تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

السيفيات (١٢)

وأحدث بنو كلاب حدثاً بنواحي بالس فسار سيف الدولة خلفهم وأبو الطيب معه، فأدركهم بعد ليال بين ماءين يعرفان بالغبارات والخرارات من جبل النسر فأوقع بهم ليلاً فقتل منهم وملك الحريم، فأبقى وأحسن إلى الحرم فقال أبو الطيب بعد رجوعه في جمادي الآخرة من سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة:

بغيرك راعياً عبث الذّئابوغيرك صارماً ثلم الضّراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

العبث: الولوع بالشيء من غير معنى. وراعياً: نصب على الحال من الضمير في قوله: بغيرك وقيل على التمييز: والراعي: الحافظ، وسمى الأمير راعياً، لحفظه الناس. وغيرك: مفعول مقدم، نصبه ثلم وصارماً نعت له، وقيل: المفعول صارما وغير نصب على الحال، فيكون التقدير: وثلم الضراب صارماً غيرك، فلما تقدم نعت النكرة عليها انتصب على الحال.

يقول: مثلك لا يعبث به أحد في ممالكه، وإنما يعبث بغيرك من الملوك، الذين لا يقدرون على ضبط رعيتهم وحفظ نواحيهم.

وجعل الذئاب والراعي مثلا، فشبه بني كلاب حين عدوا عليه بالذئاب إذا تعرضت للراعي وحاولت الاختلاس من غنمه، كذلك إذا كسر الضراب السيوف، فإنما يكسر ما عداك منها، ولا يعمل فيك مع كونك سيفاً: أي أنك لا تمل من الحروب ولا يؤثر فيك مداومة الضرب.

وقيل: أراد نوائب الدهر وكيد الأعداء لا يعمل فيك. فكأنه قسم الناس ثلاثة أقسام: راع، وهو سيف الدولة وسائر الملوك، وذئاب: وهم بنو كلاب وغيرهم من الصعاليك وأهل الفساد، وغنم: وهم عامة الناس.

وتملك أنفس الثّقلين طرّاًفكيف تحوز أنفسها كلاب؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

كلاب: قبيلة يقول: كيف تقدر بنو كلاب أن يحوزوا أنفسهم ويحصنوها بالفرار منك؟ وأنت تملك أرواح الثقلين!

وما تركوك معصيةً ولكنيعاف الورد والموت الشّراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يعاف: أي يكره: والورد: الورود.

يقول: لم يفارقك هؤلاء قصداً منهم إلى معصيتك، ولكن خافوا سطوتك وقتلك؛ لأن الشراب إذا كان الموت، كره الورود عليه، فلا لوم عليهم في ذلك.

طلبتهم على الأمواه حتّىتخوّف أن تفتّشه السّحاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: لم يبق ماء في المفازة إلا طلبتهم عليه، حتى ظن السحاب أنك ترقى إله وتطلبهم فيه! وإنما ذكر السحاب لأنه يحتمل الماء، فجعله من جملة الأماكن التي تضمن المياه، وهذا مبالغة عظيمة.

فبتّ ليالياً لا نوم فيهاتخبّ بك المسوّمة العراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

تخب: من الخبب، وهو أرفع السير. والمسومة: الخيل المعلمة.

يقول: إنك لم تنم ليالي تسري في طلبهم، تسرع بكم خيل عراب.

يهزّ الجيش حولك جانبيهكما نفضت جناحيها العقاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

شبه سير الجيش عن يمينه ويساره واهتزازه، بجناحي عقاب في طيرانها. وقيل: العقاب: ملك الطير، فشبه سيف الدولة بالعقاب؛ لكونه ملكاً، إلا أنه شبهه به في حال ما يكون في قلب العسكر والعسكر حوله يضطرب ويتحرك يمنة ويسرة، وجعل أصحاب اليمين أحد جناحيه، وأصحاب الشمال جناحه الآخر، وجعله في الوسط، كالعقاب التي نفضت جناحيها.

وتسأل عنهم الفلوات حتّىأجابك بعضها وهم الجواب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: ما زلت تبحث عنهم فلاة فلاة، حتى وجدتهم في بعض الفلوات، فكأنك كنت تسأل عنهم الفلوات التي كانوا فيها، فصاروا كالجواب، لأنك أصبتهم.

فقاتل عن حريمهم وفرّواندى كفّيك والنّسب القراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

حريم الشيء: حقوقه، وما يحرم إضاعته من الأهل والنساء. والقراب: أبلغ من القريب. والندى: فاعل قاتل. والنسب: معطوف عليه.

يقول: إن ندى كفيك ونسبك القريب من هؤلاء، قام لهم مقام من يقاتل عن حريمهم حين فروا وإنما أثبت لهم قرب النسب؛ لأن سيف الدولة وهم، ينتسبون إلى أصل واحد، وهو معد بن عدنان وقد أشار إليه.

وحفظك فيهم سلفي معدّوأنّهم العشائر والصّحاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

وروى: النساب وهو أصل النسب. الصحاب، جمع الصاحب، كقائم وقيام. وقيل: جمع صحب ككعب وكعاب. وقوله: سلفي معد أي إنهم من قبل آبائهم وأمهاتهم ينتسبون إلى معد بن عدنان.

يقول: قاتل عن حريمهم ندى كفيك والنسب القراب، وحفظك فيهم سلفهم في معد، وأنهم عشائرك وأصحابك.

تكفكف عنهم صمّ العواليوقد شرقت بظعنهم الشّعاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

تكفكف: أي تكف وتصرف عنهم. وشرقت: أي امتلأت كما يشرق الإنسان بالماء. والظعن: النساء، الواحدة: ظعنية، وهي المرأة ما دامت في الهودج والشعاب: جمع شعب، وهو الطريق في الجبل.

يقول: رددت عنهم الرماح، وأمسكت عن قتلهم، لما فروا منك وظفرت بهم وقد امتلأت الشعاب من نسائهم وأموالهم.

وأسقطت الأجنّة في الولاياوأجهضت الحوائل والسّقاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الولايا: جمع ولية، وهي شبيهة بالبرذعة، تطرح على ظهر البعير مما يلي سنامه. وأجهضت أرهقت وأتعبت حتى قامت، يقال، أجهضه: السير إذا أتعبه وأجهضت الناقة ولدها: أي اسقطت. والحوائل: جمع الحائل وهي التي لم تحمل في سنتها. وقيل الحائل الأنثى من ولد الناقة. والسقب: الذكر منها. وقيل السقب ولد الناقة ما دام صغيراً.

