تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

الكافوريات وهي المصريات

قيل: إن السبب الذي أوجب خروج أبي الطيب إلى مصر، ومدحه كافوراً الأسود: أن سيف الدولة كان يتلون عليه، ولا يثبت معه على حال واحدة، ويصغي إلى قوم كانوا يغرونه به ويقعون فيه حسداً له، فكثر الأذى عليه من جهته فأجمع رأيه على الرحيل من حلب، فلم يجد بلداً أدنى إليه من دمشق لأن حمص من عمل سيف الدولة، فسار إليها حتى نزلها، وبها يهودي من أهل تدمر يعرف بابن ملك من قبل كافور، فالتمس منه المدح فثقل عليه، وغضب ابن ملك فكتب إلى كافور يخبره أن أبا الطيب عنده، وجعل كافور يكتب في إرسال أبي الطيب إليه، فكتب إليه ابن ملك أن أبا الطيب قال: ما أقصده فإنه عبد، وإذا دخلت مصر فإنما قصدي مولاه فأحفظته كتبه.

ونبت دمشق بأبي الطيب، فسار منها إلى الرملة، فحمل إليه أميرها الحسن بن عبيد الله بن طغج هدايا وخلع عليه، وحمله على فرس جواد بمركب ثقيل، وقلده سيفاً محلى، وسأله المدح فاعتذر إليه بالأبيات الرائية وهي قوله:

ترك مدحيك كالهجاء لنفسي

وقد تقدم ذكرها قبل هذا، واتصل به أن كافوراً يقول: أترونه يبلغ إلى الرملة، ولا يبلغ إلينا؟! وأنه واجد عليه، ثم كتب كافور من مصر إلى أبي الطيب يستدعيه إلى حضرته، فلم يمكنه إلا المسير إليه، يظن أنه لا يسومه سوم غيره، من منعه من التصرف في نفسه.

وكافور هذا عبد أسود خصى لابي مثقوب الشفة السفلى بطين، قبيح القدمين ثقيل اليدين، لا فرق بينه وبين الأمة، وقد سئل عنه بعض بني هلال بالصعيد، فقال: رأيت أمةً سوداء تأمر وتنهي.

ولقد كان رسول الروم بمصر، فلما قعد في مركب راجعاً إلى بلد الروم والمسلمون ينظرون إليه قال لهم: ما أعرف أمةً أخس منكم! أعوزكم أبيض تملكونه أنفسكم! وسار، وولي كافور هذا أمر بني طغج عليهم، وملك ما كان في أيديهم، واستملك العبيد، وأفسدهم على ساداتهم.

وكان هذا الأسود لقوم من أهل مصر، يعرفون ببني عياش، يحمل لهم الحوائج من الأسواق على رأسه، ويخدم الطباخ. مشتراه ثمانية عشر ديناراً وكان ابن عياش يربط في عنقه حبلا إذا أراد النوم، فإذا طلب منه حاجته جذبه لسقوطه! فإنه لم يكن ينتبه بالصياح فدخل إلى دار ابن طغج والناس يمدون أيديهم إلى رأسه! ويصفونه بصلابة القفا، فكان الغلمان كلما صفعوه ضحك! فقالوا: هذا الأسود خفيف الروم؛ وكلموا صاحبه في بيعه، فوهبه لهم، فأقاموه على الوضوء والخلاء، ورأى مخاريق ابن طغج وكثرة كذبه، وما يتم لربه، فتعلم ذلك حتى ما يصدق في حرف، وأخذ عنه وزاد عليه، حتى وضع الكذب في غير مواضعه فاشتهر به.

ومات ابن طغج بدمشق وولده صغير، والأسود يخدمه، فأخذ البيعة على الناس عند موته، والناس يظنون أنه قد أمره بأخذها، وسار غلمانه في الوقت إلى مصر، فاقتسموا الضياع، وكانوا ضعفاء فقراء، فاشتغلوا بما في أيديهم لا يصدقون أنه يبقى لهم.

وتفرد الأسود بخدمة الصبي ومالت إليه والدته! وهي أمة؛ لأنه عبد، وتمكن من الصبى والمرأة حتى قرب من شاء وأبعد من شاء، ونظر الناس إلى هذا مع صغر هممهم وخفة أنفسهم، فتسابقوا إلى التقرب إليه، وسعى بعضهم ببعض عنده، حتى أن الرجل لا يأمن مملوكه ولا ولده على سره! وصار كل عبد بمصر يرى أنه خير من سيده، ولا تنبسط يد سيده عليه، ولا يستبعد أن يصل إلى أضعاف ما وصل إليه الخصى، حتى ملك الأمر على الصبي، وصار كل من معه عيناً عليه للأسود، فلا يقدر أحد أن يكلمه ويسلم عليه!

وإذا رآه بعض غلمان أبيه أو غيرهم أسرع هاربا لئلا يقال: إنه كلمه! فمن كلمة أتلفه الأسود، فلما كبر الصبي وتبين ما هو فيه، وجعل يبوح بما في نفسه في بعض الأوقات على الشراب، وكل من معه عين عليه، فقدم الأسود فسقاه سماً فقتله، وخلت له مصر وهان عليه أخوه الأصغر وغيره.

فلما ورد كتاب الأسود على أبي الطيب بالرملة، لم يمكنه إلا المسير إليه، وظن أنه لا يسومه سوم غيره. من أخذ ماله، وإضعاف حاله، ومنعه من التصرف في نفسه. وهذه فعال الأسود بكل حر له محل، يحتال عليه بالمكاتبة والمواعيد الكاذبة، حتى يصير إليه، فإذا حصل عنده أخذ عبيده وخيله وأضعفه عن الحركة، ومنعه منها، وبقي مطرحا يشكو إليه ويبكي بين يديه ولا يعينه على المقام، ولا يأذن له في الرحيل، وإن رحل عن غير إذنه غرقه في النيل، ولا يصفو قلبه إلا لعبد، كأنه يطلب الأحرار بحقد.

فلما قدم عليه أبو الطيب اخلى له داراً ووكل به، وأظهر التهمة له، وطالبه بمدحه، وخلع عليه، وحمل إليه آلافاً من الدراهم وغيرها.

فقال أبو الطيب يمدحه لما وفد عليه في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثلاث مئة ويعرض بسيف الدولة

كفى بك داءً أن ترى الموت شافياوحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

الباء في بك زائدة، والتقدير: كفاك داءً، وليست هذه الباء مثلها في قوله تعالى: " وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدا وكَفَى بنَا حَاسِبين " لأن، ها هنا زيدت الباء على المفعول، وفي الآية زيدت على الفاعل، والفاعل في البيت قوله: أن ترى وداءً نصب على التمييز. والأماني أصلها التثقيل، والتخفيف جائز.

