تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

السيفيات (١٥)

دراكاً: تباعاً. متداركاً. وتقدير البيت: أبصروا الطعن في القلوب دراكاً خيالا قبل ان يبصروا الرماح.

يقول: إنهم تخيلوا الطعن في قلوبهم، لما رأوا مصارع قتلاهم، فانهزموا قبل أن يروا الرماح عياناً.

وإذا حاولت طعانك خيلٌأبصرت أذرع القنا أميالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الأميال: جمع ميل. وهو ثلث الفرسخ.

يقول: إن العدو إذا أراد مطاعنتك رأى رماحك طوالاً، حتى كأنه يرى كل ذراع منها في طول الميل، لما لحقه من الخوف والوهل، فكأنه مأخوذ من قول الله تعالى " يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنْ ".

بسط الرّعب في اليمين يميناًفتولّوا وفي الشّمال شمالاً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

قال ابن جني: هذا مثل قول الله تعالى: " يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنْ " ولم يزد على هذا.

والمعنى: أن الرعب قد ملأ قلوبهم لما عاينوا جيشك، فصور لهم أنه قد اتصل بناحية يمين جيشه يمين أخرى، وكذلك في ناحية الشمال، فرأوه أكثر مما هو، فكأنهم رأوا الرجل رجلين، واليمين يمينين والشمال شمالين، فولوا أدبارهم منهزمين.

وقيل: المعنى أن الخوف قد تسلط عليهم حتى أعجزهم عن القتال، فكأن الخوف بسط في يمين الجيش يمينه وفي شمال الجيش شماله. وهو جيش العدو.

ينفض الروع أيدياً ليس تدريأسيوفاً حملن أم أغلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: إن الخوف ملأ قلوبهم، وكانت أيديهم ترتعد، وهي قابضة على السيوف فكأنها مغلولة.

ووجوهاً أخافها منك وجهٌتركت حسنها له والجمالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

وجوهاً: نصب لأنها معطوفة على قوله: أيديا لفظاً، وهي منصوبة بفعل مضمر معنىً، دل عليه ينفض أي يغير وجوهاً.

يقول: خوفك يغير وجوهاً، ويردها من حال الحسن إلى حال القبح، ولا يلحقك خوف يتغير له وجهك، فكأن وجهك سلب وجوههم حسنها، وانتقل إلى وجهك جمال الوجوه.

والعيان الجليّ يحدث للظّنّزوالاً، وللمراد انتقالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: جاءوا ليهدموا الحدث، ظناً منهم أنهم يقدرون على ذلك، فلما عاينوك بطل الظن، وانتقل المراد إلى غيره، ورضوا من الظفر بالهزيمة.

وإذا ما خلا الجبان بأرضٍطلب الطّعن وحده والنّزالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الهاء في وحده للجبان.

يقول: الجبان إذا خلا بنفسه أظهر الشجاعة، وإذا عاين الحرب انثنى عزمه.

أقسموا لا رأوك إلاّ بقلبٍطالما غرّت العيون الرّجالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: حلفوا أنهم لا يرونك إلا بالقلب وإعمال الفكر، فإن يونهم قد غرتهم، وأرتهم منك خلاف ما جربوه.

أيّ عينٍ تأمّلتك فلاقتكوطرفٍ رنا إليك فالا؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كل عين نظرت إليك تحيرت بجلالك وهيبتك، ولم يمكنها أن تلاقيك، والطرف إذا رنا إليك بقي شاخصاً لا يرجع من النظر إليك..

ما يشكّ اللّعين في أخذك الجيش فهل يبعث الجيوش نوالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: إن ملك الروم لا يشك في أنك تأخذ جيشه وتأسره، ومع ذلك يبعث الجيوش إليك، أفتراه يبعثها إليك هدية وعطيةً؟؟! وحكى ابن جني: أن أبا الطيب كان يرفع اللعين وينصبه على: أعني اللعين.

ما لمن ينصب الحبائل في الأرض ومرجاة أن يصيد الهلالا؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

ومرجاةً: نصب لأنه مفعول معه: أي ماله مع مرجاة. وهي مفعلةٌ من: رجا يرجو.

يقول: من ينصب حبائل في الأرض، كيف يطمع أن يصيد الهلالا؟! وهذا مثل والمعنى: كيف يطمع ملك الروم في قلعة الحدث؟! وهي في بعد المنال كالنجم والهلال.

إنّ دون الّتي على الدّرب والأحدب والنّهر مخلطاً مزيالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الأحدب: اسم جبل وعليه قلعة الحدث. والمخلط من الرجال: من يخلط للقتال. والمزيال: الذي يفارقه. وقيل: المخلط والمزيال: الرجل الداهية، لا يعرف كيف يدخل في الأمر! وكيف يخرج منه! يقول: دون هذه القلعة رجل بصير بالأمور، يقابل وقت القتال، ويزايل وقت الزيال، فهو يحول بين القلعة وبين من يقصدها.

وقيل: المخلط: الذي يخلط بين الجيشين. والمزيال: الذي يميز بينهما، وهي صفة الرجل الشجاع، والمراد به سيف الدولة.

غصب الدّهر والملوك عليهافبناها في وجنة الدّهر خالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

خالا: نصب على الحال.

يقول: إن سيف الدولة قد غصب هذه القلعة من الملوك ومن الدهر: أي خلصها من حوادثه، وبناها وحصنها، فهي تلوح في وجنة الدهر كالخال، فلا يقدر الدهر على أن يزيلها حتى يزول، فهي باقية ما بقي الدهر، لبقاء الخال ببقاء الخد.

وحماها بكلّ مطّرد الأكعب جور الزّمان والأوجالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: منعها من حوادث الزمان، ومن الخوف، بكل رمح مطرد الأكعب أي مستو ليس في كعوبه اختلاف واضطراب.

فهي تمشي مشي العروس اختيالاوتثنّي على الزّمان دلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: هذه القلعة تختال في مشيها، كما تختال العروس، وتتثني دلالاً على الزمان؛ لأنها أمنت أحداثه. وأراد به أهل القلعة.

في خميسٍ من الأسود بئيسٍيفترسن النّفوس والأموالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

بئيس: أي شديد.

يقول: تمشي مشي العروس، في جيش شديد مثل الأسود، فهي تفترس النفوس بالقتل، والأموال بالنهب.

وظباً تعرف الحرام من الحلّفقد أفنت الدّماء حلالا

يقول: إن السيوف التي حولها، تعرف الحلال من الحرام، فهي لا تسفك إلا دماً يحل سفكه: يعني أنها لا تقتل إلا من حل دمه، وظباً: عطف على خميس.

