملة: صفة لذكي.

يقول: هو ذكي يعرف الأمر قبل موقعه، فكأن ظنه طليعة لعينه، فهو يرى بقلبه اليوم ما تراه أيها الإنسان بعينك غدا.

وصولٌ إلى المستصعبات بخيلهفلو كان قرن الشّمس ماءً لأوردا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

روى: المستصعبات بالكسر، والفتح. والكسر: على أنه من الفعل اللازم، استصعب: أي صعب. والفتح: من قولك استصعبت الأمر: وجدته صعباً.

يقول: لا يتعذر عليه ما يريده، حتى لو كان قرن الشمس ماء لأورد خيله منه.

لذلك سمّى ابن الدّمستق يومهمماتاً، وسمّاه الدّمستق مولداً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

الهاء في يومه لابن الدمستق، وفي سماه لليوم، وقوله: لذلك إشارة إلى البيت الذي قبله: أي أنه أسر ابن الدمستق، لأنه يصل إلى كل أمر صعب بخيلة، فسمى ابن الدمستق اليوم الذي أسر فيه مماتاً؛ لأنه دنا من الموت، وأيس من الحياة، وسماه أبوه: مولداً؛ لأنه قد نجا من القتل والموت، فكأنه ولد في ذلك اليوم، أو كأنه عاد إلى الدنيا، بعد أن خرج منها.

سرت إلى جيحان من أرض آمدٍثلاثاً؛ لقد أدناك ركضٌ وأبعدا

جيحان: نهر في بلاد آمد مسافته بعيدة.

يقول: سريت من آمد إلى جيحان في ثلاث ليال، مع بعد المسافة بينهما، قاله متعجباً. ثم قال: لقد أدناك الركض من جيحان؛ وأبعدك من آمد.

وعن ابن جني قال: أدناك من جيحان، وأبعد أولئك القوم من جيحان؛ مخافةً منك، فيكون مفعول أبعد محذوفاً.

فولّى وأعطاك ابنه وجيوشهجميعاً ولم يعط الجميع لتحمداً
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: ولى الدمستق لما رآك، وأسلم ابنه وجيشه إليك، ولم يعط جميع ما قلت لتحمده عليه؛ لأنه لم يعطك عن طيب نفس واختيار منه حتى تحمده، ولكن كان ذلك على رغم منه: قهراً وقسراً.

عرضت له دون الحياة وطرفهوأبصر سيف الله منك مجرّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: لما رآك غلب على قلبه الخوف، وعلى عينه الحيرة، فلم تر عينه غيرك، وحلت بينه وبين حياته، فصار كالميت؛ لبطلان حواسه.

وجعله سيف الله؛ لأنه مجاهد في سبيله ودينه. وروى: وطرقه أي حلت بينه وبين طريقه إلى الحياة.

وما طلبت زرق الأسنّة غيرهولكنّ قسطنطين كان له الفدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

الفدا إذا فتح: يقصر، وإذا كسر: يمد.

يقول: لم تطلب الرماح إلا الدمستق ولكن نجا هو وصار ابنه فداءً له.

فأصبح يجتاب المسوح مخافةًوقد كان يجتاب الدّلاص المسرّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يجتاب: أي يلبس المسوح ويدخل فيها. والمسوح: جمع مسح. والدلاص: الدرع الصافية البارقة. والمسرد: المحكم النسج.

يقول: إن الدمستق لما نجا ترهب خوفاً من سيف الدولة، ولبس المسوح السود، وقد كان يلبس الدروع ويباشر الحروب فترك ذلك.

ويمشي به العكّاز في الدّير تائباًوما كان يرضى مشى أشقر أجردا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

العكاز، والعكازة: العصا. والدير للرهبان، كالصوامع للعباد.

يقول: لما عجز عن المقاتلة كانت تحمله العصا في الدير؛ لأنه قد ضعف ومرض خوفاً، وأظهر التوبة، وكان قبل ذلك لا يرضي أن يحمله الفرس الأشقر الأجرد، لأنه على ما يقال: يكون أصبر على السير.

وما تاب حتّى غادر الكرّ وجههجريحاً وخلّى جفنه النّقع أرمدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: لم يتب اختياراً وزهداً في الدنيا، ولكن لما تركت وجهه جريحاً، وأسرت ابنه، وجعل الغبار عينه أرمد، خاف على نفسه فترهب.

فإن كان ينجي من عليٍّ ترهّبٌترهّبت الأملاك مثنى وموحدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن كان كل من يترهب ينجو من سيف الدولة، فإن جميع الملوك يترهبون اثنين اثنين، وواحداً واحداً ومثنى وموحد نصب على الحال.

وكلّ امرئٍ في الشّرق والغرب بعدهايعدّ له ثوباً من الشّعر أسودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

وكل امرئ بعدها: أي بعد حالة الدمستق. وقيل: بعد الوقعة والهاء في له لامرئ، أي يعد لنفسه.

يقول: إن كان ينجيه ترهبه، فكل أحد بعد هذا - في الشرق والغرب - يجعل لنفسه مسحاً أسوداً ليلبسه. يعني لا ينفعه ذلك.

هنيئاً لك العيد الّذي أنت عيدهوعيدٌ لمن سمّى وضحّى وعيّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

هنيئاً: نصب على الحال، والعيد: رفع بفعل مضمر يدل عليه هنيئاً: أي ثبت العيد لك هنيئاً.