يقول: كفاك من الداء وأذية الزمان، ما تستشفى منه بالموت! وما تتمنى معه الموت! إذ الموت غاية الشدائد، فإذا تمناه المرء فقد تمنى كل شدة.

تمنّيتها لمّا تمنّيت أن ترىصديقاً فأعيا، أو عدوّاً مداجيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: تمنيت الموت، لما تمنيت أن ترى صديقاً مخلصاً في صداقته، أو عدوا مساتراً للعداوة فأعيا عليك وجود ذلك، فلما لم تجد إلا صديقاً غير مخلص وجدت عدوا مظهراً للعداوة، تمنيت الموت.

إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّةٍفلا تستعدّنّ الحسام اليمانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

استعد وأعد بمعنىً.

يقول: إذا رضيت بالذل، وصبرت على الضيم، فلا معنى لاستعداد السيف، لأن السيف يراد لدفع الضيم. ومثله لأبي العتاهية:

فصغ ما كنت حلّيت به سيفك خلخالا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا قل لابن معن ذا »
فما تصنع بالسيف إذا لم تك قتّالا؟
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا قل لابن معن ذا »

ومثله لعبد الرحمن بن دارة:

فإن أنتم لم تثأروا بأخيكمفكونوا بغايا للخلوق وللكحل
وبيعوا الرّدينيّات بالخمر واقعدواعلى الذّل وابتاعو المغازل بالنّبل
ولا تستطيلنّ الرّماح لغارةٍولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

لا تستطيلن: أي لا تطلب طولها، وكذلك لا تستجيدن: أي لا تطلب جودها.

يقول: إذا رضيت بالذل فلا تطلب الرمح الطويل، والخيل الجياد، فإنك لا تحتاج إليها بعد أن رضيت بالذل واحتمال الضيم.

فما ينفع الأسد الحياء من الطّوىولا تتّقي حتّى تكون ضواريا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: إن الحياء لا ينفع الأسد من الجوع ولا يشبعه، ولا يخشى منه إلا إذا كان ضارياً جريئاً.

يعني: أن الإنسان إنما يبلغ مراده إذا اطرح قناع الحياء عن وجهه، واتكل على إقدامه.

حببتك قلبي قبل حبّك من نأىوقد كان غدّاراً فكن لي وافيا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

حببته وأحببته: لغتان: وقلبيك منادى، أي يا قلبي، ومن في موضع نصب بالمصدر الذي هو حبك.

يقول: يا قلبي أحببتك قبل أن تحب الحبيب الذي نأى عنك وغدر بك، فأنكرت غدره فلا تصنع معي من الغدر مثل ما صنع بك حبيبك، فتكون قد فعلت ما كرهته من غيرك.

وجعل حنين قلبه إلى الحبيب غدراً منه، لأنه يؤلمه ويؤدي إلى تلفه، فتقع المفارقة بينه وبين قلبه! وهي التي ذاقها من حبيبه. وهذا تعريض منه بسيف الدولة.

وأعلم أنّ البين يشكيك بعدهفلست فؤادي إن رأيتك شاكيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: يا قلبي، أعلم أن البين يحوجك إلى الشكوى، ويؤثر فيك، وإن فعلت ذلك تبرأت منك، ونفيت أن تكون قلبي، لأنك غدرت بي.

فإنّ دموع العين غدرٌ بربّهاإذا كنّ إثر الغادرين جواريا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

روى: غدراً فيكون مصدراً في معنى غادر فلا يثنى ولا يجمع، ولا يؤنث، وروى غدر وهو جمع غدور.

يقول: إن بكاءك على من غدر بك وفارقك غدر منك بي، وهذا إشارة إلى شكاية سيف الدولة.

إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذىفلا الحمد مكسوباً والمال باقيا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

شبه لا بليس في نصب الخبر؛ فلهذا نصب مكسوباً وباقياً.

يقول: إذا لم يكون الجود خالصاً من الأذى، وما يكدره من المن والتكدير، فلم يكسب فاعله حمداً، وذهب ماله هدراً. وهذا تعريض بسيف الدولة.

وللنّفس أخلاقٌ تدلّ على الفتىأكان سخاءً ما أتى أم تساخيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: لكل إنسان أخلاق يستدل بها على ما يأتيه من الجود، هل هو طبيعي أو تكلفي؟ فيعرف حاله.

أقلّ اشتياقاً أيّها القلب ربّمارأيتك تصفي الودّ من ليس جازيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يجوز في أقل كسر اللام ونصبها.

يقول لقلبه: قلل الاشتياق إلى من لا يشتاق إليك، فإنك تخلص المودة لمن لا يجازيك على ذلك، ولا يودك مثل ما توده، وهذه الأبيات تعريض بسيف الدولة، وتطييب لنفسه على فراقه.

خلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصّبىلفارقت شيبي موجع القلب باكيا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول جبلت على الإلف، حتى إنني لشدة إلفي، لو فارقت الشيب الذي هو مكروه عند كل أحد ورجعت إلى أيام الصبى؛ لبكيت جزعاً على الشيب، من فراق المألوف، فلهذا أحن إلى سيف الدولة وإن كان يقصدني بالأذى.

ولكنّ بالفسطاط بحراً أزرتهحياتي ونصحي والهوى والقوافيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

الفسطاط: مدينة مصر التي بناها عمرو بن العاص ﵁، فأما مصر القديمة فهي في الجانب الآخر من النيل، وليس بها اليوم إلا دور قليلة.

المعنى: أني فارقت سيف الدولة مع إلفي له وأسفي على فراقه؛ لأزور كافوراً الذي هو كالبحر: في الجود وسعة الصدر وبعد الغور. وقوله: أزرته حياتي أي زرته بها.

وجرداً مددنا بين آذانها القنافبتن خفافاً يتّبعن العواليا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

وجرداً عطف على ما تقدم: أي قصدنا بخيل جرد ونصبنا رماحنا بين آذانها فكانت الخيل تتبعها في السير.

تماشى بأيدٍ كلّما وافت الصّفانقشن به صدر البزاة حوافيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

تماشى: أي تتماشى.

يقول: هذه الخيل الجرد كانت تمشى بعضها إلى بعض، فإذا وطئت الصفا بأيديها وهي حواف أثرت فيه آثار نقش صدر الباز.

وروى: صدر البزاة وهي جمع صدار. وروى: صدر البزاة ويراد به الصدور.