إنّما أنفس الأنيس سباعٌيتفارسن جهرةً واغتيالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الأنيس: الإنس. والاغتيال: الخديعة.

يقول: نفوس الناس مثل السباع يفرس بعضها بعضاً، إما مجاهرة، وإما مخادعة، كما تفعل السباع. وجهرة واغتيالاً: مصدران واقعان موقع الحال.

من أطاق التماس شيءٍ غلاباًواغتصاباً لم يلتمسه سؤالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الغلاب: المغالبة.

يقول: من قدر على مراده بالغصب، لم يطلبه بالسؤال.

كلّ غادٍ لحاجةٍ يتمنّىأن يكون الغضنفر الرّئبالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: من يطلب أمراً يتمنى أن يكون فيه كالأسد في الشجاعة والقهر. والرئبال والغضنفر: اسمان للأسد، وجمع بينهما لاختلاف اللفظين.

وقيل: إن الرئبال بدل من الغضنفر، وقيل صفة له.

وفزع الناس لخيل لقيت سرية سيف الدولة ببلد الروم، فركب وركب أبو الطيب معه فوجد السرية قد قتلت بعض الخيل، وأراه بعض العرب سيفه فنظر إلى الدم عليه وإلى فلول أصابته في ذلك الوقت فأنشد سيف الدولة متمثلاً قول النابغة:

ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهمبهنّ فلولٌ من قراع الكتائب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»
تخيّرن من أزمان يوم حليمةٍإلى اليوم قد جرّين كلّ التّجارب

فقال أبو الطيب مجيباً له في الوقت ارتجالاً.

رأيتك توسع الشعراء نيلاًحديثهم المولّد والقديما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رأيتك توسع الشعراء نيلا»

القديم: من كان في الجاهلة. والمخضرم: الذي أدرك الجاهلية والإسلام. والإسلامي: من ولد في الإسلام إلى وقت بشار. والمولد: من كان في وقت بشار، وهم إلى يومنا، فبشار أبو المولدين وكذلك الحديث.

وقيل: القديم: البدوي. والمولد: الحضري.

يقول: قد عم إحسانك الشعراء السالف منهم والباقي، وحديثهم وما كان بعده بدل من الشعراء.

فتعطي من بقي مالاً جسيماًوتعطي من قضي شرفاً عظيماً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رأيتك توسع الشعراء نيلا»

بقي: لغة طائية.

يقول: تعطي الباقي منهم الأموال الجسيمة، وتعطي الماضي الشرف العظيم وروى عميماً أي ثابتاً.

سمعتك منشداً بيتي زيادٍنشيداً مثل منشده كريماً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رأيتك توسع الشعراء نيلا»

النشيد: الإنشاد. وزياد: اسم النابغة، وأراد بمنشده: سيف الدولة.

يقول: سمعتك تنشد بيتي النابغة، وكان هذا الإنشاد كريماً مثلك.

فما أنكرت موضعه ولكنغبطت بذاك أعظمه الرّميما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رأيتك توسع الشعراء نيلا»

الرميم: البالية، وإنما لم يؤنثه، وإن كان صفةً لأعظمه، لأن الرميم مصدر في الأصل. يقال: رم العظم يرم رماً ورميماً، فلما استعمله صفة لم يؤنثه، كقولهم: رجل صؤوم وامرأة صؤوم.

يقول: لم أنكر موضع النابغة في الشعراء ومحله في الفصحاء، ولكن غبطت عظامه البالية؛ حيث تشرف بإنشادك شعره، فتمنيت أن أكون مكانه.

وقال أيضاً يمدحه وكان قد اجتاز برأس عين سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة، وقد أوقع سيف الدولة بعمرو بن حابس من بني أسد، وبني ضبة ورباح من بني تميم، ولم ينشدها إياه، فلما لقيه دخلت في جملة مدائحه وهي من قوله في صباه:

ذكر الصّبا ومرابع الآرامجلبت حمامي قبل وقت حمامي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ذكر: جمع ذكرى. وروى ذكر الصبا مصدر: ذكرت. والمرابع: جمع مربع، وهو المنزل في أيام الربيع، وقيل: المرعى. والآرام: جمع ريم، وهو الظبي الأبيض.

يقول: تذكرت منازلنا في الربيع، ومنازل مجاورةً، لنساء كالظباء البيض جلبن علي الموت قبل وقته.

وإنما تذكر العرب أيام الربيع؛ لأنهم يخرجون إلى المراعي فيجتمعون مع أحبابهم، فإذا جاء الصيف، رجع كل قوم إلى دارهم، وهاجت صبابة الاشتياق، وتجرعوا مرارة الافتراق.

دمنٌ تكاثرت الهموم عليّ فيعرصاتها كتكاثر اللّوّام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

دمن: خبر ابتداء محذوف، أي هذه المرابع دمن. والدمن: جمع الدمنة، وهي ما يرى من آثار الديار: من الأبوال والأبعار.

يقول: لما وقفت في هذه المرابع، تذكرت أحبابي فيها، فتكاثرت علي الهموم كتكاثر اللوم في وقوفي في تلك العرصات.

وكأنّ كلّ سحابةٍ وقفت بهاتبكي بعيني عروة بن حزام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

عروة بن حزام: أحد العشاق، وصاحبته عفراء.

يقول: عفت آثار هذه المرابع بكثرة الأمطار حتى كأن كل سحابة كان لها بهذه الدمن حبيب، فهي إذا وقفت عليها بكت لتذكره، كما بكي عروة على عفراء، ومثله لأبي تمام:

كأنّ السّحاب الغرّ غيّبن تحتهاحبيباً فما ترقى لهنّ مدامع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألا صنع البين الذي هو صانع»

وقد شبه غزارة المطر بغزارة دمع عروة على عادته في قلب التشبيه

ولطالما أفنيت ريق كعابهافيها، وأفنت بالعتاب كلامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

الكعاب: التي كعب ثدياها.

يقول: إن كانت هذه المرابع قد درست، فطالما خلوت فيها بجارية كاعب، أقبلها وأترشف ريقها، وهي تعاتبني حتى أفنيت ريقها بالترشف؛ وأفنت كلامي بالعتاب.

قد كنت تهزأ بالفراق مجانةًويجرّ ذيلي شرّةٍ وعرام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: قد كنت أهزأ وأجر والمجانة: المجون. والعرام، والعرامة: خلع العذار.