يقول: هنأك هذا العيد الذي أنت عيد له، لأنه يتجمل بك ويسر بكونك فيه، كما يتجمل الناس في العيد، وأنت أيضاً عيد لكل مسلم يرى هذا اليوم عيداً، فيضحي ويذكر اسم الله تعالى في أيامه.

وقيل: أراد هذا العيد عيد لكل من سمى وضحى، وجعله عيداً: أي عيد لكل مسلم.

ولا زالت الأعياد لبسك بعدهتسلّم مخروقاً وتعطي مجدّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: لا زلت بعده تلقى أعياداً كثيرة وتلبسها، فإذا أبليت عيداً ملبوساً، لبست عيداً جديداً.

فذا اليوم في الأيّام مثلك في الورىكما كنت فيهم واحداً كان أوحدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: هذا اليوم في الأيام بمنزلتك من الأنام، فهو سيد الأيام وأوحدها، كما أنك أوحد الناس وسيدهم.

هو الجدّ حتّى تفضل العين أختهاوحتّى يكون اليوم لليوم سيّدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: البخت يسعد كل شيء، حتى الأيام، فيصير اليوم سيدا لليوم، والعين قيل: أراد بها العين الحقيقية. يعني: أن البخت ربما يجعل إحدى العينين أفضل من الأخرى؛ لما يلحق الأخرى من الآفة والنقص فتصير دونها. وقيل: أراد بالعين قول القائل هذا عين الشيء.

أي قد يكون عينان من ثوبين أو درتين وغيرهما - وإن كانا من جنس واحد - تفضل إحداهما على الأخرى؛ لما لها من الحظ، فتكون أوقع في النفس وأعظم للحظ.

فواعجباً من دائلٍ أنت سيفهأما يتوقّى شفرتي ما تقلّدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الدائل: صاحب الدولة.

يقول: ما أعجب أمر الخليفة؟! حيث جعلك سيفه، كيف لا يخافك فأنت أقوى منه سلطانا؟!

ومن يجعل الضّرغام للصّيد بازهتصيّده الضّرغام فيما تصيّدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول أنت كالأسد، فإذا جعلك الخليفة بازه، كان قد وضع الشيء في غير موضعه! لأن الأسد لا يصيد لأحد، وإنما يصيد لنفسه، فمن جعله بازه كان آخر أمره أن يعطف عليه يوماً فيجعله من جملة صيده، فكذلك الخليفة، ربما عطفت عليه فأقمته عن ملكه وقعدت مكانه، فيصير صيداً لك.

ومن شرط ويجعل مجزوم به وكان يجب جزم قوله: تصيده لكن حمله على التقديم والتأخير: أي تصيد الضرغام فيما تصيد، من يجعل الضرغام للصيد بازه كقول الشاعر:

إنّك إن تصرع أخاك تصرع

أي إنك تصرع إن تصرع أخاك. وقال أبو الفتح بن جني: قلت له: لم جعلت من في قولك ومن يجعل شرطاً صريحاً؟ وهلا جعلته بمنزلة الذي، وضمنت الصلة معنى الشرط حتى لا تركب الضرورة، نحو قوله تعالى: " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمُ باللَّيْلَ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيةً فَلهُمْ أجْرُهُم ". فقال: هذا يرجع إلى معنى الشرط والجزاء وإنما جئت بلفظ الشرط صريحاً؛ لأنه أوكد وأبلغ، قال: وأردت الفاء في قوله تصيده وحذفتها وهذا جائز.

رأيتك محض الحلم في محض قدرةٍولو شئت كان الحلم منك المهنّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يجوز أن يكون متصلاً بما قاله: أي أنك مع قدرتك الظاهرة تعامل الخليفة بالحلم. ولو شئت جعلت مكان الحلم السيف، ويجوز ألا يكون متصلاً به. أي حلمك عن الجهال عن قدرة، ولو شئت جعلت مكانه سيفاً.

وما قتل الأحرار كالعفو عنهمومن لك بالحرّ الّذي يحفظ اليدا؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: إذا قدرت على حر فعفوت عنه، فكأنك قتلته؛ لأنه لا يقدر بعد ذلك على محاربتك، حياءً من إحسانك إليه؛ ولكن أين ذلك الحر الذي يحفظ النعمة ويشكرها؟! وقوله: ومن لك أي من يطلب لك الحر الذي يحفظ اليد.

إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهوإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: إذا أكرمت الكريم وأحسنت إليه، فقد ملكته بإحسانك، وصار عبدك، وإذا أكرمت اللئيم كفر نعمتك، ولم يشكر إحسانك! وظن أنك أكرمته خوفاً منه، فتمرد عند الإحسان للؤم طبعه.

ووضع النّدى في موضع السّيف بالعلامضرٌّ، كوضع السّيف في موضع النّدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: الإحسان إلى من يستحق السيف، مثل الإساءة إلى من يستحق الإحسان، في أن كل واحد منهما يقدح بالعلا ويضر بالملك وهذه الأبيات تعريض بالخليفة.

يقول: إذعانك له مع قدرتك عليه، حكم موضوع في غير موضعه، لأنه لا يعرف حق ذلك، ويعد ذلك يداً عليه. ومثله لآخر:

من لم يكن للوصال أهلاًفكلّ إحسانه ذنوب
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة
ولكن تفوق النّاس رأياً وحكمةًكما فقتهم حالاً ونفساً ومحتدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: أنت أصوب الناس رأياً، وألطفهم حكمةً، كما أنك أحسنهم حالاً، وأشرفهم نفسا، وأكرمهم أصلاً.