يقول: إنهم أمعنوا في الهرب خوفاً منك، وكانوا قد أردفوا نساءهم وراء الخيل وفيهم الحبالى، فأسقطن أولادهن في البراذع، على أعجاز الخيل، أو كن يركبن الإبل فأسقطن الأجنة على ظهور الإبل، وتعبت الإبل الحوائل والسقاب، فقامت ولم تقدر على السير، لما لحقها من الجهد والعياء.

وإذا قلنا إن الإجهاض: هو الإسقاط، فمعناه أن النوق أسقطت أولادها الإناث والذكور.

وعمروٌ في ميامنهم عمورٌوكعبٌ في مياسرهم كعاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

بنو عمرو، وبنو كعب، بطنان من العرب، عمرو بن كلاب، وكعب بن ربيعة. والميمنة: جانبه الأيمن والميسرة: الأيسر.

يقول: اختلفت كلمة هذين البطنين خوفاً منك فقال قوم: نهرب عنه، وقوم: نتقدم فنأخذ الأمان، وقال آخرون: نتقدم ونحارب، وكانوا قبل ذلك يداً واحدة فاختلفوا حتى صارت عمرو عمورا، وكعب كعاباً، ومثله قول معاوية ابن مالك:

رأيت الصّدع من كعبٍ جميعاًوكان الصّدع لا يعد ارتئابا
فأمسى كعبها كعباً وكانتمن الشّنآن قد دعيت كعابا
للشاعر مَعُوِّد الحكماء، اقرأ القصيدة

يعني: كانوا متفرقين متعادين فأصلحت بينهم، حتى عادوا إلى الألفة والاتفاق وصارت كلمتهم واحدة.

وقد خذلت أبو بكر بنيهاوخاذلها قريطٌ والضّباب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أبو بكر: هنا قبيلة من بني كلاب؛ فلهذا أنث، وكذلك الضباب. والقريط: بطنان من بني كلاب. وروى قريظ بالظاء والطاء.

يقول: خذل بعض هؤلاء بعضاً وتفرقوا، لما أحسوا بطلبك إياهم، بعد أن كانوا مجتمعين على محاربتك.

إذا ما سرت في آثار قومٍتخاذلت الجماجم والرّقاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: إذا سرت في أثر قوم خذلت رقابهم رءوسهم يعني: أنك تدركهم وتضرب أعناقهم، وتفرق رءوسهم من أجسادهم، إذا كان العنق يسلم رأسه والرأس يفارق جسمه خوفاً منك، فكيف لا تتفرق القبائل ويخذل بعضهم بعضا؟!

فعدن كما أخذن مكرّماتٍعليهنّ القلائد والملاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الملاب: ضرب من الطيب.

يقول: إنك لما أسرت نساءهم بما عليهن من الحلي والطيب، لم يتعرض أحد لهن، بل رجعن إلى أهلهن وعليهن ثيابهن وطيبهن.

وقيل: أراد أنهن كن بلا قلائد ولا عطر، فقلدهن سيف الدولة وطيبهن.

يثبنك بالّذي أوليت شكراًوأين من الّذي تولى الثّواب؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يثبنك: أي يجزينك ويعوضنك يقول: رجعن إلى أهلهن وهن يشكرنك على ما أوليتهن من الصفح الجميل، والإحسان الجزيل، ولكن أين الثواب وشكرهن جميل فعلك؟! أي أن الشكر لا يقابل إحسانك ولا يبلغ أن يكون جزاء له.

وليس مصيرهنّ إليك شيناًولا في صونهنّ لديك عاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

روى شيناً وسبياً والأول أجود في مقابلة عاب يقول: ليس في حصولهن في يدك عار لهن، لأنك منهن وهن منك، فصونك لهن كصون بعولتهن في بيوتهن. والصون: الصيانة، وهي كناية عن الستر.

ولا في فقدهنّ بني كلابٍغذا أبصرن غرّتك اغتراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: إنهن إذا رأين غرتك وصرن عندك فلا يضرهن فقدانهن أهلهن، وليس اغتراب وبعد، لأنك منهن.

وكيف يتمّ بأسك في أناسٍتصيبهم فيؤلمك المصاب؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: كيف تقدر على أن تعاقبهم وتوقع بهم؟ فإنك إذا أصبتهم تألمت بما يصيبهم من الضرر، لكونهم منك.

والمصاب: يجوز أن يكون مصدراً كالإصابة، وأن يكون مفعولا، وهذا البيت مثل قول الحارث بن وعلة الذهلي:

قومي هم قتلوا أميم أخيفإذا رميت يصيبني سهمي
للشاعر الحارث بن وعلة الرقاشي، اقرأ القصيدة
فلئن عفوت لأعفون جللاًولئن سطوت لأوهنن عظمي
للشاعر الحارث بن وعلة الرقاشي، اقرأ القصيدة

ونحو قول الآخر:

وإنّي وإن عاديتهم وجفوتهملتألم ممّا عضّ أكبادهم كبدي
للشاعر العديل بن الفرخ العجلي، اقرأ القصيدة
ترفّق أيّها المولى عليهمفإنّ الرّفق بالجاني عتاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: أنت سيدهم فتجاوز عنهم، ولا تعجل لهم في العقوبة، فإن رفقك بهم يردهم إلى طاعتك، ويقوم لهم مقام اللوم.

وإنّهم عبيدك حيث كانواإذا تدعو لحادثةٍ أجابوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: ترفق بهم وتجاوز عنهم، فإنهم عبيدك وقومك، متى دعوتهم إلى حرب ونازلة أجابوك.

وعين المخطئين هم وليسوابأوّل معشرٍ خطئوا فتابوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: هم حقيقة المخطئين في خروجهم عليك، غير أنهم تابوا وأذعنوا لك، كما أخطأ غيرهم ثم تاب، وليسوا بأول من فعل مثل ذلك.

وأنت حياتهم غضبت عليهموهجر حياتهم لهم عقاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: إن حياتهم بك، لأنك تعطيهم ما تقوم به حياتهم من المال، فإذا غضبت عليهم زالت عنهم حياتهم، فكفاهم عقوبة أن تغضب عليهم، فإن ذلك كالموت لهم.

وما جهلت أياديك البواديولكن ربّما خفي الصّواب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الأيادي، النعم، واحدتها يد، والبوادي قيل: هي جمع بادية، وهم العرب الذين ينزلون البدو، فيكون في موضع الرفع، لأنها فاعلة جهلت والمعنى: أن أهل البدو، الذين هم بنو كلاب مقرون بإحسانك إليهم، غير جاهلين نعمك عليهم، ولكن خفي الصواب عليهم حين قاتلوك، وكان ذلك سهواً منهم من غير قصد.