وتنظر من سودٍ صوادق في الدّجىيرين بعيدات الشّخوص كما هيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: تنظر هذه الخيل من عيون سود، ترى هذه العيون - من حدة النظر - الشخص البعيد على هيئته وحاله، ولا يتغير عليها فيصغر أو يعظم، بل تراه على حقيقته. وقوله: يرين: يجوز أن يكون فعل سود ويجوز أن يكون: فعل الخيل.

؟ وتنصب للجرس الخفيّ سوامعاً يخلن مناجاة الضّمير تناديا الجرس: الصوت.

يقول: هذه الخيل حديدة السمع، فإذا أحست حساً خفيفاً وصوتاً خفياً، نصبت أذانها، فهي لحدة أذانها تحسب الصوت الخفي، أنه كلام ظاهر وصوت عال.

تجاذب فرسان الصّباح أعنّةًكأنّ على الأعناق منها أفاعيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

إنما قال: فرسان الصباح، لأن الغارات أكثر ما تكون في وقت السحر، وشبه الأعنة للينها ودقتها بالأفاعي.

يقول: إن الخيل لا تترك الأعنة تستقر في أيدي فرسانها، لما فيها من المرح والنشاط، فكأن الأعنة أفاع على أعناقها فهي تجاذبها الفوارس.

بعزمٍ يسير الجسم في السّرج راكباًبه ويسير القلب في الجسم ماشيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

الباء: متعلق بقوله: أزرته يعني: زرته بعزم.

يقول: قصدته بعزم قوى، وجسمي يسير وأنا راكب، وقلبي يسبقني إلى المنازل؛ لقوة العزم وفرط الاشتياق إلى حضرته، وكنت كلما نزلت منزلاً، كانت همتي المنزل الآخر، لأقطعه.

قواصد كافورٍ توارك غيرهومن قصد البحر استقلّ السّواقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

قواصد: نصب على الحال. والعامل: أزرته أو تجاذب أو تماشى ويجوز الرفع: أي هي قواصد.

يقول: قصدت هذه الخيل كافوراً، وتركت من سواه من الملوك؛ لأنه أفضل منهم، وغيره من الملوك بالإضافة إليه كالجدول من البحر.

فجاءت بنا إنسان عين زمانهوخلّت بياضاً خلفها ومآقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: جاءت بنا هذه الخيل إلى من هو إنسان عين زمانه، أي كما أن أشرف ما في العيون سوادها، كذلك كافور أشرف الملوك، وهو ناظر الزمان، ومن سواه مثل البياض والمآقي؛ فلهذا قصدناه وتركنا غيره فانتظم معنيين: حسن التشبيه، لأنه شبه السواد بالسواد، والثاني التفضيل.

نجوز عليها المحسنين إلى الّذينرى عندهم إحسانه والأياديا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

عليها: أي على الخيل.

يقول: نتجاوز على هذه الخيل عند سيرنا عليها، المحسنين من الناس الذين يرغبون في المقام عندهم، إلى من كانت أياديه ونعمه عندهم، لأنا رأيناهم من قبل.

كأنه يذكر عبوره بابن طغج، وأنه رغب في فتركته وقصدت كافوراً.

فتىً ما سرينا في ظهور جدودناإلى عصره إلاّ نرجّي التّلاقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: ما تنقلنا في ظهور أجدادنا السالفة، إلى زمان هذا الممدوح؛ إلا لنصادف زمانه ونسعد بأيامه.

وقيل: أراد بالجدود. جمع الجد، الذي هو الحظ.

ترفّع عن عون المكارم قدرهفما يفعل الفعلات إلاّ عذاريا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

العون: جمع عوان، وهو فوق البكر، ودون القارض المسنة. والعذارى: جمع عذراء.

يقول: يرفع نفسه عن أن يقتدى بغيره في المكارم، فلا يأتي من المكارم إلا ما لا يسبقه أحد فيه.

قال ابن جني: وهذا مما ينقلب هجاءً فكأنه قال: ترفع عن المكارم هزءاً. ثم قال: فما يفعل من المخازي إلا ما لا يسبق إليه؛ لعظمه.

يبيد عداوات البغاة بلطفهفإن لم تبد منهم أباد الأعاديا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: يتلطف في أمر الأعداء وإزالة الأحقاد من قلوبهم بإحسانه، فإن لم ينفع فيهم الرفق أهلكهم وأفناهم.

أبا المسك ذا الوجد الّذي كنت تائقاًإليه وذا الوقت الّذي كنت راجيا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كنت مشتاقاً إلى وجهك، راجياً لهذا الوقت، فقصدتك، فافعل أنت ما يليق بك.

وهذا بالهزء أولى، مع قبح كافور وسواد وجهه.

لقيت المروري والشّناخيب دونهوجبت هجيراً يترك الماء صاديا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

المروري: الفلوات، واحدها مروراة والشناخيب: جمع شنخوب، وشنخاب، وهي القطعة العالية من الجبل. والهجير: شدة الحر. والصادي: العطشان. والهاء في دونه للوجه.

يقول: لقيت الفلوات وشواهق الجبال، وقاسيت الحر الشديد والعطش المهلك، الذي يترك الماء عطشاناً مع أنه يكسر العطش، فكيف حال غيره؟؟!

أبا كلّ طيبٍ لا أبا المسك وحدهوكلّ سحابٍ لا أخصّ الغواديا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

كان كافور مكنيا بأبي المسك.

يقول: لست أنت أبا المسك وحده، بل أنت أبو كل طيب، إذ الطيب كله مجموع فيك، وكذلك أنت أبو كل سحاب، ولست بالسحاب التي تأتي كل غداة، بل كل السحاب.

يدلّ بمعنى واحدٍ كلّ فاخرٍوقد جع الرّحمن فيك المعانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يدل: من الدلال.

يقول: كل شريف إنما يفتخر بمعنى واحد من الفضل، وأنت جمعت كل معاني الفخر.

وهذا أيضاً مما ينقلب هجاء فكأنه يقول: جمع الله فيك كل المقابح.

وعن ابن جني قال: لما وصلت إلى هذا البيت ضحكت فضحك أيضاً، وعرف غرضي. وهو أنه قصد به الهجاء.

إذا كسب النّاس المعالي بالنّدىفإنّك تعطي في نداك المعاليا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: إذا بذل الناس الأموال؛ ليكتسبوا المعالي، وهبت أنت - في جملة هباتك - المعالي لقصادك.

يعني: أن من يقصدك يتشرف بهباتك، حتى يبني بها المعالي، أو تهب من يقصدك الولايات العظيمة، والدرجات المنيفة.