يخاطب نفسه ويقول: قد كنت تستصغر شأن الفراق، وتسخر منه في أيام الوصال وكنت تجر ذيل الشرة والنشاط، ولم تشكر ما أنت فيه من النعمة، حتى بليت بالفراق فعرفت مرارة الاشتياق.

ليس القباب على الرّكاب وإنّماهنّ الحياة ترحّلت بسلامٍ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

يقول: هذه الهوادج التي على الجمال ليست هي القباب؛ وإنما هي حياتي رحلت عني، وكانت حياتي سالمة فذهبت بما فيها من السلامة.

ليت الّذي خلق النّوى جعل الحصىلخفافهنّ مفاصلي وعظامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

لخفافهن: أي لخفاف الركاب.

يقول: ليت الله تعالى لما خلق الفراق جعل مفاصلي، وعظامي تحت خفاف الإبل، حتى يمشين عليها؛ لكرامتهن علي، بسبب من عليها من الجواري.

وقيل: تمنى ذلك ليتلف بسببهن، كي يستريح من الاهتمام بفراقهن، وليتذذ بهذا الموت، بعد علمه بأن الفراق أشد من الموت.

وقيل: معناه ليت الله تعالى لما خلق الفراق أماتني قبل أن أبتلي به، وجعل عظامي حصى تدوسه إبلهم بأخفافها: أي ليتني مت قبل أن أرى الفراق.

متلاحظين نسحّ ماء شئونناحذراً من الرّقباء في الأكمام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

متلاحظين: نصب على الحال من فعل محذوف: أي وقفتا متلاحظين، يلحظ بعضنا بعضاً، وينظر إليه سراً. ونسح: أي نصب والشئون: مجاري الدموع من الناس. وحذراً: نصب على المفعول له وفي الأكمام: متعلق بقوله: نسح. أي نسح في الأكمام.

يقول: وقفنا متلاحظين حال التوديع: نصب دموعنا في أكمامنا خوفاً من الرقباء أن يقفوا على أحوالنا.

أرواحنا انهملت وعشنا بعدهامن بعد ما قطرت على الأقدام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

روى: انهملت وانهلت.

يقول: إن الدموع هي أرواحنا، سالت منا وقطرت على أقدامنا، فكيف عشنا بعد خروج الروح من أبداننا؟؟! وجعل الدموع أرواحاً لأن البكاء يمرض ويتلف.

وقيل: أراد أن دموعهم كانت دماً! والدم إذا كثر خروجه أتلف ومثله لآخر:

وليس الّذي يجري من العين ماؤهاولكنّها نفسٌ تذوب وتقطر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي»
لو كنّ يوم جرين كنّ كصبرناعند الرّحيل لكنّ غير سجام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

السجام: الغزيرة، وهي جمع ساجم.

يقول: لو كانت دموعنا يوم الفراق على قدر صبرنا. لكانت قليلة كقلة صبرنا.

لم يتركوا لي صاحباً إلاّ الأسىوذميل ذعبلةٍ كفحل نعام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

روى: الأسى والأذى والذميل: ضرب من السير. والذعلبة: الناقة الخفيفة، وروى بدلها عرمسة.

يقول: لم يترك الأحباب الراحلون صاحباً لي إلا لحزن، وناقةً خفيفةً أرحل عليها، وأقصد الممدوح، وهي في السرعة كفحل النعام.

وتعذّر الأحرار صيّر ظهرهاإلاّ إليك، عليّ فرج حرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

يقول: قلة الأحرار وتعذرهم حرم علي أن أركب ظهر هذه الناقة إلا إليك، فلا أقصد عليها سواك، كما لا أركب فرجاً حراماً.

أنت الغريبة في زمانٍ أهلهولدت مكارمهم بغير تمام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أنت الغريبة: أي الخصلة الغريبة، أو الحالة الغريبة. وقيل: أدخل الهاء للمبالغة كقولهم: فلان كريمة قومه.

يقول: إن أهل هذا الزمان إذا فعلوا مكرمة لم يتموها، وأنت بينهم غريبة؛ لتمام مكارمك وكمال معالمك.

أكثرت من بذل النّوال ولم تزلعلماً على الإفضال والإنعام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

يقول: أكثرت بذل العطاء وبالغت في الجود والسخاء، حتى صرت في الجود علماً مشهوراً ومثالاً مضروباً، ولم تزل كذلك في قديم الأيام.

صغّرت كلّ كبيرةٍ وكبرت عنلكأنّه وعددت سنّ غلام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

يقول: فعلت كبار الصنائع حتى صغرت كل صنيعة كبيرة! وجل قدرك عن أن يشبه شيء، فيقال: والله لكأنه بحر في جوده، وبدر في علوه، وبلغت هذا المبلغ وأنت في سن الغلام الحدث! واللام في قوله: لكأنه جواب القسم المحذوف لدلالة اللام عليه.

ورفلت في حلل الثّناء وإنّماعدم الثّناء نهاية الإعدام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

رفل الرجل: إذا تبختر في مشيه وجر ذيله؛ فشبه الثناء بالحلل؛ لما فيه من الزينة والجمال، وإنما عندك الإعدام هو عدم الثناء لا عدم المال، فلهذا أبيت الحلل واكتسيت من الثناء الحلل.

عيبٌ عليك ترى بسيفٍ في الوغىما يصنع الصّمصام بالصّمصام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

ترى: أي أن ترى بسيف، أي مع سيف.

يقول: أنت سيف فلا حاجة لك إلى حمل سيف في الحرب، وحمله عيب عليك لأنك أمضى منه.

إن كان مثلك كان أو هو كائنٌفبرئت حينئذٍ من الإسلام!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

أقسم بالبراءة من الإسلام، إن كان له نظير في زمانه، أو سيكون في مستقبل أيامه!.

ملكٌ زهت بمكانه أيّامهحتّى افتخرن به على الأيّام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

زهت: أي زهيت، فأبدل من الكسرة فتحة فصارت الياء ألفاً، ثم سقطت لسكونها وسكون التاء الساكنة بعدها، وهذه لغة طيئ.

يقول: أيامه افتخرت بمكانه فيها على سائر الأيام؛ لأنه كساها فخراً وزادها على الأيام شرفاً.

وتخاله سلب الورى من حلمهأحلامهم فهم بلا أحلام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

من حلمه: أي بحلمه. والأحلام: العقول.

يقول: إذا رأيت عقله وعقل الناس، ظننت أنه سلبهم عقلهم ورأيهم فلا عقول لهم.

وإذا امتحنت تكشّفت عزماتهعن أوحديّ النّقض والإبرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

الأوحدي: منسوب إلى الأوحد.