ومعناه: أنك تفعل ما هو في الظاهر وضع الشيء في غير موضعه، ولكن لا اعتراض عليك؛ لأن رأيك أصوب الآراء، فلعلك رأيت فيه ما خفي على غيرك.

وقيل: إن معناه وضع الندى في موضع السيف يضر بالعلا، ولكنك لا تفعل شيئاً من ذلك، فلا تضع الندى إلا في موضعه، وكذلك السيف، لأن رأيك أصوب الآراء.

يدقّ على الأفكار ما أنت فاعلٌفيترك ما يخفي ويؤخذ ما بدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: إن ما تفعله من المكارم والعجائب لا تحيط به أفكار الشعراء، فيذكرون ما ظهر لهم، ويتركون ما خفى عيهم.

أزل حسد الحسّاد عنّي بكبتهمفأنت الّذي صيّرتهم لي حسّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: أزل عني حسد الحساد، بأن تكبتهم وتذلهم، بالازدياد في الإحسان إلي والرفع من منزلتي لديك، فإنك أنت الذي جعلتهم حساداً لي، إذ أعطيتني وقربت منزلتي عندك، حتى حسدوني على ذلك.

إذا شدّ زندي حسن رأيك في يديضربت بنصلٍ يقطع الهام مغمدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا قربتني منك، وأعنتني بحسن رأيك، فلا أبالي بحسد الحساد، بل أقتلهم بأهون سعي، فعبر عن ذلك بالمغمد: الذي لا يعمل.

وما أنا إلاّ سمهريٌّ حملتهفزيّن معروضاً وراع مسدّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

المسدد: المشرع.

يقول: إنما أنا جمال مجلسك، وزين حضرتك، وأنا لك بمنزلة الرمح، تحمله يزينك، ويردع أعداءك في حربك، كذلك أنا أنشر مكارمك وأزين مجلسك وإذا حملتني إلى القتال قاتلت أعداءك.

وما الدّهر إلاّ من رواة قلائديإذا قلت شعراً أصبح الدّهر منشدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

أراد بالقلائد: القصائد، وقد رويت أيضاً.

يقول: إن الدهر من جملة رواة قصائدي، فإذا قلت شعراً سار في الآفاق وبقى على الأيام، فصار كأن الدهر يرويه وينشده. وقيل: أراد به أهل الدهر. أي الناس كلهم يروون شعري وينشدونه.

فسار به من لا يسير مشمّراًوغنّى به من لا يغنّي مغرّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: يسير بشعري من ليس عادته السير، يهديه إلى غيره، وكذلك يغني به تطريباً وتغريداً من لم يكن شأنه الغناء، لحسنه وموافقته للطباع، فيحمل كل سامع على الاستماع، ويحمل كل أحد على الإنشاد.

أجزني إذا أنشدت مدحاً فإنّمابشعري أتاك المادحون مردّدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

مردداً: منصوب على الحال من قوله: بشعري.

يقول: إذا أنشدك الشاعرون المدائح فأعطني الجائزة، فإني أحق منهم بها، لأنهم أخذوا المعاني من شعري ورددوها فيك، فكأنهم أتوك بشعري ونسبوه إلى أنفسهم.

وروى أن شاعراً مدح الصاحب بقصيدة سرق فيها أبياتاً من شعره، فوقع على ظهرها هذه بضاعتنا ردت إلينا.

ودع كلّ صوتٍ بعد صوتي فإنّنيأنا الصّائح المحكيّ والآخر الصّدي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: أنا الشاعر المحكي بدل الصائح.

يقول: لا تلتفت إلى الشعراء غيري؛ لأنهم يسرقون أشعارهم من أشعاري، فأنا الصائح الذي يحكي صوته، وهم كالصدى.

وقيل: معناه لا تسمع إلى قول غير قولي، فإن ما عداه هذيان، كالصدى من الصياح.

تركت السّرى خلفي لمن قلّ مالهوأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: أغنيتني بعطاياك، حتى قعدت عن السرى طلباً للغنى، وتركت السرى لمن هو قليل المال، وكثر لي الذهب حتى أنعلت به خيلي. وهذا كما قيل في المثل: من كثر ذهبه طلي به استه وقيل: إن سيف الدولة كان وهب له فرساً منعلاً بالذهب فذكره.

وقيّدت نفسي في ذراك محبّةًومن وجد الإحسان قيداً تقيّداً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

محبةً: نصب لأنه مفعول له.

يقول: أحسنت إلي، فأقمت عندك، وصار إحسانك لي قيداً يمنعني عن الأسفار.

إذا سأل الإنسان أيّامه الغنىوكنت على بعدٍ جعلنك موعدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول: إذا طلب أحد من الأيام أن تعينه، وكنت بعيداً عنه. قالت له الأيام: إذا بلغت سيف الدولة استغنيت. وقوله: وكنت على بعد إشارة إلى أن هذا الوعد من الأيام إنما يكون لمن بعد عنك، فأما القريب فقد أغنيته فلا يحتاج إلى السؤال.

وجرى ذكر ما بين العرب والأكراد من الفضل، فقال سيف الدولة ما تقول وتحكم في هذا يا أبا الطيب؟ فقال:

إن كنت عن خير الأنام سائلاً

فخيرهم أكثرهم فضائلا

يقول: إن كنت تسألني عن خير الناس، فإن خيرهم من كانت فضائله أكثر، ثم بين من بعد. وفضائلا نصب على التمييز.