يعرض له بأن يوليه ناحيةً.

وغير كثير أن يزورك راجلٌفيرجع ملكاً للعراقين واليا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

العراقين: الكوفة والبصرة.

يقول: لا يستكثر منك أن تهب العراقين لرجل قصدك راجلاً فيعود والياً!.

فقد تهب الجيش الّذي جاء غازياًلسائلك الفرد الّذي جاء عافيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: إذا قفل جيشك من الغزو، وهبته لسائل واحد.

وقيل: أراد إذا غزاك جيش أخذته فوهبته لواحد من سؤالك، وطالبي نوالك.

وتحتقر الدّنيا احتقار مجرّبٍيرى كلّ ما فيها وحاشاك فانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: رأيت جميع ما في الدنيا فانياً، فلهذا احتقرتها ورغبت في الذكر الجميل والثناء، ثم استثنى الممدوح بقوله: وحاشاك.

وما كنت ممّن أدرك الملك بالمنىولكن بأيامٍ أشبن النّواصيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: لم تدرك الملك بالتمني والاتفاق، وإنما أدركته بمقاساة الأمور العظيمة، ومعاناة الخطوب الشديدة، ومباشرة الحروب التي تشيب بهولها رءوس الأطفال. وأراد بالأيام: الحروب، والخطوب العظمة.

عداك تراها في البلاد مساعياًوأنت تراها في السّماء مراقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

الهاء في تراها قيل: للمعالي وقيل: للأيام.

يقول: أنت تعتقد في المعالي، أو الخطوب العظيمة، أضعاف ما يعتقده أعداؤك من الملوك، فهم يرونها مساعي في الأرض، وأنت تراها مراقي في السماء، فحرصك عليها أبلغ، ونيلك لها أمكن.

لبست لها كدر العجاج كأنّماترى غير صافٍ أن ترى الجوّ صافيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: لبست للمعالي أو للأيام، لباس الغبار، وملازمة القتام، حتى كأنك إذا رأيت الجو صافياً من غبار الحروب، رأيت ذلك كراهةً، كما يكره غيرك الغبار، وصفاء الجو عندك، كدره بالغبار. ومثل هذا البيت في صفة السيف قوله:

يلاقيك بسّاماً ووجهك عابسٌفتلقاه عبّاساً وثغرك باسم
وقدت إليها كلّ أجرد سابحٍيؤدّيك غضباناً ويثنيك راضيا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

إليها: أي إلى الأيام، التي هي الحروب. والأجرد: القصير الشعر السابق: الذي يتقدم الخيل متجردا عنها. والسابح: الشديد الجريء.

يقول: إنك تقود إلى الحروب كل فرس سابق، وهو يأتي بك إلى الحرب وأنت غضبان، ويرجع بك وأنت راض؛ لوصولك إلى مرادك من الأعداء.

ومخترطٍ ماضٍ يطيعك آمراًويعصي إذا استثنيت أو كنت ناهيا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وهذا عطف على ما قبله بإضمار فعل: أي وقدت إليها كل أجرد سابح، واخترطت كل سيف مجرد.

يقول: سيفك يطيعك إذا أمرته بالضرب، فإن أردت التوقف عن الضرب عصاك، لأنه قد قطع فلا يمكن رده.

وأسمر ذي عشرين ترضاه وارداًويرضاك في إيراده الخيل ساقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

أي: وحملت كل أسمر ذي عشرين ذراعاً. وهذا على طريق المبالغة؛ لأن ذلك لا يكون، وأكثر ما يكون الرمح ثلاثة عشر ذراعاً. والمحمود ما يكون أحد عشر ذراعاً. وقوله: ترضاه وارداً: أي إذا طعنت به رضيت نفاذه في الطعن، وهو أيضاً يرضاك إذا أوردته في نحور الخيل لتسقيه.

يعني: هو يرضى منك جودة الطعن كما ترضى منه جودة النفاذ.

كتائب ما انفكّت تجوس عمائراًمن الأرض قد جاست إليها فيافيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

تجوس: أي تدوس وتطأ. والعمائر: القبائل، الواحدة عمارة.

يقول: إن كتائبه لا تزال تدوس قبائل من أعدائه، قد سرت إليها من بعد، وقطعت فيافي من الأرض. يعني: أنه يقصد الأعداء في ديارهم.

وقيل: أراد بالعمائر الأرض العامرة؛ ليطابق الفيافي.

والمعنى: أنها سلكت المفاوز والفلوات، حتى وصلت إلى ديار الأعداء فوطئتها وأغارت عليها.

يصف بعض غزواته، وأنه يقصد أعداءه في الأماكن البعيدة.

غزوت بها دور الملوك فباشرتسنابكها هاماتهم والمغانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

المغاني: المنازل. واحدها: مغنى.

يقول: غزوت بخيلك دور الملوك فقتلتهم، ووطئت بحوافرها رءوسهم وديارهم.

وأنت الّذي تغشى الأسنّة أوّلاًوتأنف أن تغشى الأسنّة ثانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: أنت تطرح نفسك على رماح أعدائك قبل أصحابك، وتأنف أن يتقدمك أحد في الحرب وروى: تلقى الأسنة في المصراعين.

يعني: أنك تطاعن الخيل قدماً، وتأنف أن يتقدم عليك أحد.

إذا الهند سوّت بين سيفي كريهةٍفسيفك في كفٍّ تزيل التّساويا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: إذا عملت الهند سيفين متينين من حديد واحد، حتى لا فضل لأحدهما على الآخر، فإذا حصل أحدهما في يدك صار أمضى من الآخر، وزال التساوي بينهما.

وسيف كريهة: أي قاطع، إذا أكره في الحديد والعظام مضى فيها.

ومن قول سامٍ لو رآك لنسله:فدى ابن أخي نسلي ونفسي وماليا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

سام: ابن نوح ﵉، أبو العرب والروم والفرس، وحام: أبو السودان والبربر والهند، ويافث: أبو الترك. ويجوز فدى بكسر الفاء وابن أخي بالجر على الإضافة ويجوز: بفتح الفاء على أن تجعل فدى فعلاً فتنصب ابن أخي على أنه مفعول به.

والمعنى: أن ساماً لو رأى سياستك لقال لك: فداك نفسي ونسلي ومالي

مدىً بلّغ الأستاذ أقصاه ربّهونفسٌ له لم ترض إلاّ التّناهيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: قد بلغ الله الأستاذ هذه المنزلة، وبلغته أيضاً نفسه التي لم ترض إلا بلوغ الغاية في المجد.