يقول: إذا جربت عزمه رأيته أوحداً في نقضه وإبرامه، لا نظير له في أفعاله.

وإذا سألت بنانه عن نيلهلم يرض بالدّنيا قضاء ذمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

يقول: إذا استمحنت بنانه، استحقر الدنيا بأسرها في قضاء حقك وحرمة سؤالك.

مهلاً! ألا لله ما صنع القنافي عمرو حاب وضبّة الأغتام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

ألا لله: تعجب. وما: بمعنى الذي، وقيل: استفهام، وأراد عمرو بن حابس، فرخم في غير النداء وهو جائز عند الكوفيين، ولا يجيزه البصريون، والأغتام: جمع الغتم وهو الجاهل الجافي.

يقول: اكفف عن هاتين القبيلتين فقد أوقعت بهم وقعة كبيرة.

لمّا تحكّمت الأسنّة فيهمجارت وهنّ يجرن في الأحكام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

جارت: أي عليهم.

يقول: لما جعلت الرماح حكماً بينك وبينهم، جارت عليهم في حكمها، وعادتها أن تجور إذا حكمت؛ لأنها تقتل الناس.

فتركتهم خلل البيوت كأنّماغضبت رءوسهم على الأجسام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: تركتهم وسط البيوت قتلى، أجساماً بلا رءوس، فكأن رءوسهم غضبت على جسومهم ففارقتها.

أحجار ناسٍ فوق أرضٍ من دمٍونجوم بيضٍ في سماء قتام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

يعني: أن الأرض احمرت بما سال من دمائهم، وهم مصروعون على الدماء كالحجارة على الأرض، وكأن السيوف كانت تلمع في الغبار، كما تلمع النجوم في السماء.

لما جعل الأرض دماً جعل حجارتها القتلى، ولما جعل البيض نجوماً جعل القتام سماء.

ويجوز في أحجار الرفع على إضمار المبتدأ، والنصب على إضمار الفعل: أي أشبهوا أحجاراً، والرفع أجود.

وذراع كلّ أبي فلانٍ كنيةًحالت فصاحبها أبو الأيتام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

وهذا معطوف على قوله: أحجار ناس.

يقول: إنك قتلتهم وفرقت أوصالهم! فهناك ذراع كل إنسان كل يكنى أبا فلان، كأبي زيد وأبي محمد وغيره، فحين قتلته حالت كنيته، فصار يكنى أبا الأيتام.

وكنيةً نصب على الحال من أبي فلان وقيل: على المصدر: أي يكنى كنية. وقدر انفصال كل أبي فلان لأن كل إذا أضيف إلى اسم واحد في معنى الجمع، لا يقع بعده إلا النكرة، فيقال: كل رجل في الدار، ولا يقال: كل زيد. غير أنه قدر الانفصال اضطراراً، فكأنه قال: كل أب لفلان، كما تقول: رب واحد أمه. أي رب واحد لأمه.

عهدي بمعركة الأمير وخيلهفي النّقع محجمةً عن الإحجام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

يقول: عهدت ذلك اليوم خيل الأمير محجمة عن الإحجام: أي مقدمة في الغبار إلى الأعداء؛ لأنها إذا تركت الإحجام فعلت ضده، وهو الإقدام.

صلّى الإله عليك غير مودّعٍوسقى ثرى أبويك صوب غمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

غير مودع: نصب على الحال، دعاء له بالصلاة والرحمة، ولثرى أبويه بالسقيا، ثم قال: لا جعل هذا الدعاء مني وداعاً لك.

وكساك ثوب مهابةٍ من عندهوأراك وجه شقيقك القمقام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

الهاء في عنده يعود إلى اسم الله تعالى. القمقام: البحر، والقمقام: السيد.

يقول: ألبسك الله الهيبة، وجمع بينك وبين أخيك السيد البحر وهو ناصر الدولة وكان أميراً بالموصل.

فلقد رمى بلد العدوّ بنفسهفي روق أرعن كالغطمّ لهام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

روق أرعن: أي مقدمة العسكر. والغطم: البحر.

يقول: إن أخاك قصد العدو بنفسه في جيش عظيم كالبحر، وهو في أول الخيل.

قومٌ تفرّست المنايا فيكمفرأت لكم في الحرب صبر كرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

أي أنتم قوم تفرست: أي تأملت، وكان الوجه فيهم ولهم غير أنه رده إلى المعنى؛ لأنه أبلغ.

يقول: نظرت المنايا فيكم فرأتكم صابرين على الحرب، وعاينت فيكم صبر الكرام، فعدلت عنكم إلى أعدائكم الذين لم يصبروا على الحرب.

تالله ما علم امرؤٌ لولاكمكيف السّخاء وكيف ضرب الهام؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

تالله: قسم وتعجب، وإنما خصت التاء بهذا الاسم لتضمنها معنى التعجب، فمنع التصرف، كما منع فعل التعجب.

يقول: علمتم السخاوة والشجاعة، ولولا أنتم لما علم امرؤ طريق السخاء والشجاعة.

وغزا سيف الدولة من حلب وأبو الطيب معه، وقد أعدوا الآلات لعبور أرسناس فاجتاز بحصن الران وهو في يده، ثم اجتاز ببحيرة سمنين ثم بهنزيط، وعبرت الروم والأرمن أرسناس وهو نهر عظيم لا يكاد أحد يعبره سباحةً إلا جره وذهب به، لشدته وشدة جريه فسبحت الخيل حتى عبرته خلفهم إلى تل بطريق، وقتل من وجه بها، وأقام أياماً على أرسناس وعقد بها سماريات يعبر فيها.

ثم قفل، فاعترض البطريق في الدرب بالجيش، وارتفع في ذلك الوقت سحاب عظيم وجاء بمطر غزير وقع القتال تحت المطر، ومع البطريق نحو ثلاثة آلاف قوس، فابتلت أوتار القسي ولم تنفع، وانهزم أصحابه، ثم انهزم بعد أن قاتل وأبلى، وعلقت به الخيل، فعجل الهرب يحمي نفسه حتى سلم.

فقال أبو الطيب وأنشدها إياه بآمد، وكان دخوله إليها منصرفاً من بلاد الروم في آخر نهار يوم الأحد، لعشر خلون من صفر سنة خمس وأربعين وثلاث مئة.

الرّأي قبل شجاعة الشّجعانهو أوّلٌ وهي المحلّ الثّاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: إن الرأي والعقل أفضل من الشجاعة، لأن الشجعان يحتاجون أولاً إلى الرأي ثم إلى الشجاعة، فإذا لم تصدر الشجاعة عن الرأي فهي التنزي وربما أتت عليه. وروى بدل: الشجعان: الفرسان.

فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مرّةٍبلغت من العلياء كلّ مكان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

مرة: أي أبية. وروى: حرة.

يقول: إذا اجتمع الرأي والشجاعة لنفس واحدة كريمة أبية، بلغت كل مكان من المعالي.

ولربّما طعن الفتى أقرانهبالرّأي قبل تطاعن الأقران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: إن الرأي ربما يغني عن الشجاعة، ويوصل صاحبه إلى الإيقاع بالأعداء والنكاية بهم قبل أن يقع حرب أو قتال.

لولا العقول لكان أدنى ضيغمٍأدنى إلى شرفٍ من الإنسان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

أدنى ضيغم: من الدناءة. وأدنى إلى شرف: من الدنو. والأول اسم كان، والثاني خبره.

يقول: لولا ما خص الله تعالى الناس من العقل، لكان أدنى أسد أقرب إلى الشرف من الإنسان؛ لما للأسد من فضل البأس والإقدام.

ولما تفاضلت النّفوس ودبّرتأيدي الكماة عوالي المرّان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

قوله: ودبرت أي ولما دبرت.

يقول: لولا العقول لما كان لبعض الناس فضل على البعض، وما كانت الأيدي تصرف الرماح، بل تكون هي المدبرة للأيدي؛ لأن لها من المضاء ما ليس للأيدي. فبالعقل صار الإنسان مدبراً لها.

لولا سميّ سيوفه ومضاؤهلمّا سللن لكنّ كالأجفان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: لولا سيف الدولة ومضاؤه، لم يكن للسيوف مضاء حين تسل من أغمادها، بل كانت كالأجفان في قلة الغناء.

خاض الحمام بهنّ حتّى ما درىأمن احتقارٍ ذاك أم نسيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

بهن: أي بالسيوف. حتى ما دري: أي ما دري الحمام. وروى: حتى ما دري على لغة طيئ.

يقول: خاض سيف الدولة الموت بسيوفه حتى ما دري الموت، هل ذاك احتقار منه، أم نسي كونه في الحرب؟!

وجرى فقصّر عن مداه في العلاأهل الزّمان وأهل كل زمان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: وسعى أهل الزمان: أي أهل زمانه. وجرى إلى المعالي فعجز أهل زمانه عن بلوغ شأوه، كذلك كل أهل زمان قبله وبعده.

تخذوا المجالس في البيوت، وعندهأنّ السّروج مجالس الفتيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

تخذت واتخذت بمعنىً.

يقول: إنما قصروا عن بلوغ مداه؛ لأنهم اتخذوا بيوتهم مجالسهم، وهو يجعل مجالسه سروج الخيل، ومثله لعنترة:

وتبيت عبلة فوق ظهر حشيّةٍوأبيت فوق سراة أدهم ملجم
وتوهّموا اللّعب الوغى الهيجاءغير الطّعن في الميدان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: حسب الناس لعبهم بالرماح في الميدان، أنه مثل الطعن في الحرب عند ملاقاة الأقران، وليس الأمر كما قدروا.

قاد الجياد إلى الطّعان ولم يقدإلاّ إلى العادات والأوطان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: قاد الخيل إلى المطاعنة، ولم يكن قوده لها أول مرة، بل قد سبق له أمثالها، وتعودت خيله التردد إلى الروم، ومعارك الحرب، فكأنه يقودها إلى أوطانها التي تعودت الإقامة بها.

كلّ ابن سابقةٍ يغير بحسنهفي قلب صاحبه على الأحزان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

هذه الجياد، وكل ابن فرس سابقة حسن الخلق، إذا نظر صاحبه إليه أغار على ما في قلبه من الحزن بحسنه، وأزاله عن قلبه.

إن خلّيت ربطت بآداب الّوغىفدعاؤها يغني عن الأرسان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: إن أرسلت هذه الخيل، فرابطها آداب الوغى.

يعني: أنها مؤدبة بآداب الحرب، فإذا أرسلت لم تشرد، فتحتاج إلى أن تشد برسن أو شكال، ولكنها متى دعاها صاحبها أقبلت إليه، فيغني دعاؤها عن أرسان تقاد بها.

في جحفلٍ ستر العيون غبارهفكأنّما يبصرن بالآذان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

الهاء في غباره للجحفل.

يقول: قاد جياده في جيش عظيم، قد ثار غباره حتى ستر العيون، وأطبق الجفون من تكاثفه، فكأن هذه الخيل تبصرن بالآذان؛ لأن الغبار لا يطبق الآذان، بل تكون أبداً منتصبة.

يرمى بها البلد البعيد مظفّرٌكلّ البعيد له قريبٌ داني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: يغير بهذه الخيل كل بلد ملك مظفر، كل مرام بعيد له قريب، وكل صعب على غيره، عليه سهل يسير.

فكأنّ أرجلها بتربة منبجٍيطرحن أيديها بحصن الرّان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

منبج: مدينة بالشام. والران من بلاد الأرمن وبينهما مسيرة خمس ليال.

يقول: كأن هذه الخيل لخفتها تكون أرجلها بمنبج وأيديها بحصن الران، فلا يتخلل من مسيرها من منبج إلى حصن الران، إلا مقدار الزمان الذي تتخلله الخطوة الواحدة.

وقيل: أراد بذلك سعة خطوها، فكأنه يقول: إنها تقطع ما بينهما بخطوة واحدة.

حتّى عبرن بأرسناس سوابحاًينشرن فيه عمائم الفرسان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

أرسناس: نهر عظيم في بلاد الروم.

يقول سار بها حتى عبرت هذا النهر سابحةً، وكانت تنشر عمائم الفرسان فوقهن؛ لسرعتهن في السباحة، فتضطرب العمامة لذلك.

وقيل: أراد أن ما يطفو من الماء من جنبي الفرس يعلو إلى أطراف العمائم المسدلة فينشرها. والأول هو الظاهر.

يقمصن في مثل المدى من باردٍيذر الفحول وهنّ كالخصيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقمصن: أي يثبن. والمدى: جمع مدية وهي السكين: يقول: إن هذا النهر يعمل في البدن ما تعمل السكاكين من شدة برده! وتقلصت الخصى وبردت حتى صارت الفحول مثل الخصيان.

والماء بين عجاجتين مخلّصٌتتفرّقان به وتلتقيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: إن الغبار قد ثار على جانبي هذا النهر، فكأن موج الماء يفرق بينهما، فمرة يفترقان ومرة يلتقيان فيتصلان من أحد الجانبين إلى الآخر.