وقيل: البوادي. الظاهرة من النعم أو المتقدمة منها، فهي صفة للأيادي في موضع النصب، وسكن الياء ضرورة، فيكون على هذا فاعل جهلت ضمير القبيلة التي هي بنو كلاب، يعني: أنهم لا ينكرون نعمك الظاهرة المتقدمة إليهم.

وكم ذنبٍ مولّده دلالٌوكم بعدٍ مولّده اقتراب؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: كم ذنب يتولد من الدلال أي الإفراط وتجاوز الحد وكم بعد يتولد من قرب إذا لم يكن معه الأدب ورعاية الحرمة.

والمعنى: أنهم لم يخرجوا عليك إلا ثقة منهم بقرابتك وتدللا بانتسابهم إليك.

وجرمٍ جرّه سفهاء قومٍوحلّ بغير جارمه العذاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: وكم ذنب يجنيه السفيه، فيعاقب به البريء، ومثله قول بعض العرب:

إنّ الفتى بابن عمّ السّوء مأخوذ

والأصل فيه قوله تعالى: " أًتهْلِكُنَا بِمَا فَعَل السُّفَهآءُ مِنَّا " وقوله تعالى " واتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ".

فإن هابوا بجرمهم عليّاًفقد يرجو عليّاً من يهاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

أراد: من يهابه، فحذف المفعول.

يقول: إن هابوه لكونه مهيباً، فإنهم يرجون عفوه، لكونه كريماً.

وإن يك سيف الدولة غير قيسٍفمنه جلود قيسٍ والثّياب

قيس: هو عيلان، وإليه ينسب بنو كلاب مضر.

يقول: إن كان هو سيف دولة بني هاشم، لا سيف دولة قيس، فإن جلود قيس تربت من نعمه، وثيابهم من ماله ومن خلعه.

وتحت ربابه نبتوا وأثّواوفي أيّامه كثروا وطابوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الرباب: غيم متعلق بالغيم، يضرب إلى السواد، وقيل: هو السحاب الأبيض. وأثوا: تمكنوا وقووا من قولهم أث النبت.

يقول: إنهم نبتوا بفضله وإنعامه، كما نبت العشب بالمطر، وكثروا بدولة أيامه وطالوا.

شبههم بالنبات، وشبهه بالسحاب.

وتحت لوائه ضربوا الأعاديوذلّ لهم من العرب الصّعاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: إنهم بقوته وسلطانه قتلوا أعداءهم، وقهروا العرب، حتى ذلت لهم صعاب العرب وانقادت.

ولو غير الأمير غزا كلاباًثناه عن شموسهم ضباب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الضباب ما يرتفع من البخار، من غدوات الربيع كالسحاب.

يقول: لو قصد بني كلاب غير سيف الدولة، لرده عن شموس بني كلاب ضبابهم. كني بالشموس عن النساء، وبالضباب عن الحرب التي كانت تحول بينهن وبين من يقصد الوصول إليهن، كما يحول الضباب دون الشمس.

وقيل: الضباب، كناية عن الغبار الذي يرتفع عن الخيل، حتى يصير كالضباب، فيصرف عن قصدهن، كما يمنع الضباب شعاع الأمس.

وقيل: عني بالشموس وجوه القوم التي هي كالشمس.

ولاقى دون ثايهم طعاناًيلاقى عنده الذّئب الغراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الثاي: جمع ثاية، وهي الحجارة حول البيت، تبنى فيأوي إليها الراعي ليلاً كأنها الحظيرة، وفاعل لاقى ضمير غير في قوله: غير الأمير والهاء في عنده للطعان.

يقول: كان ينفي ذلك القاصد قبل أن يصل إلى ثايهم طعناً يكثر منه القتلى حتى يجتمع الذئب والغراب على أكل جيفهم وأجسامهم: يعني أنهم يدفعونه عن الوصول إلى حظائر الغنم، فكيف الوصول إلى النساء والحرم؟!

وخيلاً تغتذي ريح المواميويكفيها من الماء السّراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

تغتدي: من الغذاء والموامي: جمع موماة، وهي الفلاة.

يقول: لاقى دون ثايهم طعاناً وخيلا معودة للقتال، صابرة على الجوع والعطش، حتى تكتفي عن الزرع والعلف، بانتشاق النسيم، وعن الماء بالسراب.

ولكن ربّهم أسرى إليهمفما نفع الوقوف ولا الذّهاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: لكن غزاهم سيف الدولة الذي هو مولاهم وهم عبيده، فلم ينفع منه الوقوف ولا الهرب.

ولا ليلٌ أجنّ ولا نهارولا خيلٌ حملن ولا ركاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: إنهم لما رأوه تحيروا في أمرهم، ولم يسترهم ليل بظلمته، ولا نهار بضيائه، ولم تحملهم خيلهم وإبلهم.

رميتهم ببحرٍ من حديدٍله في البرّ خلفهم عباب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

العباب: صوت الموج. وقيل: عباب كل شيء: أوله.

يقول: رميتهم بجيش كأنه بحر ارتفعت أمواجه لعظمه، ولما عليه من السلاح.

فمسّاهم وبسطهم حريرٌوصبّحهم وبسطهم تراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

روى: فرشهم بدل بسطهم في الموضعين. وفاعل مساهم وصبحهم ضمير البحر الذي هو الجيش.

يقول. أتاهم ليلاً جيشك، وهم على فرش الديباج فأغار عليهم وسلب أموالهم، فأصبحوا جلوساً على التراب، فصار فراشاً لهم! وقيل: أراد أنهم انهزموا، فتبدلوا بعد بسط الحرير، الجلوس على التراب. وهذا قريب من الأول.

قال ابن جني: أراد أن جيشه مساهم فقتلهم فأصبحوا وقد تزملوا بالتراب، وصار بسطهم تراباً بعد ما كان حريراً.

ومن في كفّه منهم قناةكمن في كفّه منهم خضاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: مع شوكتهم، وصبرهم، واجتهادهم، وشجاعتهم، لما رأوك جبنوا وتحيروا، حتى صار الفارس الذي يحمل الرمح كالمرأة التي في يدها خضاب في قلة الغناء والدفع.

بنو قتلى أبيك بأرض نجدٍومن أبقى وأبقته الحراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الحراب: جمع حربة وهي رمح قصير.