دعته فلبّاها إلى المجد والعلاوقد خالف النّاس النّفوس الدّواعيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: دعته نفسه وهمته إلى طلب المجد والمعالي فأجابها، وغيره من الملوك قد خالفته النفوس الداعية.

فأصبح فوق العالمين يرونهوإن كان يدنيه التّكرّم نائيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

يقول: أصبح كافور، وقد علا الناس كلهم، فهم يرونه بعيد المراتب على المراقب، وإن كان يدنيه تواضعه من الناس.

ودخل عليه بعد إنشاد هذه القصيدة فابتسم إليه الأسود، ونهض فلبس نعلاً فرأى أبو الطيب شقوقاً برجليه وقبحها فقال يهجوه:

أريك الرّضا لو أخفت النّفس خافياوما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»

يقول: أنا أظهر لك الرضا عنك، والسرور بقربك، ولكن ما في نفسي لا يخفى، فإني غير راض عنك، ولا عن نفسي.

أميناً وإخلاقاً وغدراً وخسّةًوجبناً؟ أشخصاً لحت لي أم مخازيا؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

مينا، وإخلافاً، وغدراً، وخسةً، وجبناً نصب على المصدر. وشخصاً نصب على الحال وكذلك مخازيا.

يقول: جمعت هذه المثالب، فإذا رأيتك لم أدر أنك إنسان، أم أنت مخاز؟!

تظنّ ابتساماتي رجاءً وغبطةًوما أنا إلاّ ضاحكٌ من رجائيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»

يقول: إذا رأيتني ضاحكاً حسبت أني مسرور بقربك، راج لفضلك، وليس كذلك، بل ذاك سخرية بنفسي، أضحك منها، كيف رجت منالك مع لؤمك وخستك؟!

وتعجبني رجلاك في النّعل، إنّنيرأيتك ذا نعلٍ إذا كنت حافيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»

يقول: إذا رأيت رجليك في النعل تعجبت من لبسك النعل؛ لأني رأيتك ذا نعل، وإن كنت حافيا؛ لغلظ رجليك.

وقيل: المعنى إذا رأيتك وأنت لابس النعل تعجبت، وذكرت أيام كنت تمشي حافيا، ورجلاك كأنهما في النعل!

وأنّك لا تدري ألونك أسودٌمن الجهل أم قد صار أبيض صافيا؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»

يقول: من جهلك لا تعرف حقيقة لونك، وأنك أسود أم أبيض؟

ويذكرني تخييط كعبك شقّهومشيك في ثوبٍ من الزّيت عاريا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»

يقول: إذا رأيت شقوق كعبك، تذكرت شقها حين كنت عبداً، والسودان تكثر الشقوق بأرجلهم.

وقوله: ومشيك في ثوب من الزيت عارياً: يعني: إني تذكرت أيام جئت من بلاد النوبة، وكنت تعرض على البيع وأنت عريان مطلى بالدهن، فكأنك لبست ثوب الزيت، وهذه عادة السودان إذا جلبوا أدهنوا بالزيت؛ ليصفو سوادهم. ونصب عاريا على الحال.

وقيل: معناه إنك أسود تضرب إلى الصفرة. والمولدون من أهل العراق يسمون من كان غير مشبع السواد زيتياً.

وقيل: معناه الوسخ الذي عليه من آثار دهن الزيت.

ولولا فضول النّاس جئتك مادحاًبما كنت في سرّى به لك هاجيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»

يقول: إنك لا تعرف الهجو من المدح، فلولا أني أخاف من فضول الناس، لكنت أنشدك الهجو، وأريك أنه غاية المدح.

فأصبحت مسروراً بما أنا منشدٌوإن كان بالإنشاد هجوك غاليا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»

يقول: كنت تسر بإنشادي هجوك! ظناً منك أنه مدح، وإن كان هجوك لا يتساوى بالإنشاد.

فإن كنت لا خيراً أفدت فإنّنيأفدت بلحظى مشفريك الملاهيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»

الملاهي: جمع ملهى، وهو كل ما يلهى به. ويجوز أن يكون مصدراً. ونصب مشفريك بلحظي أي أفدت الملاهي؛ بأن لحظت مشفريك.

يقول: لم أستفد منك خيراً، ولم أصل منك إلى مال، فإني استفدت اللهو برؤية مشفريك. وأفدت: بمعنى استفدت ها هنا.

ومثلك يؤتى من بلادٍ بعيدةٍليضحك ربّات الحداد البواكيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»

الحداد: الثياب السود.

يقول: إن من رآك يضحك منك، حتى النساء اللابسات السواد في المصائب، إذا رأينك يضحكن منك، ويتسلين عن غمهن، وكل من عليه الحزن يقصدك من الأماكن البعيدة؛ ليلهو عن حزنه.

وبنى كافور داراً بإزاء الجامع الأعلى على البركة، وتحول إليها وهنأه الناس بها، وطالب أبا الطيب بذكرها فقال:

إنّما التّهنئات للأكفاءولمن يدّنى من البعداء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يدنى: يفتعل من الدنو.

يقول: إنما تكون التهنئة بين الأكفاء، وأنا لست بكفء لك، وتكون لمن يكون بعيداً من الملوك ثم يدنوا منهم، وأنا لست بواحد من هذين، بل أنا عضو من أعضائك. على ما يبين فيما يليه.

وأنا منك لا يهنّئ عضوٌبالمسرّات سائر الأعضاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يقول: أنا عضو من اعضائك، وهل رأيت عضو إنسان يهنئ سائر أعضائه؟! فكما لا يهنئ الإنسان نفسه، كذلك لا يلزمني تهنئتك؛ لأني مشارك لك في الأحوال.

مستقلٌّ لك الدّيار ولو كان نجوماً آجرٌّ هذا البناء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

روى مستقل بفتح القاف. والديار رفع. وروى: مستقل لك الديار نصب.

يقول: أنا أستقل لك الديار والأبنية، ولو كان آجرها من النجوم.

ولو أنّ الّذي يخرّ من الأمواه فيها من فضّةٍ بيضاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يخر: أي يصوت، من الخرير.

يقول: لو كان الذي يخر فيها من المياه من فضة بيضاء، لاستقللتها لك في جنب قدرك.

أنت أعلى محلّةً أن تهنّابمكانٍ في الأرض أو في السّماء
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أن تهنا: أصله أن تهنأ، فخفف الهمزة، فأبدلها ألفاً.

يقول: انت أجل قدراً وأعلى محلاً من أن تهنأ بدار في الأرض أو في السماء، والمحل والمحلة واحدة.

ولك النّاس والبلاد وما يسرح بين الغبراء والخضراء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

وما يسرح: أي ما يذهب من الدواب والوحش.