وقيل لأبي الطيب: إنك وصفت برد الماء، وذلك يكون في الشتاء، ثم بالغت في وصف الغبار، والغبار لا يثور على الوجه المذكور في الشتاء، فبينهما تناقض، فقال: إنما وصفت ما عاينت. وفي رواية أخرى: إن ماء هذا النهر يكون في الصيف شديد البرد إلى الغاية.

وقيل: أراد بالعجاجتين: ما يثور من الماء على جانبي الفرس السابح، فإذا شق الماء افترق جانباه ثم تلاقيا من بعد.

ركض الأمير وكاللّجين حبابهوثنى الأعنّة وهو كالعقيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

اللجين: الفضة. والعقيان: الذهب. والحباب: طرائق الماء.

يقول: ركض، وكان الماء في الصفاء كالفضة البيضاء، وثنى عنانه راجعاً. وقد صار كالذهب؛ لما سال إليه من دماء القتلى، واحمر بما خالطه من دماء الروم.

فتل الحبال من الغدائر فوقهوبنى السّفين له من الصّلبان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

الغدائر: الذوائب.

يقول: فتل من شعور من قتل من الروم الحبال الكثيرة، وكذلك بنى مما كسر من الصلبان سفناً يعبر بالسبي والأموال عليها.

وأراد: أنه لو أراد أن يفعل لأمكنه؛ من كثرة ما قتل منهم، وكسر من صلبانهم.

وحشاه عاديةً بغير قوائمٍعقم البطون حوالك الألوان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

العادية: الجارية.

يقول: ملأ هذا النهر بخيل تعدو بلا قوائم، يعني: السفن فهي عقيمة لا تلد كسائر الخيول، وهي سود الألوان؛ لأنها مغبرة، فعبر عن السفن بالخيل، وأخرجه مخرج اللغز.

تأتي بما سبت الخيول كأنّهاتحت الحسان مرابض الغزلان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: هذه السفن كانت تحمل ما سبته الخيول من النساء والولدان، فكأنهن الغزلان والسفن تحتهن كأنها مرابض الغزلان.

بحرٌ تعوّد أن يذمّ لأهلهمن دهره وطوارق الحدثان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: هذا النهر بحر يحفظ أهله، ويحصن من حوله من حوادث الدهر، فلم يقدر أحد على عبوره.

فتركته وإذا أذمّ من الورىراعاك واستثنى بني حمدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: جعلته بعد عبورك به، إذا ضمن لمعشر أن يمنعهم، استثناك وقومك، فيقول: إني أمنعكم من كل أحد، إلا من بني حمدان، فإني لا أمنعكم منهم.

وأراد أن الروم إذا تحصنوا به، لم يقدر أحد أن يصل إليهم إلا أنت وقومك.

المخفرين بكلّ أبيض صارمٍذمم الدّروع على ذوي التّيجان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقال: أخفرته: إذا نقضت عهده، وهذا صفة بني حمدان.

يقول: إن دروع الملوك أعطتهم ذمةً أنها تمنعهم، فهم يخفرون بسيوفهم تلك العهود والذمم، ويهتكون بسيوفهم دروعهم. وذووا التيجان: هم الملوك.

متصعلكين على كثافة ملكهممتواضعين على عظيم الشّان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

الصعلوك: الفقير، والمتصعلك: من يتكلف ذلك.

يقول: هم يتخلقون بأخلاق الصعاليك، ويتطامنون مع ملكهم العظيم، وهم متواضعون مع علو قدرهم وعظم شأنهم.

يتقيّلون ظلال كلّ مطهّمٍأجل الظّليم وربقة السّرحان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

روى ابن جني: يتقيلون وحمله على معنى قولهم: فلان يتقيل أباه: أي يتشبه به. قال: ومعناه أن كل واحد منهم يتشبه بأب كريم، ويتبعه كما يتبع الفرس ظله، ويسبق إلى المجد والكرم، كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم أهلكه، وإذا رأى الذئب شده.

قال: ويجوز أن يكون ويتقيلون من القائلة، يعني: يقيلون في ظل كل فرس مطهم، فوافق في المعنى رواية سائر الناس وروى غيره يتفيئون من الفيء. والمعنى أنهم يستظلون في الهواجر بظلال خيولهم كما يفعله الصعاليك، ولا يدخلون الخيام كما يفعله المتنعمون.

وقوله: أجل الظليم: صفه المطهم، أي أنه إذا عدا خلف الظليم أدركه أجله الذي لا خلاص له منه، وإذا عدا خلف سرحان لحقه، فكأنه قيده، وهذا من قول امرئ القيس.

بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل

وقيل: يمدحهم بالفروسية والثبات على الخيل فيقول: هم لا يفارقون ظهورها بل يلازمونها ملازمة الظلال ويتقيلون يميناً وشمالاً كما تنقلب الظلال.

خضعت لمنصلك المناصل عنوةًوأذلّ دينك سائر الأديان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

العنوة: القهر.

يقول: سيفك قهر كل سيف، فانقادت له السيوف قهراً، ودينك ذل سائر الأديان وقهرها.

وعلى الدّروب وفي الرّجوع غضاضةٌوالسّير ممتنعٌ من الإمكان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

الدروب: جبال الروم، وطرقها. والغضاضة: الذل والقهر. والتقدير وعلى الدروب غضاضة، وفي الرجوع غضاضة.

وقيل: على تعلق بالفعل الذي بعده وهو نظروا أي نظروا على الدروب إلى خليك.

يقول: قهرتهم في حالة صعبة على المسلمين، وذلك حيث لم يمكنهم المقام على الدروب، ولا الرجوع عنها، وكان السير ممتنعاً فدخلت عليك الغضاضة لذلك.

والطّرق ضيّقة المسالك بالقناوالكفر مجتمعٌ على الإيمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: إن الطرق كانت قد ضاقت برماح الروم، وكان الكفر مجتمعاً على الإيمان في تلك الحال، فأذللت الكفر ونصرت الإسلام.

نظروا إلى زبر الحديد كأنّمايصعدن بين مناكب العقبان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: نظر الروم إلى قطع الحديد على الخيل، فكأن هذه القطع عليها، بين مناكب العقبان.

شبه الخيل بالعقبان في سرعتها، والدروع التي على الفرسان والبيض وغيرها كأنها علت العقبان وصعدت بين مناكبها.

وفوارسٍ يحي الحمام نفوسهافكأنّها ليست من الحيوان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: نظروا إلى فوارس يعدون الموت في الحرب حياة؛ لبقاء الذكر، حتى كأنهم ليسوا من الحيوان، لأن الحيوان إذا مات ينسى.