يقول: كان آباؤهم استعصوا على أبيك فقتلهم، وفعل بآبائهم ما فعلت بهم أنت الآن، وكان أبو سيف الدولة غزا القرامطة الذين هم في الأحساء وقتل منهم وكسر.

فيقول: هؤلاء بنو الذين قتلهم أبوك بنجد، وأبقاهم أبوك وأبقته رماحه. وبنو: خبر ابتداء محذوف: أي هم بنو قتلى أبيك.

عفا عنهم وأعتقهم صغاراًوفي أعناق أكثرهم سخاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

السخاب: كالثياب، يلبسه الصبيان، وجمعه سخب. وقيل السخاب: القلادة تنظمها الأعراب من القرنفل، أو حب الحنظل.

يقول: إن أباك كان عفا عن هؤلاء وأعتقهم بعد ما ملكهم، وهم صغار في أعناقهم السخب.

وكلكم أتى مأتى أبيهفكلّ فعال كلّكم عجاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: كل واحد منك ومنهم - أي مثل ما فعل أبوه، فأنت عفوت كما عفا أبوك عن آبائهم، وخضعوا خضوع آبائهم، فما حصل منك من الاقتداء بأبيك عجب! وما حصل منهم من الاقتداء بآبائهم من العصيان عجب! وقيل: وفعلت بهم مثل ما فعل أبوك بآبائهم، وأبوك فعل مثل ما فعل جدك بأجدادهم، وكل فعل منك عجب!

كذا فليسر من طلب الأعاديومثل سراك فليكن الطّلاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: من طلب الأعادي والظفر بهم، فليسر إليهم كما سريت إليهم أنت، وكذا: إشارة إلى فعل سيف الدولة.

وسار سيف الدولة نحو ثغر الحدث لبنائها وكان أهلها أسلموها بالأمان إلى الدمستق سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة، فنزلها سيف الدولة يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جماد الآخرة سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة وبدأ في يومه فخط الأساس، وحفر أوله بيده، ابتغاء ما عند الله ﷿، فلما كان يوم الجمعة نازله ابن الفقاس: دمستق النصرانية، في نحو من خمسين ألف فارس وراجل من جموع الروم والأرمن والروس والبلغر والصقلب. والخزر وأصناف رجاله ووقعت المصافة يوم الاثنين انسلاخ جمادي الآخرة من أول النهار إلى وقت العصر، ثم إن سيف الدولة حمل عليه بنفسه ف نحو خمس مئة من غلمانه وأصناف رجاله، فقصد موكبه وهزمه، وأظفره الله تعالى به، وأسر تودس الأعور: بطريق سمندو، وهو صهر الدمستق وقتل نحو ثلاثة آلاف رجل من مقاتلته، وأسر خلقاً كثيراً من اسخلاريته وأراخنته فقتل أكثرهم واستبقى البعض وأقام على الحدث إلى أن بناها، ووضع بيده آخر شرافة منها يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رجب من السنة المذكورة فقال أبو الطيب في ذلك، وأنشده إياها بعد الوقعة بالحدث.

على قدر أهل العزم تأتي العزائموتأتي على قدر الكرام المكارم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

العزائم جمع عزيمة، وهي إمضاء الأمور، وكذلك عزمت على كذا: أي أمضيته. والمكارم: جمع مكرمة، وهي كل فعل محمود.

يقول: عزيمة كل إنسان على قدر همته وشهامة قلبه، إن كان عظيم القدر والخطر، جد أمره ومضت عزائمه، وإن كان الرجل فشلاً اضمحلت وبطلت، وكذلك المكارم: تكون على حسب فاعليها، فهي من الشريف شريفة، ومن الوضيع وضيعة.

وتعظم في عين الصّغير صغارهاوتصغر في عين العظيم العظائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

الضمير في صغارها للمكارم والعزائم.

يقول: الرجل الصغير النفس يستكبر الصغير، والعالي الهمة يصغر في عينه ما يفعله وإن كان عظيماً. ومثله لعبد الله بن طاهر:

إنّ الفتوح على قدر الملوك وهمات الولاة وإقدام المقاديم
يكلّف سيف الدولة الجيش همّهوقد عجزت عنه الجيوش الخضارم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: إن همته عظيمة، وهو يكلف جيشه أن تكون لهم مثل همته، والجيوش الكثيرة تعجز عنه. والهاء في عنه لهمته.

ويطلب عند النّاس ما عند نفسهوذلك ما لا تدّعيه الضّراغم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: يطلب عند الناس من الشجاعة والبأس ما عند نفسه، والأسود تعجز عن ادعاء ذلك، فكيف بالناس؟!

يفدّى أتمّ الطّير عمراً سلاحهنسور الملا أحداثها والقشاعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

النسور: جمع النسر. والأحداث جمع حدث، وهو الحديث السن، والقشاعم: المسنة الطويلة العمر. الواحد قشعم والملا: الأرض الواسعة.

يقول: إن سلاحه أكثر القتلى في البر قديماً وحديثاً، حتى شبع النسور منها، فلم تحتج إلى صيد، فقشاعمها: التي هي المعمرة، تضيف إلى الشكر القديم الشكر الحديث، وأحداثها تثنى عليه بالحديث من لحوم القتلى، فهما يفديان سلاحه ويقولان: نحن الفداء لك؛ لإنعامك علينا بكثرة القتل، إذ في ذلك استراحتها عن طلب الرزق.

وإنما قال: أتم الطير عمراً لأن النسر يعيش على زعم الناس خمس مئة سنة وإنما خص النسور؛ لأنها لا تصيد كما تصيد الجوارح، وإنما تأكل الجيف ولحوم القتلى. روى ابن جني تفدى بالتآء قال: أراد النسور فكأن قال: تفدى النسور سلاحه.

والأظهر في العربية يفدى بالياء لأنه فاعله أتم وهو مذكر وهذا حمل على الظاهر، والأول على المعنى. وعمراً نصب على التمييز وسلاحه نصب لأنه مفعول يفدي ويجوز في نسور الملا الرفع على خبر الابتداء: أي هي نسوء الملا. ويجوز أن تجعله بدلا من قوله: أتم الطير التقدير: تفدى نسور الملا سلاحه وأحداثها من نسور الملا، والقشاعهم معطوف عليه.

وما ضرّها خلقٌ بغير مخالبٍوقد خلقت أسيافه والقوائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

القوائم: جمع قائم وهو قائم السيف.

يقول: لا يضر هذه النسور خلقها بغير مخالب، وألا تصيد كالبازي ونحوه، فإن سيوف سيف الدولة تغنيها عن المخالب وتقوم لها مقامها. وتم المعنى عند قوله: وقد خلقت أسيافه وقوله: والقوائم فضلة لا فائدة فيها إلا إتمام القافية.