يقول: أنت تملك البلاد ومن عليها وما عليها من الحيوانات. والغبرآء: الأرض. والخضراء: السماء.

وبساتينك الجياد وماتحمل من سمهريّةٍ سمراء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يقول: إنما بساتينك التي تتنزّه فيها، الجياد من الخيل، وثمارها الرماح، فأنت لا تتنزه إلا بهما، فكيف أهنئك بالدار والبساتين؟!

إنّما يفخر الكريم أبو المسك بما يبتنى من العلياء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يقول هو: إنما يفتخر بما يبنى من المعالي وما يشيد من المكارم، لا بالقصور المبنية بالآجر، فإنها تنهدم عن قريب، والمعالي تبقى أبداً.

وبأيّامه الّتي انسلخت عنهـ وما داره سوى الهيجاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يقول: إنما يفتخر بأيام حروبه وقائعه التي سبقت له فظهرت منه، ولا دار له سوى الحروب، ومعاركها.

وبما أثّرت صوارمه البيض له في جماجم الأعداء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يقول: إنما يفتخر بتأثير سيوفه في رءوس الأعداء.

وبمسكٍ يكنى به ليس بالمسك ولكنّه أريج الثّناء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

أرج الطيب وأريجه: توهج ريحه.

يقول: يفتخر بالمسك المكنى به، ثم قال: وليس المسك المكنى به هو المسك المعروف، وإنما هو مسك الثناء وحسن الذكر.

لا بما تبتنى الحواضر في الرّيف وما يطّبى قلوب النّساء
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحواضر: جمع الحاضرة. ويطبى: أي يستميل. والريف: المدن والماء يقول: لا يفتخر بما يبنيه أهل الحضر، وسكان المدن، من الدور الحسنة ولا بالمسك لأن ذلك إنما يستميل قلوب النساء، بل لا يفتخر إلا بالمعالي وحسن الثناء والمجد.

نزلت، إذ نزلتها، الدّار في أحسن منها من السّنا والسّناء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

السنا المقصور: الضوء، والسناء الممدود: الشرف والعلا.

يقول: لما نزلت الدار تشرفت بك وتزينت بقربك، فكأن حسنها حيث نزلتها وتقديره: نزلت الدار في أحسن منها إذا نزلتها.

حلّ في منبت الرّياحين منهامنبت المكرمات والآلاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يقول: أنت منبت المكرمات والنعم، حللت من هذه الدار منبت الرياحين، فأنت منبت المكارم، وهي منبت الرياحين.

تفضح الشّمس كلّما ذرّت الشّمس بشمسٍ منيرةٍ سوداء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يقول: إذا طلعت الشمس تفضحها بشمس سوداء! وهذا في ظاهره مدح، وهو مضمر الهجو، إذ الشمس لا تكون سوداء.

إنّ في ثوبك الّذي المجد فيهلضياءٍ يزرى بكلّ ضياء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يقول: إن في ثوبك: أي في بدنك، الذي هو محل المجد ضياءً يقصر بكل ضياء. لما قال في البيت الذي قبله: شمس منيرة سوداء أورد هذا وما بعده ليزيل الإبهام.

إنّما الجلد ملبسٌ، وابيضاض النّفس خيرٌ من ابيضاض القباء
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: سوادك لا يشينك، وإنما هو بمنزلة الثوب والقباء، وبياض النفس خير من بياض القباء، وليس الفخر بالبياض، وإنما هو بالأفعال. وهذا من قول عبد بني الحسحاس:

إن كنت عبداً فنفسي حرّةٌ كرماًأو أسود اللّون إنّي أبيض الخلق
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

ومثله كثير.

كرمٌ في شجاعةٍ، وذكاءٌفي بهاءٍ، وقدرةٌ في وفاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

أي جمعت هذه الخلائق الشريفة، فلا يشينك سواد لونك.

من لبيض الملوك أن تبدل اللّون بلون الأستاذ والسّحناء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

السحناء: الهيئة.

يقول: إن البيض يتمنون أن يستبدلو بألوانهم لونه، ويغيروا هيئتهم بهيئته، ولكن أين لهم ذلك؟؟!

فتراها بنو الحروب بأعيانٍ تراه بها غداة اللّقاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

الهاء في تراها للملوك. والفعل: لبني الحروب. والهاء في تراه لكافور.

يقول: إن الملوك البيض يتمنون أن يستبدلوا ألوانهم بلونه، ليراهم الأبطال الذين هم أهل الحروب بالعيون التي رأوا بها كافوراً في الحرب. والأعيان: جمع عين في القلة.

يا رجاء العيون في كلّ أرضٍلم يكن غير أن أراك رجائي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يقول: كل أحد يرجو أن يراك؛ لتفيض عليه إنعامك، ولم يكن لي رجاء في قصدي مصر سوى أن أراك وأتشرف بمدحك.

ولقد أفنت المفاوز خيليقبل أن نلتقي، وزادي ومائي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يقول: قطعت المسافة البعيدة، والمفاوز الصعبة: لرؤيتك، حتى أفنت المفاوز خيلي وزادي ومائي.

فارم بي ما أردت منّي فإنّيأسد القلب آدميّ الرّواء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

الرواء: المنظر.

يقول: كلفني ما شئت من الأمور العظيمة، فإني وإن كنت في المنظر آدمياً فإن قلبي قلب الأسد.

وفؤادي من الملوك وإن كان لساني يرى من الشعراء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما التهنئات للأكفاء ولمن يدني من البعداء»

يقول: إني وإن كنت شاعراً، فإن لي همة عاليةً، ونفسا شريفة، وقلبي قلب الملوك.

ولما أنشده أبو الطيب، حلف له كافور ليبلغنه جميع ما في نفسه، وإنه لأكذب ما يكون إذا حلف! فقال أبو الطيب وأنشده إياها في انسلاخ شهر رمضان سنة ست وأربعين وثلاث مئة:

من الجآذر في زيّ الأعاريبحمر الحلي والمطايا والجلابيب؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

الجآذر: جمع جوذر، وهو ولد البقرة الوحشية. والزي: اللباس والأعاريب: جمع الأعراب، والأعراب: جمع أعرابي. والحلي: جمع حلية. وهو بضم الحاء وكسرها. والجلابيب: جمع جلباب، وهي الملاحف والملابس. وقال أبو عبيدة: الجلابيب هي الخمر، والملاحف.

وقد روى: برفع الراء ونصبها، فالرفع على الاستئناف أي: هن حمر الحلي. والنصب على الحال. جعل كونهن جآذر حقيقة، وكونهن أعاريب مجازاً وتشبيها، وهذا على عادته في قلب التشبيه.