من أنت منهم يا همام وائلا

الطّاعنين في الوغى أوائلا

لم يصرف وائل لأنه اسم القبيلة، فهي معرفة مؤنثة؛ والطاعنين، وما بعده خبر، لأنه صفة لوائل وهي في موضع جر. وقيل: نصب على المدح.

يقول: خير الناس العرب الذين أنت منهم يا سيد وائل، وهم الذين يطعنون في الحرب أوائل الخيل في المعركة، فهم الشجعان لأنه يسبق إلى الطعان إلا الشجاع. وقيل: أراد بالأوائل. الوجوه والصدور، أي أنهم يطعنون وجوه الأعداء وصدورهم، فيكون نصباً على المفعولية.

وقيل: معناه أنهم يطعنون الأبطال أولا. أي يتقدمون إلى الأقران. ونصبه حينئذ على الحال.

والعاذلين في النّدى العواذلا

قد فضّلوا بفضلك القبائلا

العاذلين: عطف على الطاعنين.

يقول: إذا عذلهم العواذل على السخاء عذلوهن على عذلهن، ثم بين أن قبيلته قد فضلوا سائر القبائل بسبب فضله ومآثره.

وجلس سيف الدولة لرسول ملك الروم في صفر سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة فحضر أبو الطيب فوجد دونه زحمة شديدة، فثقل عليه الدخول فاستبطأه سيف الدولة فقال ارتجالاً:

ظلمٌ لذا اليوم وصفٌ قبل رؤيتهلا يصدق الوصف حتّى يصدق النّظر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

ظلم نكرة مفيدة، والوصف: خبره.

يقول: إن وصفت هذا اليوم قبل مشاهدة الحال فقد ظلمته، ولم أقدر على وصفه على الحقيقة إلا بعد المشاهدة، وإنما قال ذلك: تعظيماً لليوم، وأنه لا يحيط به العيان.

تزاحم الجيش حتّى لم يجد سبباًإلى بساطك لي سمعٌ ولا بصر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

أي ازدحم الجيش عليك، حتى لم يبنك بصري من كثرة الناس في بساطك، وكثرت الأصوات حتى لم أسمع كلامك.

فكنت أشهد مختصٍّ وأغيبهمعايناً، وعياني كلّه خبر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

المعنى: كنت حاضراً، وكأني كنت غائباً؛ للازدحام، فلم يمكنني مشاهدة الحال، وكتب معايناً، وكان عياني خبراً؛ لشدة الزحمة وكثرة الناس.

اليوم يرفع ملك الرّوح ناظرهلأنّ عفوك عنه عنده ظفر

يقول: إذا أجبته إلى الصلح أمن وزال منه الخوف، فيرفع طرفه؛ لأن عفوك عنه يقوم له مقام الظفر في هذه المرة.

وإن أجبت بشيءٍ عن رسالتهفما يزال على الأملاك يفتخر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن كتبت إليه جواب كتابه، افتخر بذلك على ملوك زمانه، وتشرف به على جميع أقرانه.

قد استراحت إلى وقتٍ رقابهممن السّيوف وباقي النّاس ينتظر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: استراحت بهذا الصلح رقاب الروم عن السيوف، وانتظر سيوفك باقي الناس من الأعداء؛ لأنهم كانوا آمنين ما دمت مشتغلاً بغزو الروم، فالآن يخافونك أن تقاتلهم.

وقد تبدّلها بالقوم غيرهملكي تجمّ رءوس القوم والقصر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في تبدلها للسيوف، والقوم. هم الروم. وغيرهم: نصب بتبدلها.

يقول: تبدل سيوفك وتنقلها من رقاب الروم إلى غيرهم، لتستريح رقابهم من ضرب السيوف، وهذا عادتك إذا أدمت القتل في قوم وأقللتهم تقلب سيوفك إلى قوم آخرين لتريحهم، فإذا كثروا واجتمعوا عاودتهم القتل وأبدتهم.

تشبيه جودك بالأمطار غاديةًجودٌ لكفّك ثانٍ ناله المطر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

يقول: إذا شبهنا جودك بالأمطار، وصار ذلك مدحاً للمطر، وكأن هذا، تشبيه جودك، ثانياً منك على المطر وغادية: نصب على الحال من الأمطار.

تكسّب الشّمس منك النّور طالعةًكما تكسّب منها نورها القمر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

طالعةً: نصب على الحال.

يقول: الشمس تأخذ من نورك، كما أن القمر يأخذ من نور الشمس. أي أنك للشمس شمس، كالشمس للقمر.

وقال أيضاً يمدحه ويذكر مجيء الرسول من عند ملك الروم، ودخلوه عليه، في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة.

دروعٌ لملك الرّوم هذي الرّسائليردّ بها عن نفسه ويشاغل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

هذي الرسائل: مبتدأ، ودروع: خبره.

يقول: هذه الرسائل تقوم للملك مقام الدروع، يحفظ بها نفسه، ويرد الموت عنه، ويشاغلك عن قتاله، ويدفعك عن قصده، ريثما يرجع رسوله إليه.

هي الزّرد الضّافي عليه ولفظهاعليك ثناءٌ سابغٌ وفضائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

الزرد: حلق الدروع، والضافي: السابغ التام.