وقيل: إنما قال ذلك؛ لأن السيوف لا ينتفع بها إلا بقوائمها، والمراد بنفي المخالب عنها ما ذكرناه أنها ليست مما يصيد كالبازي، تأكل الجيف.

وقيل: لها مخالب. وإنما أراد الفرخ الحدث الذي لا يمكنه الانتفاع بمخالبه، والمسن الذي عجز عن طلب القوت، ودل عليه في قوله: أحداثها والقشاعم.

الثاني: أن معناه ما ضر لو كانت خلقت بغير مخالب مع قيام سيوفه مقامها. وقوله: ما ضرها خلق: فالخلق هو المصدر الحقيقي.

هل الحدث الحمراء تعرف لونهاوتعلم أيّ السّاقيين الغمائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

الحدث: قلعة، وقيل مدينة. وجعلها حمراء؛ لأن سيف الدولة أراق فيها دماء الروم، حتى سالت عليها كالمطر، ودام ذلك حتى نسي لونها الأول.

يقول: فهل تعرف الحدث لونها الأول أم نسيته من طول ما جرى الدماء عليها؟ وهل تفرق بين سيف الدولة الذي سقاها الدم، وبين الغمام الذي سقاها الماء؟ فتعلم أي ساقييها الغمائم.

وقيل: معناه هل تعرف لونها؟ إنها قد حسنت به حالها حين عمرها، وكنت قد خربت قبل ذلك. وقيل: أراد أنه بناها غير البناء الأول، إذا كان بناؤه لها إعادة لا ابتداء فكأنه بناها من الحجر الأحمر، وكانت قبل ذلك بخلافه.

سقتها الغمام الغرّ قبل نزولهفلمّا دنا منها سقتها الجماجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

الغمام: جمع غمامة، ولهذا وصفها بأنها غر وخص الغر، لأنها أغزر وأكثر ماءً.

يقول: كانت السحاب تسقيها الغيث، فلما جاءها سيف الدولة، وقتل فيها الروم فسالت دماؤهم كالمطر السائل من السحاب.

بناها فأعلى والقنا يقرع القناوموج المنايا حولها متلاطم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي: فأعلاها، فحذف المفعول، والواو للحال في قوله: والقنا، وموج المنايا.

يقول: بنى الحدث حتى أتمها وأعلاها، في حالة المطاعنة، وتداخل الرماح بعضها في بعض، والتطام أمواج الموت فيها؛ لكثرة القتل.

وكان بها مثل الجنون فأصبحتومن جثث القتلى عليها تمائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: إنها تروع كل وقت، كما يروع المجنون، وتهدم وقتاً بعد وقت، فكانت لا تستقر، فتشبه بالمجنون، فلما قتل أعداءها ومن كان يطلبها، سكنت كالمجنون إذا علقت عليه التمائم، فصارت جثت القتلى لها كالتمائم.

طريدة دهر ساقها فرددتهاعلى الدّين بالخطّىّ والدّهر راغم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

الطريد: ما أخذه العدو من المال وفاز به.

يقول: كانت هذه القلعة طريدة الدهر قد ساقها وذهب بها الدهر وجعلها للروم، فرددتها على المسلمين الذين كانت لهم من قبل، وأرغمت أنف الدهر وقهرته.

تفيت اللّيالي كلّ شيءٍ أخذتهوهنّ لما يأخذن منك غوارم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

التاء في تفيت للخطاب. والليالي: في موضع نصب بتفيت، ومعناه: كل شيء أخذته الليالي فإنك تفيتها. أي تأخذه منها، وهي إذا أخذت منك شيئاً غرمته لك، وغيرك لا يقدر على ذلك.

وقيل: التاء تاء التأنيث، والليالي: رفع لأنها فاعلة تفيت.

والمعنى: إن ما أخذته الليالي من كل أحد أفاتته ولا ترده عليه، وما تأخذه منك فإنك تغرمه لك.

إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاًمضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

الفعل المضارع يصلح للحال وللاستقبال، والمراد ها هنا: الفعل المستقبل خاصة.

يقول: إذا نويت فعل شيءٍ تم ومضى، وتعجل وقوعه قبل أن يعوقك معوق، فعبر عن المعوق بالجوازم، وعن نفيه بنفي الجوازم، وإنما قال ذلك؛ لأن حروف الجزم كلها تعويق: إما بنفي كلم، أو بنهي نحو، لا تفعل، أو تعلق بالشرط، ولام الأمر للغائب فيه معنى التراخي، ووصول الأمر إليه.

وقيل: أراد بالجوازم ها هنا التي للذي، وجمعه إرادةً للكثرة والتكرير.

والمعنى: أنك إذا نويت أمراً سبقت به نهى الناس، وعذل العذال، وتفعله قبل أن تقول لك الناس: لا تفعل، فيكون مثل قولهم: سبق السيف العذل.

وقيل: أراد به لام الأمر نحو قولك: ليخرج زيد، ومعناه: أنك إذا نويت أمراً تم قبل أن تأمر به، فتقول ليكن كذا فيكون، مثل قوله:

يجيبك قبل أن يتمّ سينه

أو يكون المراد به أنك إذا أمرت بفعل يسبق مضاؤه لحوق هذه اللام به.

وقيل وجه رابع: وهو أن الفعل المضارع إنما يصير ماضياً بدخول لم عليه، والمعنى: أنك إذا نويت أمراً مستقبلاً انقضى ومضى بنفسه، من غير أن يعارضه ما ينفيه من الموانع.

وكيف ترجّى الرّوم والرّوس هدمهاوذا الطّعن أساسٌ لها ودعائم!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: إن الروس والروم كيف يطمعون في هدمها؟ وأساسها ودعائمها دفاعك وطعانك! فإذا كان كذلك فلا سبيل لهم إلى هدمها.

وقد حاكموها والمنايا حواكمٌفما مات مظلومٌ ولا عاش ظالم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: إن الروم والروس حاكموا هذه القلعة إلى المنايا، وجعلوها حاكمةً بينهم وبين القلعة، فكانت هذه مظلومة، والروم ظالمين، تغلبوا عليها وأخذوها من المسلمين ظلماً، فحكمت المنية بموت الظالم وحياة المظلوم، فقتل الروم، وهم ظالمون، وعاش المظلوم وهي القلعة؛ لأنها تخلصت من أيديهم.