يقول: من هذه الجآذر التي في زي الأعراب؟! جعلهن جآذر؛ لسواد عينهن. وهن حمر الحلي؛ لأنها من الياقوت، وملابسهن حمر لأنهن غنيات شواب، يلبسن المعصفرات وثياب الملوك، ومطاياهن حمر؛ لأنها كرام الإبل عندهم، وهي من مراكب الملوك.

إن كنت تسأل شكّاً في معارفهافمن بلاك بتسهيد وتعذيب؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

أنكر على نفسه في هذا، السؤال! وقال: إن كنت تسأل عن هؤلاء النساء من حيث أنك شككت فيهن، حيث أشبهن الجآذر، فلا ينبغي لك أن تشك في معرفتهن، لأنهن اللاتي سهدن عينيك، وعذبن قلبك، ومن في قوله: فمن بلاك على هذا تكون خبراً، ويجوز أن تكون استفهاماً على معنى الإنكار.

والمعنى: إن لم تعرفهن فمن الذي بلاك بتسهيد وتعذيب؟!

لا تجزني بضنىً بي بعدها بقرٌتجزي دموعي مسكوباً بمسكوب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الضنى: الألم، ولا تجزني: جزم، والهاء في بعدها قيل: ضمير البقر، أي: بعد فراقهن، وقيل: هو ضمير الحالة أو المرأة. أي: بعد هذه المرأة أو الحالة. وتقديره: لا تجزني بضني بي ضني نساءٍ يجزينني بالبكاء بكاء. على سبيل الدعا لهن: أي لا مرضن كما مرضت.

والمعنى: أنه دعاء لهن بألا يضنين بفراقه، كما ضنى بفراقهن.

وقوله: تجزي دموعي صفة البقر. يعني: هذه البقرة التي جازتني بالبكاء، فجرت دموعهن لفراقي، كما جرى دمعي.

وقيل: معناه قد أضناني حب هؤلاء، حتى تغيرت محاسني، وقرب شيبي، فلا تجزني بعدهن بفرقتي، لأني قد شبت وبليت، فلم يبق لي موضع لعشق النساء كما عشقتهن، فيجزينني ضني بضني، وتقابلن بكاء ببكاء، رحمة لي لا عشقاً. فيكون البقر غير التي جرى ذكرها.

سوائرٌ ربّما سارت هوادجهامنيعةً بين مطعونٍ ومضروب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

سوائر: صفة أخرى لبقر، وقيل: وهن سوائر. ومنيعةً: نصب على الحال. يعني: أنهن عزيزات في قوم أعزة، فإذا سارت هودجهن بهن، كان حولهن من يذب عنهن ويحميهن من كل من تعرض لهن، فلا مطمع لأحد فيهن.

وربّما وخدت أيدي المطّى بهاعلى نجيعٍ من الفرسان مصبوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

الوخد والوخيد: ضرب من السير السريع.

يقول: ربما سارت هوادجهن فوق الدماء، فتقع أيدي المطى على دماء الفرسان المصبوبة، إن تعرضوا لهن.

وإنما ذكر الأيدي دون الأرجل؛ لأنها أول ما تقع على الأرض، فاكتفى بذكرها عن ذكر الأرجل.

كم زورةٍ لك في الأعراب خافيةٍأدهى وقد رقدوا من زورة الذّيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

أي: أدهى من زورة الذيب، وقد فصل بينهما بقوله: وقد رقدوا والذيب: يضرب به المثل في الخبث والدهاء.

يخاطب نفسه ويقول: كم مرة ذهبت إلى الأعراب حين رقدوا فزرت حبيبتك وهم لا يشعرون، وهجمت عليها هجوم الذئب، إذ اختطفتها من بينهم على وجه الاحتيال والاستخفاء، كما يفعل الذئب لما يختطف من الغنم، ويهجم عليها من حيث لا يشعر الراعي.

أزورهم وسواد اللّيل يشفع ليوأنثني وبياض الصّبح يغري بي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

يقول: إن الظلام يسترني عند زيارتي هؤلاء الأعراب، فكأنه يشفع لي إلى ما أريد. وعند الانصراف يشهرني الصبح ويحول بيني وبينها. ومثله لابن المعتز:

لا تلق إلا بليلٍ من تواصلهفالشّمس نمّامةٌ واللّيل قوّاد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «لا تلق إلا بليل من تواصله»

فذكر جميع ما في البيت في نصف بيت.

قد وافقوا الوحش في سكنى مراتعهاوخالفوها بتقويضٍ وتطنيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

التقويض: ضد التطنيب.

يقول: هؤلاء الأعراب وافقوا الوحش في حلولهم مراتع الوحوش وسكناهم مساكنها وخالفوها بأنهم يحطون خيامهم مرة، ويقلعون أوتادهم مرة، ثم يطنبونها: أي ينصبونها، ويشدون حبالها.

جيرانها وهم شرّ الجوار لهاوصحبها وهم شرّ الأصاحيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

الجوار: بضم الجيم وكسرها، هي المجاورة، ومعناه ها هنا: هم شر أهل الجوار.

يقول: جيران الوحش من حيث المسكن، إلا أنهم شر الجيران لها؛ لأنهم يصيدونها وهم أصحاب الوحوش؛ إلا أنهم أشر الأصحاب؛ لأنهم يأكلونها.

فؤاد كل محبّ في بيوتهمومال كلّ أخيذ المال محروب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

أخيذ المال: أي مأخوذ المال. والإضافة في تقدير الانفصال، ولهذا نكر الصفة في قوله: محروب والمحروب: الذي أخذ حريبه، وهو ماله.

يقول: إن رجالهم صعاليك يغيرون على الأعداء، ونساؤهم فواتن يسلبن قلوب العشاق، ففي بيوتهم قلوب الرجال وأموال الأبطال.

وقيل: إنهم أحنوا إلى الناس فملكوا قلوبهم بالإحسان، وملكوا أموال الأعداء بالقهر والإغارة.

ما أوجه الحضر المستحسنات بهكأوجه البدويّات الرّعابيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

الرعابيب: جمع رعبوبة، وهي البيضاء الممتلئة الجسم. والهاء في به للحضر، وهو خلاف البدو.

يقول: ليس أهل الحضر كأهل البدو.

حسن الحضارة مجلوبٌ بتطريةٍوفي البداوة حسنٌ غير مجلوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

الحضارة: ملازمة الحضر، والبداوة: ملازمة البدو. والتقدير: حسن أهل الحضارة وأهل البداوة.