يقول: هذه الرسائل دروع سابغة، يلبسها ملك الروم؛ يدفع بها عن نفسه. ولفظها ثناء عليك وفضائل لك، فكأنها دروع له من حيث الباطن، وثناء لك من حيث الظاهر.

وأنّى اهتدى هذا الرّسول بأرضهوما سكنت مذ سرت فيها القساطل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

أنى: بمعنى كيف وأين، والقساطل: هو الغبار. والهاء في بأرضه للرسول وفي فيها لأرضه.

يقول: كيف اهتدى هذا الرسول في طرقه وهي مظلمة؟! بغبار الخيل وقتام الحرب، وما سكن بعد ذلك الغبار!

ومن أيّ ماءٍ كان يسقى جيادهولم تصف من مزج الدّماء المناهل؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

المنهل: موضع الشرب من الوادي، وأصله النهل.

يقول: من أي ماء كان يسقى خيله، وكل ماء كان ممزوجاً بدما القتلى.

أتاك يكاد الرّأس يجحد عنقهوتنقدّ تحت الذّعر منه المفاصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: أتاك هذا الرسول، وقد امتلأ قلبه ذعراً، مما شاهد من إيقاعك بأصحابه، حتى يكاد رأسه يجحد عنقه: أي يفارقه، وتنقد مفاصله وتتقطع، من عظم خوفه منك؛ مما شاهده وتحقق من عاداتك في قتلهم.

يقوّم تقويم السّماطين مشيهإليك إذا ما عوّجته الأفاكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

السماطان: صفان من الرجال يمتدان بين يدي السلطان. والتقويم: رفع لأنه فاعل يقوم ومفعوله: مشيه، والأفاكل: جمع الأفكل، وهو الرعدة.

يقول: كان يرتعد عند مشيه إليك، فقوم مشيته تقويم السماطين.

فقاسمك العينين منه ولحظهسميّك والخلّ الّذي لا يزايل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

منه: أي من الرسول، وكذلك لحظه: أي لحظ الرسول. وفاعل قاسمك: سميك، والمراد به: السيف.

يقول: قسم سيفك عيني الرسول بينك وبينه، فكان ينظر بإحدى عينيه إليك، وبالأخرى إلى سيفك، لأنه كان يخاف منك أن تأمر بقتله، ومن سيفك أن تقتله به.

أو كان ينظر إليك ويرى كرم أخلاقك فيطمع في عفوك، وإذا نظر إلى سميك خاف بأسه، فقسم عينيه بينكما، ءيرجو ويخاف، وهذا السمى: هو خليلك الذي لا يزايلك.

وأبصر منك الرّزق والرّزق مطمعٌوأبصر منه الموت والموت هائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: إذا نظر إليك طمع في الحياة؛ بما يشاهد من مخايل جودك، وأمل عفوك، وإذا نظر إلى سيفك عاين فيه الموت، لما هاله من هيبتك. والواو في قوله والرزق مطمع والموت هائل للحال.

وقيل: معناه رأى أرزاق كثير من الناس تحت يديك، فأطمعه ذلك في أن يكون من جملة القوم، ورأى حتف كثير منهم بسيفك، فهاله ذلك.

وهذا البيت يدل على المعنى الثاني الذي ذكرناه في البيت الذي قبله.

وقبّل كمّاً قبّل الأرض قبلهوكلّ كميٍّ واقفٌ متضائل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المتضائل: المخفي شخصه من الجبن والفزع، وقيل: هو المنقبض. والواو في قوله: وكل كمي للحال.

يقول: لما وصل الرسول إليك قبل أولاً الأرض بين يديك، ثم قبل كمك، والأبطال قيام بين يديك، قد تضاءلوا هيبة لك، وأخفوا أنفسهم إجلالاً لك.

وأسعد مشتاقٍ وأظفر طالبٍهمامٌ إلى تقبيل كمّك واصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

أسعد: مبتدأ. وأظفر: عطف عليه، وهمام: خبره.

يقول: ملك وصل إلى تقبيل كمك هو أسعد مشتاق وأظفر طالب لحاجة، ولا مزيد على ما ناله من الشرف.

مكانٌ تمنّاه الشّفاه ودونهصدور المذاكي والرّماح الذّوابل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: إن كمك وتقبيله، مكان تتمنى الشفاه الوصول إليه، وتريد الملوك تقبيله ولكنهم لا يصلون إليه.

فما بلّغته ما أراد كرامةٌعليك، ولكن لم يخب لك سائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

كرامة: فاعل بلغته، والمفعول الأول الهاء والثاني ما.

يقول: لم يبلغ الرسول إلى ما بلغه من تقبيل كمك كرامته عليك؛ لأنه كافر وأنت تبغضه وتستخف به، ولكن لما سألك أن تمكنه من ذلك لم تخيبه، إذ عادتك ألا تخيب سائلك.

وأكبر منه همّةً بعثت بهإليك العدى واستنظرته الجحافل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

روى: أكبر بالرفع والنصب.

فالرفع: على أنه اسم المبالغة والمعنى: على أن همة الرسول وإن كانت كبيرة في قدومه عليك، فأكبر همة منه، العدى حيث بعثوا به إليك، وسألوه أن يؤخر عنهم القتال؛ لشغله إياك عنهم، والاستنظار: طلب النظر، وهو التأخير.

والنصب: يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون اسماً كالأول ومعناه: رب رسول أكبر من هذا الرسول همة، وأعلى منه قدراً، جاءك رسولاً، واستنظرته الجحافل، كما استنظرت هذا الرسول، ثم رجع إليهم وهو يعذلهم على مخالفتهم أمرك. فعلى هذا يكون البيت الذي بعده من تمامه.