وقيل: المظلوم هم المسلمون؛ لأن الروم ظلموهم بأخذها منهم. يعني أنك أخذتها منهم بالسيف والقتل، فكأنك حاكمتهم إلى السيوف فقضت لك بما فعلت.

أتوك يجرّون الحديد كأنّهمسروا بجيادٍ ما لهنّ قوائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: أتوك وعليهم الدروع، وعلى خيلهم التجافيف، كأنها لم تكن لها قوائم.

إذا برقوا لم تعرف البيض منهمثيابهم من مثلها والعمائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

البيض: السيوف. وثيابهم: الدروع والجواشن، والعمائم البيض. وقوله: من مثلها: أي الثياب والعمائم كانت مثل البيض؛ لأنها كانت من الحديد.

يقول: جاءوك في أسلحة تامة، فلم تفرق بين سيوفهم وبينهم، لأن ثيابهم وعمائمهم كانت من الحديد.

وقيل: أراد أن السيوف لم تتميز من لباسهم، لبريقها ولمعانها.

خميسٌ بشرق الأرض والغرب زحفهوفي أذن الجوزاء منه زمازم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

الزحف: السير الهين. والزمازم: جمع زمزمة، وهي كل صوت لا يفهم، وأراد به صوتهم وصليل الحديد، وصهيل الفرس.

يصف كثرة الجيش وأنه ملأ الأرض شرقها وغربها وبلغت زمازمه إلى السماء، والجوزاء مصغية إليه تسمع أصواته. وخص الجوزاء لأنها على صورة إنسان وقد أمال عنقه، فجعلها تسمع إلى أصواته.

تجمّع فيه كلّ لسنٍ وأمّةٍفما يفهم الحدّاث إلاّ التّراجم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اللسن: اللغة. والحداث: المتحدثون. والتراجم: جمع الترجمان.

يقول: إن جيش العدو الذي ملأ الأرض، كان قد تجمع فيه أمم مختلفة اللغات، فلا يفهم بعضهم كلام بعض إلا بالترجمان.

وقيل أراد به جيش سيف الدولة.

فلله وقتٌ ذوّب الغشّ نارهفلم يبق إلاّ صارمٌ أو ضبارم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قوله: فلله وقت في معنى التعجب، والضبارم: الأسد الشديد الغليظ.

يقول: إن وقت الحرب أذاب الغش ناره.

يعني: أن الحرب لما اشتدت فر منها كل جبان فشل عاجز، وتكسر كل سيف غير قاطع، فلم يبق إلا نخب الفرسان، فشبه الحرب بالنار، والجبن بالغش الذي تذيبه النار.

وقيل: أشار بهذا إلى أن خيل سيف الدولة لا تحارب على وجه المسارقة والختل، بل يجاهرون بالمحاربة فعبر عن الختل بالغش.

تقطّع ما لا يقطع الدّرع والقناوفرّ من الفرسان من لا يصادم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لم يبق في ذلك الوقت من السيوف كل سيف لا يقطع الدروع ولا يمسها، وفر من الفرسان كل ضعيف، لا يصادم الأبطال: أي لا يحارب.

وقفت وما في الموت شكٌّ لواقفٍكأنّك في جفن الرّدى وهو نائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: وقفت في مقام من قام فيه لا يشك أنه يقتل، وقد أحاط الموت من كل جانب، حتى كان الردى نائم عنك وأنت قائم في جفنه؛ لإحاطته بك.

شبه إحاطة الردى به بكونه في جفنه، وسلامته بكون الردى نائم عنه.

تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةًووجهك وضّاحٌ وثغرك باسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: وقفت وكانت الأبطال تمر بك، وهي مجروحة منهزمة عابسة الوجوه، وأنت مشرق الوجه ضاحك السن، لم تداخلك حيرة لانهزام أصحابك، ومعرفتك بوجه الأمر في تلك الحالة.

وحكى أن سيف الدولة استنشد أبا الطيب هذه القصيدة وكان معجباً بها، فاندفع أبو الطيب ينشدها فلما بلغ إلى قوله: وقفت إلى آخر البيتين قال سيف الدولة: إن صدر البيتين لا يلائم عجزهما، وكان ينبغي أن تقول:

وقفت وما في الموت شكٌّ لواقفٍووجهك وضّاحٌ وثغرك باسم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةًكأنّك في جفن الرّدى وهو نائم

فقال أبو الطيب: لما ذكرت الموت أتبعته ذكر الردى لتجانسهما، ولما كان وجه الجريح المنهزم لا يخلو من العبوس، وعينه من البكاء قلت: ووجهك وضاح وثغرك باسم للمطابقة بينهما.

تجاوزت مقدار الشّجاعة والنّهىإلى قول قومٍ: أنت بالغيب عالم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

الغرض بالبيت: أن الشجاع يثبت ما دام يطمع في الظفر ويرجو النصر، وكذلك العاقل الحازم، يقف متى رأى مخايل النصر وأمارات الظفر، فإذا اشتد الأمر وأيقن كل واحد بالموت طلب النجاة بالفرار، وسيف الدولة تجاوز هذه المنزلة، فهو يقف في المواقف التي لا يشك الحازم والشجاع في الهلاك فيها، كأنه عالم بالغيب وعواقب الأمور.

وقوله: إلى قول قوم يعني: أن الناس لما رأوا مقامه وثباته في المواطن التي لا يشك أحد فيها بالقتل قالوا: إنه عالم بالغيب! ولولا ذلك لم يقف، وقد فر كل شجاع.

ضممت جناحيهم على القلب ضمّةًتموت الخوافي تحتها والقوادم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: حملت على الميمنة والميسرة فضممتهما على القلب ورددتهما إليه، حتى سقط بعضهم على بعض.

جعل الميمنة والميسرة جناحين وشبه الأبطال المقدمين بقوادم الجناح، والأتباع والحشو بالخوافي.

بضربٍ أتى الهامات والنّصر غائبٌوصار إلى اللّبّات والنّصر قادم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

الباء في بضرب متعلقة، قيل بقوله: تموت.

يقول: نازلت العدو وضربته بالسيف والنصر غائب، فلما بلغ الضرب إلى اللبات قدم النصر.

يصف بذلك سرعة الهزيمة ووقوع النصر بعدها، وأنه كان بين غيبته وقدومه، قدر نزول السيف من الهامة إلى اللبة، فكأنه يقول: لم يصل سيفك إلى نحورهم حتى نصرت عليهم.

وقال ابن جني: يقول. إذا ضربت عدوك، فحصل سيفك في هامته، فلا تعتد ذلك نصراً، حتى يصل السيف إلى اللبة، فحينئذ يكون ذلك نصراً، ولا ترضى بدونه.