ما زلت تضربهم دراكاً في الذّرىضرباً كأنّ السّيف فيه اثنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

روى: في الذرى أي رءوس القوم، أو رءوس الجبال. وروى: في الوغى وهي الحرب. دراكاً: أي تباعاً.

يقول: ما زلت تضربهم ضرباً في إثر ضرب، متوالياً من دون أن يتخللها، فكأنك تضربهم بسيفين.

وقيل: ما زلت تضربهم ضربةً تعمل عمل ضربتين. يعني: كأن السيف الواحد سيفان، والهاء في فيه راجع إلى الضرب.

خصّ الجماجم والوجوه كأنّماجاءت إليك جسومهم بأمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

خص السيف، أو الضرب رءوسهم ووجوههم دون أجسامهم، حتى كأنك أعطيت أجسامهم أمانك ألا تمسها بضرب.

فرموا بما يرمون عنه وأدبروايطئون كلّ حنيّةٍ مرنان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى يطئون من الوطء بالرجل، وروى: يطوون من طويته. والحنية: القوس. والمرنان: الكثير الرنة. وما يرمون عنه: هو القسي التي كانوا يرمون عنها.

يقول: رموا قسيهم وانهزموا يطئون قسيهم المطوية عند الرمي.

يغشاهم مطر السّحاب مفصّلاًبمهنّدٍ ومثقّفٍ وسنان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قيل: أراد بالمطر: المطر الحقيقي. والمعنى: أصابهم المطر النازل من السحاب، مفصلاً بالسيوف والرماح، كما يفصل العقد بالدر والذهب.

يعني: كما هزمهم السلاح هزمهم أيضاً المطر.

وقال ابن جني: أراد بالسحاب: جيش سيف الدولة. شبهه بالسحاب لكثافته، ولما جعله سحاباً جعل مطره الرماح والسيوف.

حرموا الّذي أملوا وأدرك منهمآماله من عاد بالحرمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: حرموا ما كانوا يؤملونه من الظفر بك، وانهزموا، فمن كان منهم محروماً من أمله الأول أدرك أمله الثاني، من العود إلى أهله، والسلامة من القتل والأسر، وهذا مثل قولهم: من نجا برأسه فقد ربح.

وإذا الرّماح شغلن مهجة ثائرٍشغلته مهجته عن الإخوان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: إنهم جاءوا يطلبون بثأر من قتلت منهم، فلما وقعت الرماح في قلوبهم اشتغلوا بأنفسهم ونسوا إخوانهم الذين يطلبون ثأرهم. وهذا من قول الله تعالى " لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ".

هيهات! عاق عن العواد قواضبٌكثر القتيل بها وقلّ العاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

العواد: الرجوع، وهو مصدر عاود يعاود معاودةً وعواداً وهي ها هنا من: عاود. وروى مكانه: الرجوع والعاني: الأسير.

المعنى كما قال: وأدرك منهم آماله من عاد بالحرمان فقال: ما أبعد عليهم الرجوع! وقد عاقهم عن ذلك سيوفك التي كثرت القتل فيهم، فكان من قتل منهم أكثر ممن أسر.

ومهذّبٌ أمر المنايا فيهمفأطعنه في طاعة الرّحمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

ومهذب: هو سيف الدولة، عطف على قواضب.

يقول: منعهم عن الرجوع إلى ديارهم رجل مهذب صفي من كل عيب، أمر الموت بقبض أرواحهم فأطاعه الموت في طاعة الله تعالى؛ لأن قتلهم طاعةً، وفيه رضى الله تعالى.

قد سوّدت شجر الجبال شعورهمفكأنّ فيه مسفّة الغربان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

الهاء في فيه للشجر. والمسفة: الدانية من الأرض.

يقول: إن شعورهم سودت أشجار الجبال؛ لأنها متعلقة بها، فكأن عمومها الأشجار، غربان دانية من الأرض، واقفة على الأشجار.

وجرى على الورق النّجيع القانيفكأنّه النّارنج في الأغصان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: جرى دمهم على الأوراق، فثمرت به، فأشبه الدم عليها، النارنج على الأغصان.

والمعنى: أن الشعور تعلقت بالشجرة فأشبهت الغربان على الأشجار، والدماء تطايرت فخضبت ورق الأغصان.

إنّ السّيوف مع الّذين قلوبهمكقلوبهنّ إذا التقى الجمعان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: إن السيوف، إنما تعمل إذا كانت مع الشجعان الذين قلوبهم في المضاء كقلوب هذه السيوف عند اجتماع الجيشين.

تلقى الحسام على جراءة حدّهمثل الجبان بكفّ كلّ جبان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

التاء: للخطاب، ومعناه: تلقى أيها السامع السيف القاطع مع جراءته في الحد، غير عامل، إذا كان في يدي الجبان، حتى كأنه جبان مثله.

وقيل: التاء ضمير السيوف.

يعني: أن السيوف التي في أيدي أصحاب سيف الدولة، الذين قلوبهم كقلوبها، تلقى سيوف الروم - مع جراءة حدها - غير قاطعة، فكأنها جبان مثل أصحابها الحاملين لها، وجبن السيوف: قلة المضاء.

رفعت بك العرب العماد وصيّرتقمم الملوك مواقد النّيران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

العماد: عماد البيت، ويعبر به عن الشرف؛ لأن الرجل إذا كان شريفاً، كان عماد بيته رفيعاً. ومنه يقال في المدح: هو رفيع العماد، أي شريف، كثير الرماد. والقمم: جمع قمة، وهي وسط الرأس.

يقول: إن العرب تشرفت بك، وقتلت الملوك، فجعلوا هامهم أثافي لقدورهم.

أنساب فخرهم إليك وإنّماأنساب أصلهم إلى عدنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

عدنان: أبو العرب كلها.

يقول: العرب تنتسب إليك من حيث الفخر، وتنتسب إلى عدنان من جهة النسب: فكما أن عدنان أصل نسبها، فإنك أصل فخرها وشرفها.

يا من يقتّل من أراد بسيفهأصبحت من قتلاك بالإحسان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: أنت تعم الناس بالقتل، فتقتل الأعداء بسيفك، والأولياء بإحسانك؛ من حيث الاستعباد، وأنا من جملة قتلى إحسانك.