والمعنى الثاني: أن يكون أكبر فعلاً ماضياً، وفاعله العدى وهمة مفعوله. والمعنى: أن العدى أكبروا واستعظموا همةً بعثت هذا الرسول إليك، وأقدمته على الدنو منك، واستنظرت هذا الرسول الجحافل على ما بيناه

فأقبل من أصحابه وهو مرسلٌوعاد إلى أصحابه وهو عاذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: هذا الرسول جاء من أصحابه رسولاً، ثم عاد إليهم يعذلهم على ترك طاعتك؛ لما رآه من عظم شأنك.

تحيّر في سيفٍ ربيعة أصلهوطابعه الرّحمن والمجد صاقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ربيعة: ابن نذار، وإليه ينسب سيف الدولة.

لما رآك تحير فيك؛ لأنه رأى سيفاً لا كالسيوف، إذ السيف أصله الحديد، وطابعه الحداد، وصاقله الصيقل، وأنت أصلك من ربيعة، والرحمن طابعك، والمجد صاقلك.

وما لونه ممّا تحصّل مقلةٌولا حدّه ممّا تجسّ الأنامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: لون هذا السيف لا يدركه النظر، ولا تحققه المقلة، ولا يمكن الناظرين أن يملئوا أعينهم منه، هيبةً له، وكذلك ليس حده مما يمكن أن يختبر باللمس كما يحس ويضبط سيف الحديد. فتحير هذا الرسول في سيف هذه صفته.

إذا عاينتك الرّسل هانت نفوسهاعليها وما جاءت به والمراسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

المراسل: ملك الروم. والرسل: الرسل. وما جات به: الرسالة.

يقول: إذا رأتك الرسل استحقروا أنفسهم، واستحقروا ما جاءوا به من الرسالة، واستحقروا صاحبهم الذي أرسلهم إليك؛ لما يرون من هيبتك وعلو شأنك.

رجا الرّوم من ترجى النّوافل كلّهالديه وما ترجى لديه الطّوائل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النوافل: العطايا، واحدتها نافلة. ومن ترجى: هو سيف الدولة يرجى منه كل عطية وصلة، ويوصل إلى كل مراد، إلا إدراك الثأر، فإنه لا يوصل إليه منه.

فإن كان خوف القتل والأسر ساقهمفقد فعلوا ما القتل والأسر فاعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: إن كان الذي ساقهم إليك لطلب الصلح والأمان، هو الخوف من القتل والأسر، فقد فعلوا في مجيئهم إليك ما يفعله الأسر والقتل، من الذل والاستكانة؛ لأنهم إنما جاءوك خوفاً، فصاروا مقتلين مأسورين.

فخافوك حتّى ما لقتلٍ زيادةٌوجاءوك حتّى ما تزاد السّلاسل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ما نفي في الموضعين.

يقول: خوفهم منك قام لهم مقام القتل، فليس للقتل زيادة على ما أصابهم، وكذلك جاءوك مستسلمين في أمرهم طائعين كالأسارى، حتى لا يحتاج معهم إلى السلاسل؛ لأن الأسير إنما يشد إذا خيف عليه الهر.

والمصراع الأول مثل:

وإلاّ فأعلمه بأنّك ساخطٌودعه فإنّ الخوف لا شكّ قاتله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»
أرى كلّ ذي ملكٍ إليك مصيرهكأنّك بحرٌ والملوك جداول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: كل ملك يصير إلى حضرتك، وينضاف ملكه إلى مملكتك، فكأنك بحر وهم جداول تنصب إلى البحر.

إذا مطرت منهم ومنك سحائبٌفوابلهم طلٌّ وطلّك وابل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

الوابل: أشد المطر. والطل: أضعفه.

يقول: إنك تزيد على الملوك في كل حال، فكثير عطاياهم إذا قيست إلى عطاياك قليل، بمنزلة الطل من الوابل، وقليلها منك إذا قيس إلى عطاياهم كثير، كالوابل من الطل.

كريمٌ متى استوهبت ما أنت راكبٌوقد لقحت حربٌ، فإنّك نازل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

لقحت حرب: اشتدت.

يقول: أنت كريم بحيث لو سألك سائل في شدة الحرب فرسك الذي أنت راكبه، لنزلت عنه ووهبته له!

أذا الجود أعط النّاس ما أنت مالكٌولا تعطينّ النّاس ما أنا قائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

أذا الجود: أي يا ذا الجود، والألف للندى.

يقول: الشعر الذي أقوله لا يشركني فيه أحد.

وقيل: أراد لا تقبل منهم.

يقول: يا ذا الجود أعط الناس ما أنت مالك من المال، ولا تعطهم ما اختص به. من القصد لمكان يسرقونه من شعري في مدائحك، ولا تعطهم عليه الجائزة، فإني أنا القائل لذلك في الحقيقة.

وقيل: أراد لا تمكن الناس من مكارمك التي أذكرها في شعري، بل كن أبداً متفرداً بها.

وقيل: معناه لا تحملني على مدح غيرك، فتكون قد تركت شعري للناس.

وقيل: أراد لا تمكن الناس من شعري فيسرقوا معانيه ويفسدوه.