حقرت الرّدينيّات حتّى طرحتهاوحتّى كأنّ السّيف للرّمح شاتم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

تركت الطعن بالرماح، ورجعت إلى الضرب بالسيوف، حتى كأنك حقرت الرماح وعدلت عنها إلى السيوف؛ لأنها أنكى في العدو، وكأن سيف رأى عجز الرماح وقلة غنائها فشتمها وعابها.

ومن طلب الفتح الجليل فإنّمامفاتيحه البيض الخفاف الصّوارم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

البيض، الخفاف، الصوارم كلها صفات للسيوف.

يقول: من أراد الوصول إلى الفتوح العظيمة، فإنما يصل إليها بالسيوف، ولما جعل المطلوب فتحاً جعل السيوف مفاتيحه؛ لأن بها يوصل إلى ما وراء الباب من المقاصد.

نثرتهم فوق الأحيدب نثرةًكما نثرت فوق العروس الدّراهم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الأحيدب: موضع، وقيل: اسم الجبل الذي عليه مدينة الحدث.

يقول: إنك قتلتهم في كل موضع من هذا الجبل، ونثرتهم عليه كما تنثر الدراهم فوق العروس.

شبه الأحيدب بالعروس؛ لأنه قد اختضب بالدم، كالعروس في المصبوغات والمجاسد، وشبه القتلى بالدراهم؛ لبياض جثتهم حولها، ونثرهم: بنثرهم الدراهم فوق العروس.

تدوس بك الخيل الوكور على الذّرىوقد كثرت حول الوكور المطاعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: صعدت على رءوس الجبال إليهم فقتلتهم هناك، حتى كثرت المطاعم للطيور في رءوس الجبال، وكانت الخيل تطأ وكور الطير التي كانت في الجبال وحولها القتلى مطروحة. وقوله تدوس بك: أي تطأ وأنت عليها.

تظنّ فراخ الفتخ أنّك زرتهابأمّاتها وهي العتاق الصّلادم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

الفتخ: العقبان، والواحد أفتخ، وفتخاء، وهي عتاق الطير كالبازي والعقاب؛ سميت بذلك للين أجنحتها وانعطافها، والأمات: جمع الأم، فيما لا يعقل، وفيمن يعقل أمهات والمراد بالعتاق: الخيل الكرام والصلادم: جمع صلدم، وهو الفرس الصلب الشديد.

يقول: لما صهلت الخيل ظنت فراخ النسور أنك زرتهن أمهاتهن؛ لاشتباه أصوات الخيل بها في بعض الأوقات، ولذلك قال الاخر:

إذا الخيل صاحت صياح النّسور

وقيل: شبه الخيل بالنسور من جهة السرعة والضمور.

إذا زلقت مشّيتها ببطونهاكما تتمشّى في الصّعيد الأراقم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الصعيد: وجه الأرض. والأراقم: الحيات.

يقول: إذا زلقت الخيل من رءوس الجبال لملاستها وقلة استقرار قوائمها عليها، انسابت فيها على بطونها كما تنساب الحيات في الأرض والتراب.

أفي كلّ يوم ذا الدّمستق مقدمٌقفاه على الإقدام للوجه لائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

وروى أيضاً: أفي كل يوم للدمستق مقدم، أي إقدام.

يقول: الدمستق كل يوم مقبل، فيقدم على لقائك ثم ينهزم من بين يديك، فيلوم قفاه وجهه فيقول: إلى كم تعرضني للجراحة ولا تكتفي بما تقدم من الانهزام؟!

أينكر ريح اللّيث حتّى يذوقهوقد عرفت ريح اللّيوث البهائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: إن الدمستق لا يزال يتعرض لك حتى تقتله أو تأسره، ولو كان له عقل لكفاه ما رأى من شجاعتك وهزمك إياه، والبهائم أعقل منه، لأنها تعرف ريح الليث من بعيد فتتباعد عنه.

وقد فجعته بابنه وابن صهرهوبالصّهر حملات الأمير الغواشم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

الغواشم: جمع غاشمة، وأصله الظلم، وهي ها هنا القهر والغلبة.

يقول: لو كان له تمييز أو عقل، لم يتعرض لك بعد ما رأى من فعلك بابنه، حيث أسرته وقتلت أيضاً صهره وابن صهره.

مضى يشكر الأصحاب في فوته الظّبالما شغلتها هامهم والمعاصم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المعاصم: جمع المعصم، وهو الذراع.

يقول: مضى الدمستق هارباً، وهو يشكر أصحابه حيث شغلوا المسلمين عنه؛ بأن مكنونهم من قتلهم، واستغنت السيوف برءوسهم ومعاصمهم، فكان سبب نجاته ذلك.

ويفهم صوت المشرفيّة فيهمعلى أنّ أصوات السّيوف أعاجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

فيهم: أي في الأصحاب.

يقول: كان الدمستق إذا سمع صليل السيوف في أصحابه عرف ما تفعله، وإن لم يكن لها ألسنة. وأخذ هذا المعنى المعري وشرحه فقال.

وقد تنطق الأسياف وهي صوامتوما كلّ نطق المخبرين كلام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال من عنده:

كفى بخطاب المشرفيّة مخبراًبأنّ رءوساً قد شققن وهام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
يسرّ بما أعطاك لا من جهالةٍولكنّ مغنوماً نجا منك غانم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن الدمستق يسر بما سلم إليك من أصحابه وأمواله؛ لسلامته منك، لأن المغنوم إذا نجا منك كان غانماً.

ولست مليكاً هازماً لنظيرهولكنّك التّوحيد للشّرك هازم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: لست ملكاً كسائر الملوك في فعلك بالدمستق، حتى يقال: ملك هزم نظيره من الملوك، ولكن أنت موحد وهو مشرك، فكأن التوحيد هزم الشرك وقهره، لما ظفرت على الدمستق وقهرته.

تشرّف عدنانٌ به لا ربيعةٌوتفتخر الدّنيا به لا العواصم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

عدنان: أصل العرب. وربيعة: قبيلة سيف الدولة. والعواصم: حصون بالشام، وهي دار ممتلكته.

يقول: إن جميع العرب تتشرف به، لا قبيلته وحدهم، وكذلك الدنيا كلها تفتخر به، لا العواصم التي هي ممالكه.

لك الحمد في الدّرّ الّذي لي لفظهفإنّك معطيه وإنّي ناظم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: الحمد لله. الذي أقوله في شعري ليس هو حمدي إياك، بل هي مكارمك ووصفتها في شعري، وحسن بها قولي، فكأنها در أعطيتنيه فنظمته، فلك المعنى ولي اللفظ، فالحمد لك.