فإذا رأيتك حار دونك ناظريوإذا مدحتك حار فيك لساني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: إذا رأيتك تحير ناظري دونك، فلا يمكنني أن أنظر إليك ملء عيني؛ لهيبتك، وكثرة مآثرك، وإذا أردت مدحك حار في وصفك لساني، وعجز عن استيفاء مدحك عبارتي وبياني.

وتحدث بحضرة سيف الدولة: أن البطريق أقسم عند ملكه أن يعارض سيف الدولة في الدرب، ويجتهد في لقائه، وسأله إنجاده ببطارقته وعدده، فخيب الله ظنه وأتعس جده.

فقال أبو الطيب وأنشده إياها بحلب سنة خمس وأربعين وثلاث مئة. وهي آخر قصيدة قالها عند سيف الدولة.

قال ابن جني: قلت لأبي الطيب وقت قراءة هذه القصيدة عليه: إنه ليس في جميع شعرك أعلى كلاماً من هذه القصيدة، فاعترف بذلك وقال: كانت وداعاً.

عقبى اليمين على عقبى الوغى ندمماذا يزيدك في إقدامك القسم؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: عاقبة اليمين على عاقبة الحرب ندامة؛ لأنه إذا حلف على لقاء من لا يقاومه انهزم، وكان انهزامه أشنع، والملامة فيه أوقع، فيكون عاقبة اليمين الحنث واللوم، وعاقبة الحرب الانهزام، وهذا أشد من الانهزام بلا يمين، والقسم لا يزيد شجاعة الإنسان إذا لم يكن في نفسه شجاعة، يمكنه بها مقاومة خصمه. وعلى في قوله: على عقبى الوغى متعلق بلفظ اليمين.

وفي اليمين على ما أنت واعدهما دلّ أنّك في الميعاد متّهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول للبطريق: إن يمينك يدل على تهمتك في نفسك، فيما تعده من الإقدام، فلو كنت تصدق في وعدك لم تحتج إلى اليمين لرفع التهمة.

آلى الفتى ابن شمشقيقٍ فأحنثهفتىً من الضّرب ينسى عنده الكلم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الكلم: جمع كلمة.

يقول: حلف ابن شمشقيقٍ على الإقدام على سيف الدولة، فأحنثه سيف الدولة، وحال بينه وبين مراده، بضرب ينسى عنده الأيمان، فلما ضربه بسيفه نسى يمينه وفر من بين يديه.

وفاعلٌ ما اشتهى يغنيه عن حلفٍعلى الفعال، حضور الفعل والكرم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وفاعل: عطف على فتى.

يقول: أحنثه فاعل يفعل كل ما اشتهاه، لا يحتاج فيه إلى اليمين، بل يغنيه عن اليمين حضور ذلك الفعل الذي أراده، ويغنيه عنها أيضاً كرمه ومضاء عزمه، فهو إذا هم بأمر أمضاه.

كلّ السّيوف إذا طال الضّراب بهايمسّها غير سيف الدّولة السّأم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

السأم: الملال.

يقول: كل السيوف إذا طال عليها الضرب تكل وتعجز عن القطع، إلا سيف الدولة فإنه لا يمل.

لو كلّت الخيل حتّى لا تحمّلهتحمّلته إلى أعدائه الهمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال ابن جني: اختار أبو الطيب في تحمله الرفع لأنه فعل الحال، والنصب جائز على معنى إلى أن لا تحمله.

يقول: لو كلت خيله وعجزت عن حمله إلى أعدائه لكانت هممه وصحة عزائمه تحمله إليهم ليحاربهم.

أين البطارق والحلف الّذي حلفوابمفرق الملك والزّعم الّذي زعموا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

البطارق، والبطاريق: جمع بطريق، وهو القائد للروم. والزعم: أكثر ما يستعمل في القول من غير علم.

يقول: أين يمين قواد الملك حين حلفوا برأسه، وزعموا أنهم يثبتون لسيف الدولة؟!

ولّى صوارمه إكذاب قولهمفهنّ ألسنةٌ أفواهها القمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

فاعل ولي ضمير سيف الدولة ومعناه: فوض إليه. وصوارمه: مفعوله الأول وإكذاب: المفعول الثاني.

يقول: فوض إلى سيفه تكذيب قول البطاريق، فالسيوف بمنزله الأفواه، فكأنها تكلمت في رءوسهم فقال لهم: كذبتم في يمينكم. ووجه التشبيه: أن السيوف تتقلقل فيها فيسمع عند وقعها في العظام ما يعلم منه كذبهم، فينوب ذلك عن قوله لهم: كذبتم.

نواطقٌ مخبراتٌ في جماجمهمعنه بما جهلوا منه وما علموا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: هذه السيوف تنطق في جماجمهم، وتخبرهم عن سيف الدولة ما علموا من أحواله، وما جهلوا من أخباره.

الرّاجع الخيل محفاةً مقوّدةًمن كلّ مثلٍ وبارٍ أهلها إرم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المحفاة: التي أحفاها الركض، يقال: حفى الفرس: إذا رق حافره، وأحفاه فارسه. ووبار من مدائن قوم عاد، خربت، وهي بين اليمن وعمان، والعرب تزعم أنها من مساكن الجن. وإرم: قوم عاد.

يقول: إن سيف الدولة هو الذي يرجع الخيل من الغزو، وقد أحفاها طول السير، حتى نزل فارسها عنها، فقادها رفقاً بها، بعد ما خرب أرض العدو، وأهلك، أهلها فترك تلك الأرض خراباً مثل وبار، وأهلها هلكى مثل إرم

كتلّ بطريقٍ المغرور ساكنهابأنّ دارك قنّسرون والأجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قنسرون: بفتح النون الأولى. قال ابن جني: وكان المتنبي يكسرها. والأجم: موضع. وتل بطريق: مدينة خربها سيف الدولة.

يقول: إنه يخرب أرض العدو ويهلك أهلها كما خرب تل بطريق التي اغتر أهلها ببعدك عنهم وأنك في قنسرين، فقد رأوا أنك لا تقدر على أن تصل إليهم، فقصدتهم وخربت بلادهم.

وظنّهم أنّك المصباح في حلبٍإذا قصدت سواها عادها الظّلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

وظنهم: عطف على قوله: بأن دارك.

يقول: اغتروا أيضاً بظنهم أنك لا تقدر أن تفارق حلب؛ خوفاً من أن تضطرب وتستولي عليها الأعداء، فلا يمكنك العود إليها، فشبهه فيها بالمصباح لأنه ينفي عنها ظلم الفتنة، كما ينفي المصباح ظلمة الليل.

والشّمس يعنون إلا أنّهم جهلواوالموت يدعون إلا أنّهم وهموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.