وهذا لا معنى له، إذ لا معنى لسؤاله إياه ستر شعره، ومنعهم من سرقة معانيه؛ لأن ذلك يكون سؤالاً لكتمان فضله، وطلباً لإخفاء ذكره.

أفي كلّ يومٍ تحت ضبني شويعرٌضعيفٌ يقاويني قصيرٌ يطاول؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

الضبن: الحضن، وهو ما تحت اليد من الجنب. ويقاويني: من القوة. ويطاول: من الطول.

يقول: لا أزال أرى كل يوم شويعراً هو ضعيف، ومع ذلك يفاخرني في القول، وهو قصير يطاولني بقصره، أي يباريني ولا يقاومني.

وقيل: هذا تعريض بالنامي، وقيل: بابن نباتة. وقيل: أراد غيرهما من شعراء سيف الدولة.

لساني بنطقي صامتٌ عنه عادلٌوقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: لساني مع كوني ناطقاً قادراً على الكلام صامت عن هذا الشويعر، وعادل عنه لقلته وقلة مبالاتي به. وقلبي ضاحك منه ومن جهله مع صمتي عن إجابته. يعني أضحك منه في نفسي وإن لم أنطق بالكلام.

وأتعب من ناداك من لا تجيبهوأغيظ من عاداك من لا تشاكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

وروى: أيضاً من ناوأك من المناوأة وهي: المعاداة وناداك أولى لقوله: لا تجيبه ولقوله بعده من عاداك.

يقول: أشد الناس تعباً في ندائه من ناداك وأنت لا تجيبه، بل تجعل السكوت جوابه، وأشدهم غيظاً من عاداك وهو دونك في العمل، فيعجز عن مقاومتك.

وقيل: أراد إذا دعاك من هو دونك غاظك ذلك منه.

وما التّيه طبّى فيهم غير أنّنيبغيضٌ إليّ الجاهل المتعاقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

التيه: الكبر. وطبى: أي عادتي. وعدمي.

يقول: ليس دائي الكبر، ولم يكن ترك جوابه كبراً وتيهاً، غير أني أبغض الجاهل المتكلف للعقل والفضل، وكرهت مجاوبته رفعاً لنفسي عن مقاومته.

وأكثر تيهي أنّني بك واثقٌوأكثر مالي أنّني لك آمل
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وأكثر تيهي أنني بك واثق»

يقول: أكثر تيهي أني واثق بك؛ لأنك لا تقبل على قول حاسد، ولا يخفي عليك تمويه مموه، وأنك تعرف فضلي فتوفيني ما أستحقه من المنزلة. وأكثر مالي، هو أملي إياك ورجائي فيك، إذ لا تخيب آمليك.

لعلّ لسيف الدّولة القرم هبّةًيعيش بها حقٌّ ويهلك باطل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

هبةً: أي نشاطاً واهتزازاً.

يقول: أرجو أن يكون منه هزة في أمري مع غيري من الشعراء الذين ينازعون فضلي، ليظهر الحق ويهلك الباطل، وهو التمويه والكلام المسروق، أو يقتل أعدائي، فأستريح منهم.

وقيل: أراد لعل له هزة وحركة يأخذ بها الروم كلها فيهلكها، فينصر فيها الحق، ويهلك الباطل: وهو الكفر.

رميت عداه بالقوافي وفضلهوهنّ الغوازي السّالمات القواتل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: رميت أعداءه بقصائدي في سيف الدولة، وفضله فيها، فقتلتهم بها حسداً وغيظاً، وهذه القوافي أسلم من الخلل والفساد من السيوف والرماح؛ لأنهم لم يجدوا في شعري مطعناً، ولا لفضائله مدفعاً.

وقد زعموا أنّ النّجوم خوالدٌولو حاربته ناح فيها الثّواكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: الناس يزعمون أن النجوم مخلدة لا يلحقها فناء، وليس كما زعموا، فإنها لو حاربته لقتلها وناح عليها من يثكلها.

وقيل: أراد لو قصدته بنحس لأبطل نحوستها وأفناها، فيبطل قول من قال: إنها خوالد.

وما كان أدناها له لو أرادهاوألطفها لو أنّه المتناول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: إن النجوم تقرب له إذا أرادها، غاية القرب، ولو أراد أن يتناولها لكانت أقرب الأشياء إليه.

قريبٌ عليه كلّ ناءٍ على الورىإذا لثّمته بالغبار القنابل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

القنابل: جمع القنبلة وهي الجماعة من الخيل، قدر الخمسين فصاعد. ولثمته: أي شدت عليه اللثام.

يقول: إذا رام مراماً بعيداً سهل عليه الوصول إليه إذا دخل الحرب والتثم بغبار خيله، وإن كان بعيدا على من سواه.

تدبّر شرق الأرض والغرب كفّهوليس لها وقتاً عن الجود شاغل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

روى: وقتاً نصباً على الظرف. وروى: وقت فيكون اسم ليس وشاغل صفته.

يقول: إن كفه تدبر شرق الأرض وغربها، ولا يشغلها عن الجود شاغل وقتاً يعني أنه مع شغله بتدبر الأرض، لا يشتغل عن الجود ساعة واحدة، وعلى الرفع: أنه يملك الأرض، وليس وقت يشغله عن الجود.

يتّبغ هرّاب الرّجال مرادهفمن فرّ حرباً عارضته الغوائل

الغوائل: الدواهي، وهي جمع غائلة، وفاعل يتبع: ضمير سيف الدولة. وحرباً: نصب لأنه مفعول له، وقيل: أصله من حرب فحذف من ونصبه.