وإنّي لتعدو بي عطاياك في الوغىفلا أنا مذمومٌ ولا أنت نادم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: إنك أعطيتني في عطاياك الخيل، وهي تعدو بي في الحرب، وأقاتل بها بين يديك، فلست أنا مذموماً لتقصيري عن طاعتك وترك القتال بين يديك، ولا أنت نادم على عظم نعمتك علي بالخيل وغيرها من النعم.

وقيل: لست مذموماً بهذا الشكر وذكر عطاياك الكريمة، ولا أنت نادم على ما فعلت من اتصال شكري.

على كلّ طيّارٍ إليها برجلهإذا وقعت في مسمعيه الغماغم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

الغماغم: الأصوات في الحرب. والهاء في إليها يرجع إلى الوغى إذ الحرب مؤنثة.

يقول: تعدو بي عطاياك على كل طائر يطير برجله، خلاف سائر الطير، وأراد به الفرس إذا سمع صوت الحرب طار إليها ولا يقف.

ألا أيّها السّيف الّذي لست مغمداًولا فيك مرتابٌ ولا منك عاصم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لست كسائر السيوف في أنها تغمد مرةً وتصلت أخرى، بل أنت مجرد أبداً، تنصر الدولة وتذب عنها وتحامي دونها، ولا يشك أحد في أنك بهذه الصفة، ومن طلبته لم يعصمه منك عاصم ولم يمنعه مانع. ومرتاب: يجوز أن يكون اسم الفاعل من ارتاب، ويجوز أن يكون مصدراً كالارتياب.

هنيئاً لضرب الهام والمجد والعلاوراجيك والإسلام أنّك سالم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: هنيئاً لهذه الأشياء سلامتك؛ لأن سلامتها بك، وبقاؤها ببقاؤك؛ لأنك تحامي دونها وتذب عنها.

ولم لا يقي الرّحمن حدّيك ما وقىوتفليقه هام العدا بك دائم؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: أنت سيف ماض، تنصر الإسلام ودين الله، وتضرب رءوس أعداء الله تعالى، فكيف لا يقيك الله تعالى كل مكروه؟ ولا يدفع عن حديك كل محذور. ولما جعله سيفاً جعل له حدين. وما في قوله: ما وقى ظرف.

وورد على سيف الدولة فرسان طرسوس وأذنة والمصيصة، ومعهم رسول ملك الروم، في طلب الهدنة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاث مئة.

فقال أبو الطيب يمدحه وأنشدها بحضرتهم وقت دخولهم:

أراع كذا كلّ الأنام هماموسحّ له رسل الملوك غمام؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهمزة في أراع للاستفهام، في معنى التعجب. وراع: أي أفزع. والمفعول: كل الأنام، والفاعل: همام. وكذا أي كما أرى، وهو في موضع نصب؛ لأنه صفة لمصدر محذوف: أي أراع روعاً كذا.

يقول: كيف راع الأنام كلهم رجل واحد؟ حتى تقاطرت إليه رسل الملوك يسألونه الصلح، كما يتقاطر المطر من الغمام. وقوله سح أي أسح؟ على الاستفهام.

ودانت له الدّنيا فأصبح جالساًوأيّامها فيما يريد قيام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: انقادت له الدنيا، وأطاعه أهلها، وهو جالس، وأيام الدنيا تسعى في مراده، وتقوم له قيام الخدم للمخدوم.

إذا زار سيف الدّولة الرذوم غازياًكفاها لمامٌ لو كفاه لمام

اللمام: الزيارة القليلة.

يقول: إذا قصد بلاد الروم كفاهم قليل من إيقاعه بهم، ولكنه لا يرضى إلا بالسبي والقتل وأخذ الممالك.

فتىً تتبع الأزمان في النّاس حكمهلكلّ زمانٍ في يديه زمام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى: خطوة وحكمه.

يقول: إن الزمان يتبع حكمه ويتصرف بإرادته، يذل من أذله ويعز من أعزه فكأن زمام الدهر في يده، يقوده كيف شاء. وقوله: فتى خبر ابتداء محذوف، أي: هو فتى.

تنام لديك الرّسل أمناً وغبطةًوأجفان ربّ الرّسل ليس تنام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: إذا وصلت الرسل إليك سكنت نفوسها، ونامت عيونها لجوارك، وأجفان الذين يرسلونهم لا تنام خوفاً منك.

حذاراً لمعروري الجياد فجاءةًإلى الطّعن قبلاً ما لهنّ لجام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

اعروريت الفرس: إذا ركبته عرياناً بلا سرج. وقبلاً: أي متقدماً إلى أعدائه. وقيل: هو جمع أقبل وقبلاء، وهو الذي أقبلت إحدى عينيه على الأخرى وهو محمود في الخيل؛ وإنما تفعل ذلك لعزة نفسها. وحذاراً: مفعول له. والمعروري: هو الفاعلي من اعروري. وفجاءة: نصب على الحال، وكذلك قبلاً.

يقول: إن أجفان رب الرسل لا تنام حذاراً من ملك يركب الفرس عرياناً لمفاجأته الغزو، ويصرفه بغير لجام.

تعطّف فيه والأعنّة شعرهاوتضرب فيه والسّياط كلام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

فيه أي في الطعن.

يقول: إن هذه الخيل مؤدبة معودةً للحرب، فتنعطف في الطعن ولا أعنة لها سوى شعر أعرافها ونواصيها؛ وكذلك تضرب في حال الطعن، لا بالسياط، بل بالكلام والزجر.

وما تنفع الخيل الكرام ولا القناإذا لم يكن فوق الكرام كرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: إن الخيل الكرام، لا تغنى حتى يكون فوقها كرام. ومثله للبحتري:

وما السّيف إلا مستعار لرينةٍإذا لم يكن أمضى من السّيف حامله
إلى كم تردّ الرّسل عمّا أتوا بهكأنّهم فيما وهبت ملام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إلى متى ترد الرسل عما يلتمسونه من الصلح؟ فكأن سؤالهم إياك عذل العاذل على جودك، فأنت تردهم عما راموه، كما ترد من يعذلك على جودك عن مرامه، ولا تصغي إلى ملامهم. وشبههم باللوم وشبه ردهم برد اللوم.

فإن كنت لا تعطى الذّمام طواعةًفعوذ الأعادي بالكرام ذمام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الذمام: العهد. والطواعة، والطواعية، والطوع: واحد.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.