يقول: إن حسن الحضريات مصنوع بالتطرية، وحسن البدويات مطبوع، والمطبوع خير من المصنوع.

أين المعيز من الآرام ناظرةًوغير ناظرةٍ في الحسن والطّيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

المعيز والمعزى والمعز: واحد. وناظرةً: نصب على الحال. أقام الحضريات مقام المعز، لكون المعز حضريات، وأقام البدويات مقام الظباء؛ لكون الظباء في الفلوات.

يقول: أين المعز من الظباء في حسنها وطيبها! وفي حال كونها ناظرةً، وفي غير حال نظرها.

أي: كما أن الظباء أحسن من المعز في كل حال، فكذلك البدويات أحسن من الحضريات.

وقيل معنى قوله: ناظرة وغير ناظرة أي أن الظباء أحسن من المعز: حيةً وميتة، فهي أحسن منها منظراً حية، ولحماً ميتة.

أفدي ظباء فلاةٍ ما عرفن بهامضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
للشاعر ابن شيخان السالمي، اقرأ القصيدة

الصبغ بالفتح: مصدر، وبالكسر: اسم. والحواجيب: أراد به الحواجب، فأشبع الكسرة؛ لتحدث الياء بعدها. والهاء في بها للفلاة.

يقول: إن البدويات مطبوعات على حسن الكلام، وحسن الحواجب، فلا يصبغن حواجبهن بالسواد، ولا يمضغن الكلام؛ لأن كلامهن فيه غنة فلا يحتجن إلى تكلفها.

وقيل: أراد بمضغ الكلام التفاصح.

ولا برزن من الحمّام مائلةًأوراكهنّ صقيلات العراقيب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أوراكهن رفع بمائلةً وصقيلات نصب على الحال.

يعني: أنهن مخلوقات كذلك فلا يصبغن حواجبهن، ولا يكسرن في كلامهن، ولا تتمايل أوراكهن تصنعا، ولا يصقلن عراقيبهن كما تفعله النساء من أهل الحضر. فأفدى من هذه حالها.

ومن هوى كلّ من ليست ممّوهةًتركت لون مشيبي غير مخضوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

المموه: المزور المغشوش.

يقول: لما كنت أحب كل مطبوعة، وأبغض كل مصنوعة، تركت لون شيي ظاهراً مطبوعاً، لم أموهه بالخضاب. وهذا ينظر إلى قول الشاعر:

لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثلهعارٌ عليك إذا فعلت عظيم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»
ومن هوى الصّدق في قولي وعادتهرغبت عن شعرٍ في الوجه مكذوب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في عادته للصدق.

يقول: من حبي للصدق واعتيادي له، زهدت عن شعر مخضوب في الوجه: وهو المكذوب.

ليت الحوادث باعتني الّذي أخذتمنّي بحلمي الّذي أعطت وتجريبي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

يقول: إن الحوادث أخذت مني الشباب، وأعطتني الحكمة والتجارب، فليتها ردت على ما أخذته من الصبي، وأخذت ما أعطت من الحلم والنهى.

فما الحداثة من حلمٍ بمانعةٍقد يوجد الحلم في الشّبّان والشّيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

يقول: ليت الحوادث ردتني إلى أيام الصبى والحداثة، فإنها لا تمنع من الحلم، فيكون مع الحداثة ما يكفيني من الحلم والتجربة؛ فإن العقل يوجد في الأحداث كما يوجد في الشيوخ. والحداثة: لا توجد إلا مع الشبان.

ترعرع الملك الأستاذ مكتهلاًقبل اكتهالٍ، أديباً قبل تأديب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

ترعرع: أي شب، ولا يكون إلا حسن الشباب. والاكتهال: التمام في كل شيء. والكهل من الناس: من سنه ما بين أربع وثلاثين، إلى خمسين سنة. ونصب مكتهلاً وأديباً على الحال.

لما قال: إن الحداثة لا تمنع من الحلم، استدل بحال كافور فقال: الحلم يوجد في الأحداث، كما أن الأستاذ كافور ترعرع من الحلم والأدب، ولم يكن من الشيوخ. ولا الكهول.

يعني: أنه خلق مطبوعاً على الأدب، فلم يحتج إلى مؤدب، وكان ابتداء شبابه في الكمال، كاكتهال غيره.

مجرّباً فهماً من قبل تجربةٍمهذّباً كرماً من قبل تهذيب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

مهذباً ومجرباً نصب على الحال. وفهماً وكرماً نصب على المصدر أو على المفعول له.

يقول: ترعرع الملك على هذه الأحوال، فهو مجرب قبل تجربة؛ لما طبع عليه من الفهم، مهذب؛ لما جبل عليه من الكرم، فلا يحتاج إلى التهذيب والتجريب.

حتّى أصاب من الدّنيا نهايتهاوهمّه في ابتداءاتٍ وتشبيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

التشبيب: الابتداء بالأمر.

يقول: قد أصاب الغاية من الدنيا، وهو مع ذلك في أول مطالبه وتشبيب همته، ولم تبلغ همته أقصى مرادها.

يدبّر الملك من مصرٍ إلى عدنٍإلى العراق فأرض الروم فالنّوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

يعني: أن هذه النواحي كلها تحت يده، وهو يديرها.

إذا أتتها الرّياح النّكب من بلدٍفما تهبّ بها إلا بترتيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

النكب: جمع النكباء، وهي كل ريح هبت بين مهبى ريحين. وقيل: هي ريح تهب من مهاب الرياح الأربع على غير استواء.

يقول: إن الريح النكباء مع اختلاف هبوبها، إذا أتت هذه النواحي، لا تهب فيها إلا بترتيب من حسن سياسته وترتيبه الأمور.

ولا تجاوزها شمسٌ إذا شرقتإلا ومنه لها إذنٌ بتغريب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

روى: إذا شرقت وإذا طلعت والتغريب: أن تأخذ نحو المغرب.

يقول: إذا طلعت الشمس على هذه النواحي، فأرادت أن تتجاوزها، فلا تجسر على المجاوزة، إلا أن يأذن لها بالغروب، والها في منه: لكافور وفى لها للشمس.

يصرّف الأمر فيها طين خاتمهولو تطلّس منه كلّ مكتوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

تطلس: أي انمحى وذهب أثره، وطلست الكتاب: محوته.

يقول: لا يمضي الأمر إلا بخاتمه، وإن انمحت كتابته متى عرفت رسومه أمضي أمره، رهبة له وإعظاماً.

يحطّ كلّ طويل الرّمح حاملهمن سرج كلّ طويل الباع يعبوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.