يقول: إن سيف الدولة يجعل مراده طالباً لكل من هرب منه، فمن فر منه خوفاً من محاربته، عارضته في طريقه - من قبل سيف الدولة - الغوائل والبلايا فأهلكته.

ويجوز رفع مراده فيكون هو فاعل يتبع ومعناه: أن مراده يتبع هراب الرجال ويطلبهم حتى يدركهم، فيكون اتبع وتبع بمعنى.

ومن فرّ من إحسانه حسداً لهتلقّاه منه، حيثما سار نائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: إن جوده عم الأرض، فمن حسده على إحسانه وهرب إلى موضع لا يرى فيه إحسانه ولا يسمع به، رأى منه في كل مكان نائلاً، وسمع حيثما كان بذكر جوده وعطاياه، فلا يمكنه الفرار منه أبداً.

فتى لا يرى إحسانه وهو كاملٌله كاملاً حتّى يرى وهو شامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

الشامل: العام.

يقول: لا يرى إحسانه الكمل كاملاً، حتى يكون مع كماله عاماً شاملاً.

إذا العرب العرباء رازت نفوسهافأنت فتاها والمليك الحلاحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

العرباء والعاربة: القديمة. رازت: أي جربت، والحلاحل: السيد. وروى: فأنت قناها وروى فتاها يقول: إذا جربت العرب أنفسها، واختبرت أحوالها، علمت أنك سيدها وكريمها.

أطاعتك في أرواحها وتصرّفتبأمرك والتفّت عليك القبائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: إن العرب أطاعتك في أرواحها: أي لو أمرتها بقتل نفوسها لأطاعتك، وتصرفت العرب بأمرك، واجتمعت قبائلها عليك طاعة لك وانقياداً.

وقيل: أراد أن أنسابهم أحدقت بنسبك، وأنت الواسطة فيهم.

وكلّ أنابيب القنا مددٌ لهوما تنكت الفرسان إلاّ العوامل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

عامل الرمح: قدر ذراعين من أعلاه. وتنكت: أي تسقط، يقال: نكته عن فرسه: أي أسقطه على رأسه.

يقول: أنت من العرب كالسنان من الرمح، وهم كالأنابيب تحته. والأنابيب تكون مدداً للسنان وعونا للرمح والغرض يحصل بالسنان: وهو الذي يتقدم في الحرب، فكذلك تتولى الحرب وتتقدم إليها كالسنان.

قال ابن جني: أردت أن أقول: وما ينكت بالياء، فأبى أبو الطيب ذلك وقال: أريد وما تنكت الأنابيب فلذلك أنثت وهذه لغة يقال: ما قامت إلا هند، أي ما قامت امرأة إلا هند، فكذلك تقديره: ما تنكت أنبوبة الفرسان إلا العوامل، واللغة الجيدة في مثل هذا الموضع إضمار وتذكير الفعل، فيقال: ما قام أحد إلا هند. وإضمار المؤنث أيضاً لغة.

رأيتك لو لم يقتض الطّعن في الوغىإليك انقياداً، لاقتضته الشّمائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: لو لم يقد الناس إلى طاعتك الخوف من طعنك، لقادهم إليك كرم شمائلك.

ومن لم تعلّمه لك الذّلّ نفسهمن النّاس طرّاً علّمته المناصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: من لم يتعلم لك الذل في الخضوع من ذلة نفسه، علمه السيف ذلك. يعني: من لم يذل لك طائعاً ذل قهراً وجبراً. ومثله الآخر.

فإن لّم تصل رحم ابن عمرو بن مرثدٍيعلّمك وصل الرّحم عضبٌ مجرّب

وأنفذ سيف الدولة قول الشاعر، وهو أبو الأسود الدؤلي:

رأى خلّتي من حيث يخفى مكانهافكانت قذى عينيه حتّى تجلّت
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وسأله إجازته فقال ورسوله واقف:

لنا ملكٌ ما يطعم النّوم، همّهمماتٌ لحيٍّ أو حياةٌ لميّت
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

تم الكلام عند قوله: ما يطعم النوم ثم ابتدأ فقال: همه معناه: أنه لهمته لا ينام، كما قال:

يؤرّقه فيما يشرفه الفكر

ثم قال: إن همه مقصور على إحياء الأولياء: يعني تخليصهم من الهلكة، وإماتة الأعداء.

ويكبر أن تقذى بشءٍ عيونهإذا ما رأته خلّةٌ بك فرّت

يقول: هو أكبر من أن يرى شيئاً مكروهاً تقذى به عينيه، ولكنه إذا رأته خلة الإنسان: أي فقره وحاجته فرت الخلة منه وبعدت.

فكأنه أراد أن يزيد على ما في البيت؛ لأن الشاعر. قال: رآى خلتي فكانت في عينيه كالقذى حتى أزلها عني: أي لم يزل يتألم بها حتى أزالها، كما يتألم من تسقط في عينه القذاة.

وهو يقول: هو أكبر من أن يرى شيئاً يؤلم عينيه، فهو يزيل خلة قاصده قبل أن يراه ويقذى هو بها.

جزى الله عنّي سيف الدولة هاشمٍفإنّ نداه الغمر سيفي ودولتي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: قد أصبح جوده لي سيفاً أصول به على حوادث الدهر، ودولتي حسنت معها. فجزاه الله عني في إحسانه علي وإسدائه النعم إلي. والغمر: الكثير